← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

وأسلم نفسى إليه، يحفظنى من كيدكم، ويقينى من سيئاتكم، إنَّه بصيرٌ بالعباد مطلع على أحوالهم التي من جملتها حالى وحالكم، لا يغيب عنه شأن، ولا تخفى عليه خافية. ٤٥ - ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾: الضمير في قوله - تعالى -: ﴿فَوَقَاهُ﴾ لموسى ﵇. والمعنى: فَوَقَى الله موسى ومن معه، وحفظه من فرعون وبطشه، وردّ كيده ومكره إلى نحره، وأنزل به وبقومه العذاب البالغ أقصى درجات السوء في الدنيا بالموت غرقا، وفي الآخرة بالنار إحراقا، وتلك عقبى الظالمين، ومثوى المتكبرين المتجبرين، ولم يصرح باسم فرعون امتهانا له، وإشعارًا بأصالته في المسئولية. ٤٦ - ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾: هذا كلام مستأنف مرتب على سؤال تقديره: كيف حال آل فرعون بعد غرقهم؟ فقيل: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا. . .﴾ الآية. وفي هذه العبارة غاية التهكم بهم وامتهانهم، حيث بدَّلهم الله باسترواحهم بأنفاس الصباح الندية، وأنْسَام العِشاء الرخية - بدلهم بذلك - العَرْضَ على النار غدوًّا وعشيًّا في قبورهم ما دامت الدنيا حتى إذا قامت القيامة قال الله لخزنة جهنم: أدخلوا فرعون وآله المتجبرين أشد العذاب في جهنم في مقابل شدة جبروتهم. وتحديد الوقتين لأنهما الوقتان المعتادان للاسترواح والراحة عند أهل الترف، فيكون ذلك أنكى في التهكم والسخرية، وأجلى في تصوير العذاب والامتهان، ويكون ما بين الوقتين متروكًا لأمر الله - تعالى - يجرى عليهم عذابًا آخر أو ينفس عنهم، ويجوز أن يراد بذكر الوقت التأبيد ما دامت الدنيا جريًا على الأُسلوب العربي في التعبير أحيانًا عن جميع الوقت بذكر الطرفين كما في قول الخنساء: يذكِّرُنى طُلُوع الشَّمس صَخْرًا … وأذكُرُه بِكُلّ مَغِيبِ شَمْس

стр. 4272

ومثل هذا في القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ أي: دائما في كل وقت. والظاهر هو المعنى الأول، وهو عرضهم على النار في وقتى الصباح والمساء، فهو المناسب لحديث الصحيحين البخاري ومسلم عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة". ومن أجل ذلك قيل بعذاب البرزخ. ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨)﴾ المفردات: ﴿يَتَحَاجُّونَ﴾: يحاجّ بعضهم بعضا ويتخاصمون. ﴿الضُّعَفَاءُ﴾: الأتباع. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾: للمتبوعين والسادة. ﴿تَبَعًا﴾: جمع تابع كخدم وخادم - أو على تقدير: ذوى تبع. ﴿مُغْنُونَ﴾: حاملون أو دافعون. ﴿حَكَمَ﴾: قضى وفصل.

стр. 4273

التفسير ٤٧ - ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾: المعنى: واذكر يأيها الرسول لقومك فيما تذكر لهم من أحوال هؤلاء المشركين، وما يجرى عليهم من أجل شركهم وعنادهم - اذكر - إذ يتخاصمون في النار ويحاج بعضهم بعضًا بعد دخولها واصطلاء جحيمها، فيقول الأتباع الضعفاء المغلوبون للسادة القادة الذين استكبروا عليهم وسخروهم لمصالحهم وفتنوهم في دينهم - يقولون لهم - متهكمين شامتين: إنكم كنتم تستعلون علينا في الدنيا وتزعمون لأنفسكم السلطان، والغلبة والقهر، وإنا كنا لكم تبعًا فيما تدعوننا إليه، وتأمروننا به، فهل أنتم حاملون عنَّا الآن أو دافعون بعض ما نعانيه من هول النار وعذابها بسبب طاعتنا لكم واتباع أمركم؟ ٤٨ - ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾: أي: قال السادة الذين استكبروا جوابًا للضعفاء الأتباع الذين سألوهم تهكمًا أن يحملوا عنهم أو يدفعوا بعضًا من العذاب الذي هم فيه فيه - قال الذين استكبروا: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ أي: نحن وأنتم في النار سواء، فكيف نغنى عنكم ونحن لا نقدر أن ندفع عن أنفسنا شيئا من العذاب. ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ أي: إن الله القادر على الحكم المالك لكل شيء قد قضى وفصل بين العباد، فأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وقدَّر لكل منا ومنكم عذابا لا يدفع عنه، ولا يتحمله عنه غيره.

стр. 4274

﴿وَقَالَ الَّذِينَ في النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا في ضَلَالٍ (٥٠) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ المفردات: ﴿خَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾: القُوام على تعذيب أهلها. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالمعجزات والآيات. ﴿بَلَى﴾: نعم جاءونا. ﴿ضَلَالٍ﴾: بطلان وضياع. ﴿الْأَشْهَادُ﴾: جمع شاهد، كصاحب وأصحاب، والمراد: الأنبياء والحفظة. ﴿اللَّعْنَةُ﴾: الإبعاد والطرد من رحمة الله. التفسير ٤٩ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾: المعنى: وقال الذين انتهى أمرهم بدخول النار من الضعفاء والمستكبرين جميعا حين استقروا في الجحيم، ولفَّهم اليأس، وضاقت بهم الحيل، وأعيتهم العلل - قالوا - لخزنة

стр. 4275

جهنم القُوام بتعذيب أهل النار: ادعوا ربكم يخفف عنَّا شيئًا من هذا العذاب الذي نعانيه، أو يدفع عنًا يومًا من أيام العذاب لعلنا نسترد به قوتنا، ونجمع فيه طاقتنا، فيقوى احتمالنا له، وصبرنا عليه. وهو قول يمثل أقصى درجات المهانة والذل، فإنه ليس أذل على النفس، ولا أشد وقعًا من أن تبتغى الرحمة من القائم على تعذيبها، أو ترجو الإشفاق من جلادها، ولهذا اقتصروا في طلبهم على تخفيف قدر يسير، أو وقت قصير. ٥٠ - ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾: المعنى: قال خزنة جهنم لأهل النار الذين طلبوا منهم الدعاة بتخفيف العذاب عنهم - قالوا لهم - إلزاما وتوبيخًا على إضاعة أوقات الدعاء، وتعطيل أسباب الإجابة: ألم تُنَبَّهوا إلى هذا ولم تك تأتيكم رسلكم في الدنيا بالحجج الواضحة، والآيات البينة الدالة على سوء مغبة ما كنتم عليه من الكفر والمعاصي كما ينطق بذلك - قوله تعالى -: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى﴾ (١) أي: قال أهل النار لخزنة جهنم: نعم جاءونا ودعونا ونصحونا وأعذروا بالحجج والبراهين فعارضناهم وكذبناهم. ﴿قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ أي: قال خزنة جهنم لهم إمعانا في التوبيخ والتيئيس: إذ كان هذا شأنكم فادعوا أنتم؛ فإن الدعاء مِنَّا مستحيل لمن يفعل فعلكم وما دعاؤكم مهما تضرعتم وطال دعاؤكم إلا في بطلان وضياع. ووضع الكافرين موضع ضميرهم بيانًا لمقتضيات البطلان، وقصد التوبيخ والامتهان، وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾: يحتمل أن يكون من جملة الكلام القول على لسان الخزنة، وأن يكون من كلام الله - تعالى - إخبارًا منه لرسوله ﷺ

