← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾: والمعنى: قل لهم يا أيها الرسول الكريم ردًّا على ما تساءَلوا به: لا أطلب منكم على ما أنا فيه من تبليغ الرسالة - وتعليم الشريعة - لا أطلب منكم نفعا ولا أبتغى عليه أجرا إلاَّ أن تودوا أهل قرابتى وتحفظوا حقهم وواجبهم وليس ذلك أجرا لأن قرابتكم قرابتى فهي صلة يفرضها الدم، وتقتضيها حق قرابتى ورحمى، وقد ذكر الطبرى في هذه الآية آراءً لعل من تمام الإيضاح أن نذكرها كما أشار إليها غيره من المفسرين - قال ﵀ عند ذكر هذه الآية: اختلف في معناه على أقوال: (أَحدها): لا أسألكم على تبليغ الرسالة وتعليم الشريعة أجرا إلَّا التواد والتَّحاب فيما يقرب إلى الله - تعالى - من العمل الصالح - عن الحسن والجبائى وأبى مسلم: قالوا: هو التقرب إلى الله - تعالى - والتودد إليه بالطاعة. (ثانيها): معناه إلاَّ أن تودونى في قرابتى منكم، وتحفظوني لها - عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وجماعة قالوا: وكل قرشِيّ كانت بينه وبين رسول الله ﷺ قرابة، وهذا لقريش خاصَّة، والمعنى إن لم تودونى لأجل النبوّة فودونى لأجل القرابة التي بيني وبينكم. (ثالثها): أن معناها إلاَّ أن تودوا قرابتى وعترتى وتحفظونى فيهم. عن ابن عباس - مرفوعًا إليه بكثير من الرواة قال: لما نزلت: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا … ) الآية قالوا: يا رسول الله، من هؤلاءِ الذين أمرنا الله بمودتهم؟ قال: عليّ، وفاطمة، وولدهما. وأخرج الترمذي - وحسنه. والطبرانى. والحاكم - والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: قال ﵊: "أحبوا الله - تعالى - لما يغذوكم به من نعمة، وأحبّونى لحبّ الله - تعالى - وأحبوا أهل بيتى لحبِّى". وأخرج أحمد والترمذي،، وصححه، والنسائي عن المطلب بن ربيعة قال: دخل العباس على رسول الله ﷺ فقال: إنَّا لنخرج فنرى قريشًا تتحدث، فإذا رأونا سكتوا

стр. 4377

فغضب رسول الله ﷺ ودرَّ عِرق بين عينيه ثم قال: والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتى يحبَّكم لله - تعالى - ولقرابتى" وهذا ظاهر إن خص القربى بالمؤمنين منهم. (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا) أي: ومن يكتسب عملا صالحا: ويصطنع طاعة خالصة من الطاعات التي من جملتها المودة في القربى (نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا) أي: نضاعف له في جزاء هذه الحسنة بمقدار ما أحسن فيها وأضعافه بمضاعفة الثواب عليها - روى أن الآية نزلت في أبي بكر ﵁ لشدة محبته لأَهل البيت. (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ): واسع المغفرة يستر عيوب عباده يغفر ذنوبهم إذا تابوا (شَكُورٌ): عظم الشكر لمن أطاعه يوفِّيه حقه من الثواب: ويتفضل عليه بالمزيد من غير حساب. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوعَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦)﴾ المفردات: (افْتَرَى): اختلق. (يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ): يطمس عليه وينسبه فلا يعى. (يَمْحُ): يزيل.

стр. 4378

(ذَاتِ الصُّدُورِ): حقائقها ودخائلها. (التَّوْبَةَ): الرجوع عن المعاصي بالندم عليها، والعزم على تركها أبدا. التفسير ٢٤ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: الاستفهام المفهوم من لفظ (أَم) لتوبيخهم على مقالتهم. والمعنى: أيجترئ هؤلاء السفهاء، وتطاوعهم ألسنتهم بنسبة مثله ﵊ إلى الافتراء والكذب والاختلاق وهو من هو الذي لم يعرف عنه في جاهلية ولا في إسلام أنه ألمَّ بكذبة قط، ثم كيف يستقيم افتراؤه على الله والإفتراء على الله أقبح الفرى وأفحشها، وما عرف عنه ﷺ كذب على أحد مطلقًا مشرك أو مؤمن، فالافتراء منه ﷺ مستبعد، وعلى الله مستحيل وقوله - تعالى -: (فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ) استبعاد للافتراء عن مثله، أي فإن يشأ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى تفترى عليه الكذب، فإنه لا يفترى الكذب على الله إلاَّ من كان في مثل حالهم مختومًا على قلبه. والأمر لم يكن على ذلك فقد تواتر الوحى، وتكامل إنزال القرآن حتى أَكمل الله دينه وأتم نعمته. (وَيَمْحُ (١) اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ): كلام مستأنف غير معطوف على يختم مقرر لنفى الافتراء عنه ﷺ ، مسوق لبيان شأن من شئون الله - تعالى - وتقرير سننه بمحو الباطل

стр. 4379

وإزهاقه، وتأْكيد الحق وإحقاقه كما ينطق بذلك قوله - تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (١). والمعنى: ومن سنن الله - تعالى - أنه يمحو الباطل بقدرته وحكمته، ويثبت الحق ويحققه ببرهانه وآياته. ويجوز أن يكون الكلام مسوقا مسوق الوعد والبشارة للرسول ﷺ بأنه - تعالى - يمحو الباطل من البهتان والتكذيب، ويثبت الحق الذي هو عليه بالقرآن أو بقضائه الذي لا مردّ له بنصرته عليهم. (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي: إنه مطلع على دخائل القلوب بصير بحقائقها، لا تخفى عليه خافية من أُمورها ثم يجرى عليها أحكامه المناسبة لأَحوالها. ٢٥، ٢٦ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوعَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: لوّحت الآيات السابقة بالوعيد لمن غوى وضل سبيل الهدى واتبع الهوى فابتدع شرعًا لم يأذن به الله أو ادعى افتراءً على الله، وجاءَت هذه الآيات تهبّ بنسائم الرحمة وتفتح مغاليق الخير والبرّ، حتى لا ييئس عاص من رحمة الله، ولا ينقطع طمع مذنب من رجاء الله، فقال - تعالى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ … ﴾ الآية: والمعنى: وهو الله - تعالى - الذي يتفضل بواسع فضله ووافر برّه ورحمته بقبول التوبة عن عباده يتجاوز عما تابوا عنه وأقلعوا عن فعله في ندم وحسرة، فإن التوبة الصادقة هي الرجوع عن المعاصي والندم عليها، والعزم على عدم معاودتها أبدا، روى جابر ﵁ أن أعرابيا دخل مسجد رسول الله ﷺ وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبر فلما فرغ من صلاته قال له على ﵁: "يا هذا، إن سرعة اللسان

стр. 4380

بالاستغفار توبة الكذّابين، وتوبتك هذه تحتاج إلى توبة، فقال: يا أَمير المؤمنين، وما التوبة؟ قال: اسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، وردّ المظالم، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية، وإذاقتها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاءُ بدل كل ضحك ضَحِكته. (وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) أي: يتجاوز عن جميع السيئات الكبائر والصغائر، وقيل: يعفو عن الكبائر، وعن الصغائر باجتناب الكبائر (وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) أي: ويعلم كل ما تفعلونه كائنا ما كان، سرا أَو جهرا كبيرا أَو صغيرا خيرا أو شرا فيجازى بما شاءَ ويتجاوز عما يشاءُ حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكمة. (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ): يختص الله - تعالى - في هذه الآية الذين آمنوا وعملوا الصالحات بمزيد من الفضل تقديرا لأعمالهم، وبعثا لهممهم، واستجلابا لغيرهم في استباق الخيرات، والمبادرة إلى الصلوات، والكلام في قوله - تعالى -: (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا) على حذف اللام، أَي: يستجيب لهم كما في قوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾ (١) أي: كالوا لهم. والمعنى: ويستجيب الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات دعاءَهم ويثبتهم على طاعتهم ويزيدهم على الثواب تفضلا، فإن الطاعة لا يترتب عليها من الثواب شابهت الدعاءَ والطلب، وشابهت الإثابةُ والجزاءُ عليها الإجابة. وجعلوا من ذلك قوله ﷺ : "أفضل الدعاء الحمدُ"، وسئل سفيان عن قوله ﵊ في الحديث: "أكبرُ دعائى ودعاءِ الأنبياء قبلى لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ" فقال: هذا قوله - تعالى - في الحديث القدسى: "مَنْ شغلهُ ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضلَ ما أُعطِى السائلين" وقيل الاستجابة فعلهم أَي: يستجيبون لله بالطاعة إذا دعاهم إليها، وعن إبراهيم بن أدهم - لما قيل له: ما بالُنا ندعُو فلا نُجَاب؟ قال: لأنه دعاكم فلم تُجيبوه، ثم قرأ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢).

