← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾ المفردات: ﴿مَا يُجَادِلُ﴾: ما يخاصم. ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ﴾: فلا يخدعك. ﴿تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾: تنقلهم فيها للتجارة. ﴿وَالْأَحْزَابُ﴾: الذين تحزبوا على الرسل في كل أمة. ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أي: ليبطلوه ويزيلوه به. التفسير ٤ - ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾: الجدال: الخصام والنقاش، وهو نوعان: جدال بالباطل، وجدال بالحق، وقد سجل الله في هذه الآية الكفر على الذين يجادلون في آيات الله بالباطل، بالطعن فيها، يريدون إدحاضها، وإبطالها، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾. أما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها وحلِّ مشكلها، واستنباط معانيها وأحكامها، ورد أهل الزيغ عنها فهو جهاد عظيم في سبيل الله.

стр. 4237

وعندما نجادل أهل الكتاب في عقائدهم ونصوص كتبهم، نجادلهم بدون اعتداءٍ، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١). وقد كانت قريش تجادل في القرآن غرورًا بما هم فيه من السعة والتجارة، من مكة إلى الشام وإلى اليمن وبالعكس، فأوصى الله نبيه ﷺ أن لا يغره ولا يخدعه تقلبهم في تجارتهم في البلاد، وسلامتهم من العقاب مع كفرهم، فإنه متاع في الدنيا قليل، عاقبته الهلاك في الدنيا، ثم العذاب يوم القيامة عقوبة لهم إن بقوا على كفرهم، "إن الله ليُمْلِي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته". والمعنى الإجمالي للآية: ما يجادل في آياتنا الواضحة البيان، المؤيدة بالبرهان، إلاَّ الذين كفروا بالحق مع وضوحه، فلا يغررك أيها الرسول ولا يخدعك تقلبهم في التجارة من بلد إلى بلد، وما هم فيه من الغنى والسعة، فإن ذلك متاع قليل بعده الهلاك وسوء العقاب، كما قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (٢). وكما قال في سورة لقمان: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (٣). ثم سلى الله نبيه بما حدث للرسل قبله من أقوامهم فقال: ٥ - ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾: القوم قد يؤنث بتأويل الجماعة، وهو هنا كذلك، ولذا أُنث له الفعل في كذبت والأخذ يستعمل بمعنى الحبس والمنع تارة، وبمعنى الإهلاك تارة أُخرى. والمعنى: كذبت قبل قريش قوم نوح والأحزاب من بعدهم - كذب هؤلاء جميعًا - رسلهم الذين دَعَوْهم إلى نبذ الأوثان، وعبادة الواحد الديان، وحاولت كل منهم حبس رسولهم ليقتلوه، وهموا بذلك، ومنهم من قتلوه، وخاصموا بالباطل من القول ليقضوا

стр. 4238

به على الحق، فأهلكتهم واستأصلتهم، فكيف كان عقابى لهولاء؟ كان عقابًا مستأصلا رادعًا لسواهم، وإذا كان الأمر كذلك فلا يَغْرُرْكَ تقلب قومك في البلاد وما هم فيه من الحرية والسعة، فهم أهون على الله من أولئك. ٦ - ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾: أي: ومثل قضائه على الذين تحزبوا على رسلهم من قبلك يا محمد - مثل قضائه ذلك - حقت كلمة ربك وقضاؤه بالإهلاك للمشركين من قومك - إن بقوا على كفرهم وشركهم، لأنهم أصحاب النار مثل سابقيهم، فالعلة واحدة، وهي أنهم أصحاب النار وأهلها مثلهم، لكونهم كفارًا معاندين، مهتمين بقتل نبيهم اهتمام أولئك بقتل أنبيائهم. ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ المفردات: ﴿الْعَرْشَ﴾ العرش في اللغة: بمعنى سرير الملك، وسيأتي الكلام عليه في التفسير. ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: بساتين إقامة، من عَدَن بالمكان أقام به.

стр. 4239

التفسير ٧ - ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا … الآية﴾: يقول القرطبي: وأقاويل أهل التفسير على أن العرش هو السرير، وأنه جسم مجسم خلقه الله وأمر ملائكته بحمله، وتعبدهم بتعظيمه والطواف به، كما خلق في الأرض بيتًا وأمر بني آدم بالطواف به واستقباله في الصلاة. ويقول الآلوسي: هو جسم عظيم له قوائم الكرسى، وما تحته بالنسبة له كحلقة ملقاة في فلاة: اهـ. وقد جاء في وصفه ووصف أجسمام حملة العرش آثار متعارضة، لا نرى داعيا لذكرها في تفسيرنا هذا. والذي ينبغي أن نؤمن به هو أن لله عرشا عظيما هو مصدر أوامره لملائكته، ليقوموا بما يكلفون به في كون الله - تعالى -. وإذا كان العرش هو الكرسي فإنه أكبر من السموات والأرض، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. ولابد أن يكون تكوينه أعجب وأعظم من السموات والأرض، وأن تكون فيه الهيمنة عليها والارتباط بها، وهو حادث أوجده الله بعد أن لم يكن، فقد جاء في الحديث الصحيح: "كان الله ولا شيء معه، وكان عرشه على الماء". ويجب الإيمان بأن العرش ليس موضعا لجلوس الله - تعالى - فإنه - تعالى - ليس كالأجسام حتى يحتاج إلى مكان ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). ولم أر حديثا صحيحا في كون العرش له قوائم، فإذا كان العرش يسع السموات، والأرض فما حاجته إلى القوائم، وعلى أي شيء يرتكز والسموات دونه كحلقة ملقاة في فلاة، إنه حينئذ يكون شأنه كشأن السموات في أنها بغير عمد ترونها، فهو مرفوع مثلها

стр. 4240

في الفضاء الكوني بقدرة الله التي ربطت بين الكون برابطة الجاذبية، وبما هو فوق مستوى العقول، فسبحان العزيز الحكيم القدير العليم. ومن العلماء من قال: إنه غير الكرسي وإنه أعظم منه، استنادا إلى حديث أخرجه ابن مردويه بسنده عن أبي ذر قال: قال ﷺ : "والذي نفسى بيده ما السموات السبع عند الكرسى إلاَّ كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسى، كفضل الفلاة على تلك الحلقة". وظاهر الآية أن الملائكة يحملون العرش حقيقة، ونحن نقول: ما المانع من أن يكون المراد من حملهم إياه كونهم الرؤساء الذين يحملون مسئولية تبليغ أوامر الله لسائر ملائكته في كونه. والله تعالى أعلم. والملائكة الذين حول العرش كثيرون لا يحصى عددهم سوى الله - تعالى - وقيل: هم سبعون ألف صف يطوفون مهللين مكبرين، ومن ورائهم سبعون ألف صفٍّ قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم، رافعين أصواتهم بالتكبير والتهليل، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل، ما منهم واحد إلاَّ وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر، وقيل غير ذلك. ولكننا نقول: إن محاولة ضبط أعدادهم من الرجم بالغيب، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (١). والمعنى الإجمالي للآية: الملائكة الذين يحملون عرش الرحمن ويبلغون أوامر ربهم منه، والملائكة المنبثون حول العرش، ينزهون الله - تعالى - عن كل ما لا يليق به، قائمين بحمد ربهم على نعمه التي لا غاية لها، ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا قائلين في استغفارهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ فرحمتك تتسع لذنوبهم وعلمك محيط بجميع أعمالهم، فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا وأقلعوا عن معاصيهم وآثامهم، واتبعوا ما أمرتهم به من الطاعات، واحفظهم من عذاب الجحيم.

