فهو - سبحانه - جعل قانون الذكورة والأُنوثة في مخلوقاته كلها، سواءٌ في ذلك النباتات والحيوانات والبشر، وفيما لا يعلمه الناس من الأَحياء غير المنظورة من أَزواج لم يطلعهم الله عليها ولا توصلوا إِلى معرفتها بطريق من طرق العلم، ولا يبعد أَن يخلق الله على هذا النحو من الخلائق ما لم يجعل للبشر طريقا إِلى العلم به، لأَنه لا حاجة بهم في دينهم ودنياهم إِلى ذلك العلم، ولو كانت بهم إليه حاجة لأَعلمهم بما لا يعلمون قال - تعالى -: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١).
وفي الإِعلام بكثرة أنواع ما خلق - ما علموه وما جهلوه - ما يدل على عظم قدرته واتساع ملكه.
وقال الراغب: (الأَزواج): جمع زوج، ويقال لكل واحد من القرينين ولكل ما يقترن بآخر مماثلا له أَو مضادا، وكل ما في العالم زوج من حيث إن له ضدا أَو مماثلًا ما، بل لا ينفك بوجه من تركيب صورة ومادة وجوهر وعرض. اهـ: آلوسي.
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾
المفردات:
﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾: ننزع من مكانه الضوءَ ونزيله ونفصله فيظلم.
стр. 3992
﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾: لحد معين من فلكها تنتهي إليه في آخر السنة، وسيأْتي تفصيل أكثر.
﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾: قدرنا سيره في منازل ومسافات، والمنازل جمع منزل، والمراد به المسافة التي يقطعها القمر في يوم وليلة.
﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ العرجون القديم: أَصل شمراخ النخل القديم وهو اليابس الذي دق وانحنى واصفر.
﴿ذَلِكَ﴾ قال الراغب: مجرى الكواكب.
﴿يَسْبَحُونَ﴾: يسيرون ويدورون.
التفسير
٣٧ - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾:
بيان لقدرته الباهرة في الزمان بعد ما بينها في المكان، أَي: وعلامة دالة على توحيد الله وقدرته ووجوب ألوهيته: الليل ننزع ونفصل عنه النهار الساتر له، ونكشف ونزيل الضوءَ عن مكانه، فإِذا الناس داخلون في الظلام المشتمل عليهم من كل جانب، المحيط بهم من كل جهة.
٣٨ - ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾:
أَي: وآية أُخرى لهم الشمس تجرى لمستقر لها، أَي: لحد لها مؤقت تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة، شبه بمستقر المسافر إذا قطع سيره، أَو لمُنتهَى لها من المشارق والمغارب فذلك حدها، ومستقرها؛ لأَنها لا تعدوه، أَو لحد لها من مسيرها كل يوم في رأي عيوننا وهو المغرب، وقيل: مستقرها: أَجلها الذي أَقر الله عليه أمرها في جريها فتستقر وينقطع جريها وهو يوم القيامة.
﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ذلك الجري على هذا التقدير والحساب الدقيق الذي تَكل الفِطَنُ عن استخراجه وتتحير الأَفهام في استنباطه ما هو إلا تقدير الغالب بقدرته على كل مقدور، المحيط علمه بكل معلوم.
стр. 3993
٣٩ - ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾:
والقمر جعلناه بتدبير محكم وتنظيم دقيق منازل، يبدو أَول الشهر ضئيلا، ثم يزداد نوره حتى يكتمل بدرا، ثم يأْخذ في النقصان في أَواخر سيره حتى يعود في مرآه كأَصل الشمراخ إذا قدُم فدق وانحنى واصفر.
٤٠ - ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾:
إن الله - تعالى - قسم لكل واحد من الليل والنهار قسما من الزمان، وضرب لهما حدا معلومًا، ودبَّر أَمرهما على التعاقب، فلا ينبغي للشمس التي هي آية النهار أَي: لا يصح ولا يستقيم لها أَن تدرك القمر الذي هو آية الليل فتجتمع معه في وقت واحد، وتداخله في سلطانه، فتجعل الليل نهارًا، ولا الليل بظلامه غالب النهار فيجعله ليلًا.
وكل واحد من الشمس والقمر في مجراه الذي حدده الله له يسيران فيه كالسابح في الماء، ويدوران حسب النظام الذي وضعه الله، ولا يزال الأَمر على هذا الترتيب إِلى نهاية العالم حيث تطلع الشمس من مغربها في آخر الزمان، وجعلت الشمس غير مدركة والقمر غير سابق؛ لأَن الشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة، والقمر يقطع فلكه في شهر فكانت الشمس جديرة بأَن توصف بالإِدراك لتباطؤ سيرها عن سير القمر، والقمر خليقًا بأَن يوصف بالسبق لسرعة سيره في رأي العين.
﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾
المفردات:
﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾: أولادهم، وقال الطبري: من نجا من ذرية آدم، وسيأْتي بيان ذلك.
﴿الْمَشْحُونِ﴾: المملوءِ.
﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾: فلا مغيث لهم من الغرق.
стр. 3994
التفسير
٤١ - ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾:
وآية أُخرى لهم أنا حملنا بني الإنسان في السفن المملوءَة بهم الموقرة بأَمتعتهم وبأَرزاقهم قيل: المراد بالفلك المشحون: سفينة نوح ﵇ ومعنى حمل الله ذرياتهم فيها أَنه حمل فيها آباءَهم الأَقدمين وفي أَصلابهم هم وذرياتهم، وإنما ذكر ذرياتهم؛ لأَنه أَبلغ في الامتنان عليهم وأدخل في التعجب من قدرته في حمل أَعقابهم إِلى يوم القيامة في سفينة نوح ﵇ قال الإِمام: يحتمل عندي أَن تخصيص ذريتهم بالذكر لأَن الموجودين المخاطبين من أَهل مكة بهذا كانوا كفارا لا فائدة في وجودهم، أَي: لم يكن العمل حملا لهم وإنَّما كان حملا لما في أَصلابهم من المؤمنين - ذكره الآلوسي - والآية تحتمل العبرة والنعمة والإِنذار.
٤٢ - ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾:
وخلقنا لهم من مثل الفلك ما يركبون عليه وهي الإبل فإِنها سفائن البر لكثرة ما تحمل وقلة كلالها في المسيرة، وإطلاق السفائن عليها شائع معروف في اللغة كما قيل: "سفائن بَرٍّ والسرابُ بحارها"، وفسره مجاهد بكل ما يركب، وقيل: هي السفن والزوارق التي كانت بعد سفينة نوح - قال النحاس: وهو أصحها لأَنه متصل الإِسناد عن ابن عباس. اهـ: قرطبي.
٤٣ - ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾:
وإن نشأْ إِغراقهم في الماءِ بما اكتسبت أَيديهم، وبما اجترحوا من سيئات، وعملوا من موبقات، مع ما حملناهم فيه من الفلك فلا مغيث لهم يحفظهم مما نزل بهم ولا هم ينجون من الغرق بعد وقوعه.
٤٤ - ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾:
أي: لا يغاثون ولا ينفذون لشيءٍ من الأَشياءِ إِلا لرحمة عظيمة من قبلنا، داعية إِلى
стр. 3995
الإِغاثة والإِنقاذ وتمتيع بالحياة إِلى زمان قدر فيه انتهاء آجالهم، حسبما تقتضيه الحكمة ومن هنا أَخذ أَبو الطيب قوله:
ولم أُسلم لكي أَبقى ولكن … سلمت من الحِمام إِلى الحِمام (١).
فنحن لا نغرقهم إلا رحمة منا بهم لنمتعهم إِلى أجل قدرناه لهم.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾
المفردات:
﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾: خافوا واحذروا مثل عذاب الأُمم التي قبلكم.
﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾: عذاب الآخرة، وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾: ما تقدم من ذنوبكم.
﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾: ما يأْتي منها.
التفسير
٤٥ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾:
بيان لإعراضهم عن الآيات التنزيلية بعد بيان إعراضهم عن الآيات الآفاقية التي كانوا يشاهدونها ولا يتأَملون فيها، أَي: وإِذا قيل لأَهل مكة بطريق الإِنذار بما نزل فيهم من الآيات: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ أَي: احذروا مثل عذاب الأُمم التي قبلكم ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ أَي: عذاب الآخرة الذي أَعده الله لكم لسوء أَعمالكم وإصراركم على كفركم ﴿لَعَلَّكُمْ
стр. 3996
﴿تُرْحَمُونَ﴾ أَي: لكي يرحمكم ربكم أن اتقيتموه فتنجوا من العذاب، وجواب (إذا قيل لهُمْ … ) تقديره: أعرضوا، ويدل على هذا الجواب قوله - تعالى -:
٤٦ - ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾:
أَي: وما تأْتيهم من حجة وعلامة على التوحيد وصدق الرسل إلا كانوا عنها معرضين لا يتأَملونها ولا يقبلونها ولا ينتفعون بها لأن دأبهم الإِعراض عن كل آية وموعظة.