стр. 4381

ومعنى (وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ): يضاعف لهم أجرهم ويزيد ثوابهم على ما استحقوا من الثواب بموجب الوعد والعدل، وذلك من واسع فضله ووافر عطائه وكرمه، وإذا كان للذين آمنوا وعملوا الصالحات ثواب أعمالهم ومضاعفة أجورهم فضلا من الله - تعالى - فإن الكافرين الذين عاشوا حياتهم في الكفر والمعاصي لهم في الآخرة - جزاء كفرهم وعصيانهم - عذاب بالغ الحد في المهانة والشدة والتهديد. مقابل ما للمؤمنين من الثواب والفضل المزيد. * ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ المفردات: (بَسَطَ): وَسَّع وكَثَّر. (لَبَغَوْا): لطغوا وتكبروا. (بِقَدَرٍ): بتقدير حكيم. (الْغَيْثَ): المطر النافع الذي يُغيث النَّاس بعد الجدب. (قَنَطُوا): يئسوا من نزوله. (وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ): يبسطها ويُعمّها. التفسير ٢٧ - ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾: فيما سبق من الآيات يمتن الله على عباده بقبول توبتهم إذا تابوا ورجعوا إليه، فيعفو ويصفح، ويستر ويغفر، وبأَنه يجيب دُعَاء المؤمنين إلى ما طلبوا ويزيدهم خيرا، وفي هذه الآية

стр. 4382

يمنّ عليهم أيضًا بأَنه مُحيط علمًا بما خفى وظهر من أُمورهم، فيقدِّر بحكمته لكلِّ ما يصلحُ شأنه فيقول: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ … ) الآية. سبب النزول: قيل: نزلت هذه الآية في قوم من أهل الصُّفة تمنُّوا سَعَةَ الرِّزق والغنى، قال خباب بن الأرت: فينا نزلت، وذلك أننا نظرنا إلى أموال بني قريظة وبنى النضير وبنى قينقاع فتمنيناها فنزلت. (ذكره الزمخشرى والآلوسى). والمعنى: ولو وسع الله الرزق على جميع عباده، وكَثَّره عندهم وأعطاهم فوق حاجتهم لطغوا وظلموا، وتكبروا في الأرض، وفعلوا ما يستتبعه الكبر من العلو والفساد "فإن الغنى مبطرة مأْشرة" وكفى بحال قارون عبرة (١) وفي الحديث: "أخوفُ ما أخاف على أُمتي زهرة الدنيا وكثرتها". ولكن يُنزِّل الله الرزق بتقدير مُحكم، فيوسعه على من يشاء، ويضيِّقه على من يشاء تبعًا لما اقتضته حكمته وفي الحديث: "إن من عبادى من لا يُصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأَفسدتُ عليه دينَهُ، وإنَّ من عبادى من لا يُصلحه إلاَّ الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دِينَهُ". وهو - سبحانه - محيط علما بما خفى وظهر من أُمور النَّاس، يعلم ما تصير إليه أحوالهم فيقدر بحكمته لكلٍّ ما يُصلح شأنه، ولو أغناهم جميعًا لبغوا، ولو أفقرهم جميعًا لهلكوا ولله درّ الغزالي حيث يقول: "ليس في الإمكان أبدع مما كان". وقد يبْغِى الفقير ولكن ذلك قليل، والبغى مع الغنى أكثر وقوعًا. ٢٨ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾: ومن نعم الله وآلائه على عباده أنه هو الذي ينزل المطر في وقت حاجتهم وفقرهم إليه فيغيثهم به بعد يأس من نزوله، وينشر رحمة الغيث بتكثير منافعه وآثاره في كل شيء، وفي كلِّ مكان في السَّهل والجبل والنباب والحيوان - أو يعم الكائنات برحمته الواسعة المشتملة على ما ذكر من المطر وغيره، وهو وحده - الذي يتولى أمور عباده بالإحسان ونشر الرحمة، (الْحَمِيدُ): المستحق للحمد على ذلك - لا غيره -.

стр. 4383

ذكر ابن كثير، والزمخشرى: أن رجلًا قال لعمر بن الخطاب: اشتدّ القحط وقنط الناس فقال عمر: مُطِرتم (١) ثم قرأ (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ). ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩) وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوعَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٣١)﴾ المفردات: (وَمَا بَثَّ فِيهِمَا): وما فرّق ونشر فيهما. (دَابَّةٍ): هي كل ما يدبّ (٢) على الأرض من إنسان وغيره. (جَمْعِهِمْ): حشرهم بعد البعث للمُحاسبة. (مِنْ مُصِيبَةٍ): من بلية وشدّة. (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ): فيما ارتكبتم من الآثام. (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ): وما أنتم بجاعلين الله عاجزا عن عقابكم في الأرض. التفسير ٢٩ - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾: بعد أن ذكر الله آلاءه ونعمه على عباده ذكر - سبحانه - مظاهر قدرته ودلائل عظمته وقوَّته فقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ … ) إلخ أَي: ومن آياته الدالة على عظمته وقدرته وسلطانه القاهر خلق السموات والأرض على ما هما عليه من الصنع البديع، والنظام

стр. 4384

المُتقن، فإنهما بذاتهما وصفاتهما العجيبة تدلان على قدرته وعظمته وبديع صنعه، وَمَنْ له أدنى عقل وإنصاف يجزم باستحالة صدورهما من الطبيعة التي لا عقل لها ولا إرادة ومن آياته - أيضًا - خَلْقُ ما نشر وفرَّق في السموات والأرض من دابة وهي تشمل الملائكة والجن والإنس وسائر الحيوانات على اخنلاف أشكالها وألوانها ولغاتها وطباعها وأجناسها وأنواعها، وقد فرّقهم في أرجاء السموات، ونشرهم في أنحاء الأرض، وهو - مع هذا - على جمعهم وحشرهم بعد البعث للمحاسبة - إذا يشاء - تَامُّ القدرة كاملها. وظاهر الآية: وجود الدَّابة في السَّموات والأرض وبه قال مجاهد وفسر الدابة بالنّاس والملائكة. ويرى الزَّمخشرىّ: أنَّ ما في أحد الشيئين يصدق أنه فيهما على الجملة فالآية على أسلوب ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (١) وإنما يخرجان من الملح. ويجوز أن يكون للملائكة مشى مع الطيران فيوصفوا بالدبيب كما يُوصف به الأناسى، ولا يبعد أن يخلق الله في السموات حيوانا يمشي فيها مشى الأناسى على الأرض، وسبحان الذي خلق ما نعلم وما لا نعلم من أصناف الخلق. (انتهى كلام الزمخشرى ملخصًا). وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). ٣٠ - ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾: أي: وما أصابكم ونالكم - أيها الناس - من مصيبة من مصائب الدنيا أو مكروه من مكارهها كالمرض والفقر والضيق وسائر النَّكبات فبسبب معاصيكم وما ارتكبتم من موبقات، واجترحتم من سيئات في الدنيا، ويعفو الله - سبحانه - عن كثير من الذنوب فلا يعاقب عليها بمصيبة عاجلا أو آجلا، ويجوز أن يكون المراد: ويعفو عن كثير من الناس فلا يعاقبهم، والظاهر: المعنى الأول وهو الذي تشهد له الأخبار.