стр. 4241

٨، ٩ - ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: ومن دعاء حملة العرش ومن حوله من الملائكة قولهم: ربنا وأدخل الذين رجعوا عن ذنوبهم واتبعوا سبيلك، جنات عَدْن يقيمون بها هم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم وتجاوز عن تقصير بعضهم حتى يلحقوا في الدرجة من هم أعلى منهم من آل بيتهم، لتقر أعينهم وتستريح نفوسهم، إنك أنت العزيز الذي تنفذ مشيئته ولا ترد كلمته، الحكيم في أقواله وأفعاله، وحكمه وقضائه، وجَنِّبهم جزاء السيئات ووبالها، وما تجنبه جزاءها يوم القيامة فقد رحمته، حيث لطفت به فنجيته من عقوبتها وذلك هو الفوز العظيم الذي لا غاية وراءه. قال سعيد بن جبير: إن المؤمن إذا دخل الجنة سأل عن أبيه وابنه وأخيه أين هم؟ فيقال: إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل، فيقول: إني إنما عملت لي ولهم، فيلحقون به في الدرجة، ثم تلا سعيد بن جبير هذه الآية: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠)﴾ ١٠ - شروع في بيان أحوال الكفرة أهل النار، إثر بيان أحوال المؤمنين أهل الجنة، فالأمور تتميز بضدها فضل يتميز. وقد دلت الآية على أن الكافرين يمقتون أنفسهم ويبغضونها، وذلك حينما يعلمون أنهم أصحاب النار.

стр. 4242

وقيل: إنهم يمقتونها حين يقول لهم الشيطان: ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١)، وقيل: حين دخولهم النار. ونحن نقول: إنه لا مانع من أن يمقتوا أنفسهم في ذلك كله. والذين ينادونهم هم خزنة النار، وقيل: هم المؤمنون ليضاعفوا حسرتهم. ومعنى الآية: إن الذين كفروا بالله ورسله، ينادون حين يمقتون أنفسهم لتسببها في عذابهم - ينادون - حينئذ من الملائكة أو من المؤمنين: لَبُغْضُ الله لكم أشد من بغضكم لأنفسكم، حين تدعون من أنبيائكم إلى الإيمان فتكفرون، مع وضوح الحجة وسطوع البرهان، فحق عقابكم لبغض الله لكم بسبب كفركم. ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾ ١١ - أفادت هذه الآية أن الكفار يسترحمون ويطلبون من الله الرجوع إلى الدنيا، ليعملوا من الصالحات ما فاتهم، ويتوسلون إلى ذلك، بأنه قادر على تحقيق ما يطلبون فقد أماتهم مرتين، وأحياهم مرتين، فهم يرجون الإحياء مرة ثالثة. والمقصود من إماتة المرة الأولى: أنه جعلهم ترابًا لا حياة فيه قبل خلق آدم منه، قال ابن مسعود: هذه الآية كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢). وبهذا قال ابن عباس والضحاك وغيرهما. وقال السدى: أميتوا في الدنيا ثم أُحْيُوا في قبورهم، ثم أميتوا ثم أحيوا يوم القيامة وقيل غير ذلك.

стр. 4243

ويرجح ابن كثير الرأى الأول ثم يقول: بل هو الصواب الذي لا شك فيه. واستعمال الإماتة في ذلك على سبيل التجوز، والمراد: جعل الشيء لا حياة فيه، وليس على معنى صرف الحياة عنه بعد أن كانت موجودة فيه، كما تقول: ضَيَّقَ فَمَ القربة، أي جعله ضيقا، وليس على معنى أنه كان واسعًا فضيقه. ويلخص ابن كثير مواقف الكفار في يوم القيامة فيقول: والمقصود من هذا كله أن الكفار يسألون الرجعة وهم وقوف بين يدي الله في عَرَصات القيامة كما قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ (١). فلا يجابون ثم إذا رأوا النار وعاينوها ووقفوا عليها، ونظروا إلى ما فيها من العذاب والنكال، سألوا الرجعة أشد مما سألوا أول مرة فلا يجابون، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (٢) فإذا دخلوا النار وذاقوا مسها وحسيسها ومقامعها وأغلالها، كان سؤالهم للرجعة أشد وأعظم: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (٣)، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (٤) وفي هذه الآية الكريمة تلطفوا في السؤال، وقدموا بين يدي كلامهم مقدمة، وهي قولهم: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ أي: قدرتك عظيمة، فأنت قادر على ما تشاء، وقد اعترفنا بذنوبنا، وأننا كنا ظالمين لأنفسنا في الدار الدنيا: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ فهل أنت مجيبنا إلى أن تعيدنا للدار الدنيا، فإنك قادر على ذلك، لنعمل غير الذي كنا نعمل، فإن عدنا إلى ما كنا فيه فإنا ظالمون، فأجيبوا: أن لا سبيل إلى رجوعكم إلى الدنيا، وهذا الجواب ملحوظ غير ملفوظ، وقد دلت عليه الإشارة في قوله تعالى:

стр. 4244

﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ ١٢ - فهذه الآية تعليل للمنع من إجابتهم، المطوى بين الآيتين، أي: ذلكم المنع بسبب أن سجاياكم لا تقبل الحق ولا تقتضيه، بل تجحده وتنفيه، فأنتم هكذا تكونون وإن رددتم إلى الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. انتهى بتصرف. ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾: فهو الحكم العدل في خلقه، ولا حُكم يوم القيامة لسواه، وقد حكم للمؤمنين بالجنة هم فيها خالدون، وحكم على الكافرين بالنار هم فيها لا يخرجون. ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ ١٣ - الخطاب هنا لجميع البشر، فآيات الله مرئية لعباده جميعا، وحجته قائمة عليهم. والمعنى: الله هو الذي يريكم آياته الدالة عليه في السموات والأرض، من الذرة إلى المجرة، وهو الذي يطعمكم ويسقيكم، حيث ينزل لكم من السماء أمطارا هي السبب الأول في أرزاقكم، فمنها تشربون، وبها تروون زروعكم وبساتينكم، فيخرج لكم بفضله أنواعا مختلفة من الطعام والفاكهة العجيبة الشأن، الكثيرة الألوان - صيفا وشتاءً: - وكلها تستقى بماء واحد، ويفضل الله بعضها على بعض في المذاق والغذاء والدواء، وما يتذكر ويتعظ إلا من يرجع إلى الله عن طاعة نفسه الأمارة بالسوء، والشيطان الذي يفسد على الناس عقولهم، وأفكارهم، ويرجع عن تقليد الآباء في عقائدهم، فهذا هو المنيب إلى الله، الراجع إليه من الصوارف عن الهدى.

стр. 4245

﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ ١٤ - الخطاب هنا للمؤمنين، والمراد من دعاء الله: عبادته. والمعنى: فاعبدوا الله وحده مخلصين له الدين، فهو الذي يستحق العبادة وحده، ولو كره الكافرون. أخرج الإِمام أحمد بسنده إلى أبي الزبير محمَّد بن مسلم بن مِدْرسى المكى قال: "كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شى قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". قال: "وكان رسول الله ﷺ يهلل بهن دُبُرَ كل صلاة" أي: يرفع صوته بهن عقب كل صلاة. ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُوالْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ المفردات: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾: عَلِيّ القدر جليل الشأن في ذاته وفي صفاته.

стр. 4246

﴿ذُو الْعَرْشِ﴾: صاحبه وخالقه لا عن حاجة إليه. ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾: ينزل الوحى. ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾: يوم يلتقى الخلق بالخالق، والمخلوقون بعضهم ببعض في زحام القيامة. ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾: ظاهرون لا يخفى على الله منهم شيء. التفسير ١٥ - ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُوالْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾: أمر الله في الآية السابقة أن يدعو المؤمنون ربهم مخلصين له الدين، وجاءت هذه الآية لتبين رفعة قدر الله تعالى في ذاته وفي صفاته وفي سماواته وفي عرشه، وأنه تعالى هو صاحب الشأن في الوحى، يلقيه على من يشاء من عباده الخيرة. وإطلاق اسم الروح على الوحى، لأنه للأرواح بمنزلة الروح للأبدان، فكما تحيى الأبدان بالروح، تحيى الأرواح بالوحى، فهي بدونه في حكم الميتة. ومن العلماء من فسر الروح بالقرآن، لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ (١) ومنهم من فسره بجبريل، لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ (٢) وكلها معان متقاربة، بل متلازمة. ويوم التلاقى هو يوم القيامة، حيث يلتقى المخلوق بخالقه للحساب والجزاء، ويلتقى جميع البشر بعضهم ببعض في موقف الحساب والقضاء، وهو يوم عصيب على العصاة والكافرين، فلهذا كان من أهم أغراض الوحى لجميع الأنبياء إنذار أممهم أهوال هذا اليوم ليجتنبوها بالإيمان والطاعة. والمعنى الإجمالي للآية: هو الله رفيع القدر في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، وفي سماواته، وجميع كائناته، صاحب العرش المحيط بهذا الكون، ينزل الوحى من أمره على

