← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾: أي فمن يكفر بما يعبد من دون الله، ويؤمن بالله وحده - بعد ما تبين له الحق من الباطل بالحجج الواضحة -. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾: فقد صار ممسكا بالسبب الأوثق الذي يصله بالحق. ﴿لَا انفِصَامَ لَهَا﴾: أي لا انقطاع لهذه الصلة القوية. وبذلك يكون آمنا من التهلكة ومن كل مكرُوه. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾: أي شامل السمع، لا يغيب عن سمعه شيءٌ. ﴿عَلِيمٌ﴾: واسع العلم: يحيط علمه بكل شيء. وهذه الآية الكريمة: تنزه الإسلام عما زعمه أَعداؤُه من قيامه على القتال. فما كانت حروب المسلمين إلا دفاعية أو وقائية. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا … ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا … ﴾ (٢). فإن جنح أعداء الإسلام إلى السلام سالمناهم. قال جل شأنُه: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا … ﴾ (٣). وأَساليب الدعوة الإسلامية، تقوم: على الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال الرقيق. قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ … ﴾ (٤).

стр. 457

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ ﴿وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: متولي أُمورهم، يهديهم ويعينهم. ﴿الطَّاغُوتُ﴾: المراد به، الشياطين. ﴿يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾: يخرجونهم من نور الحق إلى ظلمات الكفر. التفسير ٢٥٧ - ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ … ﴾ الآية. الله ﷻ هو معين المؤمنين الطائعين، ومتوليهم بتوفيقه وتأييده وهدايته إلى طريق الحق، فيخرجهم - بلطفه ورحمته - من ظلمات الحيرة والضلال والكفر، إلى نور الاستقرار والهداية والإيمان. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾: والذين كفروا بالله ﷻ وأنكروا رسالة نبيه ﷺ ، أولياؤهم الشياطين: يوسوسون لهم، ويضلونهم عن صراط ربهم، ويبعدونهم عن طريق الهدى، ويوقعونهم في ظلمات الضلال والشر، ويحجبونهم عن فطرة الإيمان في نفوسهم. فكأَنهم يبعدونهم عن طريق مضيء منير، ويوقعونهم في طرق كثيرة الظلمات، فلا يهتدون سبيلا. وعبر عن دين الإسلام بالنور، تشبيهًا له به، لأنه يهدي إلى الحق والسعادة. كما يهدي النور إلى طريق السلامة. والتعبير عن الشرك بالظلمات: تشبيه له بها، لأنه يُضِل عن الحق والسعادة، كما يُضِل الظلام عن طريق السلامة.

стр. 458

﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: أولئك الضالون، هم الذين يستحقون عذاب النار لا يفارقونها. بل يستقرون فيها، ويدوم عليهم عذابها. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ المفردات: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: عبارة استفهامية لطلب التعجب. ﴿حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾: خاصمه وجادله في شأن ربه. ﴿فَبُهِتَ﴾: فتحير وانقطعت حجته. التفسير ٢٥٨ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ … ﴾ الآية. اتضح مما سبق: أن الرشد قد تبين من الغي، وأن الله يتولى المؤمنين فيهديهم، وأن الشيطان يتولى الكفار فيضلهم. لتوضيح هذه المعاني، ذكرت هذه الآية - وما بعدها - ثلاث قصص واقعية، تدور حول الموت والحياة، وإبراز قدرة الله: الأولى: قصة رجل كافر تبين له الحق، ولكنه أصرَّ على كفره. الثانية: قصة رجل تبين له الحق فاقتنع به، واعترف بأن الله على كل شيءٍ قدير.

стр. 459

الثالثة: قصة نبي أظهره الله على بعض آياته، فازداد إيمانًا وتثبيتًا. وفيما يلي بيان القصة الأُولى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾: أي هل رأيت في الضلال مثل ذلك الملك الطاغية الكافر، الذي جادل إبراهيم ﵇ تجبرا منه وطغيانا بسبب ما أعطاه الله من سعة الملك، وقوة السلطان. ﴿إِذْقَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾: كانت المحاجة، حينما أعلن إبراهيم: أن ربه هو الذي يحيي ويميت، لأنه هو الإله الخالق القادر على كل شيء دون سواه: فأجابه الطاغية - وهو لا يملك من أمر نفسه شيئا - قائلا: أنا أُحيي بالعفو عن محكوم عليه بالموت، وأُميت بقتل إنسان حي. ظانا بجهله أن قتله الإنسان إماتة، وعفوه عنه إحياءٌ. فاقتضت حكمة إبراهيم أن يغلق باب الجدل ويجابهه بما لا يستطيع أن يجادله فيه. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾: قال إبراهيم: إن الله تعالى، يظهر الشمس في أول النهار من جهة المشرق، فإن استطعت فأظهرها من جهة المغرب، لتعود إلى الإشراق والإضاءَة، وينعكس بذلك نظامها. فيكون شروقها من جهة المغرب، وغروبها من جهة المشرق!! ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾: فانقطعت حجة الطاغية، وسكت متحيرا، ولم يستطع الاستمرار في التمويه. فظهر الحق، واندحر الباطل، عن طريق محاورة إبراهيم النافعة، التي كشفت الفرق بين الحق والباطل، وبين الصدق والكذب؟! ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: والله العادل، لا يعطي الهداية لغير مستحقيها من أُولئك الكافرين المعاندين، فهم ظالمون. والله تعالى لا يهدي القوم الظالمين، أي لا يوفقهم إلى حجة يغلبون بها أَهل الحق.