стр. 4385

فقد روى الترمذي عن أبي موسى أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يُصيب عبدًا نكبةٌ فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله - تعالى - عنه أكثر، وقرأ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١) ومن لا ذنب له كالأنبياء ﵈ قد تصيبهم مصائب، ففي الحديث "أشدُّ الناس بلاءً الأنبياءُ ثم الأمثل فالأمثل" ويكون ذلك لرفع درجاتهم، أو لحكم أخرى يعلمها الله ثم إنَّ المصائب قد تكون عقوبة على الذّنب وجزاء عليه بحيث لا يعاقب عليه في الآخرة إذا تقبل العقوبة بنفس راضية، وعلى ذلك يحمل ما رُوى عن عليّ - كرم الله وجهه - وقد رفعه إلى رسول الله ﷺ : "مَن عُفِى عنهُ في الدُّنيا عُفِىَ عنه في الآخِرة، ومن عُوقِب في الدَّنيا لم تُثَنّ عليه العقوبة في الآخرة" وعنه - أيضًا - كرَّم الله وجهه: هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن. ٣١ - ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: أي: ولستم بقادرين على أن تجعلوا الله عاجزا عن إنزال المصائب بكم في الدُّنيا عقابا لكم على ما كسبت أيديكم وإن هربتم في أقطار الأرض كل مَهْرَب، وما لكم من دونه من مُتَولٍّ بالرحمة يرحمكم إذا أصابتكم المصائب، ولا نصير ينصركم ويدفع عنكم عذابه إذا وقع بكم. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)﴾

стр. 4386

المفردات: (الْجَوَارِ): جمع جارية وهي السُّفن. (كَالْأَعْلَامِ): كالجبال أو كالقصور العالية. (فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ): فَيَصِرْنَ ثوابت سواكن لا تتحرك. (أَوْ يُوبِقْهُنَّ): أو يُهلكهنّ بالغرق. (مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ): ما لهم من مَهْرب ولا مَخْلص من العذاب. التفسير ٣٢ - : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾: أي: ومن آيات الله ودلالته الدّالة على قدرته الباهرة وسلطانه القاهر - السُّفن الجارية في البحر، كالجبال الشّاهقة في عظمها، سخرها الله - تعالى - في البحر بأمره لخدمة الإنسان وقضاء مصالحه، وأجراها بقدرته ليسهل انتقال الناس من مكان إلى آخر، فتروج التِّجارة، وترتقى الصِّناعة، ويتبادل النَّاس المنافع، وتزدهر العلوم والمعارف. ٣٣ - ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: أي: إن يشأ الله يسكن الرِّيح ويمنع حركتها فتظل السُّفن ثوابت على ظهر الماء لا تتحرك ولا تجرى بالنّاس إلى مقاصدهم وقضاء مآربهم. إن في ذلك الذي ذُكر من السفن المسخّرة في البحر تحت أمره وحسب مشيئته وسيرها ووقوفها بأمره - إن في ذلك - لدلالات عظيمة واضحة على قدرة الله ليعتبر بها المؤمنون الصابرون في الضراء، الشاكرون في السَّراءِ، لأَنَّ الإيمان نصفه صبر ونصفه شكر. ٣٤ - ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾: (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا) معطوف على (يُسْكِن) في الآية السابقة.

стр. 4387

لأنَّ المعنى: إن يشأ الله يبتلِ المسافرين في البحر بإحدى بليَّتين: إمَّا أن يُسْكن الرِّيح فتبقى السفن على متن البحر ويمتنعنَ من الجرى، وإما أن يُرْسل الرِّيح عاصفة فتهلك أهلها إغراقا بسبب ما كسب أهلها من الذّنوب، ويعف عن كثير فلا يُعاقبهم بما سبق "كشاف بتصرف" وقال بعض علماء التفسير في قوله - تعالى -: (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا): إنَّ المعنى: وإن يشأ الله يُرسل الريح قَويّة عاتية فتأْخذ السّفن وتُمِيلها عن سيرها المستقيم وتُصرفها ذات اليمين وذات الشمال آبقة لا تسير على طريق ولا إلى جهة، فيهلك من فيها إغراقًا بسبب ما كسبوا من الذّنوب، وهكذا لو شاء الله لسكّن الريح فوقفت السفن، أو أثارها وأهاجها فشردت السفن وأَبقت وأههلكت مَنْ فيها ولكن من لطفه ورحمته أن يرسل الرّياح بحسب الحاجة كما يرسل المطر بقدر الكفاية. (ابن كثير بتصرف). وهو قريب مما قاله صاحب الكشاف. ٣٥ - ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: المعنى: إن يشأ الله إمساك الريح أو إرسالها عاصفة، فيهلك من في السفن لينتقم من العصاة وليعتبر المؤمنون ويعلم الذين يجادلون في آيات الله بالباطل ويُشَكِّكون النَّاس فيها أنهم في قبضته مقهورون برُبوُبيّته، ما لهم من مَهْرب من عذابه، ولا مَحِيد لهم عن عقابه، ولا مَخْلَص لهم من بأسه، ولا مَلْجَأ لهم من بطشه.

стр. 4388

﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ المفردات: (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ): فما أُعطيتم مِنْ أثاث الدنيا وزينتها. (فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا): يُتَمتَّع به فيها ثم يزول. (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ): وعلى الله وحده يعتمدون. (كَبَائِرَ الْإِثْمِ): أي الفواحش وكبائر الذنوب وقُرِئ كبير الإثم وعن ابن عبّاس هو الشِّرك. (الْفَوَاحِشَ): ما عَظُم قُبْحهُ من الذنوب كالزِّنى. (اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ): أجَابُوهُ إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعبادة. (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ): شأنهم التَّشاور ومراجعة الآراء في أُمورهم. (الْبَغْيُ): الظُّلم والعدوان. (يَنْتَصِرُونَ): ينتقمون بمثل ما عُوقِبُوا بِه.

стр. 4389

التفسير ٣٦ - ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: عن علي - كرّم الله وجهه - أنه قال: اجتمع لأبي بكر ﵁ مالٌ فتصدق به كلّه في سبيل الله فَلَاَمَهُ المُسلمون وخطَّأه الكافرون فنزلت. والمعنى: يقول الله - تعالى - مُحَقِّرا شأن الدُّنيا وزينتها وما فيها من المتاع والنّعيم (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا … ) إلخ، أي: وما أُعطيتم ونلتم من زخارف الدنيا، وجمعتم من أموال، ورزقتم من بنين فلا تغتروا به، فإنما هو متاع الحياة الدُّنيا، وهي دار فانية ومتاع زائل. وما عند الله من ثواب الآخرة ونعيمها خير في ذاته لخلوص نفعه، وأبقى زمانا، حيث لا يزول ويفنى، وقد أعدّه الله - سبحانه - للذين آمنوا وصبروا على ترك اللّذات في الدُّنيا، وعلى خالقهم ومربيهم - لا على غيره - يعتمدون في كل الأمور ليعينهم على الصبر في أداء الواجبات وترك المحذورات. ٣٧ - ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ … ) إلخ عطف على (الذين آمنوا) في الآية السابقة، وكذلك ما بعده من الآيات والمعنى: ومن صفات المؤمنين أنهم الذين يبتعدون عن كبائر ما نهى الله عنه كالشِّرك وعن كل ما عَظُمَ قُبْحه وفَحُشَ أمره كالزِّنى، وإذا ما تعرض لهم أحد بالإساءَة إليهم في الدُّنيا كانت سجيّتهم الصَّفح وسَلِيقتُهم الغفران والعفو. والتعبير بقوله - تعالى -: (هُمْ يَغْفِرُونَ) إشارة إلى أنهم المختصون بالغفران في حال الغضب، لا يُذْهِب الغَضَبُ أخلاقهم، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ "ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حُرماتُ الله". ٣٨ - ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾:

стр. 4390

سبب النزول: قيل: نزلت في الأنصار دعاهم الله - تعالى - على لسان رسوله ﷺ للإيمان به وطاعته - سبحانه - فاستجابوا له فأثنى عليهم - جل وعلا - بما أثنى هنا. والمعنى: والذين أجابوا دعوة خالقهم ومُرَبِّيهم إلى ما دعاهم إليه من التَّوحيد والعبادة وأجابوا رسله، واتبعوا أمره، وخافوا زجره، وأقاموا الصلاة بالمواظبة عليها والإتيان بها كاملة، والاحتفاء بها، وكان شأنهم التَّشَاوُر في شئونهم، ولا يُبرمون أمرا حتى يتدارسوا طلبا للعدل، وابتغاء الوصول إلى الحقّ، فلا ينفرد أحدهم برأى، ولا يستبدّ بهم فرد أو قِلَّة من النَّاس، ومما رزقهم الله وأنعم به عليهم ينفقون ويبذلون في وجوه الخير المتعدّدة وفي الآية حث على الشورى، أخرج عبد بن حميد والبخاري في الأدب وابن المنذر عن الحسن قال: "ما تشاور قوم قطّ إلاَّ هُدُوا لأرْشد أمرهم: ثم تلا (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) ولقد كانت الشورى بين النبي وأصحابه فيما يتعلق بمصالح الحروب، وكذلك بين الصحابة، وكانت - أيضًا - بينهم في الأحكام كقتال أهل الرِّدة، وميراث الجدّ، وعدد حدّ الخمر وغير ذلك، والمراد بالأحكام: ما لم يرد فيه نص شرعى، وإلَّا فالشورى لا معنى لها مع النص، وكيف يليق بالمسلم العدول عن حكم الله إلى آراء الرِّجال، والله - سبحانه - هو العليم الخبير، ويُؤيد ما قُلنَاهُ ما أَخرجه الخطيب عن علي - كرَّم الله وجهه - قال: "قلتُ يا رسولَ الله: الأمرُ ينزل بِنا بعدك لم ينزل فيه قرآن ولم يُسْمَعْ منك فيه شئٌ قال: اجمَعُوا العابد من أُمَّتى واجعلوه بينَكُم شُورَى ولا تقضوهُ بِرأْى واحِد". وينبغى أن يكون المستشار عاقلا عابدا - أخرج الخطيب عن أبي هريرة مرفوعًا "اسْتَرشِدُوا العاقل ترشدوا، ولا تعصوه فتندموا". هذه صورة الإِسلام المشرقة، وتلك تعاليمه الخالدة، يجعل من أوصاف المؤمنين وأخلاقهم التَّشاور في الأمر وجمع الرأي إلى الرأى. ٣٩ - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾: المعنى: ومن جملة أوصافهم أنهم الذين يغضبون إذا بغى عليهم أحد، وينتقمون ممن اعتدى عليهم وظلمهم، ويقتصرون في الانتصار على ما جعل الله