стр. 4247

من يختاره من عباده الأكرمين، ليخوف الناس من يوم قيام الناس لرب العالمين، وتلاقيهم معه للحساب والجزاء، حتى يجتنبوا الموبقات، ويفعلوا المنجيات من الطاعات. ١٦ - ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾: هذه الآية لزيادة توضيح المخاوف في يوم "التَّلاق" ولفظ "يوم" هنا بدل من ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ في الآية السابقة، وقد بينت هذه الآية أن الخلائق يومئذ ظاهرون لله، فلا يخفى على الله منهم شيء مما عملوه في الدنيا، فقد أحاط بكل شيء علمًا، كما أنهم ظاهرون بعضهم لبعض، حيث زالت الجبال والتلال، واستوت الأرض فلا ترى فيها عوجًا ولا أمتا، ولا يوجد ملجأ يختفى فيه أحد عن الله أو عن غريمه. وقد كان في الدنيا ملوك ملكهم الله على عباده، وجعل لهم الحكم في رعاياهم، وقد زال سلطانهم في الآخرة، وأصبحوا مسئولين كسائر رعاياهم، بل أشد منهم، فإن الملك يومئذ لله الواحد القهار. وفي هذا اليوم العصيب يسأل من قتل الله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فيجاب من جهة الخلائق: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. قال القرطبي نقلًا عن النحاس: وأصح ما قيل فيه، ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يعص الله عليها، فيؤمر منادٍ ينادى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورًا وتلذذًا، ويقوله الكافرون غمًّا وانقيادا، وخضوعًا"، ثم قال: والقول صحيح عن ابن مسعود، وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا بالتأويل. والمعنى الإجمالي للآية مَعَ ما قبلها مما يرتبط بها: يلقى الله الوحى من أمره على من يختاره من عباده لتبليغ رسالته، لينذر يوم التلاقى، يوم جميع الناس ظاهرون لعلم الله، لا يغيب عنه شيء من أفعالهم وذواتهم وصفاتهم، ظاهرون بعضهم لبعض، أولهم وآخرهم لا يحجب بعضهم عن بعض حجاب، فقد سويت الأرض، وأزيل منها الجبال والهضاب، فلا ترى فيها عوجا ولا أمتا، وحينئذ يسأل الملائكة في هذا اليوم العصيب والمحشر الرهيب: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فيجيب الخلائق مؤمنهم وكافرهم: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار﴾.

стр. 4248

١٧ - ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: بعد ما يقر الخلائق بأن الملك يوم القيامة لله الواحد القهار، يجابون من قبل الله على ألسنة الملائكة: اليوم تجزى كل نفس بما كسبته في دنياها، الحسنة بعشر أمثالها إلى ما شاء الله، والسيئة بمثلها، لا ظلم اليوم في محكمة العدل الإلهى، ولا بطء في صدور الأحكام، إن الله سريع الحساب، لا يشغله حساب أحد عن حساب آخر، ولا حساب أمة عن حساب أخرى، فإنه - تعالى - ليس محتاجا إلى تذكر أعمال العباد أو الاطلاع عليها في كتب أعمالهم، فإنه يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، وكما يرزقهم في ساعة واحدة يحاسبهم في ساعة واحدة، فكل واحد منهم يتلقى كتاب عمله، ويرى فيه حسناته وسيئاته والحكم الذي صدر له أو عليه، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (١) كما أنه تعالى ليس محتاجا إلى شهود ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢). نسأل الله الأمان في ذلك اليوم الرهيب. ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)﴾ المفردات: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾: يوم القيامة، سمى بالآزفة لقربه، من أزف الشيء يأزَفُ أزَفًا إذا قرب، فهو من باب تعب. ﴿كَاظِمِينَ﴾: كاتمين مع الضيق.

стр. 4249

﴿حَمِيمٍ﴾: قريب يهتم لأمرهم. ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾: هي النظرة الخفية إلى ما يعاب في العلانية. التفسير ١٨ - ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾): يأمر الله نبيه في هذه الآية بأن ينذر قومه المشركين ويخوفهم من يوم القيامة المسمى: بالآزفة لقربه، فإن ما بقى من عمر الدنيا بالنسبة إلى ما مضى منه قليل جدًا، وقد ظهرت أشراطها وعلاماتها فضلا عن أن كل آت قريب. ونظير هذه الآية: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ (١) أي: قربت الساعة، وقد وصف الله يوم الآزفة بأن القلوب تصل فيه إلى الحناجر، وهذا على سبيل المجاز، مثل قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ (٢). وتراهم في هذه الشدة كاظمين كاتمين لغمهم وكربهم، لا يتكلمون إلاَّ بإذن الله، وليس لهم شفيع يطاع، فقد منع الله الشفاعة للكفار، قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (٣) فلا شفيع لهم في هذا اليوم حتى يطاع. والمعنى الإجمالي للآية: وخوِّف المشركين - أيها الرسول - من يوم الساعة القريبة. حيث يشتد فيه الأمر حتى كأن القلوب تبلغ الحناجر كاظمين كاتمين لهمومهم وأحزانهم وكروبهم، ليس للظالمين في ذلك اليوم صديق يشفق عليهم، ولا شفيع مأذون له حتى يطاع وتقبل شفاعته.

стр. 4250

١٩ - ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾: أي: يعلم الأعين الخائنة، قال ابن عباس: هو الرجل ينظر إلى المرأة، فإذا نظر إليه أصحابه غضَّ بصره، فإذا رأى منهم غفلة تدسَّس بالنظر، فإذا نظر إليه أصحابه غضَّ بصره، وقد علم الله منه أنه يود لو نظر إلى عورتها. وقال مجاهد: "هي مسارقة الأعين إلى ما نهى الله عنه" وهذا أشمل، وكما يعلم الله خائنة الأعين، يعلم ما تخفيه صدور الناظرين: هل يزنون لو خلوا بها أو لا. ٢٠ - ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: والله يجازى من نظر إلى المحارم ومن لم ينطر إليها، ومن عزم على مواقعة الفواحش ومن عزف قلبه عنها. والأوثان التي يعبدونها من دون الله لا تقضى بشى؛ لأنها لا تعلم شيئا ولا تملك، إن الله هو السميع لأقوال خلقه البصير بأعمالهم، فيجازيهم حسب أعمالهم. ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢)﴾ المفردات: ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: آخر أمرهم، وعاقبة كل شيء آخره.

стр. 4251

﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ما يبقى بعدهم كالقلاع والحصون. والمفرد: أثر مثل: سبب وأسباب. ﴿مِنْ وَاقٍ﴾: من مانع يمنع عنهم عذاب الله. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: المعجزات الواضحات. التفسير ٢١ - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾: المعنى: أقعد الكفرة المكذبون برسالتك ولم يسيروا في الأرض فينظروا ما آل إليه حال من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم كعاد وثمود وأمثالهم. كانوا هم أشد منهم قوة وتمكنا في التصرفات، وأقوى آثارًا في الأرض مثل: القلاع الحصينة، والمدائن القوية، وقد حكى الله عن قوم منهم: أنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتا مما لا يقدر عليه هؤلاء كما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ (١) ومع هذه القوة العظيمة، والبأس الشديد لم يتركوا يمرحون، بل حقت عليهم كلمة الله، فأخذهم أخذا وبيلًا. تركهم أثرًا بعد عين، وما كان لهم واق من الله يمنع عنهم العذاب الذي حل بهم، ويقيهم منه، وأريد بذلك التنبيه على عجز شركائهم عن إنقاذهم من الهلاك. ٢٢ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: أي: سبب ذلك الأخذ البالغ الغاية في الشدة أنهم كانت تأتيهم رسلهم بالمعجزات البينة، والأحكام الواضحة التي تنير لهم طريق الحق. فقابلوهم ريثما أتوهم بالإعراض والكفر. فأهلكهم الله، ودمَّر عليهم بسبب ما صنعوا؛ لأنه - سبحانه - متمكن مما يريده غاية التمكن قادر عليه. ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: لمن كذب برسله وآياته.