стр. 460

﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ المفردات: ﴿أَوْ﴾: للتخيير والتنويع في التعجيب بين ما جاء في هذه الآية والتي قبلها من العجائب. والكاف بمعنى اسم بمعنى: مثل. مفعول لفعل محذوف دل عليه ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ السابق. والتقدير: أوَ رأيت مثل الذي مر على قرية. والجملة معطوفة بلفظ ﴿أَوْ﴾ على جملة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ ﴿قَرْيَةٍ﴾: اسم للموضع الذي يسكن فيه الناس ولو كبيرا، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا … ﴾ (١) وقوله: ﴿لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى … ﴾ (٢). ﴿خَاوِيَةٌ﴾: أي ساقطة من: خوت الدار، إذا سقط بنيانها. ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾: العرش، السقف. والمراد: أنها متهدمة أو ﴿خَاوِيَةٌ﴾ بمعنى خالية. والمراد حينئذ: أن القرية خالية من أهلها - مع بقائها، قائمة سليمة العروش - لموت أَهلها. ﴿نُنشزُهَا﴾: مضارع أنشز، أي نركب بعضها فوق بعض وننشئها. وقريءَ ﴿نَنْشُرُهَا﴾ بالراء بمعنى: نبعثها إلى الحياة من جديد، من النشر. وهو إعادة الحياة بعد الموت.

стр. 461

التفسير ٢٥٩ - ﴿أَوْكَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا … ﴾ الآية. تناولت هذه الآية القصة الثانية عن الموت والحياة. فقالت ما معناه: أرأيت يا محمد مثل ذلك الرجل الذي مَرَّ على قرية مات أهلها، وسقطت على سقفها: بأن سقطت العروش أولا، ثم الحيطان عليها! أو المعنى: أنه مر عليها - وهي خالية من أهلها مع بقائها قائمة على عروشها لم تنهدم ولم تسقط - فقال في نفسه متعجبًا، أو بلسان حاله: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: على معنى: كيف يحيي الله أهل هذه القرية بعد موتهم؟. أو كيف يرد الحياة إلى أهل هذه القرية، بعد الخراب الشامل؟! والسؤال هنا عن كيفية الإحياء، لا عن وقوعه. لم يَرِد في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية، ما يعيِّن صاحب هذه القصة، ولا اسم القرية التي مرّ عليها ذلك الرجل، لأن العبرة هنا، في إحياءِ موتاها، لا في اسمها واسم من مرَّ عليها. وإن كان بعض المفسرين قد ذهب إلى أن هذا الرجل نبي، وأنه: عزير بن شرخيا، كما ذهب إلى أن هذه القرية هي التي وردت في قصتها في الآية الكريمة: ﴿أَلِمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ … ﴾ (١). ولعلهم قد استندوا في ذلك إلى ماجاءَ في: العهد القديم. عن هذه القصة، فقد وردت في الإصحاح السابع والثلاثين من سفر حزقيا، على نحو قريب مما جاءَ في الآية المذكورة. وقيل: هي المؤْتفكة. وقيل: غيرها. ونحن نفوض الأمر في علمها - وعلم أهلها - إلى علَّام الغيوب، ونسكت عما سكت عنه القرآن الكريم، ولم تشر إليه السنة النبوية المطهرة.

стр. 462

قال تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾: جعله الله ميتا مائة سنة، ثم ردَّ إليه الروح، فعادت إليه الحياة بعد تلك المدة الطويلة، وقد أعاده إلى الحياة مهيَّأً للتفكير والتدبر، بدليل هذا الحوار، وطلب منه النظر. ولم تذكر الآية ما حدث لجثته أثناءَ هذه الفترة. أَبُلِيَتْ وتحللت. أم ظلت محتفظة بتكوينها؟ ﴿قَالَ﴾ له الله تعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾؟: كم مكثت في رقدتك؟ والله يعلم كيف كانت هذه المساءلة. أكانت على لسان ملك جاءَ في صورة بشر، أم كانت على لسان نبي ذلك الزمان، أم كانت إلهامًا نفسيًا، كما حصل لأُم موسى ﵇ أم كان ذلك الرجل نبيًا؟ والسؤَال لم يكن من الله لهذا الرجل مباشرة، لأنه يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْيُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ … ﴾ (١). وإنما سأله الله هذا السؤال - وهو عالم بجوابه - ليظهر عجزه التام عن الإحاطة بشئون الله تعالى. بل بشئون نفسه هو، وليبين له قدرته تعالى على إحياءِ خلقه. وقد أجاب ذلك الرجل: ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾: مكثت في رقدتي هذه يومًا أو بعض يوم. ولعله قال ذلك، لأَنه لم يشاهد في نفسه، ولا في طعامه تغيرا، حتى يظن أنه مكث مدة طويلة. ولعله ظن أنه كان نائما فقدر زمنين متقاربين، من المحتمل أن يستغرق الإنسان أحدهما في نومه. ﴿قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾: أي لم تلبث هذا القدر اليسير الذي ظننته. بل مكثت - ميتا - مائة عام، ليظهر الله لك قدرته على ما سألت.