والمراد بالآيات: إِما هذه الآيات الناطقة بما فصل من بدائع صنعه - تعالى - وسوابغ آلائه الموجبة للإقبال عليها والإِيمان بها، وإيتاؤها: نزول الوحي بها، أَي: ما نزل الوحي بآية من الآيات الناطقة بذلك إلا كانوا عنها معرضين على وجه التكذيب والاستهزاء، وإمَّا ما يعمها والآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وغرائب المصنوعات، وإيتاؤها: ظهورها لهم، أَي: وما تظهر لهم من آية من الآيات التي من جملتها ما ذكر من شئونه - تعالى - الشاهدة بوحدانيته - سبحانه - وتفرده بالألوهية إلا كانوا عنها معرضين تاركين للنظر الصحيح فيها المؤدي إِلى الإيمان به .
٤٧ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾:
الآية الكريمة لذمِّ الكفار على ترك الشفقة على خلق الله إثر ذمهم على ترك تعظيمه بترك التقوى، وفي ذلك إِشارة إِلى أَنهم أَخلوا بجميع التكاليف؛ لأَنها كلها ترجع إِلى أمرين: التعظيم لله، والشفقة على خلقه - سبحانه -.
والمعنى: وإِذا أُمر الكفار بالإِنفاق مما رزقهم الله على الفقراء والمحتاجين من المسلمين قال الذين كفروا لمن أَمرهم من المؤمنين بالإنفاق محاجين لهم فيما أَمروهم به: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ أَي: هؤلاء الذين أَمرتمونا بالإِنفاق عليهم لو شاءَ الله لأَغناهم ولأَطعمهم من رزقه، فنحن نوافق مشيئَةَ الله - تعالى - فيهم فلا نطعمهم تحقيقًا لمشيئة الله، ما أَنتم في أَمركم لنا بإِطعامهم إلا في ضلال واضح، حيث تأْمروننا بما يخالف مشيئة الله، وقيل: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: قول الله لهم وهو رأْي ابن جرير،
стр. 3997
وقيل: كلام المؤمنين للرد على الكافرين وآرائهم الضالة وأقيستهم الفاسدة؛ لأَن الله يطعم بأَسباب: منها حث الأَغنياءِ على إِطعام الفقراءِ وتوفيقهم له، وذلك لحكمة غابت عن عقولهم، وهي نشر المودة والرحمة والتعاون والعدل الاجتماعي.
ولقد نزلت الآية الكريمة في مشركي قريش حين قال فقراءُ أَصحاب رسول الله ﷺ : أَعطونا مما زعمتم من أَموالكم أَنها لله، يعنون قوله - تعالى -: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ (١) فحرموهم وقالوا: لو شاءَ الله لأَطعمكم.
وعن ابن عباس: كان بمكة زنادقة فإِذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا: لا والله أيفقرهم الله ونطعمهم نحن؟ وعن الحسن وأبي خالد أَن الآية نزلت في اليهود أُمروا بالإِنفاق فقالوا ذلك، والظاهر أَنها في كفار مكة كما يقدم.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾
المفردات:
﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾: يعنون وعد البعث.
﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾: نفخة الموت بها يموت جميع الناس، يحدثها إسرافيل في الصور.
﴿تَأْخُذُهُمْ﴾: تقهرهم وتستولي عليهم فيهلكون.
﴿يَخِصِّمُونَ﴾: يختصمون ويتنازعون في أُمورهم غافلين عنها.
стр. 3998
التفسير
٤٨ - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾:
ويقول المشركون للرسول والمؤمنين - استبعادا للبعث وإنكارا له واستهزاءً بالمؤمنين -: متى يقع هذا الذي وعدتمونا به ويتحقق؟ إن كنتم صادقين فيما تقولون وتعدوننا به فأَخبرونا بذلك، يقولون ذلك لأنهم كانوا يتلون عليهم الآيات الدالَّة عليه والآمرة بالإيمان باللهِ وبالبعث.
٤٩ - ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾:
جواب من الله - تعالى - أَي: ما ينتظرون إلا صيحة واحدة عظيمة وهي النفخة الأُولى في الصور التي يموت بها الناس، ولأَن الصيحة لا بد من وقوعها جعلوا كأَنهم منتظرون لها تهكما بهم ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾ أَي: تقهرهم وتستولي عليهم فيهلكون وهم يتخاصمون ويتنازعون في معاملاتهم ومتاجرهم لا يخطر ببالهم شيء من مخايلها كقوله - تعالى -: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (١) أَخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لتَقُومَنَّ الساعة وقد نشر الرجلان ثَوْبَهُما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطْوِيانِه، ولتقومنَّ الساعةُ والرجل يليط (٢) حوضه فلا يُسْقَى منه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن نعجته فلا يطْعمُه، ولتقومن الساعة وقد رفع أُكلَتَهُ (٣) إِلى فمه فلا يطعمها" إ هـ: آلوسى.
٥٠ - ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾:
فلا يستطيعون لسرعة ما نزل بهم توصية على ما يملكون ولا أَن يوصوا بشيءٍ في أمورهم لأَن الأَمر أَهم من ذلك، ولا إِلى أَهلهم ومنازلهم يرجعون إذا كانوا في خارج ديارهم، بل تبغتهم الصيحة فيموتون حيثما كانوا ووجدوا، ويرجعون إلى الله لا إِلى غيره - سبحانه -.
стр. 3999
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾
المفردات:
﴿الصُّورِ﴾: القرن، وحقيقة الصور وكيفية النفخ مما استأثر الله بعلمه.
﴿الْأَجْدَاثِ﴾: القبور، جمع جدث.
﴿يَنْسِلُونَ﴾: يسرعون.
﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾: من أَيقظنا من منامنا؟
التفسير
٥١ - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾:
ونفخ في الصور نفخة البعث فإِذا الأَموات من القبور إِلى ربهم ومالك أَمرهم يسرعون بطريق الإِجبار لقوله - تعالى -: ﴿لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ (١) وذكر الرب للإِشارة إِلى إِسراعهم بعد الإِساءَة إِلى من أَحسن إِليهم وربَّاهم بنعمه على موائد كرمه.
٥٢ - ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾:
قال المبعوثون من القبور بعضهم لبعض: يا هلاكنا وعذابنا، أَو يا قومنا انظروا أَهوال ما ينتظرنا وتعجبوا منه ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا؟﴾ أَي: من أَيقظنا من منامنا، وفيه تشبيه الموت بالرقاد لعدم ظهور الفعل في كل، وقيل: سموا ذلك مرقدا مع علمهم بما كانوا
стр. 4000
يقاسون فيه من العذاب لعظم ما شاهدوه، فكأن ذلك مرقدٌ بالنسبة لهم، فقد روى أنهم إذا عاينوا جهنم وشاهدوا ما فيها من ألوان العذاب وأنواع النكال الذي لا يخطر على بال، يرون ما كانوا فيه مثل النوم في جنبها فيقولون: من بعثنا من مرقدنا؟ فيأْتيهم جواب سؤالهم: هذا يومُ البعث الذي وعد الرحمن عباده وصدق المرسلون فيما أَخبروا به عنه، وروى عن ابن عباس: أَن الله - تعالى - يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإِذا بعثوا بالنفخة الثانية وشاهدوا الأهوال قالوا ذلك - ويقول ابن عباس: نقول، وهو - على ما قيل - جواب من قبل الله، وقيل: من جهة الملائكة، وقال قتادة ومجاهد: من قبل المؤمنين، وقال ابن زيد: هذا الجواب من قبل الكفار على أَنهم أَجابوا أَنفسهم حيث تذكروا ما سمعوه من المرسلين ﵈ أَو أَجاب بعضهم بعضا به، وكان الظاهر أَن يجابوا بذكر الباعث؛ لأَنه هو الذي سألوا عنه، بأَن يقال: الرحمن، أَو الله بعثكم، لكن عدل عنه إِلى ما ذكر تذكيرًا بكفرهم وتقريعا لهم عنه، مع تضمنه الإِشارة إِلى الباعث، وذكر غير واحد: أَنه من الأُسلوب الحكيم، على أَن المعنى: لا تسأَلوا عن الباعث فإن هذا البعث ليس كبعث النائم وإن ذلك ليس مما يهمكم الآن، وإنما الذي يهمكم أَن تسأَلوا: ما هذا البعث ذو الأَهوال العظيمة والشدائد؟ وفيه من تقريعهم ما فيه.
٥٣ - ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾:
أَي: ما كانت النفخة التي حكيت آنفا لدعوتهم للخروج من قبورهم إلا صيحة واحدة حدثت من نفخ إسرافيل ﵇ في الصور فإِذا هم مجموعون عندنا، وفي محل حكمنا محضرون لفصل الحساب من غير لبث طرفة عين، وفيه من تهوين أَمر البعث والحشر والإِيذان باستغنائهما عن الأَسباب ما لا يخفى.
٥٤ - ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
فاليوم الحاضر أَو المعهود وهو يوم القيامة الدال عليه نفخ الصور، لا تنقص نفس من النفوس - برَّةً كانت أَو فاجرة - أَجر شيء مما عملته، ولا تلقون إلا جزاءَ ما كنتم تعملون من خير وشر، وهذا حكاية عما يقال للكافرين حين يرون العذاب المعد لهم تحقيقا للحق وتقريعًا لهم.