стр. 4252

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾ المفردات: ﴿بِآيَاتِنَا﴾: جمع آية وهي للعجزة. ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ المراد بالسلطان هنا: الحجة الواضحة والبرهان البيِّن. ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ أي: وما مكرهم إلاَّ في خسران. ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أي: أن يغير عبادتكم لي بعبادتكم لغيرى. ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ أي: جعلته معاذًا لي ولكم، بمعنى: اعتصمت به، يقال: استعذت بالله وعذت به معاذا وعياذًا: اعتصمت. التفسير ٢٣ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: في ذكر قصة الإرسال إلى فرعون ومن معه وتفصيل ما جرى. تسلية لنبيه ﷺ عن تكذيب من كذبه من قومه. وبشارة له بأن العاقبة والنصرة له في الدنيا والآخرة، كما جرى

стр. 4253

لموسى بن عمران. فإن الله أرسله بالمعجزات البينة والدلائل الواضحة، والحجج القاهرة فكذبوه فأغرقهم الله. والمراد بالسلطان المبين: ما أريد بالآيات، ونُزِّل تغاير الوصفين منزلة تغاير الذاتين. وحكى الطبرسى أن المراد بالآيات: حجج التوحيد. وبالسلطان المبين: المعجزات الدالة على نبوته ﵇ التي أرسل بها. ٢٤ - ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾: فرعون ملك القبط بالديار المصرية وهامان وزيره في مملكته، وقارون قيل: هو الذي كان من قوم موسى. وقيل: غيره، وكان مقدم جيوش فرعون. وذكرهما من بين أتباع فرعون لمكانهما في الكفر وكونهما أشهر الأتباع. ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾: يعنون أن موسى ﵇ ساحر فيما أظهره من المعجزات التي حملوها على السحر. كذاب في دعواه أن الله أرسله، قالوا ذلك لما عجزوا عن معارضته. ٢٥ - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾: لم يكترث موسى ﵇ بقولهم عنه: ساحر كذاب، ومضى في تبليغ رسالة ربه بالبرهان القاطع الدال على أن الله - تعالى - أرسله إليهم، وحينما عجزوا عن معارضته دفعهم العجز عن المعارضة والغيظ الذي تمتليء به قلوبهم إلى الانتقام ممن آمن به، حيث قالوا: ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ أي: اصنعوا بهم ما كنتم تفعلونه من قتل أبنائهم وترك نسائهم أحياء كي تصدوهم عن مظاهرة موسى ﵇ وتأييده، فالأمر بالقتل والاستحياء حدث من فرعون مرتين، المرة الأولى كانت قبل ميلاد موسى ﵇ لأجل الاحتراز من وجود من يقتل فرعون بعد أن أخبره الكهنة والمنجمون بأن أحد بني إسرائيل سوف يسلبه ملكه، أو كان غرضه إذلال هذا الشعب وتقليل عددهم أو لمجموع الأمرين، والمرة الثانية كانت بعد إرسال موسى ﵇ إليه وإيمان من آمن معه كما يقول

стр. 4254

قتادة؛ لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان بعد ولادة موسى ﵇ فلما بعث الله موسى أعاد القتل علي بني إسرائيل غيظًا وحنقا، وزعمًا منه أنه يصدهم بذلك عن مظاهرته ظنًّا منه أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكه على يده، وقد شغلهم الله عن ذلك بما أنزل عليهم من أنواع العذاب كالضفادع والقمل والدم والطوفان إلى أن خرج بنو إسرائيل من مصر، فأغرق الله فرعون وجنوده وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ أي: إلا في خسران وهلاك لا يغنى عنهم شيئًا، وهذه الجملة جئ بها في تضاعيف ما حكى عنهم من الأباطيل للمسارعة إلى بطلان ما أظهروه من الوعيد، واضمحلاله بالمرة، والإظهار في موضع الإضمار حيث لم يقل وما كيدهم لذمهم بالكفر، والإشعار بعلة الحكم. ٢٦ - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾: وقال فرعون لقومه: اتركونى أقتل موسى، وكان فرعون إذا هَمَّ بقتل موسى ﵇ كَفُّوه بقولهم: ليس هذا مما تخافه فهو أقل من ذلك وأضعف، وما هو إلا ساحر يقاومه ساحر مثله. وإنك لو قتلته أدخلت على الناس الشبهة، واعتقدوا أنك عجزت عن مظاهرته بالحجة، وعدلت إلى المقارعة بالسيف، ولكنه كان قتالًا سفاكًا للدماء في أهون شيء. فكيف لا يقتل من أحسّ أنه هو الذي يثل عرشه ويهدم ملكه. ولكنه مع ذلك كان يخشى إذا همَّ بقتله أن يعاجل بالهلاك، فقوله: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى … الآية﴾ كان تمويهًا على قومه، وإيهاما بأنهم هم الذين يكفونه - وماكان يكفه في واقع الأمر إلاَّ ما تمتلئ به نفسه من هول وفزع وقوله: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ تجلد منه وإظهار لعدم المبالاة بدعائه أي: لا يهولنكم ما يذكر عن ربه فإنه لا حقيقة له، وأنا ربكم الأعلى .. قال ذلك استهانة بموسى حسب ظاهره .. كما يقال: ادع ناصرك فإنى منتقم منك. أما بحسب باطنه فكانت ترتعد فرائصه. ويضيق صدره. وتتلاحق أنفاسه خوفًا من دعاء موسى لربه، ثم يقول تبريرًا لما زعم أنه يريد قتله، للتمويه على أتباعه:

стр. 4255

﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ إن لم أقتله ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أي: أن يغير ما أنتم عليه - وكانوا يعبدونه ويعبدون الأصنام التي أمرهم بنحتها وعبادتها لتكون لهم شفعاء عنده كما كان كفار مكة يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ كما أنى أخاف أن يظهر في أرضكم الفساد إن لم يقدر على تبديل دينكم بالكلية، بأن يُحيل أمنكم إلى اضطراب وتناحر، فتتعطل المزارع والمكاسب، ويهلك الناس قتلًا وضياعًا، وقال قتادة: عنى بالفساد طاعة الله - تعالى - فأراد أن الفساد في الأرض بظهور طاعة الله. ٢٧ - ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾: أي: وقال موسى ﵇ لقومه بعد ما تردد على لسان فرعون من حديث قتله: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾. والخطاب في قوله: ﴿وَرَبِّكُمْ﴾ لمن آمن بموسى أي: اعتصمت بالله ربي وربكم واستعذت به ويؤيده قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ (١) وليس الخطاب لفرعون وقومه، فإن فرعون ومن معه لا يعترفون بربوبيته - تعالى - وفي قوله: ﴿رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ بعث لهم على أن يقتدوا به فيعوذوا بالله عياذه. ويعتصموا به اعتصامه، فإن في تظاهر النفوس تأثيرًا قويًا في استجلاب الإجابة وصدّر ﵇ كلامه بإن تأكيدا، وتنبيها على أن السبب المؤكد في دفع الشدة هو العياذ بالله - تعالى - ولم يُسَمِّ موسى فرعون حين استعاذ بالله، بل ذكره بوصف يعمه وغيره من الجبابرة بقوله: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ لتعميم الاستعاذة والإشعار بعدة الجرأة على الله - تعالى -، وأراد بالتكبر الاستكبار عن الإذعان للحق وهو أقبح استكبار وأدله على دناءة ومهانة صاحبه، وضم إليه عدم الإيمان بيوم بالجزاء، ليكون أدل وأدل على أنه بلغ الغاية في الطغيان، فمن اجتمع فيه التكبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة. فقد استكمل القسوة والجرأة على الله - تيعالى - ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها.