стр. 463

ولهذا أمره الله أن يتدبر ويفكر، فقال: ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَانظُرْ﴾ للإفصاح، لأَنها أفصحت عن شرط مقدر … بمعنى: إذا علمت أنك مكثت مائة عام ميتًا، ثم بعثت - فانظر إلى هذه الآيات البينات، وتبصر فيها. وقد أمره الله أن ينظر إلى طعامه وشرابه اللذين كانا معه لزاده - وقد مر عليهما مائة عام - ومازالا صالحين للتناول، لم يلحقهما أي تغيير، مع أن شأنهما المعتاد هو سرعة التغيير والفساد. وذلك دليل على أن المؤثر هو الله تعالى، لا الأسباب بذاتها، ولذا تخلف تأثيرها في الطعام والشراب، اللذين مكثا مائة عام، لم يتغير فيهما شيءٌ منهما. وهذا هو موضع الاعتبار الأول. وقد أفرد الضمير المستتر في قوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ مع أنه راجع إلى الطعام والشراب، لاعتبارهما غذاءً واحدًا، لتلازمهما. ﴿وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾: وأمره الله أن ينظر إلى حماره، كيف نخرت عظامه، وتفرقت أوصاله. على حين بقى الطعام والشراب على حالهما لم يتغير فيهما شيٌ؟ وذلك هو موضع الاعتبار الثاني، الناطق بقدرة الله على الإحياءِ والبعث. وقوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ﴾: معطوف على مقدر يقتضيه المقام. أي: فعلنا ذلك من إحيائك، وحفظ طعامك وشرابك، وبِلَى عظَام حمارك، لتدرك صدق إخبارنا: أنك بقيت ميتًا مائة عام، ولنجعلك - أنت وهذه الأُمور - آية وعلامة يستدل بها الناس الموجودون - وقت بعثك - على عظيم قدرتنا على البعث، وإحياء الموتى. ويستدل على ذلك أيضًا - مَنْ يأتي بعدهم ممن يؤْمن بالوحي السماوي، الذي يروي هذه القصة.

стр. 464

ثم أمره أن ينظر نظرًا ثالثًا، فقال: ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾: المراد من العظام: عظام حماره البالية المتفرقة .. طلب إليه أن ينظر كيف يعيد الله تركيبها كما كانت عليه، بعد إعادة الصلاحية لها، بأَن يرفع بعضها فوق بعض على الشكل الذي كانت عليه، قبل موت ذلك الحمار. ثم يكسوها لحما، ثم ينفخ فيه الروح فيعود كما كان جسمًا وصورة وحركة وصوتًا، ليعرف - بالمشاهدة - قدرة الله على إحياء هذه القري، التي سأل عنها متعجبًا: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾!! ويرى بعض المفسرين: أن الحمار بقي حيًا لم يمت، على الرغم من مرور هذا الزمن الطويل، دون أن يأكل الحمار أو يشرب: حفظه الله حيًا كما حفظ الطعام غضًّا، والشراب سائغًا هنيئًا. وأن العظام - التي أُمر أن ينظر إلى إعادتها وكسوتها باللحم - هي عظام أهل هذه القرية التي مر عليها، وهي خاوية على عروشها، لأن التعجب الصادر منه، كان بشأن كيفية إعادة سكانها إلى الحياة! وقيل: هو منظر عظام الأجنة، وكيفية تكوينها، ثم إكسائها باللحم، ثم سريان الحياة فيها بعد هذا التكوين. وفي قراءة: ﴿نَنشُرُهَا﴾ بالراءِ أي: نبعثها، ونحييها بعد الموت. والمؤَدَّى في القراءتين واحد. فأمر الإحياء - على الصورة السابقة - يصدق فيه الانشاز والنشر. فكلاهما فيه إحياء بعد موت!. ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: والمعنى: فلما ظهرت أمامه هذه الآيات الثلاث، واتضح له - بالمشاهدة - كيفية إحياء الله أهل هذه القرية بعد موتهم، قرر - في ثقة وإيمان - علمه بأَن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه على كل شيء قدير، وفي جملته: إحياءُ هذه القرية بعد موتها!!