стр. 4001
واستظهر أبو حيان أن الخطاب يعم المؤمنين، إخبارا من الله - تعالى - عما لأهل المحشر على العموم، كما يشير إليه تنكير نفس، واختاره السكاكي.
﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾
المفردات:
﴿شُغُلٍ﴾: نعيم عظيم يلهيهم عما سواه.
﴿فَاكِهُونَ﴾: متلذذون أو فرحون أو متعجبون مما هم فيه.
﴿الْأَرَائِكِ﴾: جمع أريكة، وهي - كما في الصحاح -: سرير منجد مزين في قبة أو بيت.
﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾: لهم ما يطلبون، أي: يتمنون.
﴿وَامْتَازُوا﴾: تميزوا وانفردوا عن المؤمنين.
التفسير
٥٥ - ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾:
إخبارٌ لنا بما يكون يوم القيامة إذا صار كل إلى ما أُعد لهم من الثواب والعقاب، فأصحاب الجنة اليوم في شغل، والشغل هو الشأن الذي يشغل المرء ويصده عما سواه من شئون، لكونه أهم عنده من الكل، إما لإيجابه كمال المسرة أو كمال المساءَة،
стр. 4002
والمراد هنا الأول، وتنكيره للتعظيم، كأَنه شغل لا يدرك كُنْهُه، والمراد به ما هم فيه من النعيم الذي شغلهم عن كل ما سواه، وما ظنك بشغل مَنْ سعد بدخول الجنة التي هي دار المتقين، ووصل إلى نيل تلك الغبطة وذلك الخير الكثير والنعيم المقيم، وتمتع بتلك الملاذ التي أعدها الله للمرتَضَيْنَ من عباده، ثوابا لهم على أَعمالهم مع كرامة وتعظيم.
وعن ابن كيسان: الشغل: التزاور وضيافة الله. ﴿فَاكِهُونَ﴾ متلذذون فرحون معجبون بما أكرمهم الله به، والفاكِهُ والفَكِهُ: المتنعم المتلذذ، ومنه الفاكهة لأنها مما يتلذذ بها، وكذلك الفكاهة التي هي المِزاحة.
٥٦ - ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ في ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾:
استئناف مسوق لبيان كيفية شغلهم وتفكههم وتكميلها بما يزيدهم بهجة وسرورا من مشاركة أزواجهم لهم في ذلك الشغل والتفكه والاتكاءِ على الأرائك تحت الظلال، فهم وأزواجهم في ظلال، جمع ظُلَّة أو ظِلّ، وفسر الإِمام الظل بالوقاية عن مظان الألم، ولأهل الجنة من ظل الله - تعالى - ما يقيهم كل سوء وألم، والجمع (في ظلال) باعتبار ما لكل واحد منهم من ذلك، أو هو متعدد للشخص الواحد باعتبار تعدد ما منه الوقاية.
ويجوز حمل الظلال على القوة والمنعة، كما يجوز حمله على الستور التي تكون فوق الرأس من سقف وشجر ونحوها، ووجود ذلك في الجنة مما لا شبهة فيه، فقد جاء في الكتاب وصح في السنة: أَن فيها غرفًا، وجاءَ فيها أيضًا ما هو ظاهر في أَن فيها شجرًا يظل من تحته، وقد صح من رواية الشيخين أنه ﷺ قال: "إن في الجنة شجرةً يسيرُ الراكبُ في ظلها مائة عام لا يقطعها، فاقرءُوا إن شئتم: (وظِلٍّ ممدودٍ) " (١).
وابن الأثير يقول: في ظلها في ذراها وناحيتها، وهذا الرأي لدفع أنها تظلُّ من الشمس لأنه لا شمس في الجنة، والقول في الآراء السابقة كذلك في أنها لا تظل من الشمس، إذ لا شمس فيها.
стр. 4003
﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُون﴾: على السرر المنجدة المزينة بالستور متكئون، والظاهر أن المراد بالأزواج: أزواجهم المؤْمنات كن لهم في الدنيا، وقيل: أزواجهم اللاتي زوجهم الله - تعالى - إياهن من الحور العين، كما يجوز أن يكون المراد بأزواجهم أَشكالهم في الإحسان، وأَمثالهم في الإيمان.
٥٧ - ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُون﴾:
بيان لما يتمتعون به في الجنة من المآكل والمشارب وما يتلذذون به من الملاذ الجسمية والروحية بعد بيان ما لهم فيها من مجالس الأُنس ومحافل المتعة تكميلا لبيان كيفية ما هم فيه من الشغل والبهجة.
والمعنى: لهم في الجنة فاكهة كثيرة من خير أنواعها، لا مقطوعة ولا ممنوعة، مذلَّلة لهم إن شاءُوا أكلوا، وإن شاءُوا أمسكوا، ولهم فيها كل ما يطلبونه ويتمنونه.
٥٨ - ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾:
أي: سلام يقال لهم قولًا من جهة رب رحيم، أي: يسلم عليهم الله ﷻ بلا وسيط تعظيمًا لهم، فقد أخرج ابن ماجة وجماعة عن جابر قال: قال النبي ﷺ : "بينما أهلُ الجنةِ في نعيمٍ إذ سطع لهم نورُ فرفعوا رءُوسَهم فإذا الربُّ قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهلَ الجنةِ وذلك قول الله - تعالى -: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ قال: فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم".
وقيل: يسلم عليهم عن طريق الملائكة لقوله - تعالى -: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (١) .. وروى ذلك عن ابن عباس، يقول الآلوسي: وعلى الأَول الأكثرون، وأَقول: لا منافاة، فالله يسلم عليهم والملائكة كذلك.
стр. 4004
٥٩ - ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾:
يقول الله مخبرًا عما يؤُول إليه حال الكفار يوم القيامة من أَمره لهم أن يمتازوا بمعنى يتميزون عن المؤمنين في موقفهم، يقول لهم: انفردوا عن المؤمنين، وكونوا على حدة أَيها المجرمون الآثمون، فإنكم واردون غير موردهم، وذلك حين يحشر المؤْمنون ويسار بهم إلى الجنة، ونحوه قوله - تعالى -: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ (١).
* ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾
المفردات:
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾: ألم أوصِكم.
﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾: ألا تطيعوه في معصيتي.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: إنه لكم عدو واضح العداوة.
﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: هذا العهد طريق لا عوج فيه.
﴿جِبِلًّا كَثِيرًا﴾: خلقًا كثيرًا، وقال الراغب: الجبل: الجماعة العظيمة، وقال غيره: الجبل: الأُمة، وهي مَعَان متقاربة.
стр. 4005
التفسير
٦٠ - ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾:
هذه الآية من جملة ما يقال لبني آدم الذين تركوا عبادة الله طاعة للشيطان، وذلك بطريق التقريع والتبكيت والإلزام بين الأمر بالامتياز ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُون﴾ والأمر بمقاساة جهنم ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
والعهد بمعنى الوصية والتقدم بأمر فيه خير ومنفعة، والمراد به هنا: مختلف الحجج العقلية والسمعية الآمرة بعبادة الله - تعالى - الزاجرة عن عبادة غيره، التي أَبلغها الرسل إلى بني آدم، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾. فكأَن العهد مستعار لإقامة البراهين والحجج.
وفسره بعض المفسرين بالميثاق المأخوذ علي بني آدم في عالم الذر في قوله - سبحانه -: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾.
والمراد بعبادة الشيطان: طاعته فيما يوسوس به إليهم من معصية الله، عبر عنها بعبادته لزيادة التنفير منها، وجوز أن يراد بها عبادة غير الله من الآلهة الباطلة، وإضافتها إلى الشيطان لأنه الآمر بها والمزين لها، فالتجوز في النسبة.
ومعنى الآية: أَلم أوصكم يا بني آدم أن لا تطيعوا الشيطان فيما يوسوس به إليكم من المعاصي، لأنه لكم عدو مبين واضح العداوة، فقد أَخرج أبويكم من الجنة، فلماذا أَطعتموه حتى أصبحتم بطاعته مجرمين كافرين مستحقين للخلود في النار.
٦١ - ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾:
معطوف على (أن لا تعبدوا الشيطان) داخل معه في العهد، أي: أَلم أعهد إليكم بأَن لا تعبدوا الشيطان وبعبادتي وحدي، فهذا العهد صراط مستقيم لا عوج فيه، فلماذا تنكرتم لعهدي، وخالفتم وصيتي فاتبعتم الشيطان وأطعتموه، وتركتم عبادتي، وعبدتم آلهة أشركتموها معي؟.
стр. 4006
٦٢ - ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾:
استئناف مسُوق لتشديد التوبيخ والتقريع، ببيان عدم اتعاظهم بغيرهم إثر بيان نقضهم للعهد، والخطاب لمتأَخريهم ومنهم كفار مكة.
والمعنى: ولقد أضل الشيطان منكم - يا بني آدم - أُممًا كثيرة، أكنتم تشاهدون آثار عقوباتهم فلم تكونوا تعقلون أنها لضلالهم، أو أفلم تكونوا تعقلون شيئًا أصلًا، فلذلك كفرتم ككفرهم واستحققتم العذاب مثلهم.