стр. 4256

﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨)﴾ المفردات: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: من أهله وأقاربه. ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ أي: يخفيه ويستره عن فرعون وقومه. ﴿جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالآيات التسع الدالة على صدقه. ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أي: إن لم ينزل بكم كل الذي يعدكم به، بل بعضه هلكتم. ووعد يستعمل في الخير والشر وهو في الخير أكثر، ويتعدى بنفسه وبالباء. وقالوا: أوعده خيرا وشرا بالألف أيضًا وهو في الشر أكثر. ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾: وهو الذي جاوز القصد وجانب الاعتدال في أموره. التفسير ٢٨ - ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾: ذكر بعض المفسرين أن اسم هذا الرجل حبيب، وقيل: شمعان قاله السهيلى، وهو أصح ما قيل فيه، وهو قبطى من أهل فرعون وأقاربه آمن بموسى سرًّا. قال السدى: وهو

стр. 4257

الذي نجا مع موسى ﵇ وهذا الرجل هو المراد بقوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى … الآية﴾ (١) وهو قول مقاتل، وقال ابن عباس: لم يكن مؤمن من آل فرعون غيره وغير امرأة فرعون، ولم يتعرض له فرعون بسوءٍ؛ لأنه كان ابن عمه وصاحب شرطته كما قال الآلوسي، أو لأنه كان يكتم إيمانه عن فرعون وملئه دون موسى ﵇ ومن اتبعه - قال هذا الرجل المؤمن لقومه -: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: أتقصدون قتله كراهة أن يقول: ربي الله وحده من غير رَوِيَّة منكم في أمره، وقد جاءكم بالمعجزات الظاهرة الشاهدة على صدقه، والأدلة الكثيرة، وهذا استنكار من ذلك الرجل عظيم، وتبكيت لهم شديد، كأنه قال: أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة. وما لكم من شيء تأخذونه عليه إلاَّ كلمة الحق التي نطق بها وهي قوله: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ والحال أنه قد جاءكم بالبينات التي عاينتموها وشاهدتموها لا بينة واحدة جاءكم بها من عند ربكم الإله الحق. وهذا استدراج لهم إلى الاعتراف واستنزال لهم عن رتبة المكابرة. ثم أخذهم بالاحتجاج فقال: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ ولم يكن ذلك لشك في رسالته وصدقه، ولكن تلطفًا في كفِّهم أي: لا يتخطاه وبال كذبه فيحتاج في دفعه إلى قتله: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أي: وإن يكن موسى رسولًا صادقًا، يصبكم بعض العذاب الذي يتوعدكم به إن لم يصبكم كله إلاَّ إذا تعرضتم له بسوءٍ وفيه مبالغة في التحذير فإنه إذا حذرهم من إصابة بعض ما يتوعدهم به أفاد أنه مهلك مخوف، فما بالهم إذا أصابهم كله، وهذا كلام صادر عن غاية الإنصاف وعدم التعصب، ولهذا قدَّم احتمال كونه كاذبًا، وقيل: المراد بصبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا. وهو بعض ما يعدهم، كأنه خوفهم بما هو أظهر احتمالًا عندهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾: استئناف قصد به احتجاج آخر ذو وجهين: أحدهما: أنه لو كان مسرفًا كذابا لما هداه الله إلى البينات، ولما أيده بتلك المعجزات. وثانيها: أنه إذا كان كذلك خذله الله وأهلكه فلا حاجة لكم إلى قتله، ولعله أراد به

стр. 4258

المعنى الأول، وأوهمهم أنه أراد الثاني لتلين شكيمتهم. وفيه تعريض بفرعون بأنه مسرف في القتل والفساد، كذاب في ادعائه الربوبية لا يهديه الله سبيل الصواب ومنهاج الحياة. ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ المفردات: ﴿ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: غالبين فيها. ﴿مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾: من عذابه. ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ أي: ما أشير عليكم إلاَّ بما أرى لنفسى. ﴿إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ أي: طريق الصلاح والصواب، وهو خلاف سبيل الغى والضلال. ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾: يطلق القوم على الرجال ليس فيهم امرأة. والواحد: رجل أو امرؤ من غير لفظه. ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾: يعني أيام العذاب التي عذب فيها المتحزبون على الأنبياءِ.

стр. 4259

﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ أي: مثل جزاء ما دأبوا عليه واعتادوه من الكفر وإيذاء الرسل. ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ أي: يوم القيامة وسمى بذلك؛ لأنه ينادى فيه بعضهم بعضا للاستغاثة، أو يتصايحون فيه بالويل والثبور. التفسير ٢٩ - ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾: هذا من قول مؤمن آل فرعون، وفي قوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ دليل على أنه قبطى، ولذلك أضافهم إلى نفسه ليكون أقرب إلى قبول وعظه حيث قال: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: غالبين على بني إسرائيل في أرض مصر لا يستطيع أحد أن يقاومكم فيها في هذا الوقت. فاشكروا الله على ذلك وآمنوا. وكون المراد بالأرض: أرض مصر قول السدى وغيره. ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ قال ذلك تحذيرًا لهم من نقم الله إن كان موسى صادقًا، أي: فلا تفسدوا أمركم، ولا تتعرضوا لعذاب الله بقتله، فإن العذاب إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد، والاستفهام إنكارى. وإنما نسب ما يسرهم من الملك والظهور في الأرض إليهم خاصة ونظم نفسه معهم فيما يسوءهم من مجئ بأس الله - تعالى - تطييبا لنفوسهم، وإيذانًا بأنه مُناصح لهم ساع في تحصيل ما يُجْدِيهم، ودفع ما يرديهم سعيه في حق نفسه ليتأثروا بنصحه، وعندما سمع فرعون ذلك الذي نصحهم به قال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ أي: ما أشير عليكم إلاَّ بالذي أراه وأسْتَصْوبه لنفسي من قتله، ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ أي: وما أهديكم بهذا الرأى من قتل موسى والإيمان بي إلا سبيل الصلاح والصواب. وما أُعلمكم إلا ما أعلم. ولا أسر عنكم خلاف ما أظهر. يعني أن لسانه وقلبه متواطئان على ما يقول. ولقد كذب حيث كان مستشعرًا للخوف الشديد من جهة موسى، ولكنه كان يتجلد، ولولاه ما استشار أحدا أبدا.

стр. 4260

٣٠ - ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾: زادهم من الوعظ والتخويف وقد قوى الله - تعالى - نفسه، وثبت قلبه، فلم يرهب فرعون، ولم يعبأ به، وأتى بنوع آخر من التهديد والتحذير فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ .. ﴾ الآية. أي: إني أخاف عليكم من تكذيب موسى والتعرض له بالسوء أن يحل بكم مثل ما حلّ بالذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم الماضية في أيامهم بمعنى وقائعهم التي أُذيقوا فيها وبال أمرهم، والظاهر جمع اليوم؛ لأن كل حزب يومًا ولكنه أغنى عنه إضافته إلى الأحزاب مع التفسير بما بعده في قوله تعالى: ٣١ - ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾: أي: إني أخاف أن يحل بكم مثل جزاء دأب قوم نوح وعاد وثمود، أي: عادتهم الدائمة من الكفر وتكذيب الرسل وسائر المعاصي. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ المراد بهم قوم لوط ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ فلا يعاقب بغير ذنب ولا يخلى الظالم منهم بغير انتقام، يعنى أن عذابهم وتدميرهم كان عدلا؛ لأنهم استحقوا ذلك بأعمالهم، وهو أسلوب بلغ الغاية في البلاغة لنفى الظلم عنه - تعالى - حيث جعل المنفى فيه إرادة الظلم، ومن كان بعيدًا عن إرادة الظلم لعباده كان عن الظلم أبعد وأبعد. ٣٢ - ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾: خوفهم العذاب الأخروي بعد تحويفهم بالعذاب الدنيوى. وأفصح عن إيمانه إما مستسلما موطنا نفسه على القتل، أو واثقا بأنهم لا يقصدونه بسوء، وقد وقاه الله شرهم بقوله الحق، ويوم التناد هو: يوم القيامة. سمى بذلك؛ لأنه ينادى فيه بعضهم بعضًا للاستغاثة، أو يتصايحون فيه بالويل والثبور، أو لتنادى أهل الجنة وأهل النار فينادى أصحاب النار أصحاب الجنة، وأصحاب الجنة أصحاب النار، كما جاء في سورة الأعراف، وقال ابن عطية: يحتمل أن يراد التذكير بكل نداء في القيامة فيه مشقة على الكفار والعصاة.

