﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: بخفاياها من النزوات والميول، وعبر عنها بذات الصدور لملازمتها لها.
التفسير
٣٦ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾:
لما ذكر - سبحانه - أَهل الجنة وأَحوالهم ومقالتهم، ذكر أهل النار وأَحوالهم ومقالتهم.
والمعنى: أَن أَهل النار يعذبون عذابًا مستمرًّا بحيث لا يقضى عليهم بموت ثان فيستريحوا بذلك من عذابها مثل قوله - تعالى -: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾. ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾. ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، وهذا لا ينافى تعذيبهم بالزمهرير ونحوه، ومثل هذا الجزاء البالغ الشدة يجازى كل كفور مبالغ في الكفر، لا بجزاءِ أَخف منه وأَيسر.
٣٧ - ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾:
المعنى: أَن الكفار يستغيثون في النار بصوت عال؛ لأَن المستغيث يصيح عاليًا وبه فسره هنا قتادة. ويقولون تحسرا وألمًا على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به، يقولون: ربنا أَخرجنا من النار إلى الدنيا نؤمن بدل الكفر، ونطع بدل المعصية. وعن ابن عباس: أرادوا بالعمل الصالح: لَا إِلهَ إِلاَّ الله ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ جواب من قبل الله - تعالى - وتوبيخ لهم. أَي: أَلم نمهلكم ونعمركم عمرًا يتمكن فيه المكلف من التذكر والتفكر وإن قصر؛ لأَن الحق واضح يستوى في إدراكه من طال عمره ومن قصر، إلاَّ أن التوبيخ في المتطاول أعظم، وقد جاءَ فيه ما أخرجه الإِمام أحمد والبخارى والنسائي وغيرهم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ الله عليه وسلم -: "أَعذر الله تعالى إلى امرئٍ أَخر عمره حتى بلغ ستين سنة". ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾: يحذركم،
стр. 3957
والمراد به جنس النذير، فيشمل العقل والأنبياء وكتبهم، ويؤيده أنه قرئ: "وَجَاءَكُمُ النُّذُرُ" بصيغة الجمع.
وعن ابن عباس، وعكرمة، وسفيان بن عيينة، ووكيع، والحسين بن الفضل، والفراء، والطبرى: هو الشيب، وفي الأَثر: "ما من شعرة تهيض إلَّا قالت لأُختها: استعدى فقد قرب الموت".
﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ الفاءُ في قوله: ﴿فَذُوقُوا﴾، لترتيب الأَمر بالذوق على ما قبلها من التعمير ومجئِ النذير، أَي: فذوقوا العذاب؛ لأَنه معد للظالمين أَمثالكم وليس لكم ناصر ولا معين، والمراد بالظلم هنا الكفر، وأَفادت الجملة استمرار نفي أن يكون لهم نصير يدفع عنهم العذاب.
٣٨ - ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾:
أَي: أَنه - سبحانه - يعلم كل غيب في السموات والأَرض، فلا تخفى عليه أَحوالهم التي اقتضت الحكمة أَن يعاملوا بها هذه المعاملة ولا يخرجوا من النار، ولو أَجابهم وأَعادهم إلى الدنيا لعادوا لما نهاهم عنه: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ تعليل لما قبله؛ لأَنه إذا علم مضمرات الصدور، وهي أخفى ما يكون، فقد علم كل غيب في العالم.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩)﴾
المفردات:
﴿خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أَي: جعلكم خلفًا بعد خلف، وقرنا بعد قرن، ترثون ما بأَيديهم من مال وجاه، والخلف: التالي للمتقدم، والخلائف: جمع خليفة، وهو مطرد في فعيلة.
стр. 3958
﴿إِلَّا مَقْتًا﴾: بغضا وغضبًا.
﴿إِلَّا خَسَارًا﴾: هلاكًا وضلَالًا.
التفسير
٣٩ - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾:
الخطاب في الآية قيل: عام، واستظهره في البحر، وقيل: لأهل مكة.
والمعنى: أنه - سبحانه - أَلقى إِليكم مقاليد التصرف في الأَرض والانتفاع بما فيها من خيرات جمة، وأَباح لكم منافعها المتعددة، وجعلكم تخلفون من قبلكم من الأُمم، وأَورثكم ما بأَيديهم من متع الدنيا، لتشكروه بالتوحيد والطاعة، أَو جعلكم بدل من كان قبلكم من الأُمم الذين كذبوا الرسل فهلكوا، فلم تتعظوا بحالهم، وما حل بهم من الهلاك، فمنْ جحد منكم، وكفر بهذه النعمة العظيمة، وغمطها حقها، ولم يعتبر بما حل بالسابق من الأمم فعليه وبال كفره لا يتعداه إلى غيره، وكل نفس بما كسبت رهينة، ثم بين - سبحانه - وبال كفرهم بقوله: ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ أَي: أن عاقبة كفرهم هي مقت الله الشديد، وخسار الآخرة الذي ما بعده شر ولا إذلال.
وجملة ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ﴾ إلى آخر الآية بيان وتفسير لقوله - تعالى -: ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ ولزيادة تفصيله نزل منزلة المغاير له فعطف عليه.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠)﴾
стр. 3959
المفردات:
﴿أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ﴾ أَي: أخبروني عن آلهتكم الذين أشركتموهم في العبادة.
﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أَي: نصيب في خلقها.
﴿فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾ أَي: حجة ظاهرة.
﴿بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ أَي: أباطيل تغر، وهي قول الرؤساء للأَتباع: إن هذه الآلهة تنفعكم وتقربكم إلى الله .
التفسير
٤٠ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾:
الآية عند الكثير في عبدة الأَصنام، وقيل: في غير عبادة الله صنمًا كان أَو ملكا أَو غيرهما.
والمعنى: قل - أَيها الرسول تبكيتًا للمشركين وإنكارًا عليهم -: أَخبروني عن شركائكم الذين أَشركتموهم في العبادة، ودعوتموهم آلهتكم من دون الله: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أَي: أَخبرونى عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به الشركة أَرونى أَي جزءٍ خلقوا من الأَرض، واستبدوا بخلقه دون الله حتى استحقوا الأُلوهية والشركة، ثم أَضرب عن ذلك فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أَي: بل أَلهم شرك مع الله في خلق السموات ليستحقوا بذلك شركة في الأُلوهية ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا﴾: أَم بمعنى بل والهمزة، أَي: بل أآتيناهم كتابًا ينطق بأَنا اتخذناهم شركاءَ فهم على حجة واضحة من ذلك الكتاب المنزل عليهم بأن لهم شركة معه - سبحانه - خلقًا وبقاءً وتصرفا، حتى يستحقوا ما زعمتم فيهم. وليس الأَمر كذلك فهم لا يملكون من قطمير، وفي هذا رد على من عبد غيره؛ لأَنهم لا يجدون في كتاب من الكتب السماوية أَن الله أمر أَن يعبد غيره فهم لا يجدون تبريرا لما صنعوا، وفيه إيماءٌ إِلى أَن الشرك أَمر خطير سلكوه من غير دليل، ولا بد في إِثباته من تعاضد الدلائل، وهو ضرب من المستحيل.
стр. 3960
وأُسندت الشركة إليهم في قوله - تعالى -: ﴿أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ﴾ أَي: آلهتكم لأَنهم هم الذين جعلوهم شركاء لله - تعالى - واعتقدوهم كذلك من غير أَن يكون له أَصل ما قطعًا.
وقيل: الإِضافة حقيقية؛ لأَنهم جعلوهم شركاءَ لأَنفسهم فيما يملكونه، أَو جعلهم الله شركاءَ لهم في النار كما قال - سبحانه -: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.
ولما تقرر نفى أَنواع الحجج فيما ذكر أضرب عنه بذكر ما حملهم على الشرك فقال - سبحانه -: ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ أَي: إن الذي حملهم على الشرك هو تغرير الأَسلاف للأَخلاف، وإِضلال الرؤساء للأَتباع بأَنهم شفعاءُ لهم عند الله يشفعون لهم بالتقرب إليه، وما هو إلاَّ أباطيل اقترفوها للتغرير والتمويه.
* ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾
المفردات:
﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: بحفظهما كراهة زوالهما، أو يمنعهما، فالإِمساك مجاز عن الحفظ أَو المنع.
﴿أَنْ تَزُولَا﴾: أن تنهدَّا وتضمحلا.
التفسير
٤١ - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾:
قررت الآية السابقة أن الآلهة التي اتخذها المشركون شركاءَ لله، أَو عبدوها من دونه، عاجزة عن خلق شيءٍ من الأَرض والسماء استقلالًا أَو مشاركة، وجاءَت هذه الآية بعدها
стр. 3961
استئنافا يقرر قبح الشرك، ويصور قدرة الله - تعالى - الواضحة بذكر عظمته في حفظ السموات والأرض.