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾
المفردات:
﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾: ادخلوها اليوم وقاسوا سعيرها.
﴿نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾: نمنعها من الكلام.
﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾: كلام دلالة أو نطق.
التفسير
٦٣ - ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾:
هذا كلام مستأنفٌ تقوله خزنة جهنم لأهل النار عند إشرافهم على شفير جهنم بعد انتهاء التوبيخ والإلزام.
стр. 4007
والمعنى: هذه - التي ترونها - جهنم التي كنتم في الدنيا توعدون بها على ألسنة الرسل والمبلغين عنهم إن اتبعتم الشيطان فيما يزينه لكم من الكفر والمعاصي كقوله - تعالى -: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾.
٦٤ - ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُون﴾:
اصلوها: أمر تحقير وإهانة لأهل النار، والمعنى: ادخلوا جهنم في هذا اليوم وقاسوا ألوان العذاب فيها بسبب ما كنتم مستمرين عليه من الكفر والمعاصي في الدنيا.
٦٥ - ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾:
الأفواه: جمع فوه، وهو الفم، والختم عليها كناية عن منعها من الكلام، وتوفيقًا بين هذه الآية وبين آية سورة النور ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) أن يوم القيامة مواقف، ففي موقف تخرس الألسنة، وفي آخر تتكلم.
أخرج أحمد ومسلم وابن أبي الدنيا واللفظ له أنس في قوله - تعالى -: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ قال: "كنا عند النبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه، قال: أتدرون مم ضَحِكْتُ"؟ قلنا: لا يا رسول الله، قال: "من مخاطبةِ العبدِ ربَّه يقول: يا رب أَلم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: إني لا أُجيز عليَّ شاهدًا إلا شاهدًا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا وبالكرام الكاتبين شهودًا، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول: بُعْدًا لكُنَّ، فعنكن كنت أناضل، وشهادة الأَيدي والأرجل عليهم دلالتها على أفعالها، وظهور آثار معاصيها عليها، وقيل: ذلك على الحقيقة، بأن ينطقها الله فتتكلم وتشهد، وهذا هو ظاهر الآية والحديث.
стр. 4008
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾
المفردات:
﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾: لمحوناها وأزلنا معالمها.
﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾: فسارعوا إلى الطريق.
﴿فَأَنَّى يُبْصِرُون﴾: فكيف يبصرون.
﴿لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾: لَغَيَّرنا صوَرتهم في مكانهم الذي يوجدون به.
﴿نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾: نرجعه فيه من القوة إلى الضعف ونحو ذلك.
التفسير
٦٦ - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾:
هذه الآية والتي بعدها مسوقتان لبيان أن الكافرين في هذه الدنيا تحت سلطان الله، وأنه لو شاءَ عقابهم فيها بطمس الأَعين والمسخ لفعل، لكنه لم يشأ إمهالًا لهم، وتوسيعًا لفرص التوبة.
والطمس لغة: إزالة الأَثر، والمراد من طمس أعينهم: إزالة معالمها بحيث لا يكون لها فتحة تبصر منها، ويجوز أن يراد به: إذهاب البصر مع بقاء العين مفتوحة.
والمعنى: ولو نشاء طمس أَعين الكافرين في الدنيا بأَن نُزيل معالمها فتصبغ ممسوحة، أَو نحبس ضوءَها فلا تبصر، فابتدروا بعد ذلك الطريق الذي اعتادوا سلوكه قبل الطمس ليسلكوه فلا يستطيعون، فكيف يبصرون وقد طمست أَبصارهم، وأزيلت معالمها، أَو حبس
стр. 4009
ضوءُها فلا تنكشف لهم المرئيات، لو نشاءُ ذلك لفعلناه، لكننا لم نفعل لنفسح لهم مجال التوبة.
٦٧ - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾:
المراد بالمسخ تغيير الصورة على أي وجه يشاؤه الله - تعالى - مع - إبطال القوى، لقوله بعد ذلك: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُون﴾.
وتحديد المسخ بقلبهم قردة وخَنازير أو حجارة - كما جاء في بعض الآراء - يعتبر تضييقًا للواسع لم يرد به دليل صحيح.
والمعنى: ولو نشاء مسخهم بتغيير صورهم على أي وجه مع إبطال قواهم، لفعلنا ذلك فورًا بدون عناءٍ، بحيث يجمدون في أماكنهم، فلا يستطيعون بعد ما فعلناه بههم مضيًّا إلى الأمام إقبالا، ولا يرجعون إلى الخلف إدبارا، لكنه تعالى لم يفعل ذلك لعدم تعلق مشيئته به، توسعة لمجال التوبة أمامهم.
والمقصود الأساسي من الآيتين بيان استحقاقهم طمس الأعين والمسخ في الدنيا بسبب كفرهم ونقضهم عهد الله، وعدم اتعاظهم بعقاب من سبقهم، ولولا أنه تعالى شاءَ استبقاءَهم وإمهالهم رحمة بهم - لعلهم يرجعون - لأَنجز فيهم ما يستحقونه، وعبر بقوله: "ولا يرجعون" بدل "ولا رجوعًا" المناسب لقوله (مضيا) مراعاة لفواصل الآيات.
٦٨ - ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾:
هذه الآية جاءَت للاستدلال بما تضمنته على قدرته - تعالى - على تنفيذ ما تهددهم به من الطمس والمسخ لو تعلقت بهما مشيئته.
واعلم أن من سنن الله - سبحانه - أَنه جعل الإنسان في نشأته ينمو جسميًّا وعقليا نموًّا مطردًا، وتزداد بذلك معالم صورته حسنًا، وقوته اقتدارًا، حتى يصل إلى حد أراده الله لتمام خلقه، فيبدأ كل شيء فيه يتناقص، حتى يذبل بعد تفتح وازدهار، ويضعف بعد قوة واقتدار، ويخمد عقله بعد اتقاد وإضاءة، وتتضاءَل صورته بعد حسن وجمال، فذلك هو تنكيسه الذي استفيد من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾.
стр. 4010
قال الشاعر:
من عاش أخلقت الأَيام جِدَّتَهُ … وخانه ثقتاه السمع والبصر
وعن سفيان أن التنكيس يبدأُ من سن الثمانين، والحق أنه يختلف باختلاف تكوين كل إنسان، والعوارض التي تمر عليه حسب مشيئة الله - تعالى - وقد يكون للوراثة بعض التأثير في ذلك.
ومعنى الآية: ومن نطل عمره نَقْلِبْه في الخلق والصورة والقوة على عكس ما كان عليه في نشأَته، أيرون ذلك فلا يعقلون أن من قدر على تنكيس خلق الإنسان فهو قادر على طمس أعينهم ومسخهم في أماكنهم في هذه الدنيا، وأن الله - تعالى - لم يفعل ذلك لعدم تعلق مشيئته به.
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾
المفردات:
﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾: ما يصح الشعر له ولا يصح منه.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾: ما القرآن إلا تذكير ووعظ وإرشاد.
﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾: وكتاب مقروء واضح يُقْرأ للاعتبار.
﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾: ويثبت القول بالعذاب ويجب على الكافرين.
التفسير
٦٩ - ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾:
لما جاءَهم محمَّد ﷺ بالقرآن زعموا أن محمد شاعر، وأَن القرآن الذي أَيده لله به شعر، فأنزل الله هذه الآية لإبطال ما زعموه من الأَمرين، فإن نفي تعليم الشعر لمحمد يستتبع نفي أن القرآن شعر، وأَن الذي جاء به شاعر.
стр. 4011
والمعنى: وما علمنا محمدًا الشعر قبل أن يقول ما قال، حتى يصح زعمكم أن محمدًا شاعر وما جاء به شعر، وليس القرآن من قبيل الشعر لا وزنا ولا غرضًا ولا تكوينًا، فالشعر متكلف مصنوع، ومبني على خيالات وأَغراض واهية، وتصورات ومبالغات مخالفة للواقع، حتى قالوا: أَعذب للشعر أكذبه، وله أَوزان معينة وقواف ثابتة، أما القرآن فليس له أوزان الشعر ولا خيالاته الواهية، ولا أغراضه الهزيلة، ولا يعرف الأكاذيب التي تصور الباطل حقًّا والحق باطلا، ولا يعرف المبالغات التي تجعل من الحبة قبة، ومن القليل كثيرًا، بل نظم فريد لا عهد للبشر بمثله، ولا يستطيعون أن يحاكوه، اشتمل على العقائد النظيفة ذات البراهين العقلية، والأدلة الكونية، كما اشتمل على الأحكام المنظمة لشئون الخلق، المعلمة لحقوق الخالق، الموصلة إلى سعادة الدارين، وعلى الأخلاق العالية، والحكم السديدة، فأَين الثرى من الثريا، وإِذا انتفى أن يكون شعرًا انتفى أن يكون من جاء به شاعرا؛ لأنهم وصفوه بالشاعر من أجله ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي: وما ينبغي الشعر لمحمد ﷺ ولا يليق به، ولا يستقيم له عقلا؛ لأَنه كما قال ابن الحاجب: لو كان ممن يقوله لتطرقت التهمة عند كثير من الناس في أن ما جاءَ به من قبل نفسه، وأنه جاء من تلك القوة.