стр. 4261

وقرئ: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ بتشديد الدال، من ندَّ البعير: إذا هرب، أي: يوم الهرب والفرار قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ .. الآيات﴾ (١)، وفي الحديث: "إن للناس جولة يوم القيامة يندّون (٢) يظنون أنهم يجدون مهربا" وعن الضحاك: إذا سمعوا زفير النار ندوا هربًا فلا يأتون قطرًا من الأقطار إلاَّ وجدوا ملائكة صفوفا فبينما هم يموج بعضهم في بعض إذ سمعوا مناديًا: أقبلوا إلى الحساب. ٣٣ - ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: أي: أن يوم التناد هو اليوم الذي تولون فيه عن الموقف منصرفين عنه إلى النار، أو فارين - منها إذا سمعوا زفيرها ولا ينفعهم الهرب - كما روى عن الضحاك آنفا - ورجح هذا القول بأنه أتم فائدة وأظهر ارتباطًا بقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ أي: من دافع ومانع يعصمكم في فراركم من عذاب الله. وقال قتادة: ما لكم في الانطلاق إلى النار من مانع يمنعكم منها. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أي: ومن خلق الله في قلبه الضلالة وفق اختياره فما له أحد يهديه طريق النجاة أصلًا، وكأن الرجل المؤمن يئس من قبولهم نصحه فقال ذلك، ووبخهم على تكذيب الرسل السابقين فقال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾

стр. 4262

المفردات: ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾ أي: مات، يقال: هلك الشيء هلكًا وهلاكًا وهلوكًا ومهلكًا، بفتح الميم، وأما لامها فمثلثة، والاسم: الهُلْكُ مثل قُفْل. ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ أي: مشرك مرتاب بمعنى: شاك في وحدانيته - تعالى -. ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾: أي: بغير حجة وبرهان. ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: عظم جدالهم بغضًا عند الله. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ أي: كما طبع الله وختم على قلوب هؤلاء المجادلين فكذلك يختم على كل قلب متكبر جبار حتى لا يعقل الرشاد ولا يقبل الحق. التفسير ٣٤ - ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾: قيل: إن هذا من قول موسى ﵇ وقيل: هو من تمام ونمط مؤمن آل فرعون. ذكَّرهم قديم عتوهم على نبيهم: يوسف بن يعقوب (١) بعثه الله رسولًا إلى القبط من قبل موسى. وأيده بالآيات الظاهرة الدالة على صدقه، وقال ابن جريج: أيده بالبينات وهي: الرؤيا، كذلك قال، والله أعلم بهذه البينات التي أيده الله بها. ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ من الدين أي: أسلافكم كانوا في شك، فنسب ما للآباء إليهم، لاشتراكهم في الضلال والتكذيب، وقد دعاهم إلى عبادة الله وحده فقال: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (٢). واستمر يدعوهم إلى دين التوحيد حتى ﴿إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ ضموا إلى الشك في رسالته تكذيب رسالة من بعده. ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ أي: مثل هذا الإضلال الشديد يضل الله من هو مسرف في العصيان شاك فيما تشهد به البينات، لتعصبهم لدينهم، والإمعان في التقليد.

стр. 4263

٣٥ - ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾: قال الزجاج: المراد بالذين يجادلون: كل مسرف مرتاب وهم يجادلون في الله بغير حجة صالحة للتمسك بها لا نقلية أتتهم من جهته - تعالى - على أيدى الرسل ﵈ ولا عقلية استنبطوها من الكون. ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا من كلام مؤمن آل فرعون، وقيل: ابتداءُ خطاب من الله - تعالى - وهو تقرير لما أشعر به الكلام السابق من ذمهم، وفيه ضرب من التعجب والاستعظام، أي: كبر بُغْضًا جدالهم في آيات الله بغير حجة - كبر بغضًا عند الله وعند المؤمنين. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ أي: كما طبع الله على قلوب هؤلاء المجادلين، فكذلك يطبع على قلب كل متكبر جبار، فيصدر عنه أمثال ما ذكر من الإسراف والارتياب والمجادلة بغير حق، وقرئ بتنوين قلب، فما بعده صِفته. ووصف القلب بالتكبر والتجبر؛ لأنه منبعهما. ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧)﴾ المفردات: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ أي: بناءً عاليًا كالقصر، من صَرَحَ الشيءُ: إذا ظهر. ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: طرقها وأبوابها جمع سبب وهو كل ما يتوصل به إلى الشيء. ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ أي: وما مكره واحتياله في إبطال آيات الله لموسى إلاَّ في خسران وهلاك، يقال: تبَّ الله فلانا أي: أهلكه، وتبت يداه أي: هلكت أو خسرت.

стр. 4264

التفسير ٣٦ - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾: لما قال مؤمن آل فرعون ما قال، وخاف فرعون أن يتمكن كلام هذا المؤمن في قلوب القوم، أوهم أنه يمتحن ما جاء به موسى من التوحيد، فإن بان له صوابه لم يُخفه عنهم، وإن لم يصح ثبَّتهم على دينهم، لذلك أمر وزيره هامان ببناء الصرح فقال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ أي: قصرًا عاليًا مكشوفا لا يخفى على الناظر وإن بَعُد ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ رجاء أن أبلغ الأسباب أي: الطرق كما روى عن السدى، وقال قتادة: هي الأبواب وهي: جمع سبب ويطلق على ما يتوصل به، والمراد بها كما قال - سبحانه -: ٣٧ - ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾: أي: لعلى أبلغ طرقها وأبوابها. وفي إبهام الأسباب ثم بيانها تفخيم لشأنها، وتشويق للسامع إلى معرفتها. ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ أي: فأنظر إليه. وأراد بذلك أن يعلم الناس بفساد رأى موسى وقوله: إني رسول من رب السموات - أن يعلم الناس - أنه إذا كان رسولًا منه فهو ممن يصل إليه. وذلك بالصعود إلى السماء وهو محال لا يقوى عليه الإنسان، ومنشأ ذلك جهله بالله - تعالى - وكيفية استنبائه، وزعمه أنه - سبحانه - مستقر في السماء، وأن رسله كرسل الملوك يلاقونه ويصلون إلى مقره وهو منزه عن صفات المحدثين والأجسام ولا يحتاج رسله الكرام إلى ما يحتاج إليه رسل الملوك، وهذا منه نفى لرسالة موسى من الله - تعالى - ولا تعرض فيه لنفى الصانع المرسِل له: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ يحتمل أن يكون عنى به أن موسى كاذب في دعوي الرسالة أو أن يكون عنى به أنه كاذب في ادعاء أن له إلها غيره كما قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ وهذا يوجب شك فرعون في أمر الله. ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ أي: ومثل ذلك التزيين البليغ زين لفرعون عمله السئ فانهمك فيه انهماكا قويًّا لا يرعوى عنه بأى حال، ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: عن سبيل الهدى والرشاد، والفاعل في الحقيقة هو الله - تعالى - ولم يفعل - سبحانه - كلا من التزيين والصد إلاَّ لأن فرعون طلبه بلسان استعداده، واقتضى ذلك سوء اختياره:

стр. 4265

الحجازيان، والشامى، وأبو عمر وصَدَّ: بالبناء للفاعل وهو: ضمير فرعون. على أن المعنى، وصد فرعونُ الناس عن سبيل الرشاد بأمثال هذه التمويهات ويؤيده: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ أي: وما مكره في إبطال آيات موسى إلاَّ في خسارة وهلاك. ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾ المفردات: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ أي: أدلكم على طريق الهدى وهي الجنة. ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ أي: يُمتع فيها قليلًا ثم تنقطع وتزول. ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ أي: دار الاستقرار والخلود. ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ أي: من عمل خطيئة في الدنيا فلا يجزى في الآخرة إلاَّ بما يعادلها. ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: بغير تقدير وموازنة، بل أضعافا مضاعفة. التفسير ٣٨ - ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾: هذا من تمام ما قاله مؤمن أهل فرعون أي: اقتدوا بي في الدين أهدكم سبيلًا يبلغكم المقصود وهو دخول الجنة، وفيه تعريض بأن ما عليه فرعون وقومه هو سبيل الغي والضلال.