والمعنى: إن من مظاهر قدرة الله - تعالى - الجلية التي لا تنكرها عين، ولا يجحدها عقل، إمساك الله السموات والأَرض وحفظهما ومنعهما أن تنهدًّا، أَو تغيرا مسيرتهما زمانًا أو مكانًا؛ فإِن الممكن حال بقائه لا بد له من حافظ يحفظه، ولا يكون ذلك إلاَّ دائم الوجود - سبحانه - ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ أَي: ولئن أَشرفتا على الزوال بشرك هؤلاء المشركين - ما أَمسكهما من أَحد بعد الله كائنا من كان، أَو بعد زوالهما.
وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ معناه: إن الله - تعالى - عظيم الحلم واسع العفو، ومن جملة ذلك حلمه - تعالى - على المشركين، وتوبته على من تاب منهم مع عظم جرمهم المقتضى لتعجيل العقوبة لهم، وعدم إِمساك السموات والأَرض، وتخريب العالم الذي هم فيه، وكانتا جديرتين أن تهدا هدًّا؛ لشؤم معصيتهم كما في قوله - تعالى -: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ (١).
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال لرجل مقبل من الشام: "من لقيت؟ قال: كعبًا. قال: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: إن السموات على منكب ملك قال: كذب كعبٌ، أَما ترك يهوديته بعد؟ ثم قرأَ هذه الآية:
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾
стр. 3962
المفردات:
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾: حلفوا وبالغوا في الحلف واجتهدوا أَن يأْتوا به على أبلغ ما في وسعهم.
﴿نَذِيرٌ﴾: نبي يبلغهم ويخوفهم.
﴿أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾: أَهدى من كل واحدة من أُمة اليهود، والنصارى وغيرهم، فإحدى بمعنى واحدة، وأُريد بها العموم وإن كانت في الإِثبات لا تعم إلاَّ لاقتضاءِ المقام، أَو المعنى: أهدى من أُمة يقال فيها: إحدى الأُمم بمعنى واحدتها، تفضيلًا على غيرها من الأُمم، كما يقال: واحد قومه، وواحد عصره، وقيل المعنى: أهدى من بعض الأُمم والبعض المبهم قد يقصد به التعظيم، وإِحدى مثله.
﴿نُفُورًا﴾: تباعدا عن الحق وهربًا منه.
﴿اسْتِكْبَارًا﴾: تعاليًا وعتوا عن الإيمان.
﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾: مكر العمل السئِ وهو الشرك، وخداع الضعفاءِ، وردهم عن الإيمان والكيد لرسول الله، وأَصل التركيب: استكبارًا في الأَرض، وأَن مكروا المكر السيئ، ثم أُقيم المصدر مقام أَن والفعل وأضمر فيه الفاعل، وأضيف إلى ما كان صفته.
﴿وَلَا يَحِيقُ﴾: ولا يحيط، من حاق بالشيء إِذا أَحاط به، من باب باع، وقال الراغب: أَي: لا يصيب ولا ينزل.
﴿سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾: طريقة الأَولين وسيرتهم، أَي: سنة الله فيهم بتعذيب مكذبيهم.
﴿تَبْدِيلًا﴾: وَضْع غير العذاب موضع العذاب.
﴿تَحْوِيلًا﴾: نقل العذاب من المكذبين إلي غيرهم.
التفسير
٤٢ - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾:
стр. 3963
بلغ قريشا قبل مبعث رسول الله ﷺ أَن أَهل الكتاب كذبوا رسلهم، فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أَتتهم الرسل فكذبوهم، فوالله لئن أَتانا رسول لنكونن أَهدى من إِحدى الأُمم، ثم كان منهم بَعْدُ ما كان، فأَنزل الله هذه الآية.
والمعنى: حلف مشركو مكة، وبالغوا في الحلف، واجتهدوا أَن يأْتوا به على أَبلغ ما في وسعهم من جهد، لئن جاءهم رسول كما جاءَ اليهود والنصارى يدعوهم إلى عبادة الله ليكونن في تصديقه واتباعه أَهدى من كل أُمة من اليهود ومن النصارى، ومن أَية أُمة بلغت من الطاعة والهداية وحسن الاتباع أَن يقال فيها واحدة الأُمم تفضيلا لها على غيرها، فلما جاءهم نذير أَكرم نذير، وهو أَشرف الرسل محمد ﷺ ما زادهم النذير أو مجيئه إلا نفورا وتباعدًا عن الحق، وهربًا من الإِيمان به.
٤٣ - ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾:
ترتبط هذه الآية بالآية التي قبلها وتُتِم معناها، والمعنى: ما زادهم الرسول أَو مجيئه إلا تباعدًا عن الحق استكبارًا منهم، وتجبرا في الأَرض واستعلاء وإمعانًا في الشرك، ومكر العمل السيئِ الذي يتفننون في تبييته، ويدينون به، ويندفعون فيه من الخداع والصد عن الإيمان والكيد لرسول الله، وإلحاق الأَذى به وبأَصحابه؛ ظانين أَن ذلك سيرد الدعوة، ويضعف شوكة الرسول وصحبه، جاهلين أن وبال مكرهم سينزل بهم، ويذهب بكبريائهم، ويذل استعلاءَهم وعنادهم، ولا يحيط المكر السيءُ ولا ينزل عقابه إلا بأَهله الذين دبَّروه وبيتوه، ومن أَمثال العرب: "من حفر لأخيه جُبًّا وقع فيه منكبا" وعن كعب أنه قال لابن عباس: قرأْت في التوراة: "من حفر مَغْواةً وقع فيها" قال: وَجَدْتُ ذلك في كتاب الله، فقرأَ الآية.
وفي الخبر: "لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا، فإن الله - تعالى - يقول: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾: ولَا تبغوا ولا تعينوا باغيا، فإن الله - تعالى - يقول: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ وقد حاق مكر هؤُلاء بهم يوم بدر، والأُمور بعواقبها ووراءَ الدنيا الآخرة، وصدق قول الله - تعالي -: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ أَي: ما ينتظرون إلا سنة الله - تعالى - فيهم
стр. 3964
بتعذيب مكذبيهم، فلن تجد لسنة الله تبديلا بأن يضع موضع العذاب غير العذاب، ولن تجد لسنة الله تحويلا بأن ينقل العذاب من المكذبين إلى غيرهم؛ فالله عادل لا يضع الشيء في غير موضعه.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾
المفردات:
﴿لِيُعْجِزَهُ﴾: ليمنعه بالقهر والغلبة. ﴿كَسَبُوا﴾: فعلوا من السيئات ﴿دَابَّةٍ﴾: حيوان يدب على الأرض، وقيل: المراد الإنس والجن.
التفسير
٤٤ - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾:
ذكرت الآية السابقة جريان سنة الله - تعالى - على المكذبين من الأمم السابقة بإنزال العذاب بهم وإهلاكهم.
وجاءَت هذه الآية استشهادا وتأْكيدًا لهذا المعنى، وتنويعًا في المحاجَّة بما لا يستطيعون دفعه، ولا يتأَتى منهم إنكاره.
стр. 3965
والمعنى: أقَعَد هؤُلاءِ المشركون في مساكنهم، ولم يسيروا في الأرض، ولم يتنقلوا بين ربوعها فينظروا نظر اعتبار وتأَمل بما يشاهدونه في مسايرهم، كيف كان عاقبة المكذبين من قبلهم من الأُمم السابقة من آثار الدمار، وعلامات الهلاك والخراب عقوبة لهم على معارضة أَنبيائهم وتكذيبهم، وقد كانت هذه الأُمم أَشد منهم قوة، وأَطول أَعمارًا، وأَوسع نعمة، فلم تغن عنهم قوة، ولم يمنعهم طول أَعمار، ولم تدفع عنهم نعمهم من عذاب الله شيئًا، وما كان الله ليمنعه عن مراده أَي شيءٍ في السموات ولا في الأَرض، إنه - جلت قدرته - عليم لا يغيب عن علمه شيءٌ، قدير لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب.
٤٥ - ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾:
كان المشركون من شدة عنادهم، وفساد عقائدهم يتعجلون العذاب الذي يتوعدهم الله به، فأخبر الله - تعالى - في هذه الآية وفي مثيلاتها من الآيات التي تعرض لذكر العذاب وتتوعد به، أَن للعذاب أَجلا مضروبا هو يوم القيامة.