стр. 4391

لهم ولا يعتدون، ومعنى القصر المفهوم من قوله تعالى: (هُمْ يَنْتَصِرُونَ) أنهم هم الذين لا يتجاوزون الحد في أخذ حقوقهم، وغيرهم يعدو ويتجاوز، وهذا لا ينافى أنهم يعفون ويصفحون فلكل محله ومجاله. فالعفو عن العاجز المعترف بجرمه وذنبه محمود، ولفظ المغفرة مشعر به، كما أَن الانتصار من المخاصم المُصِرّ المعاند محمود، ولفظ الانتصار مشعر به ولو جاءَ أحدهما موضع الآخر لكان مذموما كما يشير إلى ذلك قول الشاعر: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته … وإن أنت أكرمت اللَّئيم تمرَّدا فوضع النَّدى في موضع السيف بالعلا … مُضِرّ كوضع السَّيف في موضع النَّدى وعن النخعى أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال: كانوا يكرهون أن يُذِلُّوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق. ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ المفردات: (سَيِّئَةٍ): الخطيئة والذنب. (سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا): سُمِّيت مقابلة السيئة سيئة لمشابهتها لها في الصورة، وقال الزمخشرى: لأنها تسوء من تنزل به. (عَفَا): صفح عمن أَساء إليه.

стр. 4392

(وَأَصْلَحَ) أي: وأصلح بينه وبين من يُعَاديه بالعفو والإغضاء. (فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ): فثوابه على الله. (لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ): يكره ويبغض المعتدين. (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ): ولمَنْ عَاقَبَ بمثل ما عُوقِب به. (سَبِيلٍ): مؤاخذة ولوم وحرج. (وَلَمَنْ صَبَرَ): سكت وحبس نفسه عن الانتصار لنفسه. (وغفر): تجاوز عن ظالمه. (لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أي: لمن الأُمور الجادة المطلوبة شرعًا. التفسير ٤٠ - ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: المعنى: شرع الله الانتصار من الظالم بأخذ الحق منه ومقابلة السيئة بمثلها من غير زيادة، وندب إلى الفضل وهو العفو والإصلاح، وهذا أَسمى مما وصلت إليه البشرية قديما وحديثا من تقنين وتشريع، فقد شرع القصاص؛ لأن الطبيعة البشرية تميل إلى أن يأخذ الإنسان حقَّه لنفسه وينتقم ممن يعتدى عليه، وبخاصة مع النفوس المريضة التي لا يُقَوِّمها ويُصْلح شأنها إلا ردْعُها والانتقام منها. ولكنه مع هذا ندب ودعا إلى الفضل وهو العفو والإحسان، ليرتقى بالبشرية إلى أعظم درجاتها، ليرتفع بها إلى الذروة في السَّماحة والمروءة، وفي قوله - تعالى -: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) بيان لفضيلة العفو والتسامح لأن الفاعل لذلك لن يضيع حقه ولن يذهب أجره وفضله، بل أجره على الله، وناهيك بمن كان أجره على الله. وعن النبي ﷺ " إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: من كان له على الله أجرٌ فَلْيَقُم: قال: فيقُوم خَلْقٌ فَيُقالُ لهم: ما أجْرُكُم على اللهِ؟، فيقولون: نحن الذين عفونا عمن ظلمنا: فيقال لهم: ادْخلوا الجنة بإذن الله" الكشاف.

стр. 4393

ومعنى قوله تعالى: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) أنه يمقت ويبغض البادئين بالظلم، والذين تجاوزوا الحد في الانتقام وفيه إشارة إلى أن الانتصار مظنة التجاوز وعدم الاعتدال عند أخذ الحق وبخاصة في حالة الغضب والتهاب الحمية فربما يجاوز المنتصر لنفسه حقه وهو لا يشعر وفي ذلك حَثٌّ على العفو والصفح: ٤١ - ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾: المعنى: ولَمَنْ عاقبوا المعتدين بمثل ما اعتدوا به عليهم دون زيادة فهؤلاء ما عليهم من لوم ولا مؤاخذة ولا جُناح. ٤٢ - ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: في هذه الآية تعيين لمن عليهم السبيل بعد نفيه عن المنتصرين بعد ظلمهم، والمعنى: إنما الحرج واللَّوم على الذين يبدءُون الناس بالظلم أو يزيدون في الانتقام ويتجاوزون حقهم ويتكبرون في الأرض بغير الحق، فهؤلاء لهم عذاب مُوجع شديد الإيلام. ٤٣ - ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: المعنى: وأقسم لَمَن صبر على الظُّلم والأَذى وغفر ولم ينتصر لنفسه وتجاوز عن ظالمه وفوّض أمره إلى الله إنّ ذلك المذكور من الصبر والمغفرة لمن عزم الأُمور أي لمن الأمور الجادة العظيمة التي ينبغي للعاقل أن يُوجبها على نفسه ويلتزم بها؛ لأنها مطلوبة شرعًا وهي من الصفات الحميدة التي رغّب الشّارع فيها وأجزل لصاحبها العطاء، روى أحمد عن أَبي هريرة قال: "أن رجلًا شتم أبا بكر ﵁ والنبي ﷺ جالس فجعل النبي يعجب ويبتسم فلما أكثر ردَّ عليه بعض قوله، فقام النبي ﷺ ، فلحقه أبو بكر، فقال يا رسول الله: إنّه كان يشتمنى وأنت جالس فلما ردَدْتَ عليه بعضَ قولِه غَضِبتَ وقمْتَ قال: إنهُ كان معكَ مَلَكٌ يردُّ عنك فلما رَدَدْتَ عليهِ بعض قولِه حضَرَ الشيطانُ فلم أكن لأَقعُدَ مع الشَّيطان".

стр. 4394

﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)﴾ المفردات: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ): ومن يَخْذُلْه الله لأَنَّه ضَلَّ الطَّريق لسوء اختياره. (فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ) أي: فما له من ناصر يتولاه بعد خذلان الله إيّاه. (هَلْ إِلَى مَرَدٍّ): هل إلى رجوع إلى الدنيا. (مِنْ سَبِيلٍ): من طريق. (خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ): خاضعين متضائلين بسبب الذلّ. (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ): ينظرون إلى النار مُسَارَقة خوفًا منها. (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ) أي: خسروا أنفسهم بالتَّعرض للعذاب الخالد وخسروا أهليهم بالتفريق بينهم. (مُقِيمٍ): سرمدى دائم. (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ): ليس لهم غير الله يدفع عنهم عذابه.

