← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

* ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾ المفردات: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ أَي: من أوعيتها. ﴿أَكْمَامِهَا﴾: واحدها كِمْ - بالكسر فالسكون - وهو وعاء الثمرة قبل أَن ينشق عنها، وتسمى الثمرة حينئذ الكُفُرَّى. ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ﴾ أَي: أَخبرناك وأَسمعناك. ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ أَي: ليس مِنَّا مَن يشهد بأَن لك شريكا. ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أَي: أَيقنوا وعلموا بأَنه لا فرار لهم من النار. التفسير ٤٧ - ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾: أَي: إذا سئل أَحد عن الساعة قال الله - تعالى - يعلم، أو لا يعلمها إلا الله وقد سئل عنها الرسول وهو سيد البشر من جبريل وهو من سادات الملائكة، فقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. كما قال - تعالى -: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ (١) وكما أنه - سبحانه - اختص

стр. 4342

بعلم وقت قيام الساعة فقد اختص كذلك بعلم ما يخرج من ثمرات من أوعيتها قبل أَن تنشق عنها، وقرء (من ثمرة) على إرادة الجنس. أَما الجمع فلاختلاف الأنواع. ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ أَي: وما يحدث من شيء من خروج ثمرة، ولا تحمل من حامل ولا وضع واضع، أَي: ما يحدث شيء من ذلك إلا ملابسا بعلمه - تعالى - واقعا حسب تعلقه به من عدد أَيام العمل وساعاته وأَحواله من النقص والتمام والذكورة والأُنوثة، والحسن والقبح، والسعادة والشقاء، وذكرت هذه الأُمور لمناسبتها لعلم الساعة فإِنه لا يعلم هذا كله إلا الله - تعالى -. ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ أَي: واذكر يوم ينادى الله المشركين على رءُوس الأَشهاد قائلا: أين شركائي بزعمكم الذين عبدتموهم في الدنيا. وفيه تهكم بهم، وتقريع لهم. ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ﴾ أَي: قال الذين نودوا: أَسمعناك وأَخبرناك. ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ أَي: ليس منا أحد يشهد لهم بالشركة إذ تبرأنا منهم لما عاينَّا الحال، أَو ما منا من أحد يشاهدهم لأَنهم ضلوا عنهم حينئذ. ٤٨ - ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: أَي: وغاب عنهم ما كانوا يدعونهم من قبل في الدنيا للعبادة، ويرجون نفعهم، على أَن الضلال بمعناه الحقيقى وهو الذي يقابل الوجدان، أَي: لم يجدوهم حينما طلبوهم للاستنصار بهم أَو ظهر لهم عدم نفع شركائهم، وكان حضورهم كغيبتهم، على أَن الضلال مجاز عن عدم النفع، وأيقنوا ما لهم من مهرب من عذاب الله ونكاله كما قال السدى وغيره. فالمراد بالظن ضد العلم، وكونه بمعنى العلم يقع كثيرا، وقد جاء به القرآن في مواطن، كقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُواللَّهِ .... ﴾ (١) أَي: يعلمون ويوقنون.

стр. 4343

﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُودُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ المفردات: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ أي: لا يمل ولا يفتر من طلب الخير كالمال والصحة والولد. ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾: كالفقر والمرض وعدم الإنجاب. ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾: من فضل الله ورحمته، واليأس: صفة القلب، والقنوط: يأس مفرط يظهر أثره على المرء فَينَكَسِرُ ويتضاءَل. ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ أي: الجنة. ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي: بالغ الغاية في الشدة كأنه مُحَسٌّ مشاهد على صورة غليظة. ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي: تباعد عن ذكر الله ودعائه، أو هو جانبه كناية عن الانحراف والتكبر والصلف. ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ أي: كثير مستمر، مستعار مما له عرض متسع، وذلك للإشارة إلى كثرته.

стр. 4344

التفسير ٤٩ - ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾: الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وقيل: في عتبة بن ربيعة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ومعناها: لا يسأم الإنسان - أي: الكافر - من دعاء أنواع الخير كالصحة والمال وكل مقاصد النعيم، وإن نزل به شر من مرض أو عسر فهو يئوس من فضل الله قنوط من رحمته، وقد بولغ في يأْسه من جهتين: من جهة الصيغة لأن (فعولا) من صيغ المبالغة ومن جهة التكرار المعنوى فإن القنوط أتى يظهر عليه أثر اليأْس فيتضائل وينكسر، ولما كان أثر اليأْس ظاهرا عليه لا يفارقه كان في ذكر القنوط ذكرٌ لليأس ثانيًا بطريق أبلغ في قطع الرَّجاء من فضل الله ورحمته. وهذه الآية تعيب على الإنسان يأسه وقنوطه من رحمة الله، وتحمله على الرجاء وعلى الدعاء بدفع الضُّر عنه. وقدم اليأس لأَنه صفة القلب التي تدعو اليائس إلى أن يقطع رجاءَه من الخير، وهي المؤثرة فيما يظهر على الصورة من التضاؤُل والانكسار، ثم يجئ القنوط بعد اليأس ليزيد أثره على الوجه، فهو من باب التدرج من الأَدنى إلى الأَعلى. ٥٠ - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾: المعنى: أن هذا الإنسان إذا فرجنا عنه بصحة بعد مرض أَو سعة بعد ضيق ليقولن بصفة التأْكيد والوثوق: هذا شيءٌ أستحقه على الله لرضاه بعملى، أي: هذا حقى وصل إليّ لأنى أستوجبته بما عندي من فضل وخير وأعمال بر، فيرى النعمة حقًّا واجبًا على الله له، ولم يعلم أنه ابتلاء بالنعمة والمحنة. ليتبين شكره وصبره. وقال ابن عباس: معنى (هذا لي) أي: هذا من عندي بمعنى لا يزول عني أبدًا.

стр. 4345

﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ فيما سيأْتى ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾ - كما يقول المصدقون بالبعث - إن لي عنده لَلْجنة أو الحالة الحسنى من الكرامة والنعمة بقياس أمر الآخرة على أمر الدنيا. ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾: يتهدد الله - تعالى - من كان هذا عمله واعتقاده بكشف مستور أمره، أي: فلنعلمنهم بحقيقة أعمالهم، ولنبصرنهم بعكس ما اعتقدوا. فيظهر أنهم مستحقون فيها للإهانة لا للكرامة التي توهموها وأشادوا بها، ولنذيقنهم من عذاب شديد لا يقادَرُ قدرُه ولا يُحَدُّ مداه، فهو كوثاق غليظ لا يمكن قطعه ولا يتسنى لهم التقَصِّى منه. ٥١ - ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُودُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾: ضرب آخر من طغيان الإنسان، أي: وإذا أنعمنا عليه أعرض عن الشكر وذهب بنفسه وتباعد بكليته صلفًا وغرورًا. والجانب مجاز عن النفس كقوله - تعالى -: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ (١) ويجوز أن يكون المراد بجانبه عطفه ويقصد الانحراف والازورار كما قالوا: ثنى عطفه وتولى بركنه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾: أي الضرر أو الفقر. ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ أي: كثير مستمر، بمعنى أنه أقبل على الدعاء الدائم، وأخذ في الابتهال والتضرع، وقد استعير العَرْض لكثرة الدعاء ودوامه وهو من صفة الأجرام، كما استعير الغلظ لشدة العذاب، ولا منافاة بين قوله ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ وبين قوله: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ مع أن كلا عند مس الشر؛ لأن الأول في قوم، والثاني في قوم آخرين، أو يئوس قنوط بالقلب، وذو دعاء عريض باللسان.

стр. 4346

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾ المفردات: (مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) أي: في خلاف بعيد عن الحق كل البعد. (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ) أي: سنريهم علامات وحدانيتنا وقدرتنا في الآفاقِ جمع أُفق - بضمتين أو بفتحتين - وهي: النواحى عمومًا من مشارق الأرض ومغاربها وشمالها وجنوبها. (وَفِي أَنْفُسِهِمْ) من لطيف الصنعة وبديع الحكمة، أو بما يحدث لهم من البلايا والأمراض وحوادث الأَرض. (أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ) أي: في شك من أَمر البعث. (بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) أي: بكل شيءٍ في الدنيا والآخرة محيط، فلا يفوته شيء. التفسير ٥٢ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: هذه الآية وما بعدها رجوع لإلزام الطاعنين والملحدين، وختم للسورة. والمعنى: قل يا محمد لهؤُلاء المشركين المكذبين بالقرآن: إن كان من عند الله ثم جحدتم به مع تعاضد الأَدلة والبراهين التي هي من موجبات الإيمان به - قل للمشركين المكذبين - إن كان هذا شأْنه فأَخبرونى.