والمعنى: ولو يؤاخذ الله الناس جميعًا، ويعاقبهم بما كسبوا من السيئات، ويعجل لهم العذاب في الدنيا كما فعل بأَسلافهم، ما ترك ولا أَبقى على ظهر الأَرض من دابة تدب، أو نسمة تدرج من إنسان وجن وحيوان، قال - تعالى -: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (١).
قال ابن مسعود: "كاد الجُعْل أَن يعذب في جحره بذنب ابن آدم" فالمراد بالدابة على هذا عموم المخلوقات، وقيل: إن المراد بالدابة المكلفون من الإِنس، ويؤَيده ذكر (الناس) وقوله - تعالى -: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ بضمير العقلاءِ العائد إِلى الناس.
ويوم القيامة هو الأَجل المضروب لبقاءِ نوعهم. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ أَي: فإذا حل يوم القيامة فإن الله بصير بأحوالهم فيجازيهم عند ذلك بأعمالهم، إن شرا فشر، وإن خيرا فخير، ولا يظلم ربك أَحدا.
стр. 3966
سورة يس
وهي مكية وآياتها ثلاث وثمانون
المناسبة بينها وبين السورة التي قبلها أَن السورة التي قبلها ذكرت النذير في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ وفسر النذير بأَشرف الرسل والأَنبياءِ محمد ﷺ فافتتحت سورة "يس" بالقسم على صدق رسالته، واستقامة طريقه، تبكيتًا للمشركين على إعراضهم عنه، وتكذيبهم إياه.
كما أَنها عرضت لبعض ما عرضت له السورة السابقة "فاطر" من حركات الشمس والقمر وغيرهما من الآيات الكونية.
أهداف السورة وأغراضها
ابتدأت سورة "يس" بالحديث عن صدق رسالة محمد ﷺ مؤَكدة رسالته بالقسم: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ثم انتقلت إلى الحديث عن أَحوال المشركين الذين حقت عليهم اللعنة بمعارضتهم الدعوة، فرزحوا في أَغلال الشرك عماه عن الحق، لا يجدى فيهم نصح، ولا يؤَثر معهم إِرشاد أَو توجيه، وخلصت من هذا إلى الإِشارة إلى البعث الذي يلقى فيه كل إنسان عمله في إمام مبين، وكتاب محفوظ.
ثم عرضت الآيات بعد هذا إلى قصة أَصحاب القرية، وشدة مقاومتهم للرسل الذين أُرسلوا إليهم، وقوة لَدَدِهم، وسوء حوارهم معهم، وتطيرهم منهم.
كما عرضت لحوار أَهل القرية مع الرجل الصالح الذي جاءهم من أَقصى المدينة مسرعًا، يدعوهم إلى تصديق الرسل واتباعهم فيما يدعونهم إليه من الهداية التي هم عليها، ولا يبتغون على ذلك نفعًا، ولا يسأَلون أَجرًا، فأوقعوا به ما أَوقعوا مما أَعقبه الجنة والنعيم، وأَوردهم موارد الهلاك والجحيم. ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾.
стр. 3967
ثم انتقلت الآيات إلى عرض صور من مظاهر قدرة الله، ومشاهد حكمته، التي تصرف بها في ملكوت السموات والأرض، وتصنيف النبات، وتسخير الأَفلاك، وتفجير الأَنهار والبحار وتسيير الفلك لنقل الأَحمال والأَثقال، وغير هذا مما تتجلى فيه آيات القدرة، وبدائع الصنعة.
وتنتهى الآيات من هذا إلى غرض يكاد يكون المقصود الأول في سياق السورة وهو البعث ومصائر الخلق بعده، فأَصحاب الجنة في شغل فاكهون، هم وأَزواجهم في ظلال على الأَرائك متكئون، وأَهل الشرك يدفعون إلى الجحيم ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُون، اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ويختم الله على أفواههم.
ثم تعود الآيات إلى مثل ما بدأت من صدق رسالة الرسول، وتنزه قوله عن اللغو لتخلص منه إلى تعداد أَلوان من القدرة تتمثل في خلق الأَنعام وتذليلها، والانتفاع بها وبخيراتها وإنتاجها، وبغير ذلك ممَّا لا يتأتَّى منه شئٌ من آلهة المشركين المزعومة، وتأْتي في هذا على أَعظم ما تتجلى عنه قدرة الله من خلق الإِنسان من ماءٍ مهينٍ، ثم تسويته إنسانًا سويًّا، وخصمًا مبينا، وتنعى عليه نسيان أَصله، وغفلة عقله حين يستبعد العودة إلى الحياة بالبعث، وخلق العظام وهي رميم، وتقرر أَن الله الذي خلقها أَول مرة هو القادر على إحيائها، فقد عرفوا أَنه قادر على أن يجعله من الشجر الأخضر نارًا مضطرمة، وعلى خلق السموات والأرض، فلا يعجزه أَن يعيد خلق الإِنسان، فهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أَهون عليه؛ لأَن أَمره إذا أَراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيءٍ وإليه ترجعون.
وهكذا تدور السورة في تجلية البعث في صور مختلفة تقطع على كل منكر حجته، وتؤَكد لكل عاقل حقيقته.
стр. 3968
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾
المفردات:
﴿الْحَكِيمِ﴾: المتضمن للحكمة، أَو الناطق بها.
﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ المراد بالصراط المستقيم: ما يعم العقائد والشرائع الحقة الشريفة بكمالها.
التفسير
١ - ﴿يس﴾: يصح أن تكون هذه الكلمة من قبيل الحروف المسرودة التي ابتدأَت بمثلها سور أُخرى، مثل: (الم) و (طَسم) وأَمثالها، فيكون الكلام عنها كالكلام الذي قيل في مثيلاتها وبخاصة في أَول سورتَي "البقرة، وآل عمران" وهي على هذا خالية من الإِعراب.
ويصح أن تكون اسمًا للسورة كما نص عليه الخليل وسيبويه، وعليه الأَكثر، وإعرابها على هذا كإعراب سائر التراجم. فهي مرفوعة خبرًا لمبتدإِ محذوف، أَو منصوبة مفعولا به لفعل مضمر، والتقدير: هذه يس - أو اقرأ يس.
وعن ابن عباس ﵄ معناه: يا إنسان في لغة "طئ" قالوا: والمراد به محمد ﷺ كما يشير إليه الخطاب بعده في قوله - تعالى -: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
قال الزمخشري: إن صح هذا فوجهه أَن يكون أَصله: يا أليسين، فكثر النداءُ به على أَلسنتهم حتى اقتصروا على شطره، كما في القسم بـ "مُ الله" في "أيمن الله".
стр. 3969
وقال الآلوسي: وظاهر كلام بعضهم كابن جبير أَن "يس" بمجموعه اسم من أسمائه ﵊ وهو ظاهر قول السيد الحميرى:
يا نفس لا تمحضي بالود جاهدة … على المودة إلا آل ياسينا
ولتسميته ﵊ بهذين الحرفين الجليلين سر جليل عند الواقفين على أسرار الحروف.
٢، ٣، ٤ - ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾:
قوله - تعالى -: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ ابتداءُ قسم، معناه: وأُقسم بالقرآن المحكم، أو المتضمن للحكمة والناطق بها،
وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ جواب للقسم معناه: إنك يا مُحمد لمن المرسلين الذين أَرسلهم الله لهداية أقوامهم بدعوتهم إلى الحق، وتوجيههم إلى سبل الخير، والجملة لرد إنكار المشركين المنكرين لرسالته، المتمثل في كثير من كلامهم في مثل قولهم: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾. وفي مثل ما سبق في سورة "فاطر" مما يشعر بأَنهم في قمة العناد، من قوله - تعالى -: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾.
وفي القسم بالقرآن أَولا، ووصفه بالحكمة ثانيًا تنويه بقدره، وإشادة بشأْنه على أكمل وجه، وأَوفى بيان.
وقوله - تعالى -: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خبر ثان داخل في حيز القسم، أَي: إنك يا محمد لمن المرسلين، وإنك على طريق مستقيم بالغ ذروة الكمال في الاستقامة، والبعد عن الزيغ والانحراف، قائم على العقائد الصحيحة، والشرائع الحقة الشريفة بكمالها، وتضمنها كل خير للإِنسان والإِنسانية كما يفهم من التنكير المفيد للتعظيم والتفخيم، والمقصود من هذه الآية التنويه بشأْنه ﷺ وإعلاءُ قدره، وتقرير أَنه على السنة المثلى والطريق السوي، فإن أَحدا من أَهل النظر لا يجهل أَن المرسلين جميعًا على صراط مستقيم.