стр. 4395

التفسير ٤٤ - ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾: والمعنى: ومن يبعده الله عن طريق الحق والهدى لسوء اختياره، فما له من ناصر يتولَّى هدايته بعد خذلان الله إياه، وترى الكافرين حين يشاهدون عذاب الآخرة ويعاينون أهوالها يسألُون ربَّهُم وهم في ذِلة وإنكسار: هل من طريق إلى الحياة الدنيا حتى نؤمن ونعمل صالحا غير الذي كُنَّا نعمل. يتمنون ذلك ولكن أنَّى لهم ذلك؟ فليس إلى مردّ من سبيل، هكذا قضى الله ولا رادَّ لقضائه. ٤٥ - ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾: وترى الظالمين - كذلك - يعرضون على النار خاضعين متضائلين بسبب الذل الذي اعتراهم بما أسلفوا من عصيان الله - تعالى -، وبما يلاقون من الأهوال عقابا لهم - يراهم - يسارقُون النَّظر إلى النَّار خوفًا من مكارهها كما ترى المُهيأ للقتل ينظر إلى السيف، وهكذا شأن الناظر إلى الشدائد لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها أو يملأ عينيه منها كما يفعل إذا نظر إلى الأشياء المحبوبة. ويقول الذين آمنوا يوم القيامة: إن الخاسرين خسارة عظيمة هم الذين ظلموا أنفسهم بالكفر فأُلقِى بهم في النَّار، وفقدوا مُتْعَتهم وحُرِموا نعيمهم فخسروا بذلك أنفسهم وحيل بينهم وبين أزواجهم وأحبابهم وأقاربهم فخسروهم. وينبه الله - تعالى - في ختام الآية إلى أن الكافرين في عذاب دائم أبدى لا خروج لهم منه ولا محيد لهم عنه. ٤٦ - ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾:

стр. 4396

المعنى: وما كان للظالمين أولياء يَلُون أمرهم، ولا نصراء مما عبدوهم من دون الله وممن أطاعوهم في معصيته يدفعون عنهم عذابه وينقذونهم منه، ومن يضلّه الله عن الهدى وقد اختار الكفر السلوك السيء وأصَرَّ عليه فما له من طريق موصّل إلى الحق في الدّنيا، ولا إلى الجنّة في الآخرة، لينجيه من سوء المصير وعذاب السّعير. ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨)﴾ المفردات: (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ): سارعوا إلى إجابته بالتوحيد والعبادة. (لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ): لا يردّه الله بعد إذ أتى به. (وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ): وما لكم من إنكار لذنوبكم أو منكر لعذابكم. (حَفِيظًا): رقيبًا ومُسيطرا. التفسير ٤٧ - ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾: أي: سارعوا إلى إجابة خالقكم ومربيكم وذلك بالتوحيد والعبادة مِن قبل أن تنتهى الحياة التي هي فرصة للعمل، ويأتى يوم القيامة والحساب الذي لا يرده الله بعد إذ قضى

стр. 4397

به، ليس لكم يومئذ من ملاذ تلجئون إليه وتتحصنون به من العذاب، وما لكم من مُنكِر لعذابكم ومُخَلِّص لكم منه، أو لن تقدروا أن تنكروا شيئًا مما اقترفتموه ودوِّن في صحائف أعمالكم، وتشهد به أعضاؤكم. ٤٨ - ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾: فإن أعرض المشركون وامتنعوا عن إجابتك والإيمان بدعوتك فلا تحزن عليهم أيها الرسول، فما أرسلناك عليهم رقيبا ومُسيطرا، إنما كلفت بالبلاغ وتأدية الرسالة وقد بلغت وأديت وإن شأن الناس وطبيعتهم إذا منحناهم من لدنا نعمة كالصحة والغنى والأَمن فرحوا واستبشروا، وإن تصبهم سيئة من بلاء ومرض وفقر بسبب معاصيهم وما صدر منهم من السيئات فإنهم ينسون النِّعْمة ويجزعون لنزول البلاء كُفرا وجُحُودا، إلاَّ مَنْ هداه الله وألهم رشده وكان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات فالمؤمن كما قال ﷺ : "إنْ أَصابتْهُ سرَّاءُ فشكَرَ فكانَ خيرا له وإنْ أصابَتْهُ ضراءُ فصبَر فكان خيرا له وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن". ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ المفردات: (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا): يتفضل على من يشاء بالجمع بين الذكران والإناث في ذريته. (عَقِيمًا): لا ولد له.

стр. 4398

التفسير ٤٩، ٥٠ - ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾: لما ذكر الله إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدها أتبع ذلك أنَّ له - لا لغيره - ملك السموات والأرض فهو خالقهما والمتصرف فيهما يخْلُق ما يشاءُ فيهب لعباده من الأولاد ما تقتضيه مشيئته فيخص بعضًا بالإناث لا غير، وبعضا بالذكور دون الإناث ويتفضل على من يشاءُ من عباده بالجمع بين الذكور والإناث على التعاقب أو في حمل واحد، ويجعل من يشاء عقيمًا لا ولد له. وتقديم الإناث على المذكور في الآية: قيل إنه لبيان أن الله يُعطى ما يُريدُه لا ما يُريده الناس؛ لأن الناس تهوى الذكور وخصوصا العرب، وقيل: التقديم توصية برعايتهن لضعفهن ولا سيما أنهم قد كانوا قريبي عهد بالوأد وفي الحديث "مَنْ ابتُلى بِشئٍ من هذه البناتِ فأَحْسنَ إليهنَّ كُنَّ له سِتْرا من النار" وقال الثَّعالبى: إشارة إلى ما تقدم في ولادتهن من اليُمْن، وعن قتادة: من يُمْنِ المرأَة تبكيرها بأُنثى. جاءَ لفظ المذكور مُعَرَّفا ولفظ الإناث مُنَكَّرا، للتنويه بما للذكور - عادة - من مكانة في نفوس الآباءِ والرغبة فيهم، لأن التعريف تنويه وإشادة. * ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾: يجمل بنا قبل الدخول في تفسير هذه الآية الكريمة أن نتعرض لتعريف الوحى ونبيّن أقسامه، حتى يتضح المقام ويكمل البيان فنقول وبالله التوفيق:

стр. 4399

- الوحى وأقسامه: يطلق الوحى ويراد منه الإيحاء، كما يطلق ويراد منه الموحى به، حسب مقتضيات الأحوال. (أ) فالوحى بمعنى الإيحاء: في الشرع، وفي اصطلاح علماء الكلام (١) هو إعلام الله أنبياءَه ما يريد إبلاغه إليهم بما يفيد العم اليقينى القطعى بأن ذلك من عند الله وأنواعه ثلاثة: ١ - إعلام بطريق الإلقاء في القلب والنفث في الروع ويكون في اليقظة كما يكون في المنام. ٢ - الكلام من وراء حجاب، أي بدون رؤية النبي لرَّبه بحيث يسمع كلامه ولا يراه. ٣ - إعلام الله نبيَّه ما يريد أن يبلغه إياه بوساطة الملك. (ب) الوحى بمعنى الموحى به: ينقسم هذا النوع من الوحى إلى متلوّ وغير متلوّ: ١ - فمن الوحى المتلو: القرآن الكريم الذي جعله الله آية باهرة، ومعجزة قاهرة وحجة باقية على صحة نبوة سيدنا محمَّد ﷺ ، وتكفل - سبحانه - بحفظه من التبديل والتحريف إلى قيام الساعة فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢). نزل به الأمين جبريل ﵇ على النبي ﷺ بلفظه ومعناه يقظة من غير أن يكون لواحد منهما دخل فيه بوجه من الوجوه، وإنما هو تنزيل من الله العزيز الحكيم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ (٣) كما أن من الوحى المقروء الكتب السماويةَ المنزلة من الله على الأَنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كالزبور على نبى الله داود، والتوراة على رسول الله موسى، والإنجيل على رسوله عيسى ﵇ وقد أصاب هذه الكتب التغيير والتحريف

стр. 4400

بعد وفاة الأنبياء الذين أُرسلوا إليهم، إذ لم يتكفل الله بحفظها لأنها ليست نهاية التشريع ولا خاتمته، فالتشريع الخاتم جاءَ به النبي ﷺ خاتم الأَنبياء والمرسلين، ومن هنا كان القرآن الكريم مهيمنا ورقيبا على ما جاء فيها، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (١). ٢ - الوحي غير المتلو وهو ما يلي: (١) السنة النبوية المطهرة لقوله - تعالى -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) والسنة الشريفة منزلة من عند الله بالمعنى، أَما لفظها فهو من عند النبي ﷺ وليست معجزة بألفاظها وأسلوبها ولا متعبدا بتلاوتها كالقرآن الكريم، ولا تصح الصلاة بها بخلاف القرآن العطيم، فإنه معجزة في ألفاظه، متعبد بتلاوته، ولا تصح الصلاة بدونه. هذا، ومن الوحى: اجتهاد الرسول ﷺ ، لأن الله - جل شأنه - يقره عليه إذا أصاب، وينبهه ويرشده إلى الخطأ إن أخطأ، ولا يقره عليه بل يدله على الصواب. وفي عصرنا الحديث - ظهر بعض المسلمين الذين ينكرون العمل بالسنة وقد أخبر الرسول عنهم بذلك فقد روى أبو داود والترمذى وابن ماجة عن المقدام بن معد يكرب أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ألَا إني أوتيتُ القرآن ومثله معه، ألَا يوشك رجل شبعان على أريكته فيقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتُم فيه من حلالٍ فأحِلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحَرِّموه، ألَا إنّ ما حرَّم رسول الله كما حرم الله". (ب) الحديث القدسى: وهو ما كان مضافا إلى الله - تعالى - كقوله ﷺ فيما يرويه عن ربه: "يا عبادى إنِّى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا" وهو كالحديث النبوى معناه من عند الله، أما لفظه فقيل: إنه من عند الرسول ﷺ ونسب إلى الله - سبحانه - لأنه موجه منه - جل شأنه - إلى عباده ولزيادة الاهتمام بمضمونه، وحث النفوس