стр. 4347

﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: من أضل منكم؟ فوضع الموصول موضع الضمير شرحًا لحالهم وتعليلا لمزيد ضلالهم، حيث إنهم في خلاف بعيد غاية البعد عن الحق. ٥٣ - ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾: المعنى: سنريهم في الآفاق آياتنا الدالة على حقية القرآن وكونه من عند الله. وفسرت الآيات بما أُخبر به النبي ﷺ من الحوادث الآنية، وآثار النوازل الماضية وما يسَّر الله له ولخلفائه من الفتوح والظهور على آفاق الدنيا، والاستيلاء على بلاد المشارق والمغارب على وجه خارق للعادة. كما سنريهم آياتنا في أنفسم فيما ظهر بين أهل مكة خصوصًا وما حل بهم وقيل في الآفاق، أي: في أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم وما يترتب عليها من الليل والنهار. والأَضواء. والظلال والظلمات، ومن النبات والأَشجار والأَنهار، وفي أنفسهم من لطيف الصنعة وبديع الحكمة في تكوين الأجنة في ظلمات الأرحام، وحدوث الأعضاء العجيبة والتركيبات الغريبة، نفعل ذلك معهم حتى يظهر لهم أن القرآن هو الحقُّ الذي لا شك فيه فلا يأْتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كلُّه من عند الله المطلع على كل غيب وشهادة، ولهذا نصر حاملوه وكانوا محقين، وفي تعريف الحق من الفخامة ما لا يخفى جلالة وقدرًا، والتعبير بقوله: (سَنُرِيهِمْ) إشارة إلى أَنه تعالى لا يزال ينشئُ لهم فتحًا بعد فتح وآية غبَّ آية إلى أن يظهره على الدين كلِّه ولو كره المشركون. (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ): استئناف وارد لتوبيخهم على ترددهم في شأن القرآن وعنادهم المحوج إلى إراءَة الآيات الموعودة المبينة لحقِّية القرآن، أو لم يكفهم في ذلك أنه - تعالى - شهيد على جميع الأشياء وقد أُخبر بأَنه من عنده. ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (١).

стр. 4348

٥٤ - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾: أي: ألا إنهم في شك عظيم من لقاء ربهم بالبعث لاستبعادهم إعادة الموتى بعد تحليل أجزائهم وتفرق أعضائهم مع أن الله على كل شيءٍ قدير، فهو واقع لا ريب فيه وكائن لا محالة لتجزى كل نفس بما كسبت ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) أي: إلا إن ربهم عالم بجميع الأشياء على أكمل وجه فلا تخفى عليه خافية فيجازيهم على كفرهم ومربتهم في لقاءِ ربهم، وفي الآية دفع لشكهم في إعادة ما تفرق واختلط مما يتوهمون عدم إمكان تمييزه، أي: أنه عالم بمجمل الأَشياء وتفاصيلها وظواهرها وبواطنها، مقتدر عليها لا يفوته شئٌ منها فهو - سبحانه - يعلم الأجزاءَ ويجمعها بعد أن تفرقت وصارت عظامًا ورفاتًا ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (١). وعلماء التوحيد في ذلك على رأيين، أحدهما: ما ذكر هنا، والآخر: أنه - تعالى - يعيد الخلائق بخلق جديد؛ لأن أجزاءَهم دخَلتْ بعد تحللها في تكوين خلائق أُخرى، جيلا بعد جيل. ويقولون: إن النعيم والعذاب للروح، وأما الجسد فهو وعاؤُها، والكسب إنما هو بها لا بوعائها، فلولا الروح لما استطاع الجسد أن يعمل شيئا، وفي ذلك يقول صاحب الجوهرة: وقل: يُعاد الجسم بالتحقيق … عن عدم، وقيل: عن تفريق

стр. 4349

" سورة الشورى" هذه السورة: مكية وآياتها ثلاث وخمسون، وسميت الشورى لوجودها في آياتها لإرشاد المؤمنين إلى السير في تصريف مجتمعهم على أَساسها، ومناسبة هذه السورة للتى قبلها: اشتمال كل منهما على ذكر القرآن ودفع طعن الكفرة فيه، وتسلية النبي ﷺ بما ذكر فيهما من آيات تبين نصر المؤمنيين وخذلان الكافرين والجاحدين. أهم مقاصد السورة: ١ - افتتحت بالتنويه بشأْن القرآن بأَنه وحى من عند الله، وكذلك كانت كتب الأَنبياء السابقين. ٢ - أشادت بقدرة الله، وأَنه - سبحانه - لا يخرج عن سلطانه شئٌ في الأرض ولا في السماء. ٣ - بينت أن السموات تكاد أن يتشققن من فوقهن لعظمة الله، وكمال الخشية منه. ٤ - هددت الذين اتخذوا من دونه أولياءَ بأن الله حفيظ عليهم ليجازيهم بما اقترفوا. ٥ - أشارت إلى أنه - تعالى - لو شاء أن يجمع الناس على ملة واحدة لجمعهم، ولكن الحكمة اقتضت أن يكون منهم المهتدى والضال. ٦ - أرشدت إلى ما يفعله المؤمنون مع المشركين إذا خالفوهم في الدين. ٧ - أشارت إلى القدرة البالغة في أنه جعل لكم من أنفسكم أزواجًا، ومن الأنعام أزواجا. ٨ - أكدت وحدة الشرائع. ٩ - نددت بشرك المشركين واختلافهم في الحق ظلمًا بعد أن أُمروا بإقامة الدين وعدم التفرق فيه. ١٠ - بينت أن الذين ورثوا الكتاب من أسلافهم وأدركوا عهد الرسول لفى شك من كتابهم موقع في الريب، وسيأتى تفسيره.

стр. 4350

١١ - أرشدت إلى ما يجب اتباعه في دعوة الناس للحق. ١٢ - بينت بطلان حجة الذين يجادلون في الدين من بعد ما استجاب الناس لدعوته. ١٣ - ذكرت أن الذين يستعجلون الساعة هم الذين لا يصدقون بها، أما الذين صدقوا بها فهم خائفون من وقوعها. ١٤ - أبرزت لطف الله بعباده حيث يرزق من يشاءُ كما يشاء بدون معقب له. ١٥ - حذرت من الانهماك في طلب الدنيا حيث تكون عاقبته الحرمان من الآخرة. ١٦ - بينت سوء حال الجاحدين يوم القيامة، وأنهم مشفقون مما كسبوا وهو واقع بهم. كما بينت حال المؤمنين، وأن لهم ما يشاءُون عند ربهم. ١٧ - نددت بادعاء المكذبين على رسول الله ﷺ أنه افترى على الله كذبًا وردت ذلك الافتراء. ١٨ - بددت يأس اليائسين حيث أبانت أن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. ١٩ - ذكرت الحكمة في توزيع الرزق بين الناس بتدبير محكم، فلم يكونوا جميعًا أغنياء، ولم يكونوا فقراءَ ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًّا. ٢٠ - أشارت إلى عظم بركات الغيث، ودلائل قدرة الله على خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة. ٢١ - ذكرت أن من آيات القدرة السفن الجوارى في البحر كالأَعلام إن يشأْ تهب الرياح فتسيرها، وإن يشأْ يجعلها ساكنة، فتظل ثوابت على وجه الماء، أو يهلكهن بذنوب ركابها. ٢٢ - أعادت تهديد المجادلين، فذكرت أنهم في علم الله، ليس لهم من عقابه مهرب. ٢٣ - عددت أوصاف المؤمنين، ومن بينهم الذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة، وأمرهم شورى بينهم ومما رزقهم الله ينفقون، وذكرت أن لهم ما هو خير وأبقى عند ربهم.

стр. 4351

٢٤ - دعت إلى عدم قبول الذلة، ودلَّت على أن الانتصار - بعد الظلم - أمر مشروع: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١). ٢٥ - دعت إلى الصبر والمغفرة ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ (٢). ٢٦ - بينت حال الظالمين حين يرون العذاب، كما بينت حالهم حين يعرضون على النار، وسجلت قول المؤمنين في الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ (٣). ٢٧ - حثت على الاستجابة قبل فوات وقتها ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ (٤) وهددت من لا يستجيبون لله ورسوله ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧)﴾ (٥). ٢٨ - دعت الرسول إلى عدم الحزن على المعرضين لإعراضهم عن الاستجابة: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (٦). ٢٩ - عنيت بتسلية الرسول ﷺ ببيان أن الحق لله في هبة الإناث لمن يشاءُ والذكور لفريق آخر، والجمع بينهما لفريق ثالث، وحرمان فريق رابع منهما. ٣٠ - ذكرت طرق خطاب الله تعالى لأنبيائه وعباده. ٣١ - ختمت السورة ببيان أن مثل ما أوحينا إلى الرسل قبلك أوحينا إليك هذا القرآن، وهو روح من أمر الله جعله نورًا يهدى به من يشاءُ من عباده ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (٧).