стр. 3970
﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾
المفردات:
﴿لِتُنْذِرَ﴾: لتخوف وتعظ.
﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾: لقد ثبت ووجب القول بالعذاب.
التفسير
٥، ٦ - ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾:
قوله - تعالى -: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾: استئناف لإظهار فخامة القرآن الإضافية بعد بيان فخامته الذاتية بالقسم به، ووصفه بالحكمة.
والمعنى: نزل هذا القرآن تنزيلا على محمد من الله العزيز في ملكه، الرحيم بخلقه.
ولهذا قال الله في شأْنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
وفي تخصيص الاسمين الكريمين المعبرين عن الغلبة الكاملة، والرحمة الشاملة مزيد من التنويه بفضل القرآن الكريم، وسمو مرتبته.
وقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾: تعليل للتنزيل متعلق به، أَي: نَزَّل هذا القرآن العظيم العزيزُ الرحيمُ؛ لتخوف به يا محمد قومًا لم ينذر ولم يخوف بمثله آباؤُهم الأَقربون، لتطاول مدة الفترة عليهم حتى تغشاهم الجهل. وران على قلوبهم الكدر فهم غافلون لا تستشعر قلوبهم رسالة، ولا تستشرف لرسل قبله حتى أصبحوا في الحاجة الملحة إلى من ينذرهم ويرشدهم تخويفًا من عذاب الله، وطمعًا في رحمته.
стр. 3971
وقيل: إن المعنى لتنذر قومًا الإنذار الذي أنذر بمثله آباؤهم الأقدمون في عهد إبراهيم وإسماعيل ﵉ فنسوه وغفلوا عنه، فـ (ما) هنا في قوله: ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ مصدرية وليست نافية.
وهناك وجه غفل عنه معظم المفسرين، وهو أن رسالة إسماعيل ﵇ كانت للعرب العاربة، أَما العرب المستعربة الذين نشأُوا من ذرية إسماعيل فلم يأتهم رسول قبل محمد ﷺ وقريش من ذريتهم.
٧ - ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
أَي: والله لقد ثبت القول بعدم الإيمان على أكثر هؤلاءِ المشركين بسبب إصرارهم على الشرك، وإعراضهم عن إِجابة الرسول، وعدم تأَثرهم بالإنذار، والتذكير، وغلوهم في العتو والعناد، حتى صح فيهم قول القرآن على لسان إبليس: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ متفرع على إصرارهم على الشرك، وتماديهم في العناد والمعنى: فهؤُلاء مصرون على الشرك إلى الموت، مختارون له لا ينتظر منهم امتثال، ولا يرجى، لهم إِيمان باختيارهم، ولهذا هداهم الله إليه بفتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾
المفردات:
﴿أَغْلَالًا﴾: جمع غل، وهو القيد الذي يوضع في العنق، تشد به اليد إلى العنق.
стр. 3972
﴿مُقْمَحُونَ﴾: رافعو رءُوسهم، غاضُّو أَبصارهم، من: قمح البعير إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب.
﴿سَدًّا﴾: حاجزًا ومانعًا.
﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾: غطينا أَبصارهم وأَعميناهم.
التفسير
٨،٩ - ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ. وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾:
هاتان الآيتان وما بعدهما تأكيد لمعاني الآية السابقة، وتقرير لتصميم المشركين على شركهم، وعدم إذعانهم للحق بتمثيل حالهم بحال من جعلت الأَغلال في أَعناقهم منتهية إِلى أَذقانهم، فلا تدعهم يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أَعناقهم نحوه، ولا يطأْطئون رءُوسهم له فهم مقمحون رافعون رءُوسَهم غاضون أبصارهم بحيث لا يكادون يرون الحق، أو يلتفتون إلى جهته.
وقوله - تعالى -: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾: من تمام التمثيل وتكميله، أَي: وجعلنا مع ما ذكر من الأَغلال أَمامهم سدًّا عظيمًا، ووراءَهم سَدًّا مثله. فأَغشيناهم بذلك، وغطينا أَبصارهم فهم لا يقدرون على إبصار شيءٍ أَصلا لا من أَمامهم ولا من خلفهم.
ويصح أَن يكون تمثيلا مستقلا، فإن جعلهم بين سدين هائلين يغطي أبصارهم بحيث لا يبصرون شيئًا، ويعطي صورة جديدة تنم عن كمال فظاعة حالهم، وكونهم محبوسين في مطمورة الغيّ والجهالات محرومين من النظر والانتفاع بالأَدلة والآيات.
وقيل: الآيتان في بني مخزوم، وذلك أَن أَبا جهل حلف لئن رأَى محمدا ﷺ يصلي ليرضخن رأسه، فأَتاه وهو يصلي، ومعه حجر ليدمغه، فلما رفع يده انثنت إِلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد، فرجع إلى قومه فأَخبرهم.
стр. 3973
والأولى أَن تبقى الآية على عمومها متممة لسياق الآيات قبلها وبعدها، ولا مانع أَن يكون أَبو جهل ضمن ما اشتملت عليهم من المشركين الذين حق القول على أَكثرهم، وتكون الآية من قوله - تعالى -:
١٠ - ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
بيانًا لشأنهم بطريق التصريح إثر بيانه بطريق التمثيل، أَي: ويستوي عند هؤُلاء المشركين المصرين على الكفر إنذارك إياهم وعدم إنذارك فقد اختاروا لأَنفسهم، وحق عليهم العذاب والنكال.
وقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ استئناف مؤكد لما قبله، موضح لإجمال ما فيه الاستواءِ.
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾
المفردات:
﴿تُنْذِرُ﴾: تخوف وتبلغ. (الذِّكْرَ): القرآن.
﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ أَي: خاف عقاب الله قبل حلوله، أَو من غير أَن يراه، أَو خافه في سريرته، ولم يغتر برحمته.
﴿نُحْيِ الْمَوْتَى﴾: نبعثهم من موتهم يوم القيامة للحساب.
﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾: ونكتب ما أَسلفوا من أَعمال صالحة وغير صالحة.
﴿وَآثَارَهُمْ﴾: أعمالهم التي تبقى بعد موتهم.
﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾: بيناه وحفظناه، وأَصل الإحصاء العد للحفظ.
﴿إِمَامٍ مُبِينٍ﴾: أَصل عظيم، مظهر لما كان وسيكون، وهو اللوح المحفوظ.
стр. 3974
التفسير
١١ - ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾:
لما قررت الآية السابقة أَن إنذار الرسول وعدمه سواء فيمن أَصر على تنكب طريق الصواب ناسب أَن تجئَ هذه الآية لتجلية حقيقة من ينتفع بأُسلوب التذكير من القلوب اللينة، والنفوس الخصبة التي تحسن اتباع القرآن خشية من الرحمن، وجاءت الآية بعدها لبيان أَن الله هو الذي يحيي موات القلوب، كما يحيي الموتى، وذلك حين يجئُ أَوان الهداية، وقد حدث ذلك عند فتح مكة.
والمعنى: إِنما يجدى الإِنذار، ويؤْتى ثماره، ويتحقق نفعه، وتظهر آثاره مع من اتبع القرآن وتدبره، وأَدام فكره ونظره فيه، وتأَمل معانيه، ولم يصر على اتباع خطوات الشيطان، وخشي الرحمن بالغيب، فخاف عقابه قبل حلوله ومعاينة أهواله، أَو خشى الرحمن وهو غائب عنه، أَو خشي الرحمن وتحاشى معصيته في سريرته، كما يتحاشاها في علانيته وجلوته، فمن كان هذا حاله، وذاك سلوكه، فهو حري أَن يبشره بمغفرة واسعة؛ وأَجر كريم عظيم، لا يقادر قدره، ولا يخضع للتقدير حَزْره.
١٢ - ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾:
تنتهي الآيات السابقة كلها بهذه الآية تذييلا عامًا ينتظم المصممين على الكفر، والمنتفعين بالإنذار والتخويف ترهيبًا وترغيبا، ووعيدًا ووعدًا، وإيذانًا بأَن الله الذي سوف يحيى موتاهم عند البعث، سيحيى موات قلوبهم حينما يجئُ أَوان هدايتهم، وقد تم ذلك في السنة الثامنة من الهجرة حيث أَسلموا جميعًا عند فتح مكة.