وقال غيره في معنى ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾: وما يصح الشعر له؛ لأنه يدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ والوزن، ولأن من أحسنه المبالغة والانحراف في الوصف، وغالبه يميل إلى الكذب، فلا يليق بمحمد والذي عرف بالصدق منذ صباه.
وقد حدث أن النبي ﷺ قال بعض عبارات قابلة لأوزان الشعر، مثل قوله يوم حنين: "أنا النبي لا كذب. أنا ابن عبد المطلب" وهذا لا يجعل صاحبه شاعرًا؛ لأنه كلام يرد على الخاطر من غير قصد إلى الشعر، كما يحدث لكثير من الناس.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾: أي: ما القرآن إلا وعظ وتذكير من الله تعالى، لخلقه ليسيروا على المنهج المستقيم، وكتاب سماوي يقرأ ليعمل به، واضح أنه من عند الله - تعالى - بما يشتمل عليه من ألوان الإعجاز، فأين هو ممَّا افترى عليه من الوصف بكونه شعرًا ومن جاءَ به شاعرا.
стр. 4012
٧٠ - ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾:
المراد بمن كان حيًّا: العاقل الفهم، فإن الغافل كالميت فلا ينفعه إنذاره، والمراد من القول: الوعيد بالعذاب، ومعنى قوله: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أنه يجب ويثبت عليهم لكفرهم ومعنى الآية: لينذر القرآن أو الرسول بالقرآن من كان ذا عقل وفهم فإنه هو الذي ينفعه الإنذار، أما الغافل الجهول الذي يشبه الميت فهو بمعزل عن الاستفادة بإنذاره، ويثبت القول المتضمن للوعيد، ويجب على هؤلاء الغافلين المصرين على الكفر لعدم انتفاعهم بالإنذار والتخويف.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾
المفردات:
﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾: مما خلقنا ولم يخلقه غيرنا.
﴿أَنْعَامًا﴾: هي الأزواج الثمانية: من الإبل اثنين الذكر والأُنثى، ومن كل من البقر والغنم والمعز اثنين كذلك.
﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾: جعلناها مذللة منقادة لهم.
﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ أي: فمنها مركوبهم، فعول بمعنى مفعول كحلوب بمعنى محلوب، وهو مما لا يقاس.
التفسير
٧١ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُون﴾:
هذه الآية استئناف مسوق لإنكار عدم اتعاظهم بما يرون من خلق الله للأنعام، وتسخيرها وخيراتها لهم، وبيان عدم شكرهم له على ذلك بالإيمان والعمل الصالح، مع التعجب من
стр. 4013
هذا الكفر مع قيام الأَدلة على وجوب الإيمان، فالهمزة للإنكار والتعجيب، والواو للعطف على جملة منفية مقدرة مستتبعة للمعطوف، والتقدير: أَغفلوا ولم يعلموا علمًا يقينيًّا مشابهًا للرؤية البصرية.
والمقصود من قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ مما حدثناه بذاتنا من غير مدخل فيه لغيرنا لا خلقا ولا كسبا، فالكلام استعارة تمثيلية فيما ذكر، فليس لله أيد على الحقيقة قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ والتعبير بذلك للإيذان بعظم خلقها ومنافعها، فإن صفة العظيم عظيمة، ومعنى الآية: أَغفلوا ولم يعلموا علمًا يشبه الرؤية بالبصر أن الله خلق لأجلهم مما أحدثه بنفسه بغير شريك أنعامًا ذات خلق بديع، ومنظر جميل، ومنافع عديدة يحتاجون إليها فهم لها مالكون بتمليكنا، مختصون بها لا يزاحمهم فيها مزاحم.
ويجوز أن يكون المعنى: فهم للتصرف فيها مالكون، يسخرونها ويضبطونها وينتفعون بلحومها وألبانها وأصوافها وأوبارها، وهذا الوجه يناسب معنى الآيتين التاليتين فكأَنهما شرح لملكيتهم لها، والاقتصار على الأنعام لعظم منافعها خصوصًا للعرب الذين كانوا أول من خوطبوا بالدعوة.
٧٢ - ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾:
أي: وجعلناها لهم مذللة منقادة لما يريدونه منها، فبعضها ركوبهم - أي: مركوبهم - كالإبل، وبعضها يأكلون منها، والأكل منها عام، يتناول الأكل من ذات لحومها، والأكل من أثمانها وأثمان ألبانها وأوبارها وأشعارها وجلودها إذا باعوها، كما يقال: فلان يأكل من كسب يده.
وإنما قال: ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾، ولم يقل: ومنها مأكولهم على نحو سابقتها؛ ليفيد الاستمرار التجددي الذي يستفاد من الفعل المضارع، فإن الأكل يتجدد على الدوام، بخلاف الركوب فإنه في بعض الأحيان، ولأن بعضها هو الذي يركب، بخلاف الأكل فإنه عام لها، ولذا غير الأُسلوب، وقيل: إنه غُيِّر رعاية للفاصلة.
стр. 4014
٧٣ - ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾:
ولهم في الأَنعام بقسميها منافع غير الركوب والأكل، فمن جلودها تصنع الحقائب والنعال والسروج وسائر المصالح المرتبطة بها، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها يتخذ الناس اللباس والفراش والأَثاث وسائر المتاع، ومن عظامها يتخذ ما يُكَرَّر به الدبس ليكون سكرا أبيض، وعلاج لين العظام بما يستخلص منها، ومن ألبانها يشربون إلى غير ذلك من المنافع، أيشاهدون هذه النعم فلا يشكرون الله - تعالى - الذي أَنعم عليهم بها، بأَن يخصوه وحده بالعبادة؟.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾
المفردات:
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله.
﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾: جند معدون لحفظهم، أو محضرون في النار.
التفسير
٧٤ - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾:
أي: واتخذ أُولئك المشركون من غير الله القادر المنعم آلهة يعبدونها معه - سبحانه - راجين أن ينصروا بها في دنياهم بإنقاذهم من الشدائد، وفي أخراهم بالشفاعة لهم عند الله، وهذا خطأٌ بيِّن، فإن من لا يستطيع دفع المكروه عن نفسه، لا يستطيع دفعه عن سواه، ولذا قال - سبحانه - مستأنفًا ردًّا عليهم:
٧٥ - ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾:
أي: لا تقدر آلهة المشركين علي نصرهم، والحال أن هؤلاء المشركين جند مهيأون لحفظها ووقايتها، فكيف يعبدونها ويستنصرون بها؟!.
стр. 4015
ويجوز أَن يكون المعنى: والآلهة المزعومة جند محضرون لتعذيب المشركين يوم الدين، إذ تكون وقودا للنار التي يعذبون بها، أو محضرون عند حساب الكفرة إظهارًا لعجزهم، وإقناطا للمشركين من شفاعتهم، وكلاهما معنى جيد.
والتعبير عن الآلهة في المعنيين الأخيرين بالجند، وكذا ذكر اللام الدالة على المنفعة في "لهم" للتهكم بالمشركين الذين يستنصرون بهم، فإنهم وقود لعذابهم أو شهود عليهم، وكلاهما مباين لما أَملوه فيهم من أَن يكونوا جنود نصرة ومنفعة لهم.
٧٦ - ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾:
هذه الآية لتسلية الرسول وتسرية الحزن عنه بسبب إشراكهم باللهِ، وقولهم على الله وعلى رسوله ما لا يليق، وقد ختمت بإنذارهم على مقالتهم.
ومعنى الآية: إذا كان حالهم مع ربهم - سبحانه - ما علمته يا محمد من الإشراك، فلا تحزن لقولهم في الله بالإلحاد، وفيك بالتكذيب والتهجين، فإننا نعلم ما يسرون وما يظهرون من الجرائم فنجازيهم عليها حتى لا يستوي المحسن والمسيءُ، والعلم بما ذكر مجاز أو كناية عن الجزاء عليه، فالجزاءُ على الذنب من مقتضيات علم العادل الحكيم.
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾
стр. 4016
المفردات:
﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾: من منِيٍّ، أُطلقت عليه لأنه ينطف، أي: يصب في الرحم، من النطف وهو الصب.
﴿خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾: شديد الخصومة واضحها.
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ أي: جعل لنا مثلًا ونظيرًا من الخلق.
﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾: وهي بالنية أشد البلى، وهي فعيل بمعنى فاعل من رمَّ إذا بلى، ولم يؤنث مع المؤنث لأنه أُلحق بالأسماء الجامدة لغلبة استعماله دون موصوف، وقيل: هو اسم مفعول من رممته بمعنى أبليته، وهو إذا كان كذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث كقتيل.
التفسير
٧٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾:
بعد ما بين بطلان شركهم، وأقام الدليل على أنه - تعالى - هو المستحق للعبادة وحده، أتبع ذلك إقامة البرهان على أَن البعث حق ردا على إنكارهم له.
والهمزة في ﴿أَوَلَمْ﴾ للإنكار والتعجب، والواو لعطف ما بعدها على جملة مقدرة أي: أغفل ولم ير الإنسان.