стр. 4276

٥١ - ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾: هذه الآية استئناف كلام مسوق من جهة الله - تعالى - لبيان ما أصاب الكفرة من العذاب المحكى، وهو فرع من فروع حكم كلي تقتضيه الحكمة هو أن شأننا المستمر أننا ننصر رسلنا وأتباعهم الذين يؤمنون بهم، ويصدقون دعوتهم في الحياة الدنيا وننتقم لهم من الكفرة بالاستئصال والقتل والسبى. ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾: ويوم القيامة عند جمع الأولين والآخرين، وشهادة الأشهاد للرسل بالتبليغ، وأداءِ الأمانة على وجهها، وعلى الكفرة بالتكذيب والجحود والعناد. ونصرهم في الدنيا واقع لا شك فيه ولا سبيل إلى تخلفه، وقد يتأخر حدوثه بعض الوقت لحكمة يعلمها الله - تعالى -. ٥٢ - ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾: المعنى: أنَّ يوم يقوم الأشهاد هو يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، أي: يوم لا يكون للظالمين معذرة أصلا يعتذرون بها لانقطاع حجتهم، ونفاد حيلتهم، أو يوم يعتذر الظالمون فلا تقبل منهم معذرة ولا تدفع عنهم من العذاب قليلًا أو كثيرًا، وتكون لهم اللَّعنة، والطرد من رحمة الله، ولهم الدار التي يسوؤهم عذابها ويشقيهم المقام فيها. وهي جهنم. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾

стр. 4277

المفردات: ﴿الْهُدَى﴾: ما يهتدى به من المعجزات والصحف والشرائع. ﴿الْكِتَابَ﴾: التوراة. ﴿الْأَلْبَابِ﴾: العقول، جمع لُبّ. ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾: يخاصمون فيها بالباطل ويجحدون. ﴿سُلْطَانٍ﴾: برهان وحجة. التفسير ٥٣ - ٥٤: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: جاءت هذه الآية بعد الآية السابقة بمثابة تمثيل لنصرة الله - تعالى - لأنبيائه؛ لأن تأييدهم بالمعجزات وإنزال الكتب عليهم نوع من نصر الله لهم، بجانب كونه هدى وذكرى لأقوامهم. والمعنى: ولقد كان من جملة نصرنا لرسلنا وصدق وعدنا لهم أن آتينا موسى ما يهتدى به من المعجزات الهادية إلى الحق، وأورثنا قومه بني إسرائيل التوراة هداية وتذكرة أو هاديًا ومذكرًا لذوى العقول السليمة والأفهام الخالصة من شوائب الوهم، والصافية من غيوم الشكوك والأهواء. ٥٥ - ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾: المراد من ذنبه - صل الله عليه وسلم - ما خافه به الأولى بالنسبة لمقامه، وإن لم يكن ذنبًا في حقه وحق غيره في الواقع (١). والمعنى: إذا علمت ذلك - أيها الرسول - وسمعت ما قصصناه عليك من أن نصرة الرسل تكفل بها الله ووعد بها، فأخْلِدْ إلى الصبر على أذى قومك فإن العاقبة لك، وما سبق به

стр. 4278

الوعد من نصرتك، وإعلاء كلمتك حق وصدق فانتظره ولا تستعجله، وأقبل على التقوى، واستدرك ما حدث منك مما يخالف الأولى بالنسبة لك - استدركه - بالاستغفار ودم على عبادة ربك تسبيحًا وتحميدا وثناء عليه بالعشى "آخر النهار"، والإبكار "الدخول في الصباح" بخاصة، أو في جميع الأوقات، والمراد من التسبيح والتحميد معناهما المعروف، وقيل: المراد بهما الصلاة، فعن قتادة: ركعتان بكرة - صبحا - وركعتان عشيًّا - عصرًا - لأن الواجب بمكة كان ذلك. وبنحوه قال الحسن: ركعتان بكرة وركعتان عشيًا، وحكى في البحر عن ابن عباس أن المراد الصلوات الخمس. ٥٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: المعنى: إن الذين من شأنهم أن يخاصموا في آيات الله البينات، وبراهينه الواضحات ويجحدونها من غير أن يقوم جدلهم فيها على علم، أو يستند إلى برهان ودليل، لا يفعلون ذلك عن رأى سديد، وليس في صدورهم من ذلك إلا كبرٌ على الحق، وتعظُّم عن التعلُّم، ما هم ببالغى هذا الكِبْر الذي يُدْفَعُ به الحق، أو ما هم ببالغى ما أرادوه من جدلهم من إبطال آيات الله، لأن الله - تعالى - أذلهم، وجعل لك الغلبة عليهم فاستسلموا ودخلوا في دين الله أفواجًا. قوله - تعالى -: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ توجيه للرسول ﷺ وأمر له أن يلتجئ إلى الله من كيد من يحسده، ودفع من يبغى عليه. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أي: إن الله - تعالى - هو عظيم السمع لأقوالهم وجدالهم، واسع العلم بأحوالهم وأفعالهم.

стр. 4279

﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ المفردات: ﴿الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: الغافل والمستبصر. ﴿السَّاعَةَ﴾: القيامة. ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: لا شك في وقوعها وحدوثها. ﴿دَاخِرِينَ﴾: صاغرين أذلاء. التفسير ٥٧ - ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لما كان البعث من مواضع جدلهم الواسع، ومكابرتهم الزائفة ناسب أن تأتى هذه الآية بعد آية الجدل تحقيقًا للحق، وتبيينًا لأشهر ما يجادلون فيه جهلًا وعنادًا من غير اعتماد على علم أو استنادٍ إلى برهان، على منهاج قوله - تعالى - ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ (١).

стр. 4280

والمعنى: لخلق السموات والأرض على اتساعهما، وامتداد طولهما وعرضهما، وحكمة نظامهما وما يحتويان من كائنات عظيمة، وما يختلف عليهما من تغاير أطوار، وتباين أحوال، وما يقع فيهما أو عنهما من أحداث - لخلق هذا كله - أكبر وأعظم من خلقه - تعالى - الناس، لأن الناس بالنسبة إلى تلك الأجرام العظيمة والأحداث الهائلة كلا شيء، والمراد: أن من قدر على خلق ذلك فهو - سبحانه - على خلق ما لا يعد شيئًا بالنسبة إليه بدءًا وإعادة أقدر وأقدر، وقوله - تعالى -: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ولكن أكثر الناس من الكفرة والمشركين لا يعلمون شيئًا من هذا، ولا يتدبرونه تدبرًا يهديهم إلى الحق، ويردهم إلى الإيمان والتصديق، فهو الذي تقتضيه الحكمة اقتضاء ظاهرًا ولكنهم لا يفقهون. ٥٨ - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾: نفت الآية السابقة العلم عمّن عطل عقله، وجمد فكره فلم ينظر في آيات الله نظرة تأمل، ولم يعمق التفكير في قدرته الظاهرة في مخلوقاته، وجاءت هذه الآية تبرز هذا المعنى بالقياس بين الأعمى والبصير، وبين المحسن والمسئ، ليستبين الحق من الباطل. والمعنى: وما يستوى الأعمى الذي لا يبصر مباهج الحياة ووشيها وجمالها، ولا يعرف عدوه من صديقه، ما يستوى هذا الأعمى مع البصير الذي له عينان تجولان في أرجاء الكون، وتنطبع على ناظريهما آياته، ويشاهد بهما البساتين وزهورها وثمارها، ويتمتع بصفحات الجمال في كل الكائنات علويها وسفليها، ويرى صديقه فيلاقيه، ويبصر عدوه فيتقيه، وإذا كان هذان لا يستويان في الاستفادة من آيات الحياة الدنيا والشعور بجمالها وجلالها، والاستمتاع بها، فالأعمى محروم والبصير يتقلب في النعيم، وإذا كان هذان لا يستويان فمثلهما المؤمن الذي يعمل الصالحات في دنياه، فينعم في الدنيا بحياته ويخلد في الجنة بعد مماته، فلا يستوى مطلقًا مع الكافر المسئ إلى نفسه وإلي ربه في حياته، الخالد في النار بعد مماته ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ فلا تدركون الحقائق على وجهها.