стр. 4401

على العمل بما اشتمل عليه من المعاني والآداب. وقيل: غير ذلك من الأقوال التي لا تخرجه عن كونه وحيًا، وقد يطلق الوحى على غير ما جاء من عند الله إلى رسله، كأن يُطلق ويراد منه الإلهام، مثل قوله - تعالى -: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١) كما يطلق ويراد منه التسخير مثل قوله - تعالى - ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ (٢) وبعد هذه المقدمة نعود إلى شرح الآية ومفرداتها كما يلي: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾: المفردات: ﴿وَحْيًا﴾: إلقاء في القلب. ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: أو يكلمه من وراه حجاب دون أن يراه. ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾: أو يبعث الله الملك للأنبياء ليبلغهم ما أمر الله به. ﴿عَلِيٌّ﴾: متعال عن صفات المخلوقين. ﴿حَكِيمٌ﴾: يجرى - سبحانه - أفعاله على سَنَن الحكمة. روى في سبب نزول هذه الآية: أن اليهود قالوا للنبي ﷺ : ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيًّا كما كلمه موسى، ونظر إليه، فإنا لا نؤمن لك حتى تفعل ذلك، فقال النبي ﷺ : لم ينظر موسى إلى الله فنزل قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا .... ﴾ إلخ. التفسير ٥١ - ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾:

стр. 4402

أي: وما صح وما استقام لفرد من أفراد البشر أن يكلمه الله إلاَّ نفثا وإلقاء في قلبه مناما - كما حصل لإبراهيم ﵇ حينما أمر بذبح ولده قال - تعالى - حكايته عن ذلك: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (١). وقد حصل الوحى بالنفث والإلقاء في القلب لرسولنا ﷺ فقد ورد أنه قال: "أن روح القدس نفث في رُوعِي أن نفْسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجْمِلوا في الطلب، خذوا ما حلَّ ودعوا ما حَرُمَ". ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ أي: أن يسمع الرسول الكلام من غير أن يبصر من يكلمه والمراد أن السامع محجوب عن رؤية ربه - جلت قدرته - في الدنيا أما في الآخرة فيمنحها الله للذين قال في حقهم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢). وقد حصل الوحى من وراه حجاب لموسى ﵇ في بدء رسالته وقد رأى نارا فطلب من أهله المكث والبقاء في مكانهم حتى يستطلع الأمر قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ (٣) وقد حدث ذلك له أيضًا عند مجيئه لميقات ربه قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ (٤) الآية أما رسولنا فقد كلمه ربه من وراء حجاب ليلة الإسراء والمعراج عند فرض الصلاة ومراجعته ربّه في التخفيف عن أمته في عدد الصلوات. كما كلم الله ملائكته من وراء حجاب في أمر خلق آدم ﵇ وجعله خليفة في الأرض، قال تعالي: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٥).

стр. 4403

﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ أي: أو يبعث الله - تعالى - ملكا رسولًا كجبريل ﵇ إلى أنبيائه فيسمع الأنبياء صوت الملك، وتارة يرونه عيانًا في صورة بشر كما كان يتمثل جبريل ﵇ لرسولنا ﷺ في صورة أعرابي أو في صورة الصحابي الجليل دحية الكلبى وتارة أخرى كان يراه الرسول ﷺ في صورته الحقيقية. وقد يأتى الوحى دون رؤية النبي ﷺ للملك وإنما يسمع عند قدومه دويًا أو صلصلة شديدة لا يعلم إلا الله كنهها وحقيقتها فيعتريه ﷺ حالة روحية لا يدرك الحاضرون منها إلا أماراتها الظاهرة مثل ثقل البدن وتفصُّد جبينه الشريف عرقا. روى البخاري ﵁ عن عروة بن الزبير ﵄ عن أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحى؟ فقال رسول الله ﷺ : "أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس وهو أشد عليّ فيفصم وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملكُ رجلًا فيكلمنى فأعِى ما يقول، قالت السيدة عائشة ﵂ ولقد رأيته ينزل عليه الوحى في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينَهُ ليتفصَّدُ عَرقًا". وتارة يسمع الحاضرون عند وجهه الكريم دويًّا كدوىّ النحل عند مجئ الوحى أخرج الترمذي عن عمر ﵁ أنه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا نزل الوحى يسمع عند وجهه كدوىّ النحل" ﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ أي: فيخاطب الملكُ الأنبياء بإذن الله وأمره ما أراد الله أن يبلغه لهم. ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ﴾ أي: إن الله - جلت قدرته - متعال عن مشابهة الخلق أجمعين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). ﴿حَكِيمٌ﴾: يجرى أفعاله على الحكمة وهي إصابة الحق على أكمل وجه، وخلاصة معنى الآية الكريمة: وما صح ولا استقام أن يكلم الله أحدا من خلقه إلاَّ على صورة من الصور

стр. 4404

التي بينتها الآية الكريمة بأن يلقى الله في قلب رسوله وينفث في روعه - منامًا أو يقظة - بما يريده منه، أو يكلمه من وراء حجاب فيسمع الرسول الكلام دون أن يرى شيئًا، أو يرسل الله للأنبياء ملكًا يبلغهم ما أمر به من لدن ربه وديس فوق ذلك ولا دونه وحى ولا تبليغ من الله. فما يدعيه المنجمون إنما هو الرجم بالغيب، وكذلك ما يخبر به الجن، والله - سبحانه - متعال ومنزه عن مماثلة ومشابهة الخلق أجمعين، يجرى أفعاله على مقتضى حكمته الرشيدة. ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ المفردات: ﴿رُوحًا﴾: قرآنًا وقيل: غير ذلك. ﴿مِنْ أَمْرِنَا﴾: من لدنا. ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾: نخلق ونوجد الهداية بإرادتنا إلى من نختاره من عبادنا الذين آثروا الحق على الباطل. ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾: وإنك لترشد وتدل. ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: إلى طريق معتدل موصل إلى المطلوب لا يضل من يسلكه. ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾: إلا إلى الله وحده لا إلي غيره يرجع شأن الخلق وأمورهم كلها يوم القيامة.

стр. 4405

التفسير ٥٢ - ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ … ﴾ الخ الآية: أي: ومثل إيحائنا إلى الأنبياء من قبلك، أوحينا إليك يا محمد القرآن العظيم الذي هو من أمرنا ومن شأننا، - أوحيناه - كما شئنا على من شئنا بهذا النظم المعجز والتأليف المحكم. وسمى القرآن الكريم روحًا لأن الله يحيى به القلوب والنفوس من موت الجهل والغفلة والضلال. وقال ابن عباس روحًا: نبوة. وقال الحسن وقتادة: رحمة من عندنا، وقال الربيع: جبريل والأول أولى وأظهر. ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ أي: ما كنت يا محمد تعلم ما هي الكتابة لأنك من قوم أُميين لا يعرفونها، ولا تعرف ما هو الإيمان حتى تكون قد أخذت ما جئتهم به عمن كان يعلم ذلك أهل الكتاب، وهو كقوله تعالي: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١) - روى هذا المعنى عن ابن عباس فإنه لم يكن قبل بعثته وتنبيئه يعلم أنه سيكون رسولًا، وكذلك لم يكن على دراية ومعرفة بالملائكة والعالم العلوى: وما أطلعه الله عليه وعلمه إياه بعد النبوة من الشرائع والأحكام، وهذا لا ينفى أنه ﷺ كان مؤمنًا بربه قبل النبوة لأنه ﷺ كان يتعبد في الغار كما روى أنه قال للراهب بحيرا في أثناء رحلته إلى الشام حين استحلفه الراهب باللات والعزى، قال له الرسول ﷺ : "لا تسألنى بهما فوالله ما أبغضت شيئًا قط بغضهما". وقد ثبت أنه ﵊ لم يسجد لصنم ولا أشرك باللهِ. ولا زنى ولا شرب الخمر، ولا شهد ما كانوا يجتمعون عليه ويسمرون فيه، ويأتون ما يباح وما يحرم، قال ﷺ : "لما نشأت بُغضت إليّ الأوثان وبُغض إلي الشعر ولم أهم بشئ مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين فعصمنى الله منهما ثم لم أَعُد". وهذا شأن كل الأنبياء فقد اصطفاهم ربهم واختارهم وما عرفوا بشرك أو كفر قبل النبوة وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء.