والمعنى: أغفل الإنسان المنكر للبعث، ولم يعلم أنا خلقناه من نطفة حقيرة ليس بينها وبين خلقه العظيم مناسبة تذكر، فإذا هو شديد الخصومة، واضح الجدال، إذ ينكر البعث مع أنه في قضايا العقل أيسر من الابتداء، وإن كان كلاهما في اليسر عند الله سواءٌ.
واعلم أن الإنسان مخلوق من منيّ الرجل، وماء المرأة جميعًا، فإن للمرأة ماءً كماء الرجل مع فارق سنذكره بعده، سألت امرأَة النبي ﷺ : "هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ " قال: "نعم إذا رأت الماء".
وفي ماءِ الرجل حيوانات منوية لا تحصى لكثرتها، ولا ترى إلاَّ بالمجهر لصغرها، وفي ماء المرأة بويضة وحيدة تفرزها كل دورة طهر بعد الحيض، فإذا التقى الرجل بالمرأة لقاء جنسيًّا
стр. 4017
في طهرها، وأخرجا ماءَهما عند اللقاء، وأراد الله الحمل، لقحت بويضة المرأَة بحيوان من مني الرجل في قناة واصلة من مبيضها إلى الرحم، يسميها الطب الحديث "القناة الفالوبية" نسبة إلى مكتشفها، ثم تنحدر البويضة بعد تلقيحها بأَربعة أيام إلى الرحم بعد انقسامها إلى عديد من الخلايا، فتستقر في قرار مكين من جدار الرحم حيث تتطور إلى إنسان سوي، فتبارك الله أحسن الخالقين. (انظر تفصيل ذلك في مثله في صدر سورتي الحج والمؤمنون).
وسبب نزول هذه الآية على ما أخرجه جماعة عن ابن عباس قال: "جاءَ العاص بن وائل إلى رسول الله ﷺ بعظم حائل، ففتَّه بيده فقال: يا محمد أيجمع الله هذا بعد ما رمَّ؟ قال: نعم يبعث الله هذا ثم يميتك ثم يتحييك ثم يدخلك نار جهنم"، فنزلت الآيات: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ .... ﴾ إلى آخر السورة.
والقصة متفقة في جميع الروايات، وإن اختلفت فيمن خاصم الرسول، فعن مجاهد، والسدي، وعكرمة وغيرهم أنه أُبيّ بن خلف الذي قتله الرسول في أُحد بحربة، وقيل: هو أبو جهل، وقيل: غيرهما.
٧٨ - ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾:
هذه الآية معطوفة على الجملة المنفية في الآية قبلها، أي: أولم ير الإنسان أنَّا خلقناه من نطفة، ففاجأ بالخصومة وضرب لنا مثلًا.
والمعنى: وجعل لله نظيرا من الخلق، إذ قاس قدرته على قدرتهم، فنفى قدرته على أن يبعث الخلائق، ونسى خلق الله له من نطفة، إذ قال - وهو يضرب المثل لله بطريق الإنكار والنفي العام -: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾؟ أي: شديدة البلى، يريد أنه لا يستطيع أحد أن يحييها، فأدرج المولى مع الخلائق في هذا النفي العام، وبهذا سواه بالخلائق في العجز عن إعادة الحياة للعظم الرميم وجعله مثلهم، فهذا هو معنى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾.
ومن العلماء من فسر المثل بالأمر الغريب، والمعنى عليه: وأورد في شأننا أمرًا غريبًا يشبه المثل في غرابته، وهو إنكار إحيائنا للعظم الرميم، والمعنى السابق أظهر.
стр. 4018
٧٩ - ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ … ﴾ الآية:
أمر من الله لرسوله أن يجيب على سؤال هذا المعاند، مرشدًا إلى سبيل معرفة الحق. والمعنى: قل له أيها الرسول: يحيي هذه العظام بعد أن تبلى أشد البلى - يحييها - الذي أبدعها أول مرة ورباها، وذلك بأن يحيي الجسد كله والعظام في جملته، فتجرى فيها الحياة لجريانها فيه، وتصبح صلبة مترابطة، بعد أن كانت هشة متفتتة، وذلك أيسر في القياس من بدء خلقها، فذلك من القياس الأولوي، وكان الفارابي يقول: وددت لو أن أرسطو وقف على القياس الجلي في قوله - تعالى -: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (وهو الله تعالى، أنشأ العظام وأحياها أول مرة، وكل من أنشأ شيئًا أولا قادر على إنشائه وإحيائه ثانيًا، فيلزم أن الله قادر على إنشائها وإحيائها بقواها ثانيًا). إ هـ.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾: وهو بكل مخلوق واسع العلم، ولهذا يعلم من كل إنسان صفاته التي كان عليها في الدنيا، وتفاصيل أجزائه وأوضاعها بعضها من بعض، فيعيد كل ذلك على النمط الذي كان عليه، على حد قوله - تعالى -: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (١).
٨٠ - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾:
المراد من الشجر الأخضر على المشهور نوعان: (أحدهما) المرخُ، (والثاني) العَفَار (بفتح العين)، وإخراج النار منهما على ما قاله العلامة أبو السعود: بأن تقطع منهما عُصيَّتَين مثل السواكين، وهما خضراوان، يقطر منهما الماء، فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهو أُنثى، فتقدح النار بإذن الله - تعالى - وقيل: المراد من الشجر العموم، لصلاحية كل الأشجار للاتقاد، وفي المثَل: في كل شجرة نار، واستمجد المرخ والعفار، أي: استكثرا من النار، من مجدت الإبل إذا وقعت في مرعى واسع كثير، وإرادة المرخ والعفار أَنسب بالمقام، ويقول صاحب المختار: واستمجد المرخ والعفار، أي: استكثرا منها كأنهما أخذا من النار ما هو حسبهما، ويقال: لأنهما يسرعان الوَرْىَ، فشُبِّهَا بمن يُكْثِر العطاء طلبًا للمجد.
وأجاز بعضهم - جمعًا بين الرأيين - أن يكون المعنى: الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارًا بالفعل بقدح المرخ بالعفار، فإذا أنتم من الشجر الأخضر المذكور توقدون النار في سواه.
стр. 4019
ووجه الاستدلال على البعث بذلك: أن من قدر على إخراج النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من الماء المضاد لها، فهو أقدر على إعادة الغضاضة فيما كان غضا طريًّا فبلى ويبس.
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾
المفردات:
﴿بَلَى﴾: حرف يجاب به بعد النفي لتحويل النفي إلى إثبات.
﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ اليد: كناية عن القدرة، والملكوت مبالغة في الملك، كالرحموت في الرحمة، والرهبوت في الرهبة، ومعناه: الملك التام.
التفسير
٨١ - ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾:
هذه الآية استئناف من جهة الله - تعالى - لتأييد ما كلف الرسول بتبليغه، وهو: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ … الآيتين. والهمزة للإنكار والنفي، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام.
والمعنى: أليس الذي أنشأها أول مرة، وليس الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارًا وليس الذي خلق السموات والأرض - مع كبرهما وعظم شأنهما - بقادر على أن يخلقهم ومثلهم ويبعثهم من قبورهم مع صغرهم، وحقارة شأنه، بل هو قادر وهو الخلاق الكثير الخلق، العليم الواسع العلم، فلا يعجز عن بعثهم.
стр. 4020
٨٢ - ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾:
ذهب معظم السلف إلى أن الله حين يريد أن يخلق شيئًا يصدر في شأنه أمرًا كلاميا هو قوله: ﴿كُنْ﴾ حسب النص ﴿فَيَكُونُ﴾.
والمعنى على هذا الرأي: ما شأن الله تعالى، أو ما أمره إذا أراد إيجاد شيء إلا أن يقول له: كُن فيكون ويحدث استجابة لأمر الله.
وذهب بعض المحققين إلى أنه لا قول أصلًا، المراد بما جاء في الآية تمثيل قدرة الله في تحقيق مراده بأمر الآمر المطاع للمأمور المطيع، في سرعة حصول المراد من غير امتناع ولا توقف، ورجح هذا بأن الأمر الكلامي لا يوجه إلى معدوم، بل إلى موجود.
والمعنى على هذا: ما شأْنه - تعالى - إذا أَراد إيجاد شيء إلاَّ أَن ينفذه فورا في الحين الذي حدده له.
٨٣ - ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾:
المعنى: إذا كان قد تحقق ما تقدم بيانه من عظيم قدرة الله - تعالى - وأنه إذا أراد شيئًا قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ فتنزيهًا للذي في قدرته الملك التام لكل شيء عمّا نسبوه إليه من عدم قدرته على بعث الخلائق، وإليه ترجعون جميعًا - مؤمنين وكافرين - لا إلى غيره، فيثيب المؤمنين، ويعاقب المنكرين.
واعلم أن الرجوع يوم القيامة سيكون للأرواح والأَجسام على الوجه الذي كانت عليه في الدنيا، ليكون الحساب والجزاءُ لهما جميعًا.