стр. 465

قال الآلوسي: والإتيان بصيغة المضارع ﴿أَعْلَمُ﴾، للدلالة على أن علمه بقدرة الله على كل شيء مستمر، لأَن أَصله لم يتغير. بل تبدل وصفه بالعيان. فالآلوسي يرى: أن هذا السائل، كان مؤمنا بقدرة ربه على كل شيءٍ. ومن جملته: إحياءُ هذه القرية بعد موتها. وأن المعاينة لم تنشيء عنده علما جديدًا بذلك. ولهذا عبَّر بصيغة المضارع المفيد للاستمرار. وأن الذي تغيّر عنده هو وصف العلم. فبعد أن كان علما ناشئا عن استدلال، انتقل إلى علم ناشيء عن المشاهدة والعيان. فسؤَال هذا الرجل، لا يقتضي أن يكون كافرًا، لأن يقول: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾! أي كيف يحييها؟ وذلك يشعر بعجزه عن معرفة طريقة إحياء الله تعالى للموتى بعد فناء لحومهم، وبِلَى عظامهم، وأن يبغي معرفة كيفية إحيائها. وذلك لا يدل على أنه كان كافرًا. بل الظاهر أنه مؤمن بالله. فقد نطق باسمه الكريم: فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؟ وإنما سأل عن كيفية الإحياء، ليراها فيزداد يقينًا بقدرة الله على رد الحياة بعد اليأس. على حدِّ قول إبراهيم ﵇ لربه: ﴿ … رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي … ﴾ (١). ولعل اقتران القصتين، كان من أجل اشتراكهما في هذا الغرض. أما القول بأنه كان كافرًا، فلا دليل عليه .. بل ما جرى منه في القصة، يبعد أن يجري على لسان الكافر. ففي تحريه الصدق بقوله: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْبَعْضَ يَوْمٍ﴾. ثم قوله بعد ذلك: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ما يرجح إيمانه. هذا، ومغزى القصة: أن هذا الرجل تولاه الله، فبين له الرشد من الغي، فاستجاب لهذا التوجيه، وازداد إيمانه، ولم يركب رأسه عنادًا كالكافر المذكور في القصة السابقة.

стр. 466

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ المفرادت: ﴿بَلَى﴾: إيجاب لما بعد النفي السابق. والمراد: نعم، آمنت. ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: ليزداد يقينًا بالقيامة، بعد خبر الوَحْي والبرهان. ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: أَمِلْهن واضممهن إليك. التفسير ٢٦٠ - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى … ﴾ الآية. هذه هي القصة الثالثة عن الموت والحياة. وهي القصة الثانية: عن إبراهيم ﵇. وقد جاء ترتيب النصوص الثلاث في تناسق تصاعدي. فالأولى: قصة كافر تبيَّنَ له الرشد من الغيِّ، فأَصَرَّ على الكفر. والثانية: قصة رجل التمس معرفة كيفية البعث، فلما بينها الله له أقر بعلمه بقدرة الله تعالى. والثالثة: قصة نبي زاده الحق إيمانًا وتثبيتًا. والعبرة بأغراض القصص الثلاث، لا بالتتابع التاريخي أو الزمني.

стр. 467

ولهذا ذكرت القصة الثانية بين قصتي إبراهيم ﵇. قال تعالى: ﴿وَإِذْقَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾:؟ والمعنى: واذكر يا محمد، حين نادى إبراهيم ﵇ ربه، طالبا منه أن يريه - عمليًا - كيفية إحياء الموتى. والسؤال يدل على أنه يؤمن بإحياء الموتى، ولكنه يطلب رؤية طريقة الإحياءِ عمليًا، ليزداد إيمانًا ويقينًا. ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾:؟ أي لقد آمنت .. فلماذا تسأل هذا السؤال؟. ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: اعْلَمْ أن الله تعالى عليم بإيمان نبيه وخليله إبراهيم، وليس بحاجة إلى استفهام عنه. لكن الحكمة في ذلك: أن يعلن إبراهيم إيمانه العميق بقدرة الله، حتى لا يتطرق إلى الأذهان، أن إبراهيم حين سأل ذلك - خطر له أي شك في الله. فالسؤال في الحقيقة: سؤال تقرير. ولهذا أجابه إبراهيم مؤكدا إيمانه، نافيًا عن نفسه أية خاطرة من الشك أو الارتياب. فقال: بلى. آمنت. ثم علل سؤاله لربه بحرصه على الاطمئنان القلبي - عن طريق المشاهدة والعيان، إلى جانب طريق الوحي والبرهان - ليزداد ثباتًا فوق ثبات. والله يثبت إيمان أنبيائه وأوليائه دائمًا فيقول: ﴿ … كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (١).

стр. 468

ويقول جل شأنه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ … ﴾ (١). ولهذا، ثبت الله إيمان إبراهيم وطمأنه، فأراه كيف يحيي الموتى، كما سيأْتي بيانه. ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾: أمره الله سبحانه، أن يأخذ أربعةً من الطير، وأن يضمهن إليه، ليتأمل في كل منها فيعرف - معرفة يقينية - مميزات كل طائر عن غيره، حتى إذا ذبحها وفرق أجزائها - مختلطة على الجبال التي حوله - ضَمَّ الله أجزاء كل طائر، وأعاده إلى ما كان عليه: جسمًا وصورة وحركة. ويروي: أن كل طير كان من نوع يخالف نوع الآخر. وقال أبو السعود: وناهيك بالقصة دليلا على فضل الخليل، ويُمْنِ الضراعة في الدعاء، وحسن الأدب في السؤال، حيث أراه الله تعالى ما سأل - في الحال - على أيسر ما يكون من الوجوه. ا. هـ. ولما كانت هذه القصص الثلاث، مسوقة للدلالة على قدرة الله على بعث الموتى وإحيائهم للحساب والجزاء - ختمها مخاطبًا كل مكلف بقوله: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: أي واعلم أيها المكلف - بعد تلك الحجج القاطعة - أن الله تعالى غالب لا يعجزه شيٌ أراده. حكيم في أفعاله. وإذا كان الأمر كذلك، وجب الإيمان بالبعث، وإدراك الحكمة فيه، وهي: أن يجزي الله المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.