стр. 4266

٣٩ - ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾: أي: إن هذه الحياة الدنيا تَمتُّعٌ أو مُتمَتَّعٌ به يسيرٌ لسرعة زوالها، أجْمل لهم القول أولًا حيث قال: ﴿اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ثم فصل فافتتح بذم الدنيا، وتصغير شأنها؛ لأن الإخلاد إليها رأس كل شر، ومنه تتشعب فنون ما يؤدى إلى سخط الله - تعالى - ثم ثنى بتعظيم الآخرة فقال: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ لأنها الحياة الباقية وهي دار الاستقرار والخلود ودوام ما فيها. ٤٠ - ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: ذكر الله في الآية الأعمال سيئها وحسنها وعاقبة كل منهما ليثبط عمَّا يتلف وينشط لما يُزلف فقال - سبحانه -: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ أي: من عمل خطيئة في الدنيا تعدى بها حدود الله فلا يجزئ في الآخرة إلاَّ بما يماثلها عدلًا من الله - جل شأنه -. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن مصدق بالله - جل شأنه - بقلبه، ومؤمن بالأنبياء ﵈ فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير تقدير وموازنة بالعمل. بل أضعافًا مضاعفة. تفضلًا منه - تعالي - ورحمة، وفي تقسيم العمال إلى ذكر وأنثى للاهتمام والإشعار بالشمول، والآية تفيد أن الإيمان شرط في اعتبار العمل والاعتداد به والثواب عليه. وبعد أن قدم هذا المؤمن حديثه لقومه ناصحًا وموجهًا بذكر الدنيا وبيان أنها دار متاع وأنها لا تغنى عن المرء شيئًا يوم الجزاء، لما تدعو إليه من شر وفساد، ثم بين أن التعلق بالآخرة، والتفانى في الإقبال عليها سبب السعادة والنعيم، لأنها دار الخلود والدوام - بعد هذا الحديث - كرر نداء قومه إيقاظًا لهم من سنة الغفلة واعتناء بالمنادى إليه ومبالغة في توبيخهم على تثاقلهم عن الاستماع لنصحه، كما تبين ذلك الآيات القادمة.

стр. 4267

* ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣)﴾ المفردات: ﴿أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾: أدعوكم إلى السلامة من العذاب بإيمانكم. ﴿النَّارِ﴾: العذاب بالنار، والمراد أسبابه من الشرك والغيّ والمعاصي. ﴿الْعَزِيزِ﴾: الغالب القاهر. ﴿الْغَفَّارِ﴾: واسع المغفرة. ﴿لَا جَرَمَ﴾: لا رد وإبطال لدعوتهم الرسول إلى عبادة الأوثان، وجرم فعل ماض بمعنى حقَّ وثبت، كما في قول الشاعر: ولقد طعنتُ أبا عبيدَة طعنةً … جَرَمتْ فزارةُ بعدها أنْ يغضبوا أي: حَقَّ لفزارة أن يغضبوا بعد هذه الطعنة. وفاعل جرم في الآية مصدر مؤول من أن وما دخلت عليه، أي: حقَّ وثبت كون ما تدعوننى إلى عبادته لا يصح أن يدعى لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقال الفراء: معنى ﴿لَا جَرَمَ﴾ في الآية: لا بد ولا محالة، وعلى هذا تكون "بُدّ" اسم لا النافية للجنس، وخبرها مصدر مؤول مما بعدها، وهذا هو معناها الأصلى، فلمَّا كثر

стр. 4268

استعمالها صارت بمنزلة "حقًّا" فلذلك يجاب عنها باللام كما يجاب عن القسم، ألا ترى أنهم يقولون: لَا جَرَم لآتيتك. انتهى كلام الفراء بتصرف. ﴿مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾: مرجعنا إلى الله بالموت. ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾: المشركين، وكل من غلب شره خيره فهو مسرف. التفسير ٤١ - ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾: هذه الآية الكريمة من كتاب الله نداء من جملة النداءات التي تكررت في هذه السورة، وهيمنت على جوها، وتنوعت بها أساليب التنبيه، وألوان التحذير والتخويف، تذكر بالنعم وتحذر من وقوع النقم. كما في قوله - تعالى -: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾. كنا تحذر من الفتن المهلكة والعقوبات المدمرة التي وقعت بالأمم السابقة فأبادتها كما في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾. أو تذكر بيوم القيامة وما يحتويه من أهوال وشدائد، كما في قوله: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ أو تنبه الي أن الدنيا متاع سريع الزوال، وأن الآخرة هي دار الدوام والاستقرار. كما في قوله: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾. كما تنعى على الكافرين والمشركين انتكاس الطبع، وسوء السلوك. إيقاظا لهم من سنة الغفلة، واهتمامًا بالمنادى، ومبالغة في توبيخهم على ما قابلوا به دعوته. واقترن النداء في الآية بالعطف لأنه للموازنة بين الدعوتين: دعوته لهم إلى دين الله الذي ثمرته النجاة، ودعوتهم له إلى اتخاذ الأنداد الذي عاقبته النار، وذلك لتحقيق أنه هاد وأنهم مضلون، وأن ما عليه هو الهدى، وما هم عليه هو الضلال.

стр. 4269

والمعنى: ويا قوم إني لأعجب من أمركم، فأخبرونى كيف هذه الحال التي أنتم معى عليها؟ أدعوكم إلى الخير، ومسالك النجاة ونعيم الجنة، وتدعوننى إلى الهلاك، ومهاوى الجحيم. وفي ندائهم بيا قوم وتكرار ذلك مع كل نداء مزيد من التلطف معهم. والإشفاق عليهم، والتحنن في دعوتهم إلى ما فيه خيرهم ونجاتهم، لانتزاع شفقتهم وطاعتهم حتى ينزلوا على نصحه، ويستجيبوا لدعوته، ولا يتهموه كما فعل إبراهيم ﵇ في نصح أبيه، حيث ناداه متلطفًا بقوله: ﴿يَا أَبَتِ﴾. ٤٢ - ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾: هذه الآية تفسير وبيان للآية السابقة، أي: تدعوننى لأُنكر وحدانية ربي، وأشرك به آلهة أخرى باطلة زائفة لم يقم دليل على ألوهيتها. ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ معناه: وأنا أدعوكم إلى عبادة الإله القادر الغالب على أمره، الغفار لذنوب التائبين. وخص هذان الوصفان: ﴿الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ لاقتضائهما جميع الصفات، لما فيهما من الدلالة على الخوف والرجاء من الله، فإنهما مناسبان لحالهم. ٤٣ - ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾: لفظ (لا) في قوله: ﴿لَا جَرَمَ﴾ رد لما دعاه إليه قومه، وجرم بمعنى حق، وتقدم باقى الكلام عليها في المفردات. والمعنى: حقَّ وثبت بطلان ما تدعوننى إلى عبادته من الأصنام، فليس لها دعوة ترجى في الدنيا ولا في الآخرة، فهي لا تضر ولا تنفع، وأن مرجعنا إلى الله الذي أدعوكم إلى عبادته وأن المسرفين بعبادة غيره هم أصحاب النار لا ينفكون عنها، ولا يخفف عنهم من عذابها.