فإن قيل: إنَّ الأجساد تلاشت وتداخلت في تكوين غيرها بعد أن عادت إلى عناصرها الأُولى من تراب وهواءٍ وماءٍ، فقد دخلت في تكوين النبات والحيوان والإنسان، فكيف يمكن إرجاع الأَجساد بعد أن تداخلت في تكوين غيرها.
فالجواب: أن المهم في البعث هو الروح، فهو المسئول الأول عن الأَعمال، وهو الذي يشعر بالنعيم والعذاب، ولولاه لما كان تكليف ولا جزاءٌ، والله تعالى يخلق عند البعث جسدًا
стр. 4021
لكل روح يشبه صاحبه تمام الشبه، وينشئه من العدم أو من الكون على مثاله تمامًا، ليمكن التمايز بين الناس حتى يستطيع أصحاب الظلامات تمييز غرمائهم عن غيرهم، ولا يقال: إن الجسد الذي ينال الجزاءَ على هذا ليس هو الذي أطاع أَو عصى، بل غيره، لأَن الجزاءَ في الحقيقة للروح لا للجسد، والروح هو بعينه لم يتغير.
وقيل: يجمع الله الأَجزاء المتفرقة، ويعيدها كما كانت قبل الموت، وينفخ فيها الروح، والنفس تميل إلى الرأْي الأول، لما قلناه من تداخل عناصره بعد تحلله في مخلوقات أخرى ومكلفين آخرين، ويشير إلى الرأيين المذكورين صاحب الجوهرة بقوله:
وقل يعاد الجسم بالتحقيق … عن عدم وقيل عن تفريق
стр. 4022
سورة الصافات
مكية وآيها ثنتان وثمانون ومائة آية، وقد نزلت بعد الأنعام
مناسبتها لما قبلها
تناسب الصافات (يس) التي قبلها في أنها مثلها في الكلام على أحوال المؤمنين والكافرين في الدنيا والآخرة، والمبدأ والمعاد، وإثبات إمكان البعث، ووجوب توحيد الله ونبذ الشركاء إلى غير ذلك من المقاصد المتجانسة، فلذلك كانت تالية لها.
خلاصة ما جاء فيها
أقسم الله في صدرها بمخلوقات عظيمة وصفها بأَنها صافات وزاجرات وتاليات للذكر، على أنه - تعالى - واحد، وأنه رب المشارق والمغارب، وبين جمال السماء وزينتها، وأنها محفوظة من الشياطين، وأنهم يرجمون بالشهب إن حاولوا التسمع إلى الملأ الأعلى - وهم الملائكة - ثم أثبت إمكان البعث بقدرته - تعالى - فإنه خلق الخلق كله، فلا تصعب عليه إعادتهم، وذكر أنهم سيعودون بأَيسر سبيل، وذلك بأن ينفخ في الصور نفخة واحدة فإذا هم قيام ينظرون، ثم يحشرون ويسأَلون، وأن بعضهم يلقي على البعض الآخر تهمة التسبب في كفرهم، وأَن ذلك لا ينفعهم، فهم يومئذ في العذاب مشتركون؛ لأنهم ﴿كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوآلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾: وأن عباد الله على نقيضهم، فهم في جنات النعيم، على سرر متقابلين، يطوف عليهم الولدان بكئوس الشراب: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾.
ثم قارنت بين هذا النعيم الذي ينعم به المؤمنون، وبين العذاب الذي يشقى به الكافرون فهم في نار جهنم، وإذا طعموا يطعمون من شجر الزقوم، ويشربون من الحميم، ومرجعهم إلى الجحيم، ثم ذكرت بعض القصص للأُمم السابقة وما جره كفرهم عليهم من العقاب في الدنيا، ثم كذبت المشركين في دعواهم أن الملائكة بنات الله، وأن بينه وبين الجنة نسبا ثم بينت أنه - تعالى - سبقت كلمته لعباده المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن جنده لهم الغالبون، وأوصت الرسول بالإعراض عنهم وعن سفاهتهم، وختمت بتنزيه الله - تعالى - عمَّا يصفونه به من أَن له شريكًا وأَن له بنات، وبالسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 4023
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾
المفردات:
﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ أي: وحق الملائكة الصافين أنفسهم، وقيل غير ذلك، وسيأتي بيانه.
﴿فَالزَّاجِرَاتِ﴾: وصف ثان للملائكة المقسم بهم، مأخوذ من الزجر وهو المنع أو الحث أو السَّوْق.
﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾: وصف ثالث لهم بأَنهم يتلون ذكر الله.
﴿الْمَشَارِقِ﴾ هي: مشارق الشمس والكواكب على امتداد خط المشرق.
التفسير
١ - ٤ - ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾:
الصافات والزاجرات والتاليات أوصاف لم يذكر القرآن الكريم معها موصوفها، وقد أقسم الله - تعالى - بها على أن إلهنا واحد، وإذا كان المقسم هو الله، والمقسم عليه وحدانيته، فلا بد أن يكون الموصوف المقسم بصفاته عظيما.
لهذا اختلف المفسرون في الموصوف بهذه الصفات، فقيل: هم الملائكة، فهم يصفون أنفسهم حسب مراتبهم ومقاماتهم في طاعة الله، وانتظار لأمره، وقد جاءَ وصفهم بذلك في قوله - تعالى -: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (١).
стр. 4024
والزجر يطلق لغة على المنع والنهي والحث والسَّوْق، ولا يكون الزاجر إلاَّ متسلطًا، وليس بلازم أَن يصحب الزجر صياح كما في أصل معناه، ووصف الملائكة به لزجرهم الأجرام العلوية والسفلية على وجه يناسب المزجور، من سوق كما في سوق السحاب إلى مواقع المطر، أو حث كما في أمر رئيسهم لمرءُوسهم، أو نهي كما في زجر العباد عن المعاصي بالتخويف من عواقبها، أو منع كما في كف الشياطين عن الإغواء واستراق السمع، وكما أن الملائكة صافات وزاجرات، فهم يتلون ذكر الله فيما بينهم في جملة ما يذكرونه من معارف وتلاوات، يعلمها الله، كما يتلونه عندما يبلغون الأنبياء وحيه سبحانه.
وحمل هذه الأوصاف على الملائكة قال به ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعكرمة، وغيرهم. والملائكة ليسوا إناثًا لقوله - تعالى -: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (١) ووصفهم هنا بأوصاف الإناث مراعاة لتاء التأْنيث في لفظها؛ ولأن الجمع يجوز تأنيث وصفه أو ضميره على معنى الجماعة.
وقيل: إنه - تعالى - أقسم بطوائف الأجرام السماوية المرئية كالصفوف المرصوصة، وبالأرواح الزاجرات، أي: السائقات لها في مداراتها، حيث ترعاها وتدبر أمرها، والمراد بها الملائكة الموكلة بها، وبالجواهر القدسية الذين يَتْلون ذكر الله، وهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، والمراد بها الملائكة الكروبيون، وقيلي: أقسم بنفوس العلماء التي لها هذه الصفات الثلاثة، وقيل: بنفوس الغزاة الصافين في الجهاد، والزاجرين الخيل، أو العدو، التالين لذكر الله لا يشغلهم العدو عنه.
ونحن نقول: لا مانع من إرادة من يتصف بهذه الصفات في طاعة الله ممن ذكروا ومن غيرهم، تعظيمًا لشأنهم، والعطف إما لتغاير الذات أو لتغاير الصفات، وإن اتحدت الذات وكان العطف بالفاء للإيذان بالترتيب الوجودي أو الشرفي.
وقد يقال: ما فائدة القسم بأن الإله واحد عند المنكرين، والجواب: أن القسم لتعظيم المقسم به، وتأكيد المقسم عليه - كما هو المعروف عند العرب الذين نزل القرآن بلغتهم -
стр. 4025
أما تحقيق المقسم عليه فقد تكفل به قوله - تعالى - ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾ كما سنبينه بعد.
٥ - ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾:
أفادت هذه الآية أنه - تعالى - خالق السموات والأرض وما بينهما ورب مشارق الكواكب، وهذه دعوى تحمل في أعطافها الدليل عليها، فإن وجود السموات والأرض في الفضاء محفوظة من التلف مصونة من العيب، مع أداء كل كوكب ونجم وظيفته نحو غيره من الكواكب ونحو نفسه، مع عظمتها في نفسها، وعظمتها في أغراضها، وضرورة كل ذرة فيها لتحقيق أغراضها، وانطواء كل ذرة على أسرار عظيمة، كما كشفت عنه الكشوف المعاصرة، كل ذلك وغيره من أسرار السموات والأرض، يدل أوضح الدلالة على وحدة تدبيرها، ووحدة مدبرها ومنشئها، إذ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ والمشركون يقرون بذلك: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وحيث انتهى التفكير في هذا الكون العجيب إلى أن منشئه واحد، ومدبره والقائم على حفظه وأداءِ وظائفه واحد، فإن ذلك يستتبع أن إلهنا الذي يجب أن نتجه بعبادتنا إليه واحد، وهذا هو جواب القسم السابق: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾.