стр. 469

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ المفردات: ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾: أي في طريقه الموصل إلى مرضاته، والمراد منه: الجهاد، وأعمال البر المتنوعة. ﴿سَنَابِلَ﴾: جمع سنبلة وهي: ما يتكون فيه الحب. ﴿يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾: يزيد الأجر لمن يشاءُ من أهل الإحسان، على النحو الذي يشاؤُه من الزيادة. كسبعمائة وما دونها، وأكثر منها. والضعف: المثل. ﴿وَاسِعٌ﴾: جزيل الثواب. التفسير ٢٦١ - ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ … ﴾ الآية. لما قص الله ما في القصص السابقة من البراهين على البعث، حث على الإنفاق في سبيل الله، لينال المنفقون ثوابهم بعد البعث الذي أثبته الله لهم بتلك البراهين. فقال جل ثناؤه: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ … ﴾ الآية. سبب النزول: رُوي أن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفا، وعبد الرحمن بن عوف ﵄، وذلك أن رسول الله ﷺ لما حث الناس على الصدقة - حين أراد

стр. 470

الخروج إلى غزوة تبوك - جاءه عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف، وقال: أقرضتها لربي .. فقال رسول الله ﷺ : "بارك الله لك فيما أمسكت، وفيما أعطيت". وقال عثمان: يا رسول الله، عليَّ جهازُ مَنْلا جهاز له. فنزلت الآية فيهما. وقيل: نزلت في نفقة التطوع. والمعنى: أراد الله - تعالى - أن يصور لعباده الثواب العظيم، الذي ينالونه على الإنفاق في سبيل الله، الشامل للجهاد ووجوه البر المتنوعة، فضرب لهم في ذلك مثلًا مشاهدًا، ليحثهم، ويحرضهم على مواصلة الإنفاق فيه، فَشَبَّه لهم الذين ينفقون أموالهم لوجه الله سبحانه - بالزارع المفلح الناجح، الذي يضع الحبة في الأرض الطيبة فتنبت نباتًا حسنًا، ويتضاعف خيرها وثمرها، فيخرج منها سبع سنابل، في كل سنبلة منها مائة حبة، فيكون المجموع سبعمائة حبة. ثم عقب لله بقوله: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾: أي يضاعف تلك المضاعفة، أو دونها أو فوقها لمن يشاءُ، حسب حال المنفق، من إخلاصه وتعبه. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾: كثير الجود، فلا يضيق بهذه المضاعفة. ﴿عَلِيمٌ﴾: بِنِيَّةِ المنفق، ومصدر ما ينفقه، ومقداره، فيجازيه حسب حاله. روي مسلم، وأحمد، عن النبي ﷺ أنه قال: "كل عمل ابن آدم يضاعف: الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله … " الحديث. والمقصود من العدد هنا: الدلالة على الكثرة، لا التحديد.

стр. 471

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾. المفردات: ﴿مَنًّا﴾: المن، أن يذكر المنفق لمن أحسن إليه فضله، مستوجبًا به حقه عليه. ﴿أَذًى﴾ الأذى هنا، أن يتطاول المنفق على آخذ الصدقة بالقول أو العمل. التفسير ٢٦٢ - ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى … ﴾ الآية. هذه الآية مستأنفة، جيء بها لبيان كيفية الإنفاق المستتبع لمضاعفة الثواب، التي مرت في الآية السابقة. ومعنى الآية: الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، من جهاد وغيره من وجوه البر، ابتغاء مرضاته تعالى، ثم لا يُتبعون ما أنفقوا منًّا على ما أنفقوا عليهم: بأن يَذْكُرُوا لهم إحسانهم ويعتدوا به عليهم ولا يفهمونهم أنهم أوجبوا به حقًّا عليهم، ولا يتبعونه أذى لهم بالقول، أو بالفعل - هؤلاء: ﴿لَّهُمْ أَجْرُهُمْ﴾: الذي سبق بيانه في الآية السابقة. ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾: في دار الكرامة والمثوبة.