والمعنى: إنا نحن - وحدنا دون غيرنا - القادرون على أَن نحيى الموتي جميعًا المؤْمنين منهم والكافرين، المصدقين بالبعث منهم والمكذبين، ونبعثهم يوم القيامة للحساب والجزاءِ، ونكتب ونثبت ما قدموا وأَسلفوا من الأَعمال الصالحة وغير الصالحة، ونحفظها لهم، ونثبت آثارهم التي يبقى بعد موتهم ثوابها من الحسنات: من علم علَّموه،
стр. 3975
أَو كتاب ألَّفوه، أَو نبع أَجروه، أَو أَرض وقفوا غلتها على الفقراء والمعوزين، أَو غير ذلك من نواحي البر ووجوه الخير، كما نثبت آثارهم السيئة التي يبقى بعد موتهم شرها وضرها من القوانين الظالمة التي سنوها، والعادات القبيحة التي اعتادوها واعتادها الناس تبعًا لهم، والمظالم التي ارتكبوها، وغير ذلك من ضروب الشر، وأَلوان الفساد والمنكر.
أَخرح ابن أَبي حاتم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله ﷺ : "من سَنَّ سنة حسنة فله أَجْرُها وأَجرُ مَن عمل بها من بعده من غير أَن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سنَّ سنةً سيئةً كان عليه وِزْرُها ووزر مَن عمل بها من بعده لا ينقص من أَوزارهم شيئًا، ثم تلا: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾.
وفسر بعضهم الآثار بالخُطى إِلى المساجد، مستظهرين على ذلك مما أَخرجه عبد الرزاق وابن جرير، وابن المنذر، والترمذي وحسنه عن أبي سعيد الخدرى - قال: كان بنو سلمة في ناحية من المدينة فأَرادوا أَن ينتقلوا إِلى قرب المسجد فأَنزل الله - تعالى -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾: فدعاهم رسول الله ﷺ فقال: "إنه يكتب آثاركم ثم تلا عليهم الآية فتركوا".
والأَظهر أَن تحمل الآثار على ما يعم الخطى إِلى المساجد، وغير ذلك من الأَعمال الصالحة والطالحة ويترجح ذلك بأمور:
١ - أَن الآية تذييل عام لكل ما سبقها من آيات.
٢ - أَن السورة مكية، واعتبار هذه الآية في بني سلمة يجعلها مدنية بين آيات السورة كلها.
٣ - أَن قصارى ما يفيده الخبر اعتبار الخطى إِلى المساجد من الآثار التي يبقى ثوابها بعد موت صاحبها، وتعميم ذلك خير من تخصيصه.
وقوله - تعالى -: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ معناه: وكل شيء من الأعمال كائنا ما كان قليلًا أَو كثيرًا، عظيمًا أَو صغيرًا، نافعًا أَو ضارًّا، بيناه وحفظناه في إمام مبين، وأَصل عظيم الشأْن مظهرًا لما كان وما سيكون، وهو اللوح المحفوظ الذي يؤْتم به ويقتدى، ويتبع ولا يخالف.
стр. 3976
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾
المفردات:
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾: ضرب المثل يستعمل تارة في تطبيق حالة غريبة بحالة أُخرى مثلها كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا … ﴾ الآية، وتارة أخرى في ذكر حالة غريبة وبيانها للناس من غير قصد إِلى تطبيقها بنظيرة لها.
﴿الْقَرْيَةِ﴾ قيل: إنها إنطاكية ﴿فَعَزَّزْنَا﴾: قوينا ودعمنا.
﴿الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: التبليغ الواضح.
التفسير
١٣، ١٤ - ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ. إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾:
انتقلت الآيات إلى قصة أصحاب القرية وحوارهم مع الرسل الذين أَرسلهم الله تأْييدًا لعيسى، كما أرسل هارون تأْييدًا لموسى ﵇ وذلك تسلية للرسول ﷺ وتخويفا للمشركين من مغبة إصرارهم على العناد والكفر.
стр. 3977
والمعنى: واجعل يا رسول الله أَصحاب قرية إِنطاكية مثلا لهؤُلاء المشركين، وطبق حال أُمتك وسلوكهم معك ومثِّلْه بحالهم من الغلو في الكفر، والإصرار على تكذيب الرسل، وما انتهى إِليه أَمرهم من الهلاك، طبق هذا وقِسْهُ حتى يدركوا عاقبة سوء فعلهم، ومآل كفرهم وعنادهم.
ومعنى ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ أَي: وقت أَن جاءَ أَهلها المرسلون الذين أَرسلهم الله تأييدًا لعيسى ﵇ يدعون إِلى توحيد الله، واختصاصه بالعبادة، وترك عبادة غيره.
وقوله - تعالى -: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾: تفصيل للإجمال في قوله: ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾.
ومعنى ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ أَي: وقت أَن أرسلنا إليهم رسولين هما: "يحيى، وبولس" - على ما قيل - وقوله تعالى -: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ يشير إِلى إيجاز في الأُسلوب مفاده: فأَتياهم فدعواهم إِلى الحق فكذبوهما فعززناهما وقويناهما برسول ثالث هو "شمعون" - على ما قيل - فقال ثلاثتهم لأَهل القرية: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ ندعوكم لعبادة الله دون غيره من الآلهة العاجزة التي لا تنفع ولا تضر، وجاء قولهم: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾: مؤكدا يناسب حالهم وتكذيبهم للرسولين الأَولين.
١٥ - ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾:
أَي: قال أَصحاب القرية إنكارًا لقول الرسل لهم: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾: ما أَنتم في أَية حال من أَحوالكم إلا بشر منا ومثلنا فأَنى لكم مزية موجبة لاختصاصكم بهذه الدعوة، والارتفاع إِلى مستوى القيادة علينا والدعوة لنا.
ثم يتدرجون في الإِنكار عليهم وتكذيبَهم بإِثبات البشرية لهم، فينكرون أَن يكون الله - تعالى - قد أَنزل شيئًا مما يدعونهم إِليه من الوحي والرسالة، ثم يترقون من ذلك إِلى تكذيبهم تكذيبًا مباشرًا صريحًا بقولهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ بأُسلوب يحصرهم في إطار الكذب والاختلاق، ويسجل عليهم التمادي فيه.
стр. 3978
١٦ - ١٧ - ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ. وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾:
أَي: قال الرسل لأَهل القرية: ربنا وحده يعلم حقيقة رسالتنا، وصدق دعوتنا، ويعلم إنا إليكم لمرسلون لتبليغكم الرسالة، ودعوتكم إِلى التوحيد، يردون بذلك تكذيب أهل القرية ويسفهون قولهم بإشارات ثلاث:
أَولا: بإِسناد علم الرسالة إِلى الله - تعالى - ردا على قولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ وهو أسلوب جرى مجرى القسم مع ما فيه من تخويفهم، وتحذيرهم معارضة علم الله.
ثانيا: بإعادة القول بتأْكيد إرسالم إليهم مع اختصاص الله بعلمه، وأَنهم لا ينكرونه إلا عنادا ومكابرة.
ثالثا: ببيان أَن مهمتهم تبليغ الرسالة تبليغا واضحًا بالآيات الشاهدة على صدقه، وأنهم بهذا التبليغ قد خرجوا عن عهدته، فلا مؤَاخذة لهم من جهة الله - تعالى - سواءٌ صدقوا أَو كذبوا.
﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)﴾
المفردات:
﴿تَطَيَّرْنَا﴾: تشاءَمنا، وأَصل التطير: التفاؤُل والتشاؤُم بالطير.
﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾: لنرمينكم بالحجارة حتى تموتوا.
стр. 3979
﴿لَيَمَسَّنَّكُمْ﴾: ليصيبنكم.
﴿أَلِيمٌ﴾: موجع.
﴿طَائِرُكُمْ﴾: سبب شؤمكم.
﴿مُسْرِفُونَ﴾: مجاوزون الحد في العصيان مستمرون عليه.
التفسير
١٨ - ١٩ - ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ. قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾:
تطور حوار أَهل القرية مع الرسل من مجرد التكذيب والإِنكار إِلى الشتم والتهديد، والتوعد المقترن بالقسم، قالوا لما ضاقت عليهم الحيل، وعييت بهم العلل، وانسدت أَمامهم أَساليب الجدل - قالوا - للرسل جريا على عادة الجهال: إنا تشاءَمنا بوجودكم، وضقنا من قولكم، ثم أَتبعوا ذلك قولهم توعدا مؤَكدا بالقسم، والله لئن لم ترجعوا عن دعوتكم، وتمسكوا عن مقالتكم، لنرمينكم بالحجارة وليصيبنكم منا عذاب أليم، وإيذاءٌ موجع لا يقادر قدره.