стр. 4281

وفي الآية لمحات: ١ - عدل عن التقابل الظاهر في قوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾ فلم يقل: والمحسن والمسئ كما في قوله: الأعمى والبصير، إشارة إلى أن المؤمن أصل في الإحسان وعَلَمٌ له. ٢ - قدم الأعمى لمناسبة العمى ما قبله من نفى العلم، وقدم الذين آمنوا بعد عكس ما قبله لمجاورة البصير وشرفه، على أن الافتنان في الأسلوب قد يقتضي طرقًا أخرى، فيقدم ما يناسب الأول ويؤخر ما يقابل الآخر كقوله - تعالى -: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ (١) أو يؤخر المتقابلان كما في قوله - تعالى -: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ (٢). ٣ - وأعيدت (لا) مع المسيء تذكيرا للنفى، لما بينهما من الفصل بطول الصلة، ولإظهار المقصود بالنفى من الفرق بين المحسن والمسئ. ٥٩ - ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي: إن القيامة آتية واقعة لا شك في حدوثها، ولا ريب في وقوعها البتة، لوضوح ظواهرها، وإجماع الرسل على الوعد بوقوعها ولكن أكثر الناس من الكفار والمعاندين لا يؤمنون بحدوثها، ولا يصدقون بوقوعها لقصور أنظارهم، واستيلاء الأوهام على عقولهم. ٦٠ - ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾: هذه الآية الكريمة توجيه من الله لخلقه أن يضرعوا إليه بالدعاء، ويجأروا له بالرجاء، تعظيما لقدرته واعترافا بعجزهم وحاجتهم إلى عطائه وفضله.

стр. 4282

والمعنى: وقال ربكم ادعونى، أي: أعبدونى، والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن الكريم، ويدل عليه قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ والاستجابة: الإثابة، وفي تفسير مجاهد: "اعبدونى أثبكم" وعن الحسن وقد سئل عنها: "اعملوا وأبشروا فإنه حقٌّ على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله "وعن الثورى أنه قيل له: ادع الله - تعالى - فقال: "ترك الذنوب هو الدعاء" وفي الحديث: "إذا شَغَل عبدي طاعتى عن الدعاء أعطيته أفضل ما أعطى السائلين". وروى النعمان بن بشير ﵁ عن رسول الله ﷺ : "الدعاء هو العبادة" وقرأ هذه الآية. ويجوز أن يراد الدعاء والاستجابة على ظاهرهما، ويراد بعبادتى دعائى لأن الدعاء باب من أبواب العبادة، ومن أفضل أبوابها، يصدق ذلك قول ابن عباس ﵁: "أفضل العبادة الدعاء". وعن كعب: أعطى الله هذه الأمة ثلاث خلال لم يعطهن إلاَّ نبيًّا مرسلًا، كان يقول كل نبى: "أنت شاهدى على خلقى" وقال لهذه الأمة: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (١) وكان يقول: "ما عليك من حرج" وقال لنا: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢) وكان يقول: "ادعنى أستجب لك" وقال لنا: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٣). وعن ابن عباس: "وحدونى أغفر لكم" وهذا تفسير للدعاء بالعبادة، ثم للعبادة بالتوحيد. وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي. . .﴾ الآية، معناه: إن الذين يستعلون عن عبادتى ويتعاظمون على توحيدى وطاعتى أو على دعائى والتضرع إليّ سيدخلون جهنم أذلاء صاغرين لا يغنى عنهم تكبرهم من دخولها ولا يدفع عنهم من عذابها.

стр. 4283

﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُوفَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣)﴾ المفردات: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾: لتخلدوا فيه إلى السكون والراحة. ﴿مُبْصِرًا﴾: مضيئًا صالحا للحركة والعمل. ﴿تُؤْفَكُونَ﴾: تصرفون عن عبادة الله. ﴿يَجْحَدُونَ﴾: ينكرون ويكذبون. التفسير ٦١ - ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُوفَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾: تنتقل الآيات إلى بيان فضل الله على عباده بتنظيم أوقاتهم بين الراحة والسكون، وبين العمل والحركة. والمعنى: الله - سبحانه - هو الذي جعل لكم الليل مظلما لتخلدوا فيه إلى الراحة والسكون استجماما من مشاق العمل والسعى، وجعل النهار مبصرا مضيئا، ليعين على السعى والعمل في تحصيل الأرزاق وإنجاز الأعمال، وتوفير أسباب الحياة والعيش، إن الله لذو فضل على الناس جميعًا: مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، بتدبير أحوالهم، وتنظيم أوقاتهم، ولكن أكثر الناس لا يؤدون حق الشكر لهذه النعم لجهلهم بالمنعم وإغفالهم النظر في نعمه.

стр. 4284

٦٢ - ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: أي: ذلكم المتصف بالصفات المذكورة: هو الله وهو وبكم وهو خالق كل شيء، لا إله إلا هو، فهذه جملة من الأخبار مترادفة تعزِّز اللاحقة منها السابقة عليها وتقررها، وتؤكد اتصافه - تعالى - بها واستحقاقه لها، ليحسن بعدها موقع ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تصرفون عن عبادة من هذا شأنه، وتلك صفاته، وهذه أياديه وفضائله. ٦٣ - ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾: أي: مثل ذلك الإفك العجيب والصرف الغريب عن الحق يصرف كل من جحد بآيات الله وأنكرها مع آثارها الظاهرة وشواهدها الباهرة. ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ المفردات ﴿قَرَارًا﴾: مسكنًا ومستقرا تستقرون فيه. ﴿بِنَاءً﴾: سقفا وقبة مضروبة عليكم. ﴿الطَّيِّبَاتِ﴾: الحلائل أو المستلذات من المطعم والمشرب والملبس وغيرها. التفسير ٦٤ - ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: تمضى هذه الآية في تعداد آيات الله - تعالى - وبيان فضله المتعلق بالمكان بعد بيان فضله المتعلق بالزمان في الآيات السابقة.

стр. 4285

والمعنى: الله الخالق البارئ الذي لا يعجزه نظام، ولا يشغله شأن عن شأن: واسع القدرة، بديع الصنعة، ومن مظاهر قدرته، وبدائع صنعته أن جعل لكم الأرض مستقرا تستقرون فيها، وتعيشون عليها، وتسعون في مناكبها، وجعل السماء لكم سقفا محفوظًا وقبةً مضروبة تدفئكم شمسها، وتهديكم نجومها، ويمطركم سحابها، وصوركم فأحسن صوركم حيث خلق كل واحد منكم منتصب القامة متناسب الأعضاء مهيأً لمزاولة الصنائع، واكتساب المعارف والكمالات، وزاد فضله فيكم وتضاعفت نعمه عليكم فرزقكم من الحلال الطيب ما تستلذون به مطعما ومشربا فاستحق بهذا كله التنزيه والتأليه، فتنزه الله - تعالى - رب العالمين، ومالك جميع الخلائق والمخلوقين، فالكل في ملكوته مفتقر إليه في وجوده وسائر أحواله. ٦٥ - ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: هو المتفرد بالحياة الذاتية لا إله إلا هو، إذ لا موجود يدانيه في ذاته وصفاته فادعوه واعبدوه وحده لاختصاصه بما يوجب ذلك - ادعوه - مخلصين والدين من الشرك الخفى والجلى، حامدين له معترفين بربوبيته الكاملة المستأهلة لدوام الحمد والثناء. وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ من الكلام المقول على لسان المأمورين بالعبادة. أخرج ابن جرير وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: "من قال لا إله إلا الله فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين" وذلك قوله - تعالى -: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ .... ﴾.