стр. 472

﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: في الدارين من لحوق مكروه بهم. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: على فوت مطلوب لهم، فمطالبهم حاضرة بين أيديهم، ومسراتهم دائمة بين جوانحهم. ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ المفردات: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾: المعروف، اسم لكل فعل يُعرف حسنه. والمراد بالقول المعروف هنا. القول الجميل، للسائل. ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾: المغفرة، عدم العقوبة. ﴿حَلِيمٌ﴾: لا يعاجل بالعقوبة. التفسير ٢٦٣ - ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى … ﴾ الآية. القول المعروف: أن يردَّ المسئول على من يسألة الصدقة بالقول الجميل، الذي تقبله النفوس ولا تنكره ولا تتأذى منه، كأن يعتذر إليه بعدم استطاعته، أو يَعِدَه بالمعاونة في المستقبل، أو يدعوَ له بالتيسير والفرج، والمغفرة له: هي العفو عنه إذا وجد منه إلحاحًا في الطلب، أو ثقلا في السؤَال. والآية الكريمة تفيد: أن المسئول إذا سلك مع السائل هذا المسلك، فإنه يكون أحسن وأفضل من أن يعطيه صدقة، ثم يتبعها تطاوله عليه، أو إيذاءَه له بقول أو عمل.

стр. 473

﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾: فلا يحوج الفقراء إلى تحمل مئونة المن والأذى، بل يرزقهم من جهة أُخرى. ﴿حَلِيمٌ﴾: لا يعجل بالعقوبة لأصحاب المن والأَذى، لعلهم يتوبون. فعلى الغَنِيِّ المسلم: أن يتعظ بهذا التذكير، فيعطي بلا مَنَّ ولا إيذاءٍ، أو يرد السائل ردًّا جميلا، مع حسن الاحتمال لما يثقل من السائل. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ المفردات: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم﴾: لا تبطلوا ثوابها بالمنّ أَو الأَذى. ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾: مراءَاة للناس. ﴿صَفْوَانٍ﴾: الصفوان، الحجر الأَملس. ﴿وَابِلٌ﴾: الوابل، أشد المطر، أو المطر العظيم القَطْر. ﴿صَلْدًا﴾: الصلد، الحجر الصُّلب.

стр. 474

التفسير ٢٦٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى … ﴾ الآية. يا أيها الذين آمنوا لا تضيعوا على أنفسكم ثواب صدقاتكم بالفخر على الفقراءِ، الذين تدفعونها إليهم، أو بالتطاول عليهم، وإيذائهم بالقول أو الفعل. ﴿كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: شبهت الآية الكريمة المتصدق الذي يُتْبِعُ صدقاته بالمن والأذى، بالذي يتصدق بالأموال، ليرائي بها الناس، وهو - مع هذا - لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر. فهو لا يرجو ثوابًا، ولا يخشى عقابًا من الله، بل يلتمس بصدقته رضوان الناس، لا رضوان الله. ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: شبه الله المرائي ونفقته التي لا ثواب لها، بحجر أملس عليه تراب، هطل عليه وابل أي مطر شديد ضخم القطر، فأزال عنه التراب، وتركه ناعمًا أملس خاليًا من التراب. والغرض من هذا التشبيه: أن المرائي بنفقته، الذي بالله واليوم الآخر: لا ثواب له كما سيأتي التصريح به. ﴿لَّا يَقْدِرُ ونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا﴾: أي هؤلاء الذين ينفقون أموالهم رئاءَ الناس، ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر، لا يقدرون يوم القيامة على نيل ثواب شيءٍ مما بذلوه في الدنيا، لأنهم لم يعملوا لمعادهم، ولا لطلب ما عند الله في الآخرة. وإذا كان هذا الضياعُ مآل أُولئك المرائين، فكذلك مآل من يشبههم، وهم الذين يبطلون ثواب ما أنفقوا بالمن والأذى. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: والله لا يوفق هؤلاء الكفار لإصابة الحق في نفقاتهم، لأنهم آثروا الرياءَ على ابتغاء مرضاة الله، فتركهم في ضلالهم يعمهون.

стр. 475

وقد نهى الله المؤمنين - بهذا التشبيه - عن أن ينزلقوا فيما انزلق فيه هؤلاء الكفار. فإن في الآية تعريضًا بأن كُلًّا من: الرياءِ، والمن والأذى، من خصائص الكفار، ولابد للمؤنين أن يجتنبوها. ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾ المفردات: ﴿ابْتِغَآءَ مَرْضَاةِ اللهِ﴾: طلبًا لرضا الله سبحانه. ﴿وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾: أي وتثبيتًا للبذل والإنفاق في أنفسهم، حتى يكون ذلك عادة لهان فلا تترد فيه. ﴿جَنَّةٍ﴾: الجنة، البستان. ﴿بِرَبْوَةٍ﴾: الربوة، المكان المرتفع عن الأرض. ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا﴾: أَعطت مأكُولها وثمرها. ﴿ضِعْفَيْنِ﴾: مثلين. أي مثلَىْ ما كان يعهد منها، أَو مثَلي ما يعطيه غيرها عادة. ﴿وَابِلٌ﴾: مطر عظيم القطر. ﴿فَطَلٌّ﴾: مطر خفيف، صغير القطر، وهو الرذاذ.