стр. 4352

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾ المفردات: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ) أي: يتشققن من عظمة الله وجلاله وقيل: من ادعاء الولد له. (مِنْ فَوْقِهِنَّ) أي: يبتدئ التشقق من أعلاهن. (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) أي: يسألون الله أن يغفر للمقصرين في الأرض من المؤمنين. (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) أي: بموكل بهم أو بموكول إليك أمرهم، وإنما وظيفتك البلاغ والإنذار. التفسير ١، ٢ - ﴿حم (١) عسق﴾: هما اسمان للسورة ولذلك فصلا في الخط وعدا آيتين. قيل: هما اسم واحد وآية واحدة والفصل بينهما ليناسب مفتتح سائر الحواميم قبلها وبعدها حيث

стр. 4353

رسم مستقلا في السور المفتتحة بحروف الهجاء وقبل: إن أجزاءهما أَسماء لحروف هجائية، والمراد بها تحدى العرب أَن يأْتوا بسورة مثله لأنه مؤلف من كلمات ذات حروف هجائية مثلما يتكلمون وينطقون، فليأتوا بمثله إن كانوا صادقين، وقيل: غير ذلك. والكلام في إعرابها وفي معناها قد مضى في مثله من سورة البقرة وغيرها، وحسبك هنا ما تقدم. ٣ - ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: كلام مستأْنف وارد لتحقيق أن مضمون السورة موافق في تضاعيف الكتب المنزلة على سائر الرسل المتقدمين في الدعوة إلى التوحيد والإرشاد إلى الحق، أَي: مثل ما في هذه السورة من المقاصد أُوحى إليك في سائر السور وأوحى إلى من قبلك من الرسل في كتبهم وصحفهم، من الدعوة إلى التوحيد والإرشاد إلى الحق وإلى ما فيه صلاح العباد، أو مثل إيحاء هذه السورة أُوحى إليك سائر السور. وإلى سائر الرسل عند إيحاءِ كتبهم إليهم كما في قوله - تعالى -: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ (١) .. الآية، ومناط المثلية كونه بطريق الملك، وفي جعل هذه السورة أو إيحائها مشبها به من تفخيمها والتنويه بها ما لا يخفى، وخلاصة ما تشير إليه الآية: أن الله ذكر معانى هذه السورة في القرآن وفي جميع الكتب السماوية لما فيها من الإرشاد إلى الحق، وهو العزيز في انتقامه الحكيم في أقواله وأفعاله. ٤ - ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾: استئناف مقرر لعزته - تعالى - وحكمته في قوله - سبحانه -: (اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) من الآية السابقة أي: لله وحده ما في السموات وما في الأرض خلقًا وملكًا وتدبيرا وهو العلى شأْنه العظيم برهانه. ٥ - ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾: الآية واردة للتنزيه بعد إثبات الملكية والعظمة لله - تعالى - في الآية السابقة أي: تقرب السموات أن يتشققن من أعلاهن مع عظمتهن وتماسكهن خشية من الله وتأَثرا بعظمته وعلو شأْنه وروى ذلك عن قتادة، وأخرج جماعة منهم الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: تكاد السموات يتشققن من الثقل لكثرة ما على السماء من الملائكة. قال ﵇: "أطَّتِ

стр. 4354

السماء أطًّا وحق لها أن تئط؛ ما فيها موضع قدم إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد" والتشقق يحصل من أعلاهن بسبب ذلك، وقيل: من ادعاء الشريك والولد لله - سبحانه - كما في سورة مريم ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ (١). وأيد هذا بقوله - تعالى - بعد: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ﴾ وكان القياس أن يقال: يتفطرن من تحتهن، أي: من الجهة التي جاءت منها كلمة الكفر؛ لأنها جاءت من الذين تحت السماء، ولكنه بولغ في ذلك فجعلت مؤثرة في جهة الفوق. كأنه قيل: تكاد السموات يتفطرن من فوقهن، أما الجهة التي تحتهن فحصوله بطريق الأولى. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ خضوعًا لما يرون من عظمته، وتنزيها عما لا يليق به ملتبسين بحمده. وقيل: يتعجبون من جرأَة المشركين، فذكر التسبيح موضع التعجب وعن علي ﵁ أن تسبيحهم تعجب مما يرون من تعرض المشركين لسخط الله ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ بالسعى فيما يستدعى مغفرتهم من الشفاعة والإلهام وترتيب الأسباب المقربة إلى الطاعة، واستدعاء تأْخير العقوبة طمعًا في إيمان الكافر. وتوبة الفاسق وهذا يعم المؤمن والكافر، وقال السدى وقتادة: المراد بقوله: (لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) المؤمنون لقوله - تعالى - في سورة غافر: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) وعلى هذا تكون الملائكة هنا حملة العرش، وقيل المراد جميع ملائكة السماء وهو الظاهر من قول الكلبي، وحيث خص من في الأرض بالمؤمنين فيكون المراد من الاستغفار الشفاعة، أو حقيقة الدعاء. (أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ إذ ما من مخلوق إلا وله حظ عظيم من رحمته - تعالى - وإنه سبحانه لذو مغفرة للناس على ظلمهم، وفيه إشارة إلى قبول استغفار الملائكة ﵇ وأَنه - سبحانه - يزيدهم على ما طلبوه من المغفرة والرحمة مع زيادة تقرير لعظمته تعالى، وبيان لكمال تقدسه عما نسب إليه بترك معاجلتهم بالعقاب على تلك الكلمة الشنعاء بسبب استغفار الملائكة وفرط غفرانه.

стр. 4355

٦ - ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: والمشركون الذين جعلوا لله أندادا وشركاءَ يعبدونهم من دون الله - سبحانه - رقيب على أحوالهم وأعمالهم يحصيها عليهم، وبعدها عدا ليجزيهم عليها. وما أنت - أيها الرسول - بموكل بهم، أو بموكول ومفوض إليك أمرهم، وإنما وظيفتك الإنذار والبلاغ فحسب. ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨)﴾ المفردات: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) أَي: أَنزلناه عربيا بلسان قومك. (لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى): وهي مكة، والإنذار يتعدى إلى مفعولين، وقد يستعمل ثانيهما بالباء. (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ): وهو يوم القيامة. (لَا رَيْبَ فِيهِ) أي: لا شك فيه. (وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) أي: في النار ولهيبها. التفسير ٧ - ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ أي: مثل هذا الإيحاء البديع البين المفهم أوحينا إليك قرآنا عربيا لا لبس فيه ولا إبهام عليك ولا على قومك.

стр. 4356

(لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) أَي: لتنذر أهل أم القرى وهي مكة، وتنذر من حولها من سائر الخلق شرقا وغربا. وسميت مكة أم القرى لأن فيها البيت الحرام الذي يحج إليه أهل القرى العربية، ولهذا كان فراق الرسول حين هاجر منها صعبًا على نفسه، روى الإِمام أحمد بسنده: أن عبد الله بن عدى بن الحمراء أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: "والله إنك خيرُ أرض الله وأحبُّ أرض الله إلى الله ولولا أنى أُخرجتُ مِنكِ ما خَرَجْت" وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الترمذي: حسن صحيح. لهذا الفضل استحقت أن نسمى أمًّا (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ) وهو يوم القيامة ذلك اليوم الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين في صعيد واحد كقوله - تعالى -: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (١) وفي العبارتين: (لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ) احتباك فقد حذف من الأولى ما أثبت في الثانية، وحذف من الثانية ما أثبت في الأولى، أي: لتنذر أُم القرى ومن حولها يوم الجمع تنذر يوم الجمع أم القرى ومن حولها، ثم قرر ذلك بقوله: (لَا رَيْبَ فِيهِ) أَي: لا شك فيه. (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) أَي: هذا التفريق بعد جمعهم في الموقف فإنهم يجمعون فيه أولًا ثم يفرقون بعد الحساب، منهم فريق في الجنة ومنهم فريق في النار المستعرة. والجملة استئناف في جواب سؤال تقديره: ثم كيف يكون حالهم؟ فيجاب مما ذكر. ٨ - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: أي: ولو شاءَ الله لجعلهم في الدنيا أهل دين واحد، ولكنه - سبحانه - أراد أن يدخل في رحمته - وهي الإِسلام - من يشاءُ أن يدخله فيه ويدخل في عذابه من يشاءُ أن يدخله فيه ولا ريب في أن مشيئته - تعالى - لكل من الإدخالين لاستحقاق كل من الفريقين أن يدخل مدخله تبعًا لاختيار