قيل: إن سبب التطير انقطاع المطر عنهم، أَو انتشار الجذام فيهم - والله أَعلم بصحة ذلك - ورد عليهم الرسل، قالوا: طائركم وتشاؤُمكم ملازم لكم، نابع من قبح أعمالكم، وسوء عقيدتكم، وما فعلنا معكم ما يقتضي تشاؤُما، أَو يثير ضيقا، سوى أَن ذكرناكم وخوفناكم عذاب ربكم، ودعوناكم لما فيه سلامتكم وسعادتكم، وليس في ذلك ما يقتضي تشاؤُما، بل أنتم قوم مسرفون ومتجاوزون الحد في الظلم والعتو، ممعنون في الشرك تعيشون فيه وتقيمون عليه، والمصائب التي حاقت بكم من سوء أَعمالكم.
стр. 3980
﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾
المفردات:
﴿أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾: أَبعد مكان فيها.
﴿رَجُلٌ﴾ قيل: هو حبيب النجار.
﴿يَسْعَى﴾: يعدو مسرعا في عدوه ومشيه.
التفسير
٢٠ - ٢١ - ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾:
انتقلت الآيات من حوار أهل القرية مع الرسل إِلى حوار بين رجل من أَهل القرية وقومه تنويعا في أُسلوب التأْسية، وتوسيعا في صور التسلية للرسول ﷺ وأَصحابه.
والمعنى: وجاءَ من أَبعد موضع في المدينة رجل من أَهلها يسرع في عدوه، ويجد في سيره إثر تورط قومه في تهديد الرسل، وارتفاع أصواتهم بتوعدهم، ينصحهم حرصا على هدايتهم، وخوفا على الرسل منهم، قال بنداء يتأَلف به قلوبهم: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ أَي: صدقوا وأَجيبوا المرسلين الذين أَرسلهم الله لدعوتكم وهدايتكم، وتحريركم من الشرك، وعبادة الأَوثان.
стр. 3981
﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أَي: أَجيبوا دعاء من لا يبتغون من وراء دعوتكم أَجرا ولا يطلبون على إجابتها نفعا ولا كسبا، وإنما يقومون بها امتثالا لأَمر الله، ورجاءً في هدايتكم وإرشادكم إِلى ما فيه استقامة دنياكم، وسعادة آخرتكم، وحسبكم في صدقهم وتصديقكم لهم أنهم يدعونكم لما هم مهتدون إليه، طامعون أَن يكون لكم من الخير والهداية ما يرجونه لأَنفسهم دون أَن يطلبوا على ذلك أَجرا، وذلك دليل على صدقهم.
قال وهب: كان حبيب مجذوما ومنزله عند أقصى باب من أبواب المدينة، وكان يعكف على عبادة الأصنام سبعين سنة، وكان يدعوهم لعلهم يرحمونه، ويكشفون ضره، فما استجابوا له: فلما أَبصر الرسل دعوه إِلى عبادة الله، فقال: هل من آية؟ قالوا: نعم، ندعو ربنا القادر يفرج عنك ما بك، فقال: إن هذا لعجيب!!! أدعو هذه الآلهة سبعين سنة تفرج عني فلم تستطع، فكيف يفرجه ربكم في غداة واحدة؟؟ فقالوا: نعم، ربنا على ما يشاءُ قدير!! وهذه لا تنفع شيئا ولا تضر، ودعوا ربهم فكشف الله عنه كأن لم يكن به بأس، فآمن وأقبل على التكسب، فإذا أمسى تصدق من كسبه، فأَطعم عياله نصفا، وتصدق بنصف. فلما هم قومه بقتل الرسل جاءَ فنصحهم - والله أعلم بصحة هذا الخبر.
﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾
стр. 3982
المفردات:
﴿فَطَرَنِي﴾: خلقني وابتدأ وجودي، من: فطر البئر إذا ابتدأَ حفرها.
﴿تُرْجَعُونَ﴾: تردون من الموت إِلى الحياة بالبعث.
التفسير
٢٢ - ٢٤ - ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ. إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾:
هذه الآيات وما بعدها استمرار من الرجل في حوار قومه مع التلطف والملاينة في إرشادهم بإيراده في معرض المناصحة لنفسه، حيث أَراهم أَنه اختار لهم ما اختار لها مع التعريض بهم والتقريع لهم على ترك عبادة خالقهم إِلى عبادة غيره.
والمعنى: وأَي شيء أَصابني؟ وأَي سفه خالط عقلي حتى أُمسك عن عبادة ربي الذي ابتدأ خلقي، وابتدع وجودي ووجودكم، وله مرجعي ومرجعكم نرجع إليه بالبعث فيجازينا بأعمالنا خيرا وثوابا أَو شرا وعقابا؟
ومعنى قوله - تعالى - حكايته عنه: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً … ﴾ إِلى آخر الآية أيستقيم لي ويتأَتى في عقلى أَن أَتخذ من دون الله آلهة غيره، أَعبدهم وأَدين لهم، إن يردني بضر، ويقدره علي؛ لا تغني شفاعتهم عني شيئا من النفع، ولا تقدر أَن تخلصني
стр. 3983
وتنقذني مما أَراده لي وقدره علي بالنصرة والمظاهرة، إني إذا فعلت ذلك لفي ضلال مبين وهلاك أَكيد؛ لأن إِشراك ما ليس من شأْنه جلب النفع، ولا دفع الضر، بالخالق القادر الذي لا قادر غيره ولا خير إلا خيره، سفه بين وضلال واضح.
﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾
التفسير
٢٥ - ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾:
الخطاب في هذه الآية يحتمل أَن يكون من الرجل للرسل بعد أَن نصح قومه بما نصحهم به، فهموا بقتله، فأسرع نحو الرسل قائلا: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وأَكده لإظهار صدوره عنه بكمال الرغبة، وصادق اليقين، وأضاف الرب إِلى ضميرهم لزيادة التقدير كأنه قال: بربكم الذي أَرسلكم إِلينا والذي تدعوننا إِلى الإيمان به.
ومعنى ﴿فَاسْمَعُونِ﴾: فاسمعوا إيماني، وسجلوه علي، واشهدوا لي به عند ربكم وربي. ويحتمل أَن يكون الخطاب من الرجل لقومه شافههم به إظهارا للتصلب في الدين،
стр. 3984
وعدم المبالاة بهم، وإضافة الرب إِلى ضميرهم لبطلان ما هم عليه من اتخاذ الأَصنام أَربابا، ويقال: إنهم قتلوه بعد أَن وقف في صف الرسل وقفة متينة.
٢٦ - ٢٧ - ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾:
اشتملت الآيتان على جوابين عن سؤَالين مقدرين:
الأَول: كيف كان لقاؤه ربه بعد هذا التمسك بالدين، وقتل قومه له؟؟.
والجواب: قيل له: ادخل الجنة جزاءً موفورًا على صدق إِيمانك، وسخائك بروحك ويكون ذلك تبشيرًا له بدخولها، ووعدا له بها وأنه من أَهلها.
الثاني: فماذا قال بعد نيله تلك الكرامة، وتلقيه هذه البشرى؟؟.
والجواب: تمنى علم قومه بحاله ليحملهم ذلك على اكتساب مثله بالرجوع عن الكفر، والدخول في الإيمان إِشفاقًا على قومه أَو ليعلموا أَنهم كانوا على خطأ عظيم في أَمره وأَمرهم، وأَن عداوتهم له لم تكسبه إلا سعادة ونعيما.
ومعنى ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾: يا ليت قومي يعلمون بمغفرة ربي لي بإيماني به وتركي عبادة الأَصنام وأَنه أَعقبني بذلك هذا الفوز العظيم، والمراد تعظيم رحمته، وتفخيم مغفرته تعالى.
وبالجملة فقد تمنى الرجل أَن يعلم قومه حاله، وعاقبة أمره لقاءَ إِيمانه، وصدق يقينه وتصلبه في دينه، وسخائه بروحه فداءً لعقيدته، وانتصارًا لرسله حتى استحق أَن يكون من جملة المكرمين من الله المبشرين بجنته، الموعودين بنعيمه في حظيرة قدسه، ودار أُنسه، ومستقر رحمته.
стр. 3985
* ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾
المفردات:
﴿صَيْحَةً﴾: صوتا قويا.
﴿خَامِدُونَ﴾: ميتون خامدون كما تخمد النار.