стр. 4286

* ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾ المفردات: (الْبَيِّنَاتُ): البراهين والآيات الواضحات التي تدل على التوحيد. (أُسْلِمَ): أنقاد وأخلص (خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ): خلق أباكم آدم منه. (نُطْفَة): مَنِيٍّ. (عَلَقَةٍ): دم غليظ. (أَشُدَّكُمْ): كمال عقلكم وقوتكم. (أَجَلًا مُسَمًّى): يوم القيامة، أو يوم الموت. (قَضَى أَمْرًا): أراد إبراز أمر إلى الوجود. (فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ): يوجد عقب الأمر بالتكوين. التفسير ٦٦ - ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:

стр. 4287

هذه الآية مرتبطة بما قبلها، فقد ذكر القرآن في الآيات السابقة أن الله خالق كل شيء، ثم بين بعض آلائه ونعمه على خلقه حيث جعل لهم الأرض قرارا، والسماء بناء، وصورهم فأحسن صورهم، ورزقهم من الطيبات، ثم ذكر بعض صفاته الجليلة وأنه حى لا إله إلا هو، فتوجهوا إليه وحده بالعبادة والحمد، فالحمد كله حق ثابت ومقرر لله رب العالمين. وجاءت هذه الآية لتبين أن الله المتصف بهذه الكمالات أمر رسوله أن يبلِّغ الناس أنه نهى عن عبادة غير الله الذي سبقت صفاته وأمرَ أن ينقادوا ويخلصوا لله رب العالمين فقال: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ .. ﴾ إلخ: أي: قل يا محمد لهؤلاء الشركين وكانوا قد دعوه إلى دين آبائه - قل لهم يا محمد -: نهانى الله الحى القيوم الذي لا إله غيره عن أن أعبُدَ غير الله، وأمرت أن أَذل وأخضع وأنقاد له - تعالى - وأُخلص له دينى لأنه رب العوالم كلها المستحق وحده للعبادة دون سواه. ٦٧ - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: الله وحده الذي خلقكم من تراب، ثم من مَنِيٍّ، ثم من قطعة عالقة بجدار الرحم فيها الخطوط الأُولى للتخليق، ثم يخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا، ثم ينسأ أعماركم ويؤخرها لتبلغوا أشدكم من الكمال والقوة، ثم يمد في آجالكم لتكونوا شيوخا، هو وحده الذي يقلبكم في هذه الأطوار، وعن أمره وتدبيره يكون ذلك كله. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل الشيخوخة بعد بلوغ الأَشد أو قبله. جعلكم الله على هذا النظام وخلقكم على هذا النمط لتبلغوا، وقتا مسمى عنده وهو يوم البعث، وقيل: يوم الموت ولكى تعقلوا ما في هذا التنقل في الأطوار المختلفة من فنون الحِكَم والعِبر والدلالة على أنه - تعالى - قادر على بعثكم، وقال القرطبي: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ذلك فتعلموا أنه لا إله غيره.

стр. 4288

٦٨ - ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: هو الذي يحيى الأموات ويميت الأَحياء، أو الذي يفعل الإحياءَ والإماتة المتفرد بذلك لا يقدر على ذلك أَحد سواه، فإذا أراد إبراز أَمر من الأمور إلى الوجود فإنما يقول له: كن فيكون، من غير توقف على شيءٍ من الأَشباه أصلا، فهو - سبحانه - لا يُخَالَف ولا يُمانَع ولا يُعجزه شئٌ، ما شاء كان لا محالة من غير كلفة ولا معاناة. ويقول الزمخشرى - في موقع جملة: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ مما قبلها - يقول: جعل هذا نتيجة لقدرته على الإحياء والإماتة وسائر ما ذكر من أَفعاله الدالة على أَن مقدورا لا يمتنع عليه كأَنه قال: فلذلك الاقتدار إذا قضى أمرا كان أَهون عليه وأيسره. وقال العلامة الآلوسي: وهذا عند الْخَلَف تمثيل لتأْثير قدرته - تعالى - في المقدورات عند تعلق إرادته - سبحانه - بها وتصوير لسرعة ترتب المكونات على تكوينه من غير أن يكون هناك آمر ومأمور [الآلوسي ص ٨٤]. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُومِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾

стр. 4289

المفردات: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾: كيف تصرف عقولهم عن النظر في الآيات. ﴿بِالْكِتَابِ﴾: بالقرآن. ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾: من الكتب أو الشرائع. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: عقوبة تكذيبهم. وهذا وعيد لهم. ﴿الْأَغْلَالُ﴾: القيود تجمع الأَيدى إلى الأَعناق. ﴿يسحبون﴾: يجرون. ﴿الْحَمِيمِ﴾: الماء الذي بلغ الغاية في الحرارة. ﴿يُسْجَرُونَ﴾: توقد بهم النار أو تمُلأ. ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾: غابوا عن عيوننا فلا نراهم ولا ننتفع بهم. ﴿تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: تبطرون ودون تفكير في الآخرة. ﴿تَمْرَحُونَ﴾: تتوسعون في الفرح والبطر، وقيل المرح: الفخر والخيلاء. ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾: فَقَبُح مقر المتكبرين جهنم. التفسير ٦٩ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾: تعجيبٌ من أَحوالهم القبيحة وآرائهم الفاسده، وتمهيد لما يعقبه من بيان تكذيبهم بالقرآن وبسائر الكتب والشرائع، وترتيب الوعيد على ذلك. والمعنى: انظر يا محمد إلى هؤُلاء المجادلين في آيات الله الواضحة الموجبة للإيمان بها الزاجرة عن الجدال فيها كيف يصرفون عنها إلى الضلال مع صدقها ووضوحها مما يدعو إلى الإقبال عليها، والإعراض عما سواها.

стр. 4290

٧٠، ٧١، ٧٢، ٧٣، ٧٤ - ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُومِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾: الذين كذبوا بالقرآن وبما أرسلنا به رسلنا من الكتب والشرائع وجادلوا فيها فسوف يعلمون عاقبة ما ارتكبوا من الجدال، ووبال ما اجترحوا من التكذيب عند مشاهدة عقوبة ذلك، وجزاءَه حيث تكون الأَغلال والسلاسل في أعناقهم والزبانية يجرونهم بها في الماء الشديد الحرارة، ثم بعد ذلك في النار يسجرون، أي: يطرحون فيها فيكونون وقودا لها. قال مجاهد: يقال: سجرت التنور أي: أوقدته، وسجرته: ملأْته. والمراد بهذا وما قبله ردع المجادلين في آيات الله، والمكذبين برسله وكتبه وتخويفهم، برسم هذه الصورة الرهيبة المفزعة التي تقشعر من سماع وصفها الأَبدان، وتذوب لفائف القلوب. ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: ثم يقال لهم - تقريعا وتوبيخا -: أين معبوداتكم التي كنتم تعبدونها من دون الله؟! ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ أي: قال الكافرون: غابوا عنا، من ضلَّت دابتُه: إذا لم يعرف مكانها. وهذا لا ينافى ما يشعر بأَن آلهتهم مقرونون بهم في النار كما ورد في مواضع أُخري من القرآن، لأَن للنار طبقات ولهم فيها مواقف، فيجوز غيبتهم عنهم في بعضها واقترانهم بهم في بعض آخر، ويجوز أن يكون ضلالهم استعارة لعدم النفع فحضورهم كالعدم. ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ قال الكافرون: بل تبين لنا اليوم أنا لم نكن نعبد في الدنيا شيئًا يعتد به، وهو إضراب منهم عن كون الآلهة الباطلة ليست بموجودة عندهم، أو ليست بنافعة، إلى أنها ليست شيئًا يعتد به، وفي ذلك اعتراف بخطئهم