وكثيرًا ما تتعرض الآيات القرآنية إلى ما بين إلى السموات والأرض كشاهد على وجود الله وربوبيته ووحدانيته كما هنا، ولا بد أنه شيء عظيم حتى يجعل القرآن الكريم وهذه الأهمية في عديد من الآيات، وقد كشف الناس منه الأشعة الكونية والجاذبية، والأَجرام الكثيرة الدائرة بسرعة رهيبة في الفضاء، والشهب والسحب والرعد والبرق والأمطار والرياح، وغير ذلك مما عرف، أَمَّا ما لم يعرف فلا ريب في أنه شيء عظيم، فسبحان من خلق ودبر، واحتجب عن العيون ذاته، وأظهرته آياته.
стр. 4026
﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾
المفردات:
﴿السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾: السماء القربى.
﴿شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾: خارج عن الطاعة.
﴿دُحُورًا﴾ الدحور: الطرد.
﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾: عذاب دائم أو شديد.
﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾: إلاَّ من اختلس من كلام الملائكة اختلاسة.
﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ أي: تبعه، فهو رباعي بمعنى الثلاثي ويتعدى مثله.
﴿شِهَابٌ﴾: هو ما يرى مضيئًا مارقًا بسرعة في الجو كأنه كوكب ساقط.
﴿ثَاقِبٌ﴾: مضئ.
التفسير
٦ - ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾:
السماء لغة: كل ما علاك، ولهذا تطلق على السحاب كما في قوله - تعالى -: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ (١) والمراد هنا ما جعل الله الكواكب زينة لها، ولا بد أن تكون شيئًا آخر غير الكواكب، فإن الزينة شيء وما تزينه شيء آخر، ولأن النبي ﷺ
стр. 4027
كان يستفتح ليلة الإسراء والمعراج، وكان استفتاحه على السموات لا على الكواكب، ولأن الكواكب لا حصر لها، وتتجاوز الأرقام الحسابية التي عرفها البشر، كما أن طبقاتها لا حصر لها أيضًا، فهي مجاميع سُدُمية (١)، لا يبلغها الحساب، وطبقاتها لا يبلغها العدد، وليست سبع طبقات، والله تعالى يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ (٢).
والقبة الزرقاءُ التي تراها العيون ليست هي السماء التي جعلت الكواكب زينة لها، فهي الغلاف الجوي المحيط بالأرض، فإذا تجاوزه فلا يراه، وهذا أمر تحقق علميًّا وكشفيًا.
وعلى هذا تكون السموات السبع التي جعلت الكواكب زينة لها غير مرئية ولا معروفة لنا، ولكننا نرى الكواكب التي جعلها الله زينة للسماء الدنيا أي: القربى من أهل الأرض، وهي أول السموات السبع، فسبحان من لا يعلم سواه عظمته وعظمة الكون الذي أبدعه.
وهذا التفسير هو الذي يساعد عليه ظاهر النص، ومن العلماء من جعل السموات هي نفس الكواكب وما حولها من أجوائها والأشعة الكونية، وقد انقسموا قسمين: فمنهم من يقول: إنها سبع طبقات كوكبية فعلًا، ومنهم من يقول: إن العدد لا مفهوم له سوى التكثير، فإن العرب تستعمل عدد السبع مفردًا أو جمعًا، كالسبعين لغرض التكثير، ويقولون: إنها طبقات كثيرة لا تقف عند عدد السبع.
ونحن نقول لهؤلاء: إذا كانت السموات مجموعات من طبقات الكواكب، فلماذا جعلت الكواكب زينة للسماء الدنيا وحدها كما في هذه الآية وفي آية سورة الملك، وكيف تكون زينة لنفسها، والزينة شيء وما تزينه شيء آخر، وكيف يستفتح الرسول ﷺ ليلة المعراج على كواكب، ثم نقول: علينا أن نؤمن بأن لله سموات سبعًا، وأن الكواكب زينة للسماء الدنيا منها، ونترك العلم بحقيقة ذلك إلى الخالق - جل وعلا -.
والكواكب هي تلك الأجرام المتلأْلئة التي نشاهدها في الفضاء ليلًا، ومنها القمر أقربها إلى الأرض، وقد وصل الإنسان في عصرنا هذا إلى القمر داخل أجهزة علمية، وقد حصل
стр. 4028
العلماء على معلومات عنه أكثر وضوحا من ذي قبل، ومنها أن عناصر تكوينه تشابه عناصر تكوين الأرض، وأن جوه لا يصلح لحياة الإنسان فوقه.
٧ - ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾:
وحفظنا السماءَ حفظًا بتلك الكواكب من كل عفريت من الجن شرير متمرد خارج عن الطاعة، حيث تنزل منها الشهب فتحرق من يحاول استراق السمع في جو السماء من أولئك الشياطين التمردين.
٨ - ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾:
الملأُ الأعلى: الملائكة أو رؤساؤهم، والمعنى: لا يتمكن مردة الشياطين أن يتسمعوا، ويصغوا إلى الملائكة وهم يتحدثون فيما عهد الله به إليهم من شئون الخلائق، فقد حفظت السماء منهم بشهب أصلها من الكواكب، فإن حاولوا الاستماع يقذفون بها من كل جانب من جوانب السماء.
٩ - ﴿دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾:
الدُّحُور: الطرد، والواصب: الدائم أو الشديد كما تقدم في المفردات.
والمعنى: ويقذف أُولئك الشياطين بالشهب من كل جانب لأجل دحرهم عن مجتمع الملائكة في جو السماء، وهم يتحدثون فيما عهد الله به إليهم. ولأُولئك الشياطين عذابٌ شديد دائم في الآخرة، غير عذاب الإحراق بالشهب في الدنيا.
١٠ - ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾:
أي: لا يتسمع أولئك الشياطين إلى الملأ الأعلى، إلاَّ من اختلس منهم كلام الملائكة مسارقة، فتبعه شهاب ثاقب، أي: شعلة قوية الضوء والحرارة فتحرقه.
والشهاب: واحد الشهب، وهي أحجار صغيرة منفصلة عن الكواكب، سابحة في فضاء الله - تعالى - فإذا وصلت في دورانها إلى جاذبية الأرض جذبتها، فمرت بسرعة متجهة
стр. 4029
نحوها، فمن سرعتها تحترق بقوة احتكاكها المتتابع السريع بالهواء، ويكون لاحتراقها لمعان مستطيل. ثاقب: أي ساطع.
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾
المفردات:
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾: فاستخبرهم.
﴿طِينٍ لَازِبٍ﴾: طين لاصق.
﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾: يبالغون في السخرية.
التفسير
١١ - ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾:
المعنى: فاستخبر يا محمَّد مشركي مكة المنكرين للبعث، أهم أصعب خلقًا وإيجادًا، أو أقوى خلقة وبنيانًا، أم من خلقناه من السموات وما فيها من الملائكة والكواكب وروائع العجائب، والأرض وما فيها من جبال وتلال، ونجاد ووهاد، وزروع نضرة، وزهور عطرة، وجماد وحيوان، وماء وحيتان، وما بين الأرض والسماء من الرياح اللواقح، والشهب الثواقب، وغير ذلك من عجائب مبدعاته، وروائع مخلوقاته، إنا خلقنا بني آدم من طين لاصق بعضه ببعض، في ضمن خلق أبيهم آدم، أو خلقناهم أنفسهم من الطين، فإن أصلهم النطفة، والنطفة أصلها غذاء مخلوق من الطين، فهم باعتبار هذا التسلسل مخلوقون من الطين.
стр. 4030
وإذا كانوا مخلوقين من الطين على أي وجه، فكيف يستبعدون بعثهم من التراب، إذ قالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (١) مع أنهم خلقوا في أول أمرهم من تراب ممزوج بالماء فصار طينًا.
١٢ - ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾:
بل: هنا لابتداء كلام آخر، كما قاله صاحب المغني في قوله - تعالى -: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (٢) وليست للعطف، نقله الخطيب معلقًا على البيضاوي، والخطاب للرسول وكل من يدافع عن الحق.
والمعنى: بل عجبت يا منصف الحق من قدرة الله على ما خلقه من الكائنات العلوية أو السفلية، ومع هذا ينكر الكافرون البعث، ويسخرون من تعجبك وتقريرك للبعث.
١٣ - ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣)﴾:
وإذا وعظوا ليؤمنوا بالبعث لا يتعظون، لقساوة قلوبهم، وقلة فطنتهم.
١٤ - ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾:
السين والتاء في "يستسخرون" للمبالغة، والمعنى: وإذا شاهدوا معجزة تدل على صدق من يعظهم ويدعوهم إلى ترك ما هم عليه، يبالغون في السخرية، ويجوز أن تكون السين والتاء للطلب، أي: يطلب بعضهم من بعض أَن يسخروا.
١٥ - ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾:
أي: وقالوا في شأن الآية التي رأوها: ما هذا الذي نراه إلاَّ سحر واضح.
١٦، ١٧ - ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾:
أي: أنُبعث نحن وآباؤنا الأولون إذا متنا جميعًا، وتحولت أجسادنا إلى تراب وعظام؟ يقولون ذلك منكرين نافين للبعث، والهمزة في "أئذا" وفي "أئنا" للإنكار والنفي.