التفسير
٢٨ - ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾:
ذكر الله في الآيات السابقة أنه جاءَ رجل من أَقصى المدينة (مدينة أَنطاكية على ما ذكره كثير من المفسرين) - جاء - يسعى ليحث قومه على اتباع المرسلين الذين لا يطلبون أَجرا على إرشادهم ونصحهم وهم مهتدون، فلما نصحهم، وثَبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه فقيل له - من عند الله جزاءً على إيمانه، وحسن دعوته إِلى الله -: ادخل الجنة فدخلها، فلما شاهد ما شاهد من إكرام الله له قال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ ليؤْمنوا كما آمنت، وهكذا: نصح هذا الرجل المؤمن قومه في حياته بقوله: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ وتمنى أَن يعرفوا حُسْنَ جزائه بعد مماته ليؤْمنوا وذلك بقوله: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ فما أعظم هذا الرجل، فقد كان حريصا على هداية قومه حيا وميتا.
стр. 3986
وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾: يخبر الله - تعالى - أَنه انتقم من قومه بعد قتلهم إيّاه، غضبا منه عليهم، لأَنهم كذبوا رسله وقتلوا وليّه، ويذكر أَنه ما أَنزل على قومه ملائكة لإهلاكهم، بل كان الأمر أيسر من ذلك، ومعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ أَي: وما ينبغي في حكمتنا أَن ننزل في إهلاك قوم هذا الرجل - الذي يسميه كثير من المفسرين حبيبا - ما ينبغي في حكمتنا أَن ننزل جندا من السماء؛ لأَن الله - تعالى - أَجرى هلاك كل قوم على بعض الوجوه دون بعض بناءً على ما اقتضته الحكمة، ألا ترى إِلى قوله - تعالى -: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ (١) وكأنه أَشار بقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا﴾. ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ إِلى أَن إنزال الجنود من السماء من عظائم الأُمور ولا يليق إِنزالها إلا من أَجلك يا محمد، كما حدث في غزوتي بدر والخندق انتصارا لك من قومك، وما كان ينبغي أَن نفعل ذلك من أجل غيرك.
٢٩ - ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾:
أَي: ما كان إهلاكهم وعقوبتهم إلا بصيحة واحدة أَرسلناها عليهم فإذا هم ساكنون سكون الميت كالنار الخامدة، وفي ذلك تحقير لهم وتقليل لشأنهم، روى أَن الله - تعالي - بعث عليهم جبريل فصاح بهم صيحة فماتوا، ذكره الآلوسي وغيره، وفي التعبير بإذا الفجائية في قوله - تعالى -: ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ ما يشير إِلى سرعة هلاكهم بحيث كان مع الصيحة.
ولقد ذكر بعض المفسرين أَن هذه القرية التي أَهلك الله أَهلها (أنطاكية) كما تقدم ذكره، ويرى ابن كثير أَنَّ أهل (أنطاكية) (٢) كانوا أَول أَهل بلد آمن بالمسيح
стр. 3987
﵇ ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأَربعة التي فيها "بطارقة" وهي:
١ - القدس ٢ - أنطاكية ٣ - الإسكندرية ٤ - روما
فعلى هذا يتبين أَن هذه القرية المذكورة في القرآن قرية أُخرى غير أَنطاكية المعروفة كما قال بذلك غير واحد من السلف. اهـ ابن كثير.
﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾
المفردات:
﴿يَا حَسْرَةً﴾ الحسرة: الغم والندم.
﴿الْقُرُونِ﴾: جمع قرن والمراد بهم: القوم المقترنون في زمن واحد.
التفسير
٣٠ - ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾:
نداء للحسرة تنزل بهم كأنما قيل لها: تَعالى يا حسرة فهذه من أَحوالك التي حقك أَن تحضري فيها، وهي حال استهزائِهم بالرسل الذين جاءُوهم ليخرجوهم من الظلمات إِلى النور.
والمعنى: أنهم أَحقاءُ بأَن يتحسر عليهم المتحسرون عن الملائكة والمؤمنين من الثقلين، ويجوز أَن يكون من الله على سبيل المجاز لتهويل ما جنوه على أنفسهم وفرط إِنكاره له؛ لأَنهم ما يأْتيهم رسول من الرسل إلا كانوا به يستهزئون، ومنه يسخرون، وبما جاءَهم
стр. 3988
به من الحق يكذبون ويجحدون، والحسرة كما قال الراغب: الغم على ما فات والندم عليه، والمراد بالعباد مكذبو الرسل ويدخل فيهم المهلكون المتقدمون دخولا أَوَليا.
٣١ - ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾:
أَي: أَلم يعلموا فيتعظوا بمن أَهلك الله قبلهم من القرون الماضية والأُمم السابقة المكذبين للرسل وهم كثيرون، أَلم يروا كيف قضينا أَنهم إليهم لا يرجعون، وليس لهم في هذه الدنيا كرة ولا رجعة، ولم يكن الأَمر كما زعم كثير من جهلتهم من قولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (١) وهم القائلون بالدور من الدهرية وغيرهم من الذين يعتقدون أَنهم يعودون إِلى الدنيا كما كانوا فيها، يحكى عن ابن عباس ﵄ أَنه قيل له يوما: إن قوما يزعمون أَن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، فقال: بئس القوم نحن: نكحنا نساءَه وقسمنا ميراثه، أَما تقرءُون: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.
٣٢ - ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾:
بيان لرجوع الكل إِلى المحشر بعد بيان عدم الرجوع إِلى الدنيا، أَي: ما كل الأُمم السابقة واللاحقة إلا مجموعون لدينا مقهورون على الحضور إلينا يوم القيامة فنجازيهم بأَعمالهم كلها خيرها وشرها، وهذا كقوله - تعالى -: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٢)، وفي الآية دليل على أَن المهُلَك عقابا لا يترك بل يعذب في الآخرة على كفره فوق ما ناله من عقاب في الدنيا.
стр. 3989
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾
المفردات:
﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾: المجْدبة.
﴿فَجَّرْنَا﴾: شققنا.
﴿الْأَزْوَاجَ﴾: الأَنواع والأَصناف، وقال قتادة: الذكر والأُنثى.
التفسير
٣٣ - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾):
أَي: ودلالة قوية لهم على وجود الصانع وقدرته التامة وإحيائه للموتى، الأَرض الجدباءُ تراها ميتة هامدة لا شيءَ فيها من النبات، فهذا أَنزلنا عليها الماءَ اهتزت وربت وأَنبتت وأَخرجنا منها حبا فمنه يأْكلون.
وتقديم لفظ (منه) في قوله - تعالى -: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ للدلالة على أَن الحَبَّ هو الشيءُ الذي يرتبط به معظم العيش، فكأَنه لا مأْكول سواه، فإذا قلَّ الماءُ جاءَ القحط ووقع الضرر، وإذا فقد جاءَ الهلاك ونزل البلاءُ.
٣٤ - ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾:
وأَنشأْنا في الأَرض جنات - حدائق - وبساتين من: نخيل وأعناب وغيرهما، وخصهما
стр. 3990
بالذكر لأنهما غذاءٌ ودواءٌ وفاكهة، وشققنا فيها من عيون الماء ما ينبت الشجر، ويخرج الزهر وينضج الثمر.
والجنات: جمع جنة - وهي كما قال الراغب - الجنة - كل بستان ذي شجر يستر بأَشجاره الأَرض، وقد تسمى الأَشجار الساترة جنة، من الجَنِّ وهو الستر.
٣٥ - ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾:
أَي: وجعلنا فيها جنات ليأكلوا مما خلق الله فيها من الثمر، وليأْكلوا من الذي عملوه وصنعوه بأَيديهم، والمراد به: ما يتخذ من الثمر كالعصير والدبس وغيرهما، وقال الزمخشري: وما عملته أيديهم من الغرس والسقي والآبار وغير ذلك من الأعمال إِلى أَن بلغ الثمر منتهاه، وإِبَّان أَكله، يعني أَن الثمر في نفسه فعل الله وخلقه، وفيه آثار من كد بني آدم.
ويجوز أَن تكون (ما) نافية في قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ والمعنى: وما عملت الثمر أيديهم فهو من خلق الله، وأثر ذلك عن ابن عباس والضحاك وغيرهما.
﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ إنكار واستقباح لعدم شكرهم للمنعم بالنعم الكثيرة، وحث ودعوة إِلى شكر المتفضل، ويكون الشكر بالتوحيد، والعبادة، وحسن الثناء على الله، والاعتراف بآلائه.
٣٦ - ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾:
استئناف مسوق لاستعظام ما ذكر في الآيات الكريمة قبلها من بديع آثار قدرته، وأَسرار حكمته، وروائع نعمائه، الموجبة لشكره، والمقصود من قوله: ﴿سُبْحَانَ … ﴾ تنزيه الله - تعالى - عن كل نقص وتخصيصه بالعبادة، والتعجيب من إخلالهم بذلك والحال هذه.