стр. 4291

وندم على قبح فعلهم حيث لا ينفع ذلك قال الآلوسي: وجعل الجلبى هذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾: (١) يفزعون إلى الكذب لحيرتهم واضطرابهم. وهكذا لا يكتفى بهذا العذاب الجسدى الذي سبقت صورته البشعة، بل يضم إليه عذاب نفسى وهو سؤالهم على سبيل التقريع والتأنيب: أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل نفعكم هؤلاء الشركاء؟ فأجابوا: ﴿ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُومِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾. ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ أي: مثل ذلك الإضلال يضل الله - تعالى - في الدنيا الكافرين حتى إنهم يدعون فيها ما يتبين لهم في الآخرة أنهم ليسوا بشئ. ٧٥ - ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾: تقول الملائكة للكافرين: ذلكم العذاب الذي أنتم فيه - المذكور فيما سبق من سحبهم بالسلاسل والأغلال وتسجيرهم في النار، وتوبيخهم بالسؤال - ذلكم - جزاء ما كنتم تفرحرن في الأرض بغير ما يستحق الفرح، وتظهرون في الدنيا من السرور بالمعصية وكثرة المال والأَتباع والصحة وتنكرون البعث والتوحيد، وبما كنتم تبطرون وتأشرون (٢) حتى نسيتم لذلك الآخرة، واشتغلتم بالنعمة عن المنعم، وفي الحديث: "الله تعالى يبغض البَذِخِينَ الفَرحين، ويحب كل قلب حزين" ذكره الآلوسي والقرطبى. والعدول في الآية إلى الخطاب للمبالغة في التوبيخ؛ لأن ذم المرء في وجهه أبلغ في التوبيخ. ٧٦ - ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾: أي: ادخلوا أبواب جهنم مُقدَّرا لكم الخلود فيها، فبئس المنزل والمأْوى الذي فيه الهوان والعذاب الشديد لمن استكبر عن آيات الله واتباع دلائله وحججه. وكان مقتضى النظم الجليل حيث صُدِّر بلفظ (ادخلوا) أن يقال: فبئس مدخَلُ المتكبرين، ليتجاوب الصدر والعجز كما تقول: زرت بيت الله فنعم المزار، وصلِّ

стр. 4292

في المسجد الحرام فنعم المصلى، وأجاب عن ذلك الآلوسي فقال: لما كان الدخول القيد بالخلود سبب الثواء عبر بالمثوى وصح التجاوب معنى. وأجاب عن ذلك الزمخشرى في كشافه فقال: الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثواء. ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾ المفردات: ﴿حَقٌّ﴾: كائن لا محالة. ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾: أَي بعض الذي نعدهم من العذاب بالقتل أَو الأَسر لهم في حياتك، وجواب الشرط في (فإمَّا) تقديره: فذاك. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أَي: نميتنك قبل ذلك، أي: قبل تعذيبهم. ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾: فإلينا وحدنا يرجعون يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم. ﴿بِآيَةٍ﴾: بمعجزة. ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ قال الطبرى: قضاؤه، وقال الزمخشرى: أمْر الله القيامة، وهما متقاربان. ﴿بِالْحَقِّ﴾: بالعدل. ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾: أهل الباطل.

стр. 4293

التفسير ٧٧ - ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾: يأْمر الله - تعالى - نبيه ﷺ في هذه الآية بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه: فإن الله سينجز له ما وعده به من النصر والظفر على قومه، وجعل العاقبة له ولمن اتبعه في الدنيا والآخرة. ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ به من العذاب في الدنيا فذاك، وذلك وقع، فإن الله قد أقر عينه من كبرائهم وعظمائهم، أبيد بعضهم يوم بدر، وأسر بعض آخر ثم فتح الله عليه مكة، سائر جزيرة العرب في حياته. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ (١) أَي: أَو نميتنَّك قبل ذلك، أَي: قبل أن تنتصر عليهم وننتقم منهم. ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ أَي: فإلينا لا إلى غيرنا يرجعون يوم القيامة فنجازيهم على أعمالهم ونعذبهم أشد العذاب. فإن قيل: إن الله - تعالى - يعلم أَنه سينصره في حياته، فلماذا لم يصرح بنصره على القطع؟ فالجواب: أَن أهل مكة كانوا يتمنون موت النبي ﷺ ويسعون فيه، فالله رد عليهم بذلك مجاراة لهم ليفهمهم أن موت محمد لا يعفيهم من العذاب الموعود. ٧٨ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾: في هذه الآية رد على قريش في طلبهم من الرسول آيات غير التي أَتاهم بها، فبينت أن مجئ الآيات في عهد جميع الرسل لله وحده، وخسر المعاندون. والمعنى: وقد أرسلنا رسلا كثيرين، ذوى شأن عظيم من قبل إرسالك، منهم من جئناك بأَخبارهم وأوحينا إليك قصصهم مع قومهم كيف كذبوهم، ثم كانت للرسل العاقبة والنصرة وذلك كنوح وبراهيم وموسى ﵈.

стр. 4294

ومنهم من لم نقصصهم عليك وهم كثيرون، أخرج الإِمام أحمد عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، كم عدة الأنبياء؟ قال: "مائة أَلف وأَربعة وعشرون ألفًا، الرسل عن ذلك ثلثمائة وخمسة عشر، جما غفيرا". ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: وما صح وما استقام لرسول من أولئك الرسل أن يأْتي بمعجزة إلا أَن يأْذن الله، فالمعجزات: وهي الآيات الدالات على صدق الرسل: على تشعب فنونها واختلاف أنواعا عطايا من الله - تعالى - قسمها بينهم حسبما اقتضته مشيئته المبنية على الحكم البالغة كسائر القسم، ليس لهم اختيار في الإتيان بها، أو تحقيق المقترح منها؛ لأَن الرسل عباد مربوبون له - تعالى - لا يأْتون بشئ من تلقاء أنفسهم، أو خضوعًا لاقتراح قومهم. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: وهو قضاؤه بالعذاب في الدنيا أو الآخرة يوم القيامة ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ أَي: فصل بينهم بالعدل بإنجاء المحق وإِثابته وإِهلاك المبطل. ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: خسر المبطلون في هذا الوقت - وهو وقت مجئ أمر الله - والمراد بالمبطلين: أهل الباطل على الإطلاق المتمسكون به، فيدخل فيهم المفترون على الله والمعاندون والمقترحون للآيات دخولا أَوليا. ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾ المفردات: ﴿الْأَنْعَامَ﴾: الإِبل خاصة، وقيل: الإِبل والبقر والغنم والمعز. ﴿حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾: أَمْرًا ذا بال تهتمون به.

стр. 4295

﴿آيَاتِهِ﴾: دلائل قدرته ووحدانيته في الآفاق وفي أنفسكم. ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾: لا تقدرون على إنكار شيء منها إلا أن تعاندوا وتكابروا. التفسير ٧٩ - ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: المراد بالأنعام الإِبل خاصة، وعممها بعضهم لتشمل الإِبل والبقر، والغنم، والمعز. يقول الله - سبحانه - مُمتنًّا على عباده بما خلق لهم: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾ أي: خلقها ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: تفصيل لما دل عليه الكلام السابق إجمالا، وتعليل لجعلها وخلقها، أي: خلق لكم - سبحانه - الإبل وسائر الأنعام لتركبوا بعضها وتأْكلوا بعضها. ٨٠ - ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾: ولكم فيها منافع كثيرة غير الركوب والأكل كالألبان والأوبار والأشعار والجلود. ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ أي: ولتبلغوا عليها أمرا ذا بال تهتمون به، وذلك كجر الأَثقال وحملها من بلد إلى بلد، وعلى الإبل التي هي نوع من الأَنعام في البر، وعلى السفن في البحر تُحْملون أنتم وأمتعتكم، والمراد من ركوبها والأكل منها والحمل عليها والمنافع الأُخرى تعلقها بالمجموع لا بالجميع، فليس كل واحد من الأنعام يجتمع فيه الركوب والأَكل والحمل وغيرها؛ لأن المراد أن هذه المنافع موزعة بينها، فمنها ما يجمع فيه المنافع كلها كالإبل ومنها ما يكون فيه بعضها كالغنم. ٨١ - ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾: ويريكم الله حججه وبراهينه في الآفاق وفي أنفسكم، ودلائله على كمال شئونه وقدرته ووحدانيته، فأي آية من هذه الآيات الباهرات تنكرون حتى أشركتم به؟ فإن كلا منها من الظهور بحيث لا يكاد يجترئ على إنكاره من له عقل، وأنتم لا تنكرون أن ذلك من فضل الله كل عباده، ولكنكم مع ذلك تعبدون غيره، وهو لا يقدر على خلق ذبابة. ﴿فَأَيَّ﴾ للاستفهام

стр. 4296

التوبيخي، وإِضافة الآيات إلى الاسم الجليل بدل ضميره في قوله - تعالى -: ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾ لتربية المهابة، وتهويل إنكار آياته في صورة عبادتكم لغيره. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ المفردات: ﴿آثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾: قصورهم ومصانعهم فيها. ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾: المعجزات والشرائع الواضحات. ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾: فرح الكفار بما عندهم من علم الدنيا. ﴿أحَاقَ﴾: أحاط أونزل. ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾: فلما عاينوا شدة عذابنا. ﴿وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ يعنون ﴿بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾: الأصنام وسائر آلهتهم الباطلة. ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾: وهلك في مكان نزول العذاب الكافرون.