стр. 4406

﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ أي: ولكن جعلنا القرآن الكريم وأنزلناه نورًا ونبراسًا نضئُ به الطريق لعبادنا ليكونوا على بينة من أمرهم، ونوجد ونخلق به الهداية فيمن نريد هدايته من عبادنا فنجعله راشدًا مهديًا وذلك وفق اختيار العبد وصرف نفسه نحو الاهتداء بكتاب ربه والاهتداء بما جاء به. ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مستقيمٍ﴾ أي: وإنك يا محمَّد لتدل وترشد إلى صراط سوى وسبيل قويم وحقيقة سمحاء ودين خالص، فهدايتك هداية إرشاد وتبليغ فحسب، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) وقال - جل ثناؤه -: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (٢) وتفخيمًا لشأن هذا الصراط المستقيم وتقريرًا لاستقامته واعتداله وتأكيدًا لوجوب سلوكه نسبه - سبحانه - وأضافه إلى نفسه فقال: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ وَوَصَفَ ذاته بأنه له - وحده - ما فيهما خلقًا وملكًا وتصرفًا فيما نعلم منهما وما لا نعلم فكل شيء تحت قبضته وقهر عظمته. ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ أي: أَلَا إلى الله وحده دون سواه ترجع أمور المخلوقات جميعًا يوم القيامة ليحكم فيها - سبحانه - بحكمه العادل وقضائه المبرم فالوسائط قد ارتفعت والناس كلهم قد جُردوا من حولهم وقوتهم فقد سلبوا الأسباب التي كانت لهم في الدنيا. وفي هذا من الوعد للمهتدين إلى الصراط المستقيم بالثواب المقيم والفوز العظيم، كما فيه من التهديد والوعيد بالعذاب الشديد للضالين المكذبين.

стр. 4407

" سورة الزخرف" هذه السورة مكية وآياتها تسع وثمانون آية. وسميت بهذا الاسم لورود كلمة (وزخرفًا)، وصلتها بسورة الشورى التي قبلها: أن كلا منهما أشادت بالقرآن الكريم فختمت الشورى بالآيتين: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ألَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾، وافتتحت سورة الزخرف بالقسم بالقرآن الكريم على أنه محفوظ في أم الكتاب (وهو اللوح المحفوظ)، وأنه من عند الله عظيم القدر رفيع الشأن منزل على مقتضى حكمة الله - جل وعلا -. بعض مقاصد السورة: ١ - أَبانت السورة كون القرآن الكريم موصى به من عند الله - تعالى - وأنه نزل بلسان عربى مبين ليفهمه العرب وليتدبروا آياته عساهم يعقلون ما اشتمل عليه من الأحكام ومكارم الأخلاق فيحملهم بذلك ويدفعهم إلى الإيمان به. وإيثار العرب بتحمل مسئولية الرسالة المحمدية العالمية؛ لأن لهم أخلاقًا كريمة وصلابة في الدين، وشجاعة في الحق، وصدقًا في الوعد، وهمة في الوفاء. ٢ - أن السورة جاءت بتهديد المشركين بإهلاكهم كما فعل بمن قبلهم، وذلك إذا استمروا على كفرهم وعنادهم ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾. ٣ - وضحت هذه السورة الكريمة بعض الآيات الكونية التي تظهر قدرة الله وتفرده بالجلال وأنه - سبحانه - حقيق بالوحدانية، وذلك عن طريق لفت نظر المخاطبين إلى ما هو واضح وبيّن في ملكه من أرض مهدها وبسطها لهم إلى سماء أنزل منها ماء بمقدار معلوم فأحيا به الأرض بعد موتها وأنبت فيها الزرع والزيتون والنخيل ومن كل الثمرات، وأنه - سبحانه - سيخرج الناس ويبعثهم من قبورهم يوم القيامة، كما يحيى الأرض

стр. 4408

وينبت فيها النبات، وأنه - جل شأنه - خلق للناس جميع الأصناف التي تنفعهم في معاشهم، وسخر لهم السفن والأنعام ليركبوها ويستقروا على ظهورها ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾. ٤ - تناولت السورة ما كان عليه المجتمع الجاهلى من معتقدات قبيحة، كنسبه الولد إلى الله ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ كما نَعَتْ عليهم سفههم في دعواهم أن الله جعل لنفسه البنات وآثرهم واصطفاهم بالبنين، كما عابت عليهم أنهم جعلوا الملائكة إناثا وتوعدتهم ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾. ٥ - أثبتت السورة وأكدت أن إبراهيم ﵇ الذي كان المشركون يدَّعون أنهم في شركهم على دينه وطريقته - أثبتت - أنه برئ مما يعبدون ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾. ٦ - أبانت السورة أن المشركين يقيمون أمر اختيار الرسول ﷺ على مقاييس فاسدة ومغايير خاطئة باطلة ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ فرد الله عليهم مسفها رأُيهم وموبخا لهم على سوء فهمهم ﴿أهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾. ٧ - وضح الله لهؤلاء المشركين أن الاستعلاء في الأرض لا ينجى من عذاب الله، فقد أهلك الله فرعون ومن معه لتسلطهم وكفرهم واغترارهم بما لديهم من الدنيا وزخرفها ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وأنهى - سبحانه - هذه السورة الكريمة بعرض بعض مشاهد يوم القيامة، كالنعيم الذي يسعد به المؤمنون ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ كما أبانت ما يناله المجرمون من نكال وعذاب أليم ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ وفي آخر آياتها يسلى الله - تعالى - رسوله ﷺ ويأمره بالإعراض عن الكافرين، كما يهددهم ويتوعدهم ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُون﴾.

стр. 4409

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ المفردات: ﴿جَعَلْنَاهُ﴾: أنزلناه. ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾: في اللوح المحفوظ. ﴿لَدَيْنَا﴾: عندنا. ﴿لَعَلِيٌّ﴾: لرفيع المنزلة عظيم القدر. ﴿حَكِيمٌ﴾: محكم لا ينسخه غيره، وقيل: غير ذلك. التفسير ١، ٢ - ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: ١ - ﴿حم﴾: هذه الحروف وما يماثلها من الحروف الواردة في أوائل بعض سور القرآن الكريم قد سبق الكلام فيها مطولًا في أول سورة البقرة، وفي الحق أنه لم يأت القرآن الكريم بشيء في معنى هذه الكلمات، كما لم يرد في سنة رسول الله ﷺ أثر في ذلك، والأولى أن نترك أمر المراد منها إلى الله ﵎ وقد كان بعض السلف يقولون فيها: الله أعلم بمراده. ٢ - ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: هذا قسم بالقرآن الكريم، أي أقسم بالكتاب الواضح البين، الظاهر الدلالة فهو من أبان اللازم بمعنى اتضح، أو الموضح لأُصول ما يحتاج إليه من أمور الدين فهو حينئذ يكون من أبان المتعدى إلى المفعول.

стр. 4410

٣ - ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: هذا هو جواب القسم، فالله ربنا يقسم بكتابه المبين على أنه أنزله قرآنا عربيا بلغتكم يا معشر العرب، وذلك لتتدبروا آياته وتقفوا على معجزاته وأسرار بلاغته، ليدفعكم ذلك ويدعوكم إلى الإيمان والعمل بما جاء فيه، وفي القسم والحلف بالكتاب المبين على أن القرآن الكريم منزل من عند الله دليل على شرف هذا الكتاب وعلو مكانته وهو من الأيمان الحسنة البديعة لتناسب القسم والمقسم عليه. ٤ - ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾: أي: وإن القرآن الكريم مثبت عند الله في أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ كما يدل على ذلك قوله - تعالى -: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (١) ووصف القرآن بأنه في أُم الكتاب للإشارة إلى كمال الحفظ، وعظيم الرعاية، وتمام العناية به، ويؤكد ذلك ويعززه قوله - سبحانه -: ﴿لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ﴾ أي: أنه عندنا في مكان قدسى محاط بكمال التقدير والتعظيم والحفظ، كما أنه رفيع الشأن، جليل القدر، تسمو منزلته بين سائر الكتب المنزلة، لإعجازه واشتماله على عظيم الأسرار ومحكم التشريعات، وجميل السجايا، وكريم الشمائل والأخلاق ﴿حَكِيمٌ﴾ أي: أن القرآن ذو حكمة بالغة أو محكم لا ينسخه غيره، بل هو باق كتاب حُكم وتشريع، وخاتم للكتب، فهو صالح لكل زمان ومكان، كما أنه هو حاكم وشاهدٌ على غيره من الكتب المنزلة بين الصحيح فيها والموضوع، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٢).