стр. 4357

الداخلين فيهما قطعا، فلم يشأْ جعل الكل أُمة واحدة بل جعلهم فريقين تبعًا لاختيارهم بعد ما أرسل إليهم رسله مبشرين ومنذرين فيتأَثر بعضهم بالإنذار فيصرفون اختيارهم إلى الحق فيوفقهم الله - تعالى - إلى الإيمان والطاعات، ويدخلهم في رحمته ولا يتأثر به الآخرون، ويتمادون في غيهم، فيبقون في الدنيا على ما هم عليه من الكفر، فينتهون في الآخرة إلى السعير من غير ولى يلي أمرهم ولا نصير يخلصهم من العذاب، قال مقاتل: ولو شاءَ الله لجمعهم على الهدى، أي: مؤمنين كلهم على دين الإِسلام كما في قوله - تعالى -: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى) أي: ولو شاء الله لجعلهم أُمة واحدة. لقسرهم على الإيمان، ولكن الله - تعالى - بنى أمرهم على أن يختاروا ليدخل المؤمنين في رحمته وهم المرادون بقوله - تعالى -: (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ) ويعذب الكافرين الذين ظلموا أنفسهم وقيل في ختام الآية: (وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) ولم يقل: ويدخل من يشاء في عذابه للإيذان بأَن الإدخال في العذاب من جهة الداخلين بموجب سوء اختيارهم لا من جهته تعالى، كما في الإدخال في الرحمة، على أن ذلك أبلغ في تخويفهم لإشعاره بأَن كونهم في العذاب أمر مفروغ منه إنما الكلام في - أنه بعد تحتمه - هل من يخلصهم بالدفع أو بالرفع، فإذا انتقى ذلك علم أنهم في عذاب لا خلاص منه حيث لا ولى يتكفل بحمايتهم ولا نصير ينقذهم. ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)﴾ المفردات: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) أي: بل اتخذوا أصناما وأوثانا يلون أمورهم. (وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى) أي: عند البعث. (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: أن غيره من الأولياء لا يقدر على شيءٍ.

стр. 4358

التفسير ٩ - ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: جملة (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) مستأنفة مقررة لما قبلها من انتفاء أن يكون للظالمين ولى أو نصير. أي: بل أتخذوا - مجاوزين الله - أولياءَ من الأصنام وغيرها، و (أَم) منقطعة بمعنى بل وهمزة الاستفهام الإنكارى، وهي لاستنكار اتخاذهم الأولياءَ واستقباحه ونفيه على أبلغ وجه وآكده، إذ المراد بيان أن ما فعلوا ليس من اتخاذ الأولياء في شيء لأن ذلك فرع كون الأصنام أولياء، وهو أظهر الممتنعات (فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ) كأنه قيل بعد إنكار كل ولى سواه: إن أرادوا أولياءَ بحق، فالله هو الولى. لا غيره (وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى) عند البعث (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو الحقيق لذلك بأن يتخذ وليا. فليخصوه بالاتخاذ دون غيره. ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾

стр. 4359

المفردات: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ) أي: وما خالفكم الكفار والمشركون في الدين أو ما حدث بينكم فيه خلاف. (إِلَيْهِ أُنِيبُ): أرجع في كل ما يعن لي من معضلات الأُمور. (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): خالقها ومبدعها على غير مثال، يقال: فطره من - باب نصر - ابتدأَه واخترعه. (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ): يكثركم بسبب هذا التزاوج بين الذكور والإناث، يقال: ذرأ الشيءَ كثَّره وفرقه. (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أَي: له مفاتيح خزائنهما، ومن يملك المفاتيح يملك الخزائن، والمقاليد: جمع مِقلاد أَو مقليد. (وَيَقْدِرُ) أَي: يضيق ويقتر على من يشاء. التفسير ١٠ - (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ): حكاية لقول رسول الله ﷺ للمؤمنين، أي: ما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب، والمشركون في شيءٍ من أمور الدين فاختلفتم أنتم وهم فيه كاتخاذ الله وحده وليًّا. فقولوا لهم: حكم ذلك المختلف فيه مفوض إلى الله لا إليكم، قد حكم بأن الدين هو الإِسلام لا غيره، وأمور الشرائع إنما تتلقى من بيان الله - سبحانه - الذي تكفل بإثابة المحقين من المؤمنين ومعاقبة المبطلين (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي) الإشارة إليه - تعالى - من حيث اتصافه بما تقدم من الصفات على ما قال الطيبى: من كونه - تعالى - يحيى الموتى، وكونه على كل شيء قدير، وكونه ما اختلفوا فيه فحكمه إليه (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) أَي: عليه لا على غيره توكلت في كل أُمورى، وإليه أرجع في كل ما يعن لي من معضلات الأُمور لا إلى أحد سواه. وقيل: المعنى: وما اختلفتم وتنازعتم في شيء من الخصومات فتحاكموا فيه إلى رسول الله ﷺ ولا تؤثروا على حكومته حكومة غيره، وقيل: وما اختلفتم فيه من تأويل آية واشتبه عليكم فارجعوا في بيانه إلى المحكم من كتاب الله، والظاهر من سنة

стр. 4360

رسول الله ﷺ وحيث كان التوكل على الله أمرا: أحدا مستمرًا والإنابة إليه متعددة متجددة حسب تجدد موادها. أوثر في الأول صيغة الماضي وفي الثاني صيغة المضارع. فقيل: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ). ١١ - ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: أي: ذلكم الله ربي هو خالق السموات والأرض ومبدعهما خلق لكم من جنسكم أزواجًا، وخلق للأنعام أيضا من جنسها أزواجا، أَي: كما خلق لكم في أنفسكم أزواجا وخلق لكم من الأنعام أزواجا (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) أي: يكثركم ويزيدكم فيما ذكر من التدبير، وهو أن جعل - سبحانه - للناس والأنعام أزواجًا يكون بينهم توالد وتناسل. أو جعل التكثير في هذا الجعل لوقوعه بسببه، والضمير في (يَذْرَؤُكُمْ) يرجع للمخاطبين والأَنعام بتغليب المخاطبين العقلاء على الغُيَّب مما لا يعقل (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) نفى للمشاركة في كل شأن من الشئون التي من جملتها هذا التدبير البديع السابق، والمراد نفى أن يكون مثله - سبحانه - شيء يزاوجه وهو وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها. والمعنى: ليس كذاته شيء بإرادة الذات من (المثل) كما قيل، وعلى هذا لا فرق بين (ليس كذاته شيء) وبين (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) في المعنى، إلا أن الثاني كناية مشتملة على مبالغة هي أن المماثلة منتفية عمن يكون مثله وعلى صفته فكيف عن نفسه. وهذا لا يستلزم وجود المثل إذ الغرض كاف في المبالغة، ومثل هذا شائع في كلام العرب كما يقولون: مثلك لا يبخل، يريدون به نفى البخل عن ذاته ويقصدون المبالغة في ذلك بسلوك طريق الكناية لأنهم إذا نفوه عمن يماثله فرضا فقد نفوه عنه بطريق أولى. وقيل: يراد بالمثل الصفة، أي: ليس كصفته صفة (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) أي: المدرك إدراكا تاما لجميع المسموعات ولجميع المبصرات أو الموجودات. ١٢ - ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾: أي: له مفاتيح خزائنهما، ومن يملك المفاتيح يملك الخزائن حفظًا وتدبيرا، وهو يوسع الرزق لمن يشاء ويضيقه على من يشاءُ حسبما تقتضية الحكمة العالية، والعدل التام.

стр. 4361

(إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) مبالغ في الإحاطة به كما في قوله - تعالى -: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (١) فيفعل كل ما يفعل على ما ينبغي أن يفعل عليه. والجملة تعليل لما قبلها، وتمهيد لما بعدها من قوله - تعالى -: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ). * ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾ المفردات: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ): سن لكم من الدين وبين وأظهر وقضى، والمشرعة والشريعة: مورد الماء. (وَصَّى): أمر أمرًا لازما جازما. (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ): اجعلوا الدين قائما بالمحافظة عليه، وتقويم أركانه، والحرص عليه من أن يقع فيه زيغ أو تفريط. (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ): عظم واشتد. (يَجْتَبِي): يجتلب ويصطفى. (يُنِيبُ): يرجع عن الكفر ويختار طريق التوحيد والهداية. (بَغْيًا): ظلما وحقدا وعداوة. (مُرِيبٍ): مقلق موغل في الشك.