стр. 476

التفسير ٢٦٥ - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْأَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْيُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ … ﴾ الآية. لما نهى الله المؤمنين - في الآية السابقة - عن أن يبطلوا صدقاتهم بالمن بها على من أعطوهم، وزجرهم عن أن يؤذوهم بتعدادها والفخر بها عليهم، وحذرهم من مشابهة المرائين بالنفقاتن فإن الرياء والمن والأذى من صفات الكافرين - أتبع ذلك بيان جزاء الإنفاق في سبيل الله، ومعناه: ومثل إنفاق المؤمنين الذين ينفقون أموالهم في وجوه البِرِّ، طلبا لمرضاة الله تعالى، وتثبيتًا للبذل من أنفسهم، حتى يصبح الإنفاق في سبيل الله عادة لنفوسهم، وطبيعة فطرية لها، فلا يترددوا في وضع صدقاتهم في مواضعها الجديرة بها كلما دعا داع إلى ذلك - مثل هذا الإنفاق، كمثل بستان بمكان مرتفع من الأرض تجود فيه الأشجار، وتزكو الثمار: أنعم الله عليه بالماء الغزير، فزاد ذلك في خصبه، وضاعف من ثماره، فأعطى أصحابه من الثمار ضعفين، لطيب تربته، وغزارة مائه. ثم يقول الله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ فرذاذ يكفيها، لتجود بثمرها، فهي - في كلتا الحالتين - مثمرة نافعة. وهذا مثل ضربه الله - تعالى - للطائعين المنفقين في سبيل الله بحسب نياتهم ونفقاتهم، فكلما حسنت نياتهم، وزاد بذلهم في نفقاتهم في سبيل الله - تضاعف ثوابهم كما يتضاعف ثم البستان المرتفع: الطيب التوبة، الغزير المطر. وإن حسنت نياتهم وقَلَّ بذلهم وإنفاقهم في سبيل الله وعندهم الكثير، أثيبُوا كذلك على قدر بذلهم ونياتهم، كما يثمر البستان المرتفع الخصب: الذي يصيبه الطل ويسقى نباته المطر القليل. قال الآلوسي: وخلاصة هذا التشبيه: أن نفقات هؤلاءِ زاكية عند الله، لا تضيع بحال، وإن كانت تتفاوت بحسب تفاوت ما يوازنها من الإخلاص والتعب وحب المال، والإيصال إلى الأحوج التقي وغير ذلك.

стр. 477

ثم ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: للإيذان بأنه مطلع على أعمالهم، فيعلم قلتها وكثرتها، وإخلاصهم فيها إن أخلصوا، ودرجة هذا الإخلاص، ويعلم رياءَهم فيها إن لم يخلصوا، ودرجة هذا الرياءِ، وأنه يجازي كلًّا على حسب حاله. ففي هذه الجملة: ترغيب للمنفقين في الإِخلاص، ووعيد للمرائين، وتحذير لهم من عاقبة الرياء. وفي الحديث القدسي: "أَنا أَغنى الشُّركاء عَنِ الشِّرْك، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشَرِيكَهُ". ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾ المفردات: ﴿إِعْصَارٌ﴾: الإعصار، الريح التي تهب بشدة فتحتاج ما أمامها. التفسير ٢٦٦ - ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ … ﴾ الآية.

стр. 478

الاستفهام هنا، للنفي. والمعنى: لا يحب أحد أن يحدث له ما أوردته الآية الكريمة، وهو: أن يكون له بستان فيه نخيل وأعناب - وهما من أنفس أشجار الفواكه المعروفة وأكثرها نفعًا - والأنهار تتخلل هذه الأشجار، ويملك في هذا البستان - إلى جانب النوعين السابقين - جميع أنواع الأشجار المثمرة، ثم يصيبه التلف.؟! على ما سيأتي بيانه في بقية الآية. ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾: أي وتقدمت السن بصاحب هذا البستان، فصار شيخًا كبيرًا، عاجزًا عن الكسب، على حين أن له أولادًا ضعافًا لا يقدرون على الكسب .. وهذه الحديقة هي مصدر أرزاقهم ومعاشهم. ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾: فأصابت الحديقَةَ - بغنة - ريحٌ عاصفة مدمرة: فيها نار شديدة، فاحترقت. يروي: أن عُمَرَ سأَل عن هذه بعض الصحابة، فقالوا: الله أعلم. فقال عُمَرُ: قولوا: نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء، يا أميرَ المؤْمنين. فقال عمرُ: قل يا ابن أخي، ولا تحقر نفسك. فقال ابن عباس: ضُربَتُ مثلا لعمل. فقال عمرُ: لأَي عمل؟ فقال ابن عباس: لرجل غنيٍّ يعمل الحسنات، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق - أو أحرق - أعماله كلَّها. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾: أي مثل ذلك البيان الواضح، يوضح الله لكم الآيات، لكي تتفكروا وتعتبروا بما فيها من العظات وتعملوا بموجبها.