والمعنى: تنزيها وتقديسا لله الذي خلق الأَشياءَ كلها على سنن: الذكورة والأُنوثة من النبات والإِنسان ومما لا يعلم الناس، قال - تعالى -: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١).
стр. 3991
فهو - سبحانه - جعل قانون الذكورة والأُنوثة في مخلوقاته كلها، سواءٌ في ذلك النباتات والحيوانات والبشر، وفيما لا يعلمه الناس من الأَحياء غير المنظورة من أَزواج لم يطلعهم الله عليها ولا توصلوا إِلى معرفتها بطريق من طرق العلم، ولا يبعد أَن يخلق الله على هذا النحو من الخلائق ما لم يجعل للبشر طريقا إِلى العلم به، لأَنه لا حاجة بهم في دينهم ودنياهم إِلى ذلك العلم، ولو كانت بهم إليه حاجة لأَعلمهم بما لا يعلمون قال - تعالى -: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١).
وفي الإِعلام بكثرة أنواع ما خلق - ما علموه وما جهلوه - ما يدل على عظم قدرته واتساع ملكه.
وقال الراغب: (الأَزواج): جمع زوج، ويقال لكل واحد من القرينين ولكل ما يقترن بآخر مماثلا له أَو مضادا، وكل ما في العالم زوج من حيث إن له ضدا أَو مماثلًا ما، بل لا ينفك بوجه من تركيب صورة ومادة وجوهر وعرض. اهـ: آلوسي.
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾
المفردات:
﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾: ننزع من مكانه الضوءَ ونزيله ونفصله فيظلم.
стр. 3992
﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾: لحد معين من فلكها تنتهي إليه في آخر السنة، وسيأْتي تفصيل أكثر.
﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾: قدرنا سيره في منازل ومسافات، والمنازل جمع منزل، والمراد به المسافة التي يقطعها القمر في يوم وليلة.
﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ العرجون القديم: أَصل شمراخ النخل القديم وهو اليابس الذي دق وانحنى واصفر.
﴿ذَلِكَ﴾ قال الراغب: مجرى الكواكب.
﴿يَسْبَحُونَ﴾: يسيرون ويدورون.
التفسير
٣٧ - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾:
بيان لقدرته الباهرة في الزمان بعد ما بينها في المكان، أَي: وعلامة دالة على توحيد الله وقدرته ووجوب ألوهيته: الليل ننزع ونفصل عنه النهار الساتر له، ونكشف ونزيل الضوءَ عن مكانه، فإِذا الناس داخلون في الظلام المشتمل عليهم من كل جانب، المحيط بهم من كل جهة.
٣٨ - ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾:
أَي: وآية أُخرى لهم الشمس تجرى لمستقر لها، أَي: لحد لها مؤقت تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة، شبه بمستقر المسافر إذا قطع سيره، أَو لمُنتهَى لها من المشارق والمغارب فذلك حدها، ومستقرها؛ لأَنها لا تعدوه، أَو لحد لها من مسيرها كل يوم في رأي عيوننا وهو المغرب، وقيل: مستقرها: أَجلها الذي أَقر الله عليه أمرها في جريها فتستقر وينقطع جريها وهو يوم القيامة.
﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ذلك الجري على هذا التقدير والحساب الدقيق الذي تَكل الفِطَنُ عن استخراجه وتتحير الأَفهام في استنباطه ما هو إلا تقدير الغالب بقدرته على كل مقدور، المحيط علمه بكل معلوم.
стр. 3993
٣٩ - ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾:
والقمر جعلناه بتدبير محكم وتنظيم دقيق منازل، يبدو أَول الشهر ضئيلا، ثم يزداد نوره حتى يكتمل بدرا، ثم يأْخذ في النقصان في أَواخر سيره حتى يعود في مرآه كأَصل الشمراخ إذا قدُم فدق وانحنى واصفر.
٤٠ - ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾:
إن الله - تعالى - قسم لكل واحد من الليل والنهار قسما من الزمان، وضرب لهما حدا معلومًا، ودبَّر أَمرهما على التعاقب، فلا ينبغي للشمس التي هي آية النهار أَي: لا يصح ولا يستقيم لها أَن تدرك القمر الذي هو آية الليل فتجتمع معه في وقت واحد، وتداخله في سلطانه، فتجعل الليل نهارًا، ولا الليل بظلامه غالب النهار فيجعله ليلًا.
وكل واحد من الشمس والقمر في مجراه الذي حدده الله له يسيران فيه كالسابح في الماء، ويدوران حسب النظام الذي وضعه الله، ولا يزال الأَمر على هذا الترتيب إِلى نهاية العالم حيث تطلع الشمس من مغربها في آخر الزمان، وجعلت الشمس غير مدركة والقمر غير سابق؛ لأَن الشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة، والقمر يقطع فلكه في شهر فكانت الشمس جديرة بأَن توصف بالإِدراك لتباطؤ سيرها عن سير القمر، والقمر خليقًا بأَن يوصف بالسبق لسرعة سيره في رأي العين.
﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾
المفردات:
﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾: أولادهم، وقال الطبري: من نجا من ذرية آدم، وسيأْتي بيان ذلك.
﴿الْمَشْحُونِ﴾: المملوءِ.
﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾: فلا مغيث لهم من الغرق.
стр. 3994
التفسير
٤١ - ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾:
وآية أُخرى لهم أنا حملنا بني الإنسان في السفن المملوءَة بهم الموقرة بأَمتعتهم وبأَرزاقهم قيل: المراد بالفلك المشحون: سفينة نوح ﵇ ومعنى حمل الله ذرياتهم فيها أَنه حمل فيها آباءَهم الأَقدمين وفي أَصلابهم هم وذرياتهم، وإنما ذكر ذرياتهم؛ لأَنه أَبلغ في الامتنان عليهم وأدخل في التعجب من قدرته في حمل أَعقابهم إِلى يوم القيامة في سفينة نوح ﵇ قال الإِمام: يحتمل عندي أَن تخصيص ذريتهم بالذكر لأَن الموجودين المخاطبين من أَهل مكة بهذا كانوا كفارا لا فائدة في وجودهم، أَي: لم يكن العمل حملا لهم وإنَّما كان حملا لما في أَصلابهم من المؤمنين - ذكره الآلوسي - والآية تحتمل العبرة والنعمة والإِنذار.
٤٢ - ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾:
وخلقنا لهم من مثل الفلك ما يركبون عليه وهي الإبل فإِنها سفائن البر لكثرة ما تحمل وقلة كلالها في المسيرة، وإطلاق السفائن عليها شائع معروف في اللغة كما قيل: "سفائن بَرٍّ والسرابُ بحارها"، وفسره مجاهد بكل ما يركب، وقيل: هي السفن والزوارق التي كانت بعد سفينة نوح - قال النحاس: وهو أصحها لأَنه متصل الإِسناد عن ابن عباس. اهـ: قرطبي.
٤٣ - ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾:
وإن نشأْ إِغراقهم في الماءِ بما اكتسبت أَيديهم، وبما اجترحوا من سيئات، وعملوا من موبقات، مع ما حملناهم فيه من الفلك فلا مغيث لهم يحفظهم مما نزل بهم ولا هم ينجون من الغرق بعد وقوعه.
٤٤ - ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾:
أي: لا يغاثون ولا ينفذون لشيءٍ من الأَشياءِ إِلا لرحمة عظيمة من قبلنا، داعية إِلى
стр. 3995
الإِغاثة والإِنقاذ وتمتيع بالحياة إِلى زمان قدر فيه انتهاء آجالهم، حسبما تقتضيه الحكمة ومن هنا أَخذ أَبو الطيب قوله:
ولم أُسلم لكي أَبقى ولكن … سلمت من الحِمام إِلى الحِمام (١).
فنحن لا نغرقهم إلا رحمة منا بهم لنمتعهم إِلى أجل قدرناه لهم.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾
المفردات:
﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾: خافوا واحذروا مثل عذاب الأُمم التي قبلكم.
﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾: عذاب الآخرة، وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾: ما تقدم من ذنوبكم.
﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾: ما يأْتي منها.
التفسير
٤٥ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾:
بيان لإعراضهم عن الآيات التنزيلية بعد بيان إعراضهم عن الآيات الآفاقية التي كانوا يشاهدونها ولا يتأَملون فيها، أَي: وإِذا قيل لأَهل مكة بطريق الإِنذار بما نزل فيهم من الآيات: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ أَي: احذروا مثل عذاب الأُمم التي قبلكم ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ أَي: عذاب الآخرة الذي أَعده الله لكم لسوء أَعمالكم وإصراركم على كفركم ﴿لَعَلَّكُمْ