стр. 4362

التفسير ١٣ - ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾: ختم الله الآية السابقة بقوله: (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) تعليلا لما قبلها، وتمهيدا لهذه الآية وما بعدها، وإيذانا بأَن ما شرع الله من الأحكام صادر عن كمال العم والحكمة، وقد حكت الآيات السابقة صورا كثيرة من ألوان القدرة، ومظاهر التفرد بالوحدانية والملك، وقررت أن الله وحده هو الولى لخلقه، القادر على كل شيء، فاطر السموات والأرض، وأنه - تعالى - جعل من الإنسان أزواجًا ومن الأنعام أزواجًا ينتظم بها أمر الدنيا، بيده مقاليد السموات والأرض يتصرف فيها خلقًا وملكًا وإحياء وإماتة وبسطا وتضييقًا، وهو العليم بكل ما فيها ومن فيها، لا يعزب عن علمه شيء من أحوالها، ولا يعجزه أمر من أُمورها. ثم جاءَت هذه الآية لتبين أنه - تعالى - شرع لعباده ما ينظم سلوكهم. ويقوم مسيرتهم بما جاء على لسان أنبيائه ورسله على تتابع الزمان، فقال - تعالى -: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ … ) الآية، والشارع هو الله - تعالى - المفهوم بالنص من الآيات السابقة، والمخاطب أُمة محمد ﷺ . والمعنى: سنَّ الله - تعالى - لكم يا أُمة محمَّد وأظهر وبين من أُمور الدين وأحكامه ما سبق أَن وصى به نوحًا، والذي أوحاه إلى نبيكم، وما وصى به من جاء بعد نوح من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وأمرهم به أمرًا مؤكدًا لازما هو قوله - تعالى -: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ) والمقصود به دين الإِسلام، والاستسلام لله وذلك بتوحيده وطاعته، والإيمان بكتبه ووسله ويوم الجزاء، وسائر ما يكون العبد به مؤمنًا، وإقامة الدين: معناها تعديل أركانه، والمواظبة عليه، وحفظه من أن يقع فيه زيغ أو تحريف، والإِسلام بهذا المعنى لا يختلف فيه أَحد من الأنبياءِ في أي عصر من العصور، والبدء بذكر نوح ﵇ لأنه أبو البشر بعد آدم ﵉ ولأَنه - على ما قيل - أول الأنبياء بعد آدم. وفي تقدم ذكر الرسول ﷺ على من قبله من الأنبياء إشعار بأن شريعته ﷺ هي الشريعة المعتنى بها غاية الاعتناء، وأنه النبي الخاتم، وأن رسالته أعم الرسالات.

стр. 4363

والمراد بالإيحاء إليه ﷺ إما الإشارة إلى ما ذكر في خصوص هذه السورة من مثل قوله - تعالى - في صدرها: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ) ومن قوله - تعالى - في ختامها: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) وإما ما يعمها وغيرها من مثل ما وقع في سائر المواقع من القرآن الكريم التي من جملتها: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ وقوله - تعالى -: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وغير ذلك كثير في القرآن الكريم. وتخصيص الرسول بذكر الإيحاء، وإيثاره على ما قبله وما بعده من التوصية لمراعاة ما وقع في الآيات المذكورة وغيرها من مثل قوله - تعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ مما جاء في هذه السورة بخصوصها، ولما في الإيحاء من التصريح برسالته ﷺ والالتفات إلى "نون" العظمة في قوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ لإظهار كمال العناية بإيحائه. وقوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ معناه - على ما اختاره غير واحد من الأجلَّة عَام شامل للنبي ﷺ وأتباعه وللأنبياء والأُمم قبلهم، أي: لا تختلفوا في أصل من أُصول الدين وقوله - جل شأْنه -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (١). ولا يشمل هذا النهي الاختلاف في الفروع فإنها ليست من الأصول المرادة هنا، ولم يجمع النبيون على الاتفاق فيها، أو يتحتم دينًا الاتفاق عليها كما يؤذن بذلك قوله - تعالى -: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٢). قال مجاهد: لم يبعث نبى إلا أمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والإقرار باللهِ - تعالى - وطاعته - سبحانه - وذلك إقامة الدين. ومعنى الآية: شرعنا لكم ما وصينا به نوحا، وما أوحيناه إلى نبيكم، وما وصينا به الأَنياء قبلكم - شرعنا - لهم دينا واحدا في الأصول، وهي: التوحيد، والصلاة، والزكاة

стр. 4364

والصيام، والحج، والتقرب إلى الله بصالح الأعمال، والوفاء بالعهد، وأَداء الأَمانات، وصلة الرحم، وتحريم الكبر والزنى والإيذاء للخلق، والاعتداء على الحيوان، واقتحام الدناءَات، وما ينافى المروءَات، ونحو ذلك من الكمالات فهذا كله مشروع دينا واحد، وملة متحدة، لم يختلف علي ألسنة الأنبياء في الأصل ولا في الصورة، فأقيموا هذا الدين ولا تتفرقوا فيه، واجعلوه قائما مستمرا من غير خلاف فيه، لا اضطراب. (الآلوسي بتصرف). والذي ينبغي اعتباره - ولا مجال للشك فيه - أن رسالات الأنبياء جميعًا متفقة في أُصول العقائد ومطلق العبادات، والأمر بإتيان الفضائل، واجتناب الرذائل. وقد تختلف في الفروع أو في بعضها تبعًا لتقادم الأَزمان، ولمقتضيات الأطوار، وتطور أحوال الإنسان، كما تختلف في أسلوب الأَداء في رسالة عن رسالة أُخرى. وقوله - تعالى -: (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) معناه: شق على المشركين وعظم في نفوسهم ما تدعوهم إليه من توحيد الله - تعالى - ورفض عبادة الأصنام، وضاقوا بدعوتك ولجوا في عنادك تقليدا لآبائهم. وقوله - تعالى -: (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) فيه تسلية - للنبي ﷺ يمحو القلق من نفسه، ويضفى على قلبه الراحة والاطمئنان إذا علم أن قلوب العباد ونواصيهم بيده يجتبى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب. والمعنى: الله ﵎ يصطفى إليه من يشاء من عباده الباحثين عن الحق ويهديه إلى الاستجابة ويرشده إلى التوحيد والطاعة، ويختاره لحظيرة أُنسه، ودار قدسه، ويهدى بالإرشاد والتوفيق من يترك المعاصي ويقبل عليه، ويرجع إليه، فلا تبال يا رسول الله بخلاف من خالفك، ولا يشق ذلك على نفسك. ١٤ - ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾:

стр. 4365

هذه الآية شروع في بيان أحوال أهل الكتاب بعد الإشارة الإجمالية إلى أحوال أهل الشرك، قال ابن عباس ﵄: هم اليهود والنصارى لقوله - تعالى -: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (١). والمعنى: وما تفرق الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى في الدين الذي دعوا إليه في حال من الأحوال أَو في وقت من الأوقات إلا من بعد ما جاءَهم العلم بحقيته بما شاهدوا في رسول الله ﷺ والقرآن من دلائل الحقية حسبما وجدوه في كتبهم - وهذا ما ذهب إليه العلامة أبو السعود - وقال الآلوسي: وما تفرق أُمم الأنبياء بعد وفاة أنبيائهم منذ بعث نوح ﵇ في الدين الذي دعوا إليه - ما تفرقوا في وقت من الأوقات - إلا من بعد ما جاءَ العلم من أنبيائهم بأن الفُرْقة ضلال وفساد وأمر متوعَّد عليه، وهذا يؤيد ما دل عليه سابقًا من أن الأُمم القديمة والحديثة أُمروا باتفاق الكلمة، وإقامة الدين. ويضعف هذا الرأى أن مشاهير الأُمم السابقة قد أصابهم عذاب الاستئصال من غير إنظار وإمهال، وأن مساق النظم الكريم لبيان أحوال هذه الأُمة، وإنما ذكر من ذكر من الأَنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لتحقيق أن ما شرع لهؤلاء المكذبين دين قديم أَجمع عليه أولئك الأعلام تأْكيدا لوجوب إقامته، وتشديدا للزجر عن التفرق والاختلاف فيه، ومهما يكن القول في التفرق فإنه لم يكن صادرا منهم عن حقيقة، ولا قائما على رأْى، وإنما كان بغيا وظلما وعداوة وحسدا نابعًا من طلب الدنيا والحرص على الرياسة ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: ولولا قضاء قضى به الله، وَعِدَة سبقت منه - جل شأْنه - بتأخير العقوبة (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) هو يوم القيامة أو آخر أعمارهم (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي: لوقع العقاب باستئصال المبطلين منهم، لعظم ما اقترفوه واستيجاب جناياتهم لذلك. (وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) أي: وإن المشركين الذين أُورثوا القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب كتبهم لفى شك من القرآن مدخل

стр. 4366

في القلق والحيرة. ولذلك لا يؤمنون به لمحض البغى والمكابرة بعد ما علموا بحقيته كدأب أهل الكتابين. ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦)﴾ المفردات: (وَاسْتَقِمْ): واستمر على المنهج المستقيم ودم عليه. (أَهْوَاءَهُمْ): ميولهم الفاسدة. (مِنْ كِتَابٍ) أَي: أي كتاب منزل من الله. (لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ): لا محاجة ولا خصومة. (يُحَاجُّونَ): يجادلون ويخاصمون. (فِي اللَّهِ): في دين الله. (دَاحِضَةٌ): زائلة باطلة.