стр. 4411

﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ المفردات: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ﴾: أفننحى ونبعد عنكم، وهو مأخوذ من قولهم: ضرب غرائب الإبل، إذا نحاها وأبعدها إذا دخلت على إبله عند الورد والشرب. ﴿الذِّكْرَ﴾: القرآن الكريم. والذكر في اللغة بمعنى الشرف، وكذلك القرآن، فهو شرف للعرب. ﴿صَفْحًا﴾ أي: إعراضًا عنكم، وأصل الصفح أن تولى الشيء صفحة عنقك أو جانبك إعراضًا عنه. ﴿مُسْرِفِينَ﴾: متجاوزين الحد في الكفر والضلال. ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا﴾: كم: يراد بها هنا التكثير أي: كثيرًا أرسلنا. ﴿بَطْشًا﴾: شدة وعنفا. ﴿مَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾: سبق في غير موضع من القرآن الكريم قصتهم العجيبة. التفسير ٥ - ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾: بيّن الله - سبحانه - أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب لكي يعقلوه ويتدبروا آياته، ولكنهم مع هذا كله ظل أكثرهم على الإسراف في العناد والضلال، فقال لهم الله: ﴿أَفَنَضْرِبُ

стр. 4412

عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ أي: أنهملكم فننحِّى عنكم إنزال القرآن الكريم الذي فيه شرفكم ورفعتكم، أنصرفه عنكم لأنكم لا زلتم مستمرين ومنهمكين وغارقين في الإسراف والضلال متجاوزين الحد في الكفر مصرين عليه أنفعل ذلك بكم؟ ولكن حكمتنا تقتضى أن نُذَكركم وننزل القرآن الكريم عليكم، ولا نترك ذلك بسبب أنكم تعرضون عنه ولا تلتفتون إليه، بل نفعل ذلك حتى لا يكون للناس على الله حجة: وقيل - المعنى - إن حالكم من الإعراض والغلو في الإسراف والكفر وإن اقتضى ترككم وشأنكم حتى تموتوا على الكفر وتمكثوا في العذاب الدائم، لكننا لسعة رحمتنا ومزيد فضلنا لا نفعل ذلك بكم بل نرشدكم وندلكم على الحق والصراط المستقيم. وهذا الرأى موافق في المراد لما سبقه. قال قتادة: والله لو كان هذا القرآن رفع حين ردّته أوائل هذه الأُمة لهلكوا، ولكن الله ردّده وكرّره عليهم برحمته. ٦، ٧ - ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: أي: وكثيرًا ما أرسلنا وبعثنا أنبياء ورسلا قبلك في أُمم سبقت وأقوام سلفت كانت تأتيهم رسلهم بالبينات والذكر، فقابلوهم بالسخرية والاستهزاء وشتى ضروب الأذى. ولكن أنّى لهم أن يفلتوا من عقابنا أو يسبقونا ويعجزونا عن أن ننكل بهم، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ٨ - ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: فأنزلنا عذابنا الشديد المهلك المستأصل بهؤلاء القوم الذين كانوا أقوى وأشد من قومك بأسًا وأكثر عنفًا وبطشًا وأصلب عودًا وأوفر جمعًا وعددًا، ولم يغنهم ذلك أو يمنعهم من عذابنا شيئًا، فمنهم من أرسل الله عليه الحصى والحجارة ومنهم من أخذه الله بالزلزال والصيحة وصاعقة العذاب الهون، ومنهم من خسف الله به وبداره الأرض، ومنهم من أغرقه الله وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون. وفي هذا مزيد من إدخال السرور والطمأنينة على قلبه ﷺ ووعد له بأن الله ناصره على قومه، كما فيه من الوعد بالويل والهلاك لهؤلاء الذين عاندوا رسول الله وكذبوه واستهزءوا به وسخروا منه.

стр. 4413

﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: سبق وسلف في القرآن الكريم في غير موضع منه قصصهم العجيبة في التكذيب والعقوبة التي أنزلها الله بهم، والتي من حقها أن تسير سير المثل شهرة وذيوعًا. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ المفردات: ﴿الْعَزِيزُ﴾: الذي لا يقهر ولا يغلب، وقيل: الذي لا نظير له. ﴿مَهْدًا﴾: مكانًا مبسوطًا موطأ. ﴿سُبُلًا﴾: جمع سبيل أي: طرقًا تسلكونها. ﴿بِقَدَرٍ﴾: بمقدار تقتضيه حكمته. ﴿فَأَنْشَرْنَا﴾: أحيينا. ﴿مَيْتًا﴾: خالية من النبات فهن كالميت.

стр. 4414

﴿تُخْرَجُونَ﴾: تبعثون وتنشرون من قبوركم. ﴿الْأَزْوَاجَ﴾: جمع زوج وهو الصنف والنوع. ﴿الْفُلْكِ﴾: السفينة ويستعمل مع المفرد والجمع، وهو في الجمع بمعنى السفن. ﴿لِتَسْتَوُوا﴾: لتستقروا. ﴿سَخَّرَ﴾: ذلل وطوع. ﴿مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين. ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾: لراجعون إلي الله في الآخرة. التفسير ٩ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾: أي: ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض؟ ليقولن دون تردد ولا تشكك: خلقهن وبدأهن ﴿الْعَزِيزُ﴾: الذي لا يقهر ولا يغلب ولا رادّ لقضائه ولا معقب لحكمه ﴿الْعَلِيمُ﴾: الواسع العلم المحيط بكل شيء، فهو قيوم السموات والأرض، فألسنتهم ناطقة وفطرتهم شاهدة وقلوبهم موقنة بأنه - سبحانه - خالق السموات والأرض وأنه هو العزيز العليم، ولكنهم مع هذا الإقرار يشركون معه في الربوبية، ما لا يستطيع جلب الخير ولا دفع الشر، وليزيدهم الله - سبحانه - تذكيرًا وعلمًا به وتبيانًا لبعض نعمه وآلائه عليهم قال: ١٠ - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: أي: أنه - سبحان - مع كونه قد خلقكم وبرأكم لم يترككم سدى دون عناية أو رعاية بل هو - جل شأنه - قائم على كل أسباب حياتكم عظيمها ودقيقها ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾. أي: بسط لكم الأرض ووطَّأها لكم تستقرون عليها وتترددون فوقها بيسر وسهولة ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ أي: خلق لكم فيها سبلا وطرقا لتمشوا فيها وتسلكوها في ظعنكم وإقامتكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: لكي تهتدوا وترشدوا إلى ما تقصدون من أماكن، وما تريدون من متاع.

стр. 4415

أو لتتفكروا في ذلك فيرشدكم ويهديكم تفكركم إلى توحيد الله وتمجيده. ١١ - ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾: هذه الآية الكريمة استمرار وامتداد لبيان أنعم الله وآلائه عليهم فبين لهم أنه - تعالت عظمته - نزَّل من السحاب ماءً بمقدار معلوم حسب إرادته ومشيئته الحكيمة، لا هو بالماء القليل الذي تشق أو تستحيل معه الحياة، ولا هو بالكثير الذي يتلف ويؤذى، بل قد يقتل ويفنى، وإنما هو بحسب ما يحتاجه الناس لهم ولدوابّهم واستنبات الزرع من أرضهم، ولذا قال تعالى: ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أي: فأحيينا به أرضًا قحلاء جرداء حيث جعلناها تنبت الزرع والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (١) ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي: مثل إحياء الأرض الجرز التي لم يكن فيها كلأ ولا نبات ثم أنبتت من كل زوج بهيج أي مثل هذا الإخراج والإحياء نخرجكم من قبوركم أحياء وننشركم بعد موتكم، وما ذلك على الله بعزيز فهو - سبحانه - خلقكم بدءًا، وكما بدأكم تعودون. ١٢ - ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾: أي: وهو الذي - جل شأنه - خلق الأصناف كلها من جبال متنوعة الألوان والأحوال والأحجام، إلى أناس يختلفون في ألوانهم وألسنتهم، إلي حيوان تتباين أنواعه، إلي عوالم في البر والبحر وفي السموات وفي الأرض، لا يعلم حقيقتها إلا هو - سبحانه - ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ ومنّ عليكم وسخر وأجرى لكم من السفن ما يحملكم في جوفها، وذَلل لكم الأنعام من الإبل وغيرها ما تركبونه وتعلون ظهره. ١٣ - ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: أي: لتستقروا على ظهورها وتتمكنوا منها ثم تذكروا بقلوبكم وألسنتكم نعمة ربكم وعطاءه لكم وتقولوا: سبحان الذي سخر لنا هذا، أي: تجعلون ألسنتكم ترجمانا على ما ملأَ
следующие страницы →