стр. 4270

﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ المفردات: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي﴾: أردّ أمرى وأسلمه إلى الله ليعصمنى. ﴿فَوَقَاهُ﴾: حفظه ونجاه. ﴿حَاقَ﴾: نزل ولزم وأحاط. ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾: العذاب السئ من الغرق والنار، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف. ﴿السَّاعَةُ﴾: القيامة. التفسير ٤٤ - ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾: هذا آخر ما يقوله الناصح بعد أن يستكمل كل أساليب النصح، ويستجمع جميع عبارات التحذير والتخويف، يقول ذلك إعذارًا لنفسه، وتهديدًا مُغَلَّفًا بأسلوب النصح والإشفاق. والمعنى: فسيذكر بعضكم لبعض عند مواجهة العذاب ومجابهة الحساب يوم القيامة ما دعوتكم إليه ونصحتكم به، وحذرتكم مخالفته، فلم يكن منكم إلا الإسراف في العناد، والإصرار على الكفر، والإفحاش في التهديد، ولم يكن لي بعد هذا إلاَّ أن أرد أمرى إلى الله،

стр. 4271

وأسلم نفسى إليه، يحفظنى من كيدكم، ويقينى من سيئاتكم، إنَّه بصيرٌ بالعباد مطلع على أحوالهم التي من جملتها حالى وحالكم، لا يغيب عنه شأن، ولا تخفى عليه خافية. ٤٥ - ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾: الضمير في قوله - تعالى -: ﴿فَوَقَاهُ﴾ لموسى ﵇. والمعنى: فَوَقَى الله موسى ومن معه، وحفظه من فرعون وبطشه، وردّ كيده ومكره إلى نحره، وأنزل به وبقومه العذاب البالغ أقصى درجات السوء في الدنيا بالموت غرقا، وفي الآخرة بالنار إحراقا، وتلك عقبى الظالمين، ومثوى المتكبرين المتجبرين، ولم يصرح باسم فرعون امتهانا له، وإشعارًا بأصالته في المسئولية. ٤٦ - ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾: هذا كلام مستأنف مرتب على سؤال تقديره: كيف حال آل فرعون بعد غرقهم؟ فقيل: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا. . .﴾ الآية. وفي هذه العبارة غاية التهكم بهم وامتهانهم، حيث بدَّلهم الله باسترواحهم بأنفاس الصباح الندية، وأنْسَام العِشاء الرخية - بدلهم بذلك - العَرْضَ على النار غدوًّا وعشيًّا في قبورهم ما دامت الدنيا حتى إذا قامت القيامة قال الله لخزنة جهنم: أدخلوا فرعون وآله المتجبرين أشد العذاب في جهنم في مقابل شدة جبروتهم. وتحديد الوقتين لأنهما الوقتان المعتادان للاسترواح والراحة عند أهل الترف، فيكون ذلك أنكى في التهكم والسخرية، وأجلى في تصوير العذاب والامتهان، ويكون ما بين الوقتين متروكًا لأمر الله - تعالى - يجرى عليهم عذابًا آخر أو ينفس عنهم، ويجوز أن يراد بذكر الوقت التأبيد ما دامت الدنيا جريًا على الأُسلوب العربي في التعبير أحيانًا عن جميع الوقت بذكر الطرفين كما في قول الخنساء: يذكِّرُنى طُلُوع الشَّمس صَخْرًا … وأذكُرُه بِكُلّ مَغِيبِ شَمْس

стр. 4272

ومثل هذا في القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ أي: دائما في كل وقت. والظاهر هو المعنى الأول، وهو عرضهم على النار في وقتى الصباح والمساء، فهو المناسب لحديث الصحيحين البخاري ومسلم عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة". ومن أجل ذلك قيل بعذاب البرزخ. ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨)﴾ المفردات: ﴿يَتَحَاجُّونَ﴾: يحاجّ بعضهم بعضا ويتخاصمون. ﴿الضُّعَفَاءُ﴾: الأتباع. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾: للمتبوعين والسادة. ﴿تَبَعًا﴾: جمع تابع كخدم وخادم - أو على تقدير: ذوى تبع. ﴿مُغْنُونَ﴾: حاملون أو دافعون. ﴿حَكَمَ﴾: قضى وفصل.

стр. 4273

التفسير ٤٧ - ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾: المعنى: واذكر يأيها الرسول لقومك فيما تذكر لهم من أحوال هؤلاء المشركين، وما يجرى عليهم من أجل شركهم وعنادهم - اذكر - إذ يتخاصمون في النار ويحاج بعضهم بعضًا بعد دخولها واصطلاء جحيمها، فيقول الأتباع الضعفاء المغلوبون للسادة القادة الذين استكبروا عليهم وسخروهم لمصالحهم وفتنوهم في دينهم - يقولون لهم - متهكمين شامتين: إنكم كنتم تستعلون علينا في الدنيا وتزعمون لأنفسكم السلطان، والغلبة والقهر، وإنا كنا لكم تبعًا فيما تدعوننا إليه، وتأمروننا به، فهل أنتم حاملون عنَّا الآن أو دافعون بعض ما نعانيه من هول النار وعذابها بسبب طاعتنا لكم واتباع أمركم؟ ٤٨ - ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾: أي: قال السادة الذين استكبروا جوابًا للضعفاء الأتباع الذين سألوهم تهكمًا أن يحملوا عنهم أو يدفعوا بعضًا من العذاب الذي هم فيه فيه - قال الذين استكبروا: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ أي: نحن وأنتم في النار سواء، فكيف نغنى عنكم ونحن لا نقدر أن ندفع عن أنفسنا شيئا من العذاب. ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ أي: إن الله القادر على الحكم المالك لكل شيء قد قضى وفصل بين العباد، فأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وقدَّر لكل منا ومنكم عذابا لا يدفع عنه، ولا يتحمله عنه غيره.

стр. 4274

﴿وَقَالَ الَّذِينَ في النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا في ضَلَالٍ (٥٠) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ المفردات: ﴿خَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾: القُوام على تعذيب أهلها. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالمعجزات والآيات. ﴿بَلَى﴾: نعم جاءونا. ﴿ضَلَالٍ﴾: بطلان وضياع. ﴿الْأَشْهَادُ﴾: جمع شاهد، كصاحب وأصحاب، والمراد: الأنبياء والحفظة. ﴿اللَّعْنَةُ﴾: الإبعاد والطرد من رحمة الله. التفسير ٤٩ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾: المعنى: وقال الذين انتهى أمرهم بدخول النار من الضعفاء والمستكبرين جميعا حين استقروا في الجحيم، ولفَّهم اليأس، وضاقت بهم الحيل، وأعيتهم العلل - قالوا - لخزنة

стр. 4275

جهنم القُوام بتعذيب أهل النار: ادعوا ربكم يخفف عنَّا شيئًا من هذا العذاب الذي نعانيه، أو يدفع عنًا يومًا من أيام العذاب لعلنا نسترد به قوتنا، ونجمع فيه طاقتنا، فيقوى احتمالنا له، وصبرنا عليه. وهو قول يمثل أقصى درجات المهانة والذل، فإنه ليس أذل على النفس، ولا أشد وقعًا من أن تبتغى الرحمة من القائم على تعذيبها، أو ترجو الإشفاق من جلادها، ولهذا اقتصروا في طلبهم على تخفيف قدر يسير، أو وقت قصير. ٥٠ - ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾: المعنى: قال خزنة جهنم لأهل النار الذين طلبوا منهم الدعاة بتخفيف العذاب عنهم - قالوا لهم - إلزاما وتوبيخًا على إضاعة أوقات الدعاء، وتعطيل أسباب الإجابة: ألم تُنَبَّهوا إلى هذا ولم تك تأتيكم رسلكم في الدنيا بالحجج الواضحة، والآيات البينة الدالة على سوء مغبة ما كنتم عليه من الكفر والمعاصي كما ينطق بذلك - قوله تعالى -: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى﴾ (١) أي: قال أهل النار لخزنة جهنم: نعم جاءونا ودعونا ونصحونا وأعذروا بالحجج والبراهين فعارضناهم وكذبناهم. ﴿قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ أي: قال خزنة جهنم لهم إمعانا في التوبيخ والتيئيس: إذ كان هذا شأنكم فادعوا أنتم؛ فإن الدعاء مِنَّا مستحيل لمن يفعل فعلكم وما دعاؤكم مهما تضرعتم وطال دعاؤكم إلا في بطلان وضياع. ووضع الكافرين موضع ضميرهم بيانًا لمقتضيات البطلان، وقصد التوبيخ والامتهان، وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾: يحتمل أن يكون من جملة الكلام القول على لسان الخزنة، وأن يكون من كلام الله - تعالى - إخبارًا منه لرسوله ﷺ
следующие страницы →