стр. 4367

التفسير ١٥ - ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾: تناولت الآيات السابقة تفرق الأُمم فيما جاءَهم به أنبياؤهم، والشك المريب الذي عاشوا فيه، ثم جاءت هذه الآية ترشد إلى رفض هذا السلوك السيء وتحث علي مدافعته واستئصاله، فالإشارة في قوله - تعالى -: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ) أي: فمن أجل ما ذكر من التفرق فادع إلى دين الحق الذي أنت عليه. والمعنى: إذا كان الأَمر كما ذكر فلأَجل ذلك التفرق وما جر إليه من تشعب في الكفر، وشك مريب في مقدسات الدين فادع يا محمد إلى الاتفاق على الملة الحنيفية القديمة، والعقيدة السمحة القويمة (وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) واثبت على هذه الدعوة، والزم منهجها المستقيم (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) الباطلة ولا تطاوع ميولهم الفاسدة، واحمل الناس كافة على إقامة ذلك الدين والعمل بموجبه، فإن تفرقهم في الدين وكونهم في شك مريب يحتمان الدعوة إليه والأَمر به. (وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ) يعنى: دُمْ على الإيمان بكل كتاب من الكتب المنزلة من الله، لا تفرق بين كتاب وكتاب منها، ولا تقل: نؤمن ببعض ونكفر ببعض وفي هذا القول تحقيق للحق، وبيان لاتفاق الكتب في الأصول، وتأليف لقلوب أَهل الكتابين، وتعريض بهم حيث لم يؤمنوا بجميعها. (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) أَي: وأمرني ربي أن أَعدل بينكم في فصل القضايا والخصومات، وفي تبليغ الشرائع والأحكام، فلا أَخص بشئ منها شخصًا دون آخر، وقيل: لأسوى بيني وبينكم. فلا آمركم بما لا أعمله، ولا أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه. (اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ) أَي: خالقنا وخالقكم، ومتولى أُمورنا وأُموركم، لا ندين إلا به ولا نخضع إلا لأَمره.

стр. 4368

(لَنَا أَعْمَالُنَا) لا يتخطانا جزاؤها ثوابًا أو عقابًا (وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) لا تتجاوزكم آثارها، فنحن لا نستفيد بحسناتكم أو نتضرر بسيئاتكم. (لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ) أي: لا خصومة ولا محاجّة بيننا وبينكم؛ لأَن الحق قد ظهر ولم يبق للمحاجة حاجة، ولا للخصومة موقع أو مجال، ولا للمخالفة محمل سوى المكابرة. (اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) أي: الله يجمع بيننا جميعًا يوم القيامة للحساب والجزاء وإليه وحده مصيرنا ومصيركم فيظهر هناك حالنا وحالكم، ويفصل بيننا وبينكم، ويلاقى كل واحد منا جزاءه من الثواب أو العقاب في هذا المصير المحتوم. هذا، وليس في الآية ما يدل على متاركة الكفار رأسًا حتى تكون منسوخة بآية السيف، وبهذا يقول أبو السعود، وهذا - كما ترى - محاجزة في موقف المجاوبة، لا متاركة في موطن المحاربة حتى يصار إلى النسخ بآية القتال. ١٦ - ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: لما ذكرت الآية السابقة ظهور الحجة وانقطاع المحجة، جاءت هذه الآية تنعى على أهل الكتاب الجدل بالباطل واللدد في الخصومة، قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في طائفة من بني إسرائيل همت برد الناس عن الإِسلام، ومحاولة إضلالهم فقالوا: "كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم فديننا أفضل من دينكم" وفي رواية بدل - فديننا - "فنحن أولى به - تعالى - منكم". والمعنى: والذين يحاجون من أهل الكتاب في دين الله بعد أن استجاب الناس لله أو لهذا الدين، وأذعنوا له، ودخلوا فيه أفواجًا لظهرر حجته، ووضوح محجته، وعدالة أحكامه، وسلامة قواعده - الذين يفعلون ذلك - (حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ) أَي: باطلة وزائلة لا تقبل عند الله، ولا تصح في منطق ولا عقل، بل لا يقام لهم حجة أصلا، لأن الحجة إنما تصح فيما يقبل فيه الرأْى ويستقيم الترجيح، والتعبير عن أباطيلهم بالحجة - وهي الدليل هنا - مجاراة لهم على زعمهم الباطل.

стр. 4369

وقوله - تعالى -: (وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ): بيان لما يستحقون وما يجرى عليهم في الدنيا من الغضب الذي يتغشاهم، والكآبة التي تعلو وجوهم فتفقدهم الطلاقة والبشر، وبيان لما ينتظرهم في الآخرة من العذاب البالغ الحد في القسوة والشدة ولا يدرك تصوره فيجتمع، عليهم - إلى بطلان الحجة - غضب الله، والعذاب الشديد. ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨) اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ المفردات: (الْكِتَابَ): جنس الكتاب، ويراد به الكتب السماوية المنزلة من الله تعالى. (وَالْمِيزَانَ): الشرع الذي يتحقق به العدل، أو نفس العدل، أو آلة الوزن. (وَمَا يُدْرِيكَ): وأى شيء يجعلك عالمًا داريًا؟. (مُشْفِقُونَ مِنْهَا): خائفون منها. (يُمَارُونَ): يجادلون ويشككون، من المرية والشك، أو من: مريت الناقة إذا مسحت ضرعها بشدة لإدرار اللبن، لأن كُلًّا من المتجادلين يستخرج ما عند صاحبه بكلام فيه شدة.

стр. 4370

(لَطِيفٌ): بليغ البرّ. (حَرْثَ) الحرث: كسب المال، وجمعه: أحراث، والحرث: البذر الذي يوضع في الأرض لينبت، ويطلق على الزرع الحاصل منها، وعلى ثمرة الأعمال. التفسير ١٧ - ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾: هذه الآيات من جملة تسفيه المشركين الذين يجادلون في دين الله من بعد ما استجيب له، وتمكنت دعوته، ورسخت حجته، وإمعان في تهديدهم وتخويفهم وتحذيرهم مغبة ما يفعلون بتقرير صدق الكتب السماوية المنزلة من الله - - تعالى - على أنبيائه المتمثلة في قوله - تعالى -: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ). والمعنى: الله هو الذي أنزل الكتاب ملتبسا بالحق بعيدا عن الباطل في أحكامه وأخباره، قائما على الصدق في كل ما جاء به من العقائد والعبادات والفضائل لا مجال فيه لجدل، ولا سبيل إلى محاجة أو مكابرة في شأنه. والمراد بالميزان - والله أعلم -: الشرع الذي تحدد به الحقوق، ويسوى به بين الناس، أو العدل، والمقصود بإنزاله الأمر به - وقيل: المراد خصوص آله الوزن. والمقصود من الساعة القيامة في قوله - تعالى -: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) أي: لعك القيامة قريب، والاستفهام للتنبيه والإعذار، والمعنى: وأى شيء يجعلك عالمًا داريا بما يغيب عنك من الأمور التي من جملتها قيام الساعة؟ إن قيام الساعة قريب وشيك الإتيان فاتبع الكتاب، وواظب على العدل، واعمل بالشرع قبل أن يفاجئك اليوم الذي توزن فيه الأعمال، ويوفى جزاؤها. ١٨ - ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾:

стр. 4371

قررت الآية السابقة أن القيامة على وشك الإتيان ثم جاءَت هذه الآية بعدها توضح موقع الناس من أمرها، وحقيقة إيمانهم بها، وأبانت أنهم منها بين جاحد منكر يستعجل وقوعها سخرية واستبعادا، وبين مؤمن مصدق بها مشفق من وقوعها مع عمله لها أو تقصيره في شأنها. والمعنى: يستعجل وقوع الساعة وينادى بحصولها المشركون المنكرون لها سخرية واستبعادا، كانوا يقولون: متى هي؟ ليتها قامت حتى يظهر حال ما نحن عليه، وما عليه محمَّد وأصحابه. أَما الذين آمنوا وصدقوا فدائمون على الخوف منها والإشفاق من وقوعها مع عملهم الصالح، وطاعتهم المرضية استقلالا لأعمالهم واستصغارا لحسناتهم، مع يقينهم أن حصولها هو الأمر المحقق الكائن لا محالة، وأشدهم خوفا منها هم المؤمنون المقصرون في العمل لها. ولعل من حلية الأُسلوب، وجمال تنسيقه ما قاله الجلبى من أن الآية من الاحتباك، والأَصل: يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها فلا يشفقون منها، والذين آمنوا مشفقون منها فلا يستعجلونها، وفي التعبير بالفعل المضارع في الجملة الأولى، وبالجملة الاسمية في الجملة الثانية ما يلمح إلى تجدد القلق والاضطراب في نفوس الذين لا يؤمنون بها وتمكن الاستقرار والاطمئنان في قلوب المشفقين منها. وفي قوله - تعالى -: (أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) تنبيه على غفلة هؤلاء المشركين، واستعظام لإنكار الساعة، واستقباح لمماراتهم فيها، وتشككهم وتشكيكهم في حصولها، وهي أقرب الغائبات إلى المحسوسات، وذلك مما يقتضيه العقل الراجح، والفطنة السليمة. ١٩ - (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ): هذه الآية من كتاب الله يدق فيها الفهم بقدر ما يرق فيها اللطف، فإن عباد الله منهم البرّ والفاجر، وفيهم المؤمن والكافر، وإن أرزاق الله التي تجرى على خلقه تتعدد حسا ومعنى، ويختلف جريها على الناس سعة وضيقًا، وإعطاء لشئ وحرمانا من آخر، وهي في جملتها لا تنقطع عن مخلوق - إنسانًا، أو حيوانا - قال - تعالى -: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ (١) ولهذا تقدم في الآية اللطف على إجراء الرزق، وتعقب إجراء الرزق بالقوة والعزة.