стр. 4297

التفسير ٨٢ - ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أَي: أقَعدوا فلم يسيروا في الأرض، فيروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ممن سبقهم من الأمم المكذبة للرسل منذ الأزمنة الماضية، وماذا حل بهم من العذاب الشديد والهلاك والتدمير، ولقد كانوا أكثر منهم عددا ومالا وأشد منهم قوة وبأْسًا وآثارًا في الأرض من قصور ومصانع فما أغنى عنهم ذلك شيئًا، ولا رد عنهم من بأْسه وعذابه ما كسبوه من قوة وسلطان وما جمعوه من أموال. ٨٣ - ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: فحين جاءَت هذه الأُمَم رسلُهُم بالشرائع والمعجزات والآيات الواضحات لم يلتفتوا إليهم ولم يقبلوا عليهم، بل فرحت هذه الأمم بما عندهم من علوم الدنيا واستهزأوا بعلم الله الذي جاء به الأنبياءُ، كما قال - تعالى -: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (١) فنزل بهم من بأس الله ما لا قبل لهم به، وأحاط بهم العذاب الذي أَخبرهم به المرسلون وكانوا يستهزئون ويسخرون منه ويستبعدون وقوعه. وقيل: المراد بما عندهم من العلم: علم الفلاسفة الذي فرحوا به وأقبلوا عليه، وتركوا من أجله هدى السماء الذي جاء به الأنبياءُ، والزمان متشابه، فقد رأَينا في هذا الزمان من ترك وحى الله وشريعته فرحا بما أصاب من فضلات هؤُلاء الفلاسفة. ٨٤ - ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾: فلما رأَت تلك الأُمم عقابنا الذي أوعدتهم به الرسل، وعاينوا عذابنا الشديد الذي نزل بهم قالوا: صدقنا بالله وحده، وأنكرنا الأصنام، وجحدنا الآلهة الباطلة التي كنا

стр. 4298

مشركين بسبب عبادتنا لها، وهكذا وحدوا الله وأفردوه بالعبادة وكفروا بالطاغوت ولكن حيث لا تُقَال العثرات ولا تنفع المعذرة. ٨٥ - ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾: أَي: فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم عند رؤية عذابنا الشديد، وخسر الكافرون وهلكوا وقت وقوع العذاب، والحكمة الإلهية قضت ألاَّ يقبل ذلك الإيمان؛ لأن الله سن سنة قد سبقت في عباده، ألا يقبل الإيمان حين نزول العذاب، ومثل هذا ما حدث لفرعون، فلقد حكى القرآن عنه أنه قال - حين أدركه الغرق -: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) فرد الله عليه فقال: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (٢) ولم يقبل الله من فرعون هذا الإيمان الذي اضطر إليه حين أَدركه الغرق، وتلك التوبة التي كانت حين حضره الموت، ومات كافرا مهانا، وأمضى الله فيه سنته، ولن تجد لسنة الله تبديلا.

стр. 4299

سورة فصِّلت مكية، وآياتها أربع وخمسون، نزلت بعد غافر، وتسمى سورة السجدة، وسورة حم السجدة، وسورة الأَقوات. مناسبتها لما قبلها: ذكر في سورة (غافر): ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ … ﴾ الآية ٨٢ وكان ذلك متضمنًا تهديدًا وتقريعًا لقريش، وذكر - جل شأْنه - هنا في سورة فصلت تهديدًا وتقريعًا لهم، وخصهم بالخطاب في قوله تعالى -: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ … ﴾ الآية ١٣ ثم بين - سبحانه كيفية إهلاكهم وفيه نوع بيان لما في قوله - تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا … ﴾ إلخ الآية. وبينهما أوجه من المناسبة غير ما ذكر كذكر قصص بعض الأنبياء، والدعوة إلى التوحيد، وبيان عاقبة المخالفين. مقاصد السورة: بدئت السورة الكريمة ببعض حروف المعجم كما في بعض سور القرآن الكريم، ولقد أشادت السورة في أكثر من موضع بسمو القرآن: ورفعة شأْنه، وما جاءَ به من تبشير وإِنذار، ثم ذكرت موقف المشركين من الرسول ﷺ ، وما أظهروه من تعنت معه وشدة إعراضهم عنه، واستهزائهم به، ومحاربة دعوته، ومجابهته بالزور والأَباطيل، وموقف الرسول منهم، وثقته بالله، وثباته على دعوتهم إلى التوحيد والاستقامه، ثم تمضى السورة في تذكير المشركين بآيات الله في خلق السموات والأرض، وتنذرهم بما حدث لأَقرب الأُمم إلى منازلهم وهم عاد وثمود، وما نزل بهم من عذاب، وتخوفهم بذكر بعض مشاهد يوم القيامة، يوم تشهد عليهم أعضاؤهم بما اقترفوا من سيئات، وما يكون بينهم وبين هذه الأعضاء من مجادلة ومحاجة، وما يدعو به الأتباع ربهم في هذا اليوم العظيم:

стр. 4300

﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ (١) ثم تتحدث عن المؤمنين الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا وما أُعد لهم، وتعقد الموازنة بين الخير والشر، وتبين أثر الكلمة الطيبة والأخلاق الحسنة في النفوس: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٢). ثم تمضى السورة الكريمة تلفت الأَنظار إلى قدرة الله على البعث وإحياء الموتى، وتنذر الملحدين في آيات الله وهم لا يخفون عليه فقد وسع علمه كل شيءٍ، وتبين أن الذين كفروا بالقرآن من غير تدبر لآياته سيكون لهم العذاب الشديد والعقاب الأليم. والسورة تذكر الرسول بأن ما يقال له من أعدائه قد قيل للرسل من قبله من أعدائهم، فصبروا وصمدوا، وبلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، وتبين أن ربك لذو مغفرة لمن يجيب، داعى الله، وذو عقاب شديد لمن تمرد ولم يلب النداء، ثم يبين الحق ﷻ أنه لو جعل القرآن أعجمِيا، كما اقترح ذلك بعض المتعنتين والمكابرين، لقالوا معترضين منكرين: هلا نزل بلغة نفهمها ولسان نعرفه؟ ويأمر الرسول بأن يقول ردا عليهم: ﴿هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾. ثم تذكر السورة صورًا من طبائع الإنسان وأُسلوب سلوكه. ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُودُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ وتختم السورة بمثل ما بدئت به من التنويه بالقرآن الكريم، وأن الله سَيُظْهِر بحججه وآياته في الآفاق وفي أنفس الناس - سيظهر - أنه الحق الذي لا ريب فيه. ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ وتوضح أن ما حدث من الكافرين من إنكارهم للرسالات سببه أنهم في شك من لقاءِ ربهم. ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾.

стр. 4301

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾ المفردات: ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾: بُيِّنت ومُيَّزت وجعلت تفاصيل في معان مختلفة. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: مقروءًا باللسان العربى. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: يعلمون ما فيه، لكونه بلسانهم. ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾: انصرف واستكبر أكثرهم على الإصغاء إليه وهم كفار قريش. ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾: سماع قبول. ﴿أَكِنَّةٍ﴾: أغطية متكاثفة، جمع كِنَان كَغِطاء وزْنًا ومعْنًى. ﴿وَقْرٌ﴾: صمم، وأصله: الثقل. ﴿حِجَابٌ﴾: ساتر مانع عن الإجابة. التفسير ١ - ﴿حم﴾. قال السلف: في مثل هذه الحروف: الله أعلم بمراده، وقيل: اسم للسورة أو للقرآن، وقيل: حرفان مسرودان من حروف المعجم بُدِئَت بهما السورة كنهج القرآن وطريقته في

стр. 4302

افتتاح بعض سوره بذلك، لبثِّ الانتباه، وللتدليل على إعجاز القرآن بأنه مؤلف من كلمات ذات حروف مما تنظمون منه كلامكم، وقد عجزتم عن الإتيان بمثله، ومحمد مثلكم، وذلك دليل على أنه من عند الله، وقد تقدم الكلام على مثل هذه الحروف موسعًا في أول سورتي البقرة وآل عمران فارجع إليه إن شئت. ٢ - ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: أَي: هذا القرآن الكريم منزل من الله الرحمن الرحيم، وإضافة التنزيل إلى الرحمن الرحيم من بين أَسمائه - تعالى - الإيذان بأن ما فيه من تشريع وخير للبشرية ومصالح دينية ودنيوية واقع بمقتضى الرحمة الربانية. ٣ - ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: أي: القرآن كتاب ميزت آياته، لفظًا بفواصلها ومقاطعها، وأوائل السور وخواتمها، ومُيِّزتْ معنًى بما فيها من وعد ووعيد، وشرائع وعقائد، وقصص وأخلاق وعلوم. ومن أنصف عَلِمَ أنه ليسَ في الكتب كتاب اجتمع فيه من العلوم والمعارف المتنوعة مثل ما في القرآن وقال سفيان: فصلت بالثواب والعقاب، وما ذكرنا أَولا أعم، ولعل ما ذكره من باب التمثيل لا الحصر وقيل: ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ في التنزيل، أَي: لم ينزل جملة واحدة، وقرئَ (فَصَلَتْ) بفتح الفاء والصاد مخففة، أَي: فرقت بين الحق والباطل. وقال ابن زيد: فصلت بين النبي ﷺ وبين من خالفه. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أَي: مقرؤًا باللسان العربي، وفيه امتنان بسهولة قراءته وفهمه لنزوله بلسان من نزل بين أظهرهم. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أَي: لقوم عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المبينة بلسانهم العربي المبين، لا يلتبس عليهم شيء منه، ولو كان غير عربي لما علموه. ٤ - ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ صفتان لقوله: ﴿قُرْآنًا﴾ أَي: تارة يبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أَن لهم أَجرًا حسنًا، وتارة ينذر الكافرين والمخالفين بما أعد لهم من عذاب أليم وعقاب شديد،

стр. 4303

﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ أَي: انصرفوا عن تدبره وقبوله، والإصغاء إليه واتباعه، فلم ينتفعوا به ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ القرآن سماع تدبر وإمعان، وقد جُعلوا لإعراضهم عنه غير سامعين له على سبيل المجاز. ٥ - ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾: وقال الكافرون لرسول الله: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ أَي: قلوبنا في أغطية متكاثفة لا ينفذ إِليها شيء مما تدعوننا إليه من الإيمان باللهِ وحده وترك ما ألفينا عليه آباءنا من عبادة الأَوثان ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ أَي: وفي آذاننا صمم فلا نسمع ما تعرضه علينا. ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ أَي: ومن بيننا وبينك حجاب منيع وساتر غليظ، يمنعنا من قبول ما جئتنا به، ومن التواصل بيننا وبينك، وهو الخلاف في الدين، لأنهم يعبدون الأصنام، وهو يعبد الله . و (مِنْ) في قوله - تعالى -: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ للدلالة على أن الحجاب مبتدئ من الجانبين بحيث استوعب ما بينهما من المسافة المتوسطة، ولم يبق فراغ أَصلا. قال الآلوسي: وما حكاه الله عنهم في الجمل الثلاث: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ تمثيلات لنبوّ قلوبهم عن إدراك الحق وقبوله، وطرد أسماعهم له، وامتناع مواصلتهم وموافقتهم للرسول ﷺ . وذكر أبو حيان: أنه لما كان القلب محل المعرفة، والسمع والبصر معينين على تحصيل المعارف، ذكروا أن هذه الثلاثة محجوبة عن أن يصل إليها شيء مما يدعو إليه الرسول ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ أَي: فَاعمل على دينك، أو في إِبطال أَمرنا، إِننا عاملون على ديننا، أو عاملون في إبطال أَمرك، والكلام على الأَول متاركة وتقنيط عن اتباعه، وعلى الثاني مبارزة بالخلاف والتحدِّى.

стр. 4304

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾ المفردات: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾: فاسلكوا إليه الطريق المستقيم بالتوحيد. ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: لا يؤدون الزكاة المفروضة إلى مستحقيها، وقيل: المراد بالزكاة: المعنى اللغوى، أَي: لا يفعلون ما يزكى أنفسهم ويطهرها وهو الإيمان والطاعة. ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير مقطوع ولا منقوص. التفسير ٦ - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾: أَي: قل - يا محمَّد - لهؤلاءِ المشركين المكذبين: ما أنا إلا بشر مثلكم، لست ملكًا ولا جنيا لا يمكن التلقى منه، والفهم عنه، ومعرفة ما يدعو إليه، ولا أَدعوكم إلى ما تنبو عنه العقول السليمة، وترفضه النفوس القويمة، وإنما أدعوكم إلى التوحيد الذي جاءت به كل الأديان، ودعت إليه كل رسالات السماء، ودلت عليه دلائل العقل، فاستقيموا إليه بالتوحيد وإِخلاص العبادة، ولا تتمسكوا بِعُرَى الشرك وتقولوا لمن يدعوكم إلى التوحيد: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ بل اسلكوا في الوصول إليه الطريق القويم، واطلبوا منه المغفرة لما سلف

стр. 4305

منكم من القول والعمل، كالشرك بالله ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: وعذاب أليم وهلاك شديد للمشركين لشركهم وعدم استقامتهم وتوبتهم. ٧ - ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: قال ابن كثير: قال علي بن أَبي طلحة: عن ابن عباس: يعني الذين لا يشهدون أَن لا إِله إلاَّ الله، وكذا قال عكرمة، وهذا كقوله - تعالى -: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (١) وكقوله - سبحانه -: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٢) والمراد بالزكاة هنا: طهارة النفس من الشرك والأخلاق الذميمة. وقال السدى: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أَي: لا يؤدون الزكاة المعروفة، وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين واختاره ابن جرير، وإن اعترض على هذا الرأى بأَن إيجاب الزكاه كان في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة - كما ذكره غير واحد - وهذه الآية مكية، فقد أجيب عن ذلك بأَن إطلاق اسم الزكاة على طائفة مُخْرَجَةٍ من المال على وجه مخصوص كان شائعًا ومأمورًا به في ابتداء البعثة، قال - تعالى -: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٣) فأَما الزكاة المعروفة ذات النصاب والمقادير المخصوصة فإِنما بُيِّن أمرها بالمدينة. اهـ: ابن كثير بتصرف. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ الجملة حال مشعرة بأَن امتناعهم عن الزكاة وبخلهم بها، لإنكارهم للآخرة واستغراقهم في الدنيا، وإنما خُص منع الزكاة مقرونًا بالكفر بالآخرة من بين أوصاف المشركين، لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على ثباته واستقامته، وصدق نيته وصفاء طويته، ألا ترى إلى قوله - تعالى -: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٤). أي: يثبتون ويدللون على ثباتها على الإيمان بإنفاق الأموال، وفي هذا حث للمسلمين على إخراج الزكاة، وتخويف شديد من منعها، حيث جعل المنع من أوصاف المشركين، وقرن بالكفر بالآخرة.