стр. 4372

والمعنى: الله لطيف بعباده، أي: برٌّ بليغ البر بعباده رفيق بهم يفيض عليهم من فنون ألطافه، وصنوف آلائه ما لا تبلغه الأفهام. قال حجة الإِسلام - عليه الرحمة: إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها، وما دق منها ولطف ثم يسلك في إيصالها إلى المستصلح سبيل الرفق دون العنف، فإذا اجتمع الرفق في الفعل، واللطف في الإدراك تم معنى اللطيف، ولا يتصور كمال ذلك إلا في الله - تعالى - والقصود بالعباد جميع خلقه لإضافة العباد - وهو جمع - إلى ضميره - تعالى - فيفيد الشمول والعموم، ومعنى قوله - تعالى -: (يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ): يجرى رزقه على من يشاءُ بما شاء من أنواع الرزق فيخص كلا من عباده بنوع من البر على ما تقتضيه مشيئته وحكمته، وهو القوى القادر الذي لا يعجز، العزيز المنيع الغالب الذي لا يقهر. والتذييل بالاسمين الجليلين مؤذن بالتعليل، كأَنه قيل: لطيف بعباده عظيم الإحسان بهم؛ لأنه - تعالى - القوى الباهر القدرة الذي غلبت قدرته جميع القدر، يرزق من يشاءُ؛ لأنه العزيز الذي لا يغلب. ٢٠ - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾: أي: من كان طلب من المكلفين بأعماله ثواب الآخرة، ويرجو رحمة الله وحسن جزائه يوم القيامة يضاعف الله له ثوابه بالواحد عشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر من ذلك لمن يشاء، ومن كان يطلب بأعماله الدنيا ويجرى وراء متاعها وزخرفها لا يريد غير ذلك يؤته من ذلك حسبما قسم الله له وقدر في الدنيا ولا حَظَّ له في الآخرة، وما له فيها من أجر ولا ثواب؛ لأنه أفرغ همه، وقصر جهده على طلب الدنيا، وفي هذا التوجيه حث على إخلاص النوايا، إذ الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى. ولم تشر الآية إلى أَن لطالب الآخرة نصيبا في الدنيا على نحو ما ذكر لطالب الدنيا للتنويه بعظم أجره في الآخرة والاستهانة بما يناله في الدنيا مهما عظم بجانب ثواب الآخرة.

стр. 4373

﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)﴾ المفردات: (شُرَكَاءُ): شياطين أو أصنام. (شَرَعُوا): سوّلوا وزينوا. (مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) أي: ما لم يأْمر به كالشرك ونحوه. (كَلِمَةُ الْفَصْلِ): القضاء السابق بتأْجيل عذابهم. (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ): فصل بين المشركين والمؤمنين، أو بين المشركين وشركائهم. (مُشْفِقِينَ): خائفين. (رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ): أطيب بقاعها، وأعلى منازلها وأنزهها. (يَقْتَرِفْ): يكتسب. التفسير ٢١ - ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: هذه الآية تنعى على المشركين كفرهم الذي دعاهم إلى إيثار متاع الدنيا على العمل للآخرة، وتنكر عليهم في أُسلوب توبيخى تقريعى ما هم عليه من العقائد الفاسدة، والإخلاد

стр. 4374

إلى الدنيا، وهي في مقابلة قوله - تعالى -: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا) لتدلَّ على أَنهم في شرع يخالف ما شرعه الله - تعالى - من كل وجه: حيث قابلوا إقامة الدين في قوله - تعالى -: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ) بالشرك، والإشفاق من يوم القيامة باستعجال الساعة، وطلب الآخرة بالعمل للدنيا. والمعنى: بل ألهؤلاء الكفار والمشركين من أهل مكة شركاء من الشياطين سوَّلوا لهم من الدين وسنوا ما لم يأْذن ويأْمر به الله - تعالى - كالشرك وإنكار البعث فاتخذوه دينا لهم ومنهجا ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: ولولا أَن الله قضى وحكم بتأْخير العذاب في هذه الأُمة إلى أجل مسمى هو يوم القيامة لوقع العذاب في الدنيا على الذين يكذبونك، ولفصل الله بين المشركين والمؤمنين فهلك من هلك عن بيَّنة وحيّ من حىَّ عن بيَّنة، أو لفصل بين المشركين وشركائهم من الشياطين والأصنام بما يقضى به الله فيهم. وبما أن شركاءهم من الشياطين حرضوهم على الشرك وشرعوه لهم ولم يأْذن به الله، فيكون الاستفهام الإنكارى الذي تضمنه لفظ (أَم) مرادًا منه إنكار هذا الواقع وتوبيخهم عليه. (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أَي: وإن لهؤلاء المشركين الذين يستوحون دينهم من شياطينهم، لهم عذاب موجع بالغ غاية الإيلام والإيجاع في الآخرة. هذا، وإسناد الشرع إلى الشركاءِ لأَنهم سبب ضلالهم وفتنتهم كقوله - تعالى -: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ (١). وتسمية ما شرعوه دينا للتهكم والسخرية، والتعبير بالظالمين عن ضميرهم للإشارة إلى أنهم - بشركهم - تجاوزوا حدّ الاعتدال فظلموا أنفسهم بالشرك، ظلموا المؤمنين بمعارضتهم، وظلموا دين الله بالافتراء عليه - وإنكار أحكامه العادلة، ومنهجه القويم، وإن الشرك لظلم عظيم. ٢٢ - ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾:

стр. 4375

هذه الآية كلام مستأنف يعرض مشهدا من أحوال الناس يوم القيامة، والخطاب فيه لكل أحد يصلح لتلقى الخطاب، قصدا إلى المبالغة في عرض سوءِ حال الظالمين، وجمال نعيم المؤمنين. والمعنى: ترى يا من يصح منه أن يرى. ترى الظالمين الذين كانوا متجبِّرين في الدنيا يرفلون في الترف والنعيم - تراهم - يوم القيامة أذلاء صاغرين مشفقين أشد الإشفاق خائفين غاية الخوف من جزاء وعذاب ما كسبوا من المعاصي واقترفوا من المظالم والمآثم وهو واقع بهم لا محالة لا ينجيهم منه خوف ولا يعفيهم إشفاق فإن يوم الجزاء لا يُنجى منه خوف، ولا إشفاق من الكافرين الظالمين. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾: آمنون مستقرون في أطيب بقاع الجنات، وأعْلى منازلها وأنزه ملاذها دانية عليهم ظلالها، مُذَلَّلَة قطوفها، لهم ما يشتهون من فنون الملذات عند ربهم، فلا ينتهى فيها نعيم، ولا ينقصه وافر العطاء. (ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ): أي ذلك الشأن الذي يعيشون، والنعيم الذي يتنعمه أَهل الجنة البالغ أعلى الدرجات في السموِّ والراحة، هو الفضل الذي لا يقادر قدره، ولا يبلغ أحد وصفه. ٢٣ - ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾: الكلام في هذه الآية موصول بالكلام عن الفضل الكبير المذكور في الآية قبلها. والمعنى: ذلك الفضل المتناهى في الكبر المتعاظم في العلو هو الذي يبشر الله به عباده الذين أخلصوا الإيمان، وأكثروا عمل الصالحات وداوموا عليها، يبشرهم بذلك الفضل استعجالا لسرورهم في الدنيا. روى أن المشركين اجتمعوا في مجمع لهم، فقال بعضهم لبعض: أترون محمدا يسأل على ما يتعاطاه أجرا؟، فنزل قوله - تعالى -: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا

стр. 4376

الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾: والمعنى: قل لهم يا أيها الرسول الكريم ردًّا على ما تساءَلوا به: لا أطلب منكم على ما أنا فيه من تبليغ الرسالة - وتعليم الشريعة - لا أطلب منكم نفعا ولا أبتغى عليه أجرا إلاَّ أن تودوا أهل قرابتى وتحفظوا حقهم وواجبهم وليس ذلك أجرا لأن قرابتكم قرابتى فهي صلة يفرضها الدم، وتقتضيها حق قرابتى ورحمى، وقد ذكر الطبرى في هذه الآية آراءً لعل من تمام الإيضاح أن نذكرها كما أشار إليها غيره من المفسرين - قال ﵀ عند ذكر هذه الآية: اختلف في معناه على أقوال: (أَحدها): لا أسألكم على تبليغ الرسالة وتعليم الشريعة أجرا إلَّا التواد والتَّحاب فيما يقرب إلى الله - تعالى - من العمل الصالح - عن الحسن والجبائى وأبى مسلم: قالوا: هو التقرب إلى الله - تعالى - والتودد إليه بالطاعة. (ثانيها): معناه إلاَّ أن تودونى في قرابتى منكم، وتحفظوني لها - عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وجماعة قالوا: وكل قرشِيّ كانت بينه وبين رسول الله ﷺ قرابة، وهذا لقريش خاصَّة، والمعنى إن لم تودونى لأجل النبوّة فودونى لأجل القرابة التي بيني وبينكم. (ثالثها): أن معناها إلاَّ أن تودوا قرابتى وعترتى وتحفظونى فيهم. عن ابن عباس - مرفوعًا إليه بكثير من الرواة قال: لما نزلت: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا … ) الآية قالوا: يا رسول الله، من هؤلاءِ الذين أمرنا الله بمودتهم؟ قال: عليّ، وفاطمة، وولدهما. وأخرج الترمذي - وحسنه. والطبرانى. والحاكم - والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: قال ﵊: "أحبوا الله - تعالى - لما يغذوكم به من نعمة، وأحبّونى لحبّ الله - تعالى - وأحبوا أهل بيتى لحبِّى". وأخرج أحمد والترمذي،، وصححه، والنسائي عن المطلب بن ربيعة قال: دخل العباس على رسول الله ﷺ فقال: إنَّا لنخرج فنرى قريشًا تتحدث، فإذا رأونا سكتوا

стр. 4377

فغضب رسول الله ﷺ ودرَّ عِرق بين عينيه ثم قال: والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتى يحبَّكم لله - تعالى - ولقرابتى" وهذا ظاهر إن خص القربى بالمؤمنين منهم. (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا) أي: ومن يكتسب عملا صالحا: ويصطنع طاعة خالصة من الطاعات التي من جملتها المودة في القربى (نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا) أي: نضاعف له في جزاء هذه الحسنة بمقدار ما أحسن فيها وأضعافه بمضاعفة الثواب عليها - روى أن الآية نزلت في أبي بكر ﵁ لشدة محبته لأَهل البيت. (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ): واسع المغفرة يستر عيوب عباده يغفر ذنوبهم إذا تابوا (شَكُورٌ): عظم الشكر لمن أطاعه يوفِّيه حقه من الثواب: ويتفضل عليه بالمزيد من غير حساب. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوعَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦)﴾ المفردات: (افْتَرَى): اختلق. (يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ): يطمس عليه وينسبه فلا يعى. (يَمْحُ): يزيل.

стр. 4378

(ذَاتِ الصُّدُورِ): حقائقها ودخائلها. (التَّوْبَةَ): الرجوع عن المعاصي بالندم عليها، والعزم على تركها أبدا. التفسير ٢٤ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: الاستفهام المفهوم من لفظ (أَم) لتوبيخهم على مقالتهم. والمعنى: أيجترئ هؤلاء السفهاء، وتطاوعهم ألسنتهم بنسبة مثله ﵊ إلى الافتراء والكذب والاختلاق وهو من هو الذي لم يعرف عنه في جاهلية ولا في إسلام أنه ألمَّ بكذبة قط، ثم كيف يستقيم افتراؤه على الله والإفتراء على الله أقبح الفرى وأفحشها، وما عرف عنه ﷺ كذب على أحد مطلقًا مشرك أو مؤمن، فالافتراء منه ﷺ مستبعد، وعلى الله مستحيل وقوله - تعالى -: (فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ) استبعاد للافتراء عن مثله، أي فإن يشأ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى تفترى عليه الكذب، فإنه لا يفترى الكذب على الله إلاَّ من كان في مثل حالهم مختومًا على قلبه. والأمر لم يكن على ذلك فقد تواتر الوحى، وتكامل إنزال القرآن حتى أَكمل الله دينه وأتم نعمته. (وَيَمْحُ (١) اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ): كلام مستأنف غير معطوف على يختم مقرر لنفى الافتراء عنه ﷺ ، مسوق لبيان شأن من شئون الله - تعالى - وتقرير سننه بمحو الباطل

стр. 4379

وإزهاقه، وتأْكيد الحق وإحقاقه كما ينطق بذلك قوله - تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (١). والمعنى: ومن سنن الله - تعالى - أنه يمحو الباطل بقدرته وحكمته، ويثبت الحق ويحققه ببرهانه وآياته. ويجوز أن يكون الكلام مسوقا مسوق الوعد والبشارة للرسول ﷺ بأنه - تعالى - يمحو الباطل من البهتان والتكذيب، ويثبت الحق الذي هو عليه بالقرآن أو بقضائه الذي لا مردّ له بنصرته عليهم. (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي: إنه مطلع على دخائل القلوب بصير بحقائقها، لا تخفى عليه خافية من أُمورها ثم يجرى عليها أحكامه المناسبة لأَحوالها. ٢٥، ٢٦ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوعَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: لوّحت الآيات السابقة بالوعيد لمن غوى وضل سبيل الهدى واتبع الهوى فابتدع شرعًا لم يأذن به الله أو ادعى افتراءً على الله، وجاءَت هذه الآيات تهبّ بنسائم الرحمة وتفتح مغاليق الخير والبرّ، حتى لا ييئس عاص من رحمة الله، ولا ينقطع طمع مذنب من رجاء الله، فقال - تعالى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ … ﴾ الآية: والمعنى: وهو الله - تعالى - الذي يتفضل بواسع فضله ووافر برّه ورحمته بقبول التوبة عن عباده يتجاوز عما تابوا عنه وأقلعوا عن فعله في ندم وحسرة، فإن التوبة الصادقة هي الرجوع عن المعاصي والندم عليها، والعزم على عدم معاودتها أبدا، روى جابر ﵁ أن أعرابيا دخل مسجد رسول الله ﷺ وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبر فلما فرغ من صلاته قال له على ﵁: "يا هذا، إن سرعة اللسان

стр. 4380

بالاستغفار توبة الكذّابين، وتوبتك هذه تحتاج إلى توبة، فقال: يا أَمير المؤمنين، وما التوبة؟ قال: اسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، وردّ المظالم، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية، وإذاقتها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاءُ بدل كل ضحك ضَحِكته. (وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) أي: يتجاوز عن جميع السيئات الكبائر والصغائر، وقيل: يعفو عن الكبائر، وعن الصغائر باجتناب الكبائر (وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) أي: ويعلم كل ما تفعلونه كائنا ما كان، سرا أَو جهرا كبيرا أَو صغيرا خيرا أو شرا فيجازى بما شاءَ ويتجاوز عما يشاءُ حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكمة. (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ): يختص الله - تعالى - في هذه الآية الذين آمنوا وعملوا الصالحات بمزيد من الفضل تقديرا لأعمالهم، وبعثا لهممهم، واستجلابا لغيرهم في استباق الخيرات، والمبادرة إلى الصلوات، والكلام في قوله - تعالى -: (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا) على حذف اللام، أَي: يستجيب لهم كما في قوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾ (١) أي: كالوا لهم. والمعنى: ويستجيب الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات دعاءَهم ويثبتهم على طاعتهم ويزيدهم على الثواب تفضلا، فإن الطاعة لا يترتب عليها من الثواب شابهت الدعاءَ والطلب، وشابهت الإثابةُ والجزاءُ عليها الإجابة. وجعلوا من ذلك قوله ﷺ : "أفضل الدعاء الحمدُ"، وسئل سفيان عن قوله ﵊ في الحديث: "أكبرُ دعائى ودعاءِ الأنبياء قبلى لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ" فقال: هذا قوله - تعالى - في الحديث القدسى: "مَنْ شغلهُ ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضلَ ما أُعطِى السائلين" وقيل الاستجابة فعلهم أَي: يستجيبون لله بالطاعة إذا دعاهم إليها، وعن إبراهيم بن أدهم - لما قيل له: ما بالُنا ندعُو فلا نُجَاب؟ قال: لأنه دعاكم فلم تُجيبوه، ثم قرأ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢).
следующие страницы →