стр. 4306

٨ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: لما ذكر ما ينال المشركين بقوله - تعالى -: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ إلخ. ذكر ما ينال المؤمنين المخلصين ومعناه: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جزاء حسن، وأجر غير مقطوع ولا منقوص، قال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير مقطوع، مأْخوذ من: مَنَنْتُ الحبل: إذا قطعته، وعنه أيضا وعن مقاتل: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير منقوص وهذان الرأَيان متقاربان في المعنى المراد. ولذ اخترناهما في تفسير قوله - تعالى - ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. والآية الكريمة - كما روى عن السدى - نزلت في المرضى والزمنى إذا عجزوا عن كمال الطاعات كتب لهم من الأَجر - في المرض والهرم - مثل الذي يكتب لهم وهم أَصحاء شبان ولا تنتقص أُجورهم، وذلك من عظم كرم الله ورحمته، نسأَله - سبحانه - أَن يتغمدنا برحمته إِنه نعم المولى ونعم النصير. ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾ المفردات: ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾: من أيام الله، لا من أيامنا. ﴿أَنْدَادًا﴾: جمع نِدّ، وهو الكفء والنظير. ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ وجعل فيها جبالا ثوابت. ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾: أكثر خيرها وزاده.

стр. 4307

﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾: قسم فيها أَرزاق أَهلها ومعايشهم وما يصلحهم، وقيل غير ذلك، وسيأْتى لذلك مزيد بيان في الشرح. ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾: في أربعة أيام كاملة لا نقصان فيها ولا زيادة. التفسير تمهيد: بين الله - سبحانه - في الآيات السابقة أَن رسوله محمدًا ﷺ لم يكن إلا بشرًا كسائر البشر. أُوحى إِليهِ من ربه: أَن إلههم إله واحد، وأَمرهم أَن يستقيموا في عبادته ويستغفروه عما فرط منهم من المعاصي والسيئات، وهدد بالويل والثبور أولئك المشركين الضالين الذين لا يزكون أنفسهم، ولا يطهرونها بالإيمان بشريعة الله، وهم يكفرون بالآخرة وما فيها من جنة ونار وثواب وعقاب، كما بين - جل شأْنه - أَن للمؤمنين الصالحين أَجرًا دائمًا، وثوابًا عظيمًا غير مقطوع، وبعد أَن بين ذلك قال - سبحانه - في تخطئة من كفر به: ٩ - ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا … ﴾: قد يتبادر إلى بعض الأذهان أن المراد من اليوم في الآية ما تعارف عليه الناس، من أنه من الفجر إلى غروب الشمس، أو من شروقها إلى غروبها، أو مجموع النهار والليل. ولكن هذا الذي يتبادر إلى بعض الأَذهان غير صحيح، فقبل خلق الأَرض لم يكن الليل والنهار موجودين، فإنهما نشآ بعد وجود الأَرض ودورانها حول محورها وحول الشمس، على أَن النهار والليل بنظامهما في أرضنا ليس موجودا في كوكب آخر، فلو أنك ذهبت إلى القمر أو إلى أَي كوكب غيره لوجدت الليل والنهار يختلفان عن نظامهما في أَرضنا هذه. إذا عرفت هذا فاعلم أَن اليومين اللذين خلق الله فيهما ذات الأَرض وجسمها من أيام الله - تعالى - وأيامه - جل وعلا - تختلف في شئونه، فمرة يكون اليوم ألف سنة، قال - تعالى -: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ

стр. 4308

سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (١) وكقوله - تعالى -: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٢) ومرة يكون قداره خمسين ألف سنة، كقوله تعالى -: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٣) وقد يكون أكثر من ذلك. وحيث كان الأَمر كذلك فالأيام التي خلق الله فيها الأَرض والسموات لا نستطيع تقدير اليوم فيها بألف سنة، أو بخمسين ألف سنة، أو بأَكثر من ذلك حسب سنة التطوير التي أرادها الله في تكوينها، وحيث أَمسك القرآن والسنة عن بيان مقدار اليوم في خلقهما، فعلينا أَن نمسك عن الحدس والتخمين فيه. ولفظ (إنَّ) في (أَئِنَّكُمْ) لتأْكيد الإِنكار، وقدمت عليها همزة الاستفهام الإِنكارى لأَن لها الصدارة، أو الإِشعار بأَن كفرهم المؤكد من البعد بحيث ينكر العقلاء وقوعه مع وجود هذه الآيات المقتضية لعميق الإيمان. والمعنى: قل أَيها الرسول منكرا على المشركين أشد الإِنكار، ومشعرا بأَن كفرهم مع هذه الآيات لا يعقل، قل لهم: لماذا تكفرون بالذي خلق الأَرض في يومين، وتلحدون في ذاته وصفاته، حيث جعلتم له أندادا وشركاء عبدتموهم معه - تعالى - مع أنهم لا شأْن لهم في خلقها؟! واعلم أَن المراد بالأرض الأرضون السبع، كما جاء في قوله - تعالى -: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (٤) ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أَي: ذلك العظيم الذي فعل كل ذكر هو رب العالمين، وخالق ما كان وما يكون، إنه هو الذي يَمُدُّ كل مخلوق بأسباب حياته وبقائه، ويمنحه مقومات وجوده بيسر وسهولة: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٥).

стр. 4309

١٠ - ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا … ﴾ الآية: أَي: أنه - جل شأْنه - أَوجد في الأَرض جبالا ثوابت حتى لا تضطرب ولا تميد، ليمشى الناس فيها ويترددوا في أمر معاشهم، ويحصلوا أَرزاقهم، ويعمروا تلك الأَرض تحقيقًا لقوله - تعالى -: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (١) ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ أَي: وكَثَّر في الأرض خبرها، فأجرى فيها عذب الماء، فتنبت الزرع والأشجار، قال - تعالى -: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ (٢). ويسقى الله منه أَنعامًا وأَناسىَّ كثيرا، وأَوجد فيها - سبحانه - البحار نأْكل منها لحما طريا: السمك بأَنواعه وأَشكاله وطعومه، ونستخرج منها حلية نلبسها ونتزين بها: كاللآلئ والمرجان، ونمخر عبابها بالسفن الجوارى التي تنقل الناس من بلد إلى آخر يبتغون من فضل الله رزقا حلالًا طيبا، فيتبادل الناس المنافع والخيرات ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ أَي: قدر - سبحانه - أَن يوجد من الأنواع المختلفة ما يناسب كل إقليم وبلد، وخص أماكن بأنواع من النبات والثمرات والمعادن التي تدخل في الصناعات، وجعل بعضا آخر من تلد النعم في بقاع أُخرى ليكون كلٌّ في حاجة إلى غيره فتعمر الأرض، ويتعارف الناس، ولله در القائل: الناسُ للناس من بَدْوٍ وحاضرة … بعضٌ لبعض وإن لم يَشْعُرُوا خَدَمٌ ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ قد يخطر على الذهن أنه - تعالى - جعل في الأرض رواسى وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في زمن مقداره أربعة أَيام، وهذا خطأٌ لأَنه يترتب عليه أَن الله خلق الأرض وما عليها في ستة أيام: يومين لخلق ذات الأرض وأَربعة أَيام لخلق ما عليها. ووجه الخطأ في ذلك أن الله - تعالى - خلق السموات والأَرض وما بينهما في ستة أيام، (٣) فوجب تأْويل الآية ليبقى يومان من السِّتَّة لخلق السموات، وذلك بتقدير مضاف، أَي:

стр. 4310

في تتمة أَربعة أَيام، بأن جعلها في يومين آخرين غير اليومين الأولين، فتم أَربعة أَيام، وأولها الزمخشرى تأْويلا جميلا، فجعل ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ خبرا لمبتدأ مقدر، أَي: كل ذلك من خلق الأَرض وما بعده كائن في أَربعة أَيام. وجاء قوله - تعالى -: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ بعد ما تقدم ليفيد أَن الأيام الأربعة متساوية وكاملة لا نقص فيها، وأن هذا جواب للسائلين عن الأَيام التي خلقت فيها الأَرض، وجعلت صالحة للمعاش، وقوله: ﴿لِلسَّائِلِين﴾ خبر لمبتدأ تقديره: هذا الحصر في الأَيام الأربعة كائن للسائلين. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ المفردات: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾: ثم قصد. ﴿فَقَضَاهُنَّ﴾: فخلقهن وأَتقن أَمرهن. ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾: وخلق في كل منها ما أعد لها. التفسير ١١ - ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾:
следующие страницы →