стр. 479

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ المفردات: ﴿مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾: مِن حلال ما كسبتم وخياره. ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾: أي ومن طيبات ما أخرجناه لكم من باطن الأَرض من النبات والحبوب والثمار والمعادن وغيرها. ﴿وَلَا تَيَمِّمُوا الْخَبِيثَ﴾: لا تقصدوا - بما تنفقون - الرديءَ والحرام. والتيمم في اللغة: القصد. ﴿أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾: الإغماض في اللغة، غض البصر. مأْخوذ من الغموض، وهو الخفاءُ. والمراد هنا: أن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه. ﴿حَمِيدٌ﴾: محمود على نعمه، أو حامد أي مكافيءٌ لمن أنفق في سبيله من الطيبات. التفسير ٢٦٧ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ … ﴾ الآية. سبب النزول: روى الحاكم في المستدرك - وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم - أن النبي ﷺ أمر بزكاة الفطر، فجاءَ رجل بتمر رديءٍ، فنزلت الآية. وروى ابن أبي حاتم والترمذي، عن البراء بن عازب - في الآية - قال: "نزلت فينا معشرَ الأنصار: كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأْتي من نخله على

стр. 480

قدر كثرته وقلته. وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين (١)، فيعلقه بالمسجد. وكان أهل الصُّفَّة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو، فضربه بعصاه، فيسقط البسر والتمر فيأْكل. وكان ناس ممكن لا يرغب في الخير، يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف - والشيص: رديُّ التمر. والحسف: أَردأُ التمر - وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾: قال: لو أن أحدكم أُهدي إليه مثل ما أَعْطَى، لم ياخُذْه إلا على إغماض أو حياءٍ، قال: فكنا بعد ذلك، يأتي أحدنا بصالح ما عنده". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من جيِّد ما كسبتم وحلاله، وأنفقوا من طيبات ما أخرجه الله لكم من جوف الأرض، سواء كان من النبات، أم المعادن، أم غير ذلك. ولا تقصدوا بالرديء من أموالكم، أو الحرام منها لتُنْفِقُوا منه. ﴿وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾: أي أنكم لو أعطاكم أحد من هذا الصنف، ما قبلتموه ولا أخذتموه إلا تساهلا في بعض حقكم. فأعطوا الناس مثل ما تحبون أن تأخذوه. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾: فلا يدعوكم إلى الإنفاق في سبيله لحاجة أو عوز، ولكنه يأمركم به لمنفعتكم. وأنه مستحق للحمد لأنه هو الذي يرزقكم هذه الأموال، ويثيبكم على ما أنفقتموه منها. ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾. المفردات: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾: يخوفكم من الفقر إذا أنفقتم شيئا من الأموال أو الثمرات.

стр. 481

والوعد: يستعمل في الخير أكثر من الشر، وهو هنا، مستعمل في الشر، كما في قوله تعالى: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١). ﴿وَيَامُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ﴾: أي ويحضكم على البخل بالصدقات. فالمراد بالفحشاء هنا: البخل. والعرب تطلق كلمة الفاحش: على البخيل. ومنه قول طرفة بن العبد: أرى الموتَ يعتام الكرام ويصطفي … عقيلة مال الفاحش المتشدد (٢) وقيل: المراد بالفحشاء، جميع المعاصي. ﴿وَفَضْلًا﴾: أي زيادة في الرزق، أو ثوابا في الآخرة، أو الأمرين جميعا. ﴿وَاسعٌ﴾: أي صاحب سعة. والمراد بها هنا: سعة النعمة والمغفرة. التفسير ٢٦٨ - ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ … ﴾ الآية. لما رغَّب الله تعالى عباده في الإنفاق من أجود ما يملكون، حذَّرهم بعد ذلك من وسوسة الشيطان فقال: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾: أي يقول لكم إن تصدقتم افتقرتم. ﴿وَيَامُرُ كُم بِالْفَحْشَاءِ﴾: أي يحضكم على البخل بأموالكم وحبسها عن وجوه البر، لتبقى لكم، فتظلوا أغنياء، ويعرضكم بوساوسه هذه للبعد عن رضا الله ورحمته. ﴿وَاللهُ يَعِدُكُمْ﴾: على الإنفاق في سبيله. ﴿مَغْفِرَةً مِّنْهُ﴾: لذنوبكم. ﴿وَفَضْلًا﴾: أي زيادة في الخير لكم بالبركة في المال، والسعة في الرزق، والثواب في الآخرة. فلا تثقوا بوعد الشيطان، ولا يغرنكم بالله الغرور، فإنه عدوٌّ لكم، وثقوا بوعد الله فإنه ربكم وهو أرحم بكم، وأعلم بما فيه صلاحكم. ﴿وَاللهُ وَاسِعٌ﴾: يسع بمغفرته وفضله من أطاعوه فيما أمر، وانتهوا عما حذر منه وأنذر. ﴿عَلِيمٌ﴾: بكل شيءٍ، فلا يخفى عليه من أطاع شيطانه وهواه، ومن امتثل أوامر مولاه.

стр. 482

﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ المفردات: ﴿الْحِكْمَةَ﴾: هي إصابة الحق، في قول أو فعل أو راي. وهي من الملكات النفسية العليا، التي يمنحها الله من هو أهل لها. التفسير ٢٦٩ - ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ … ﴾ الآية. أي: يعطي الله فضل التمييز بين الحق والباطل، من يشاء من عباده الأخيار، فيختار الحق ويعمل بمقتضاه، ويذر الباطل ويبعد عن طريقه. ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: ومن يعطه الله نعمة التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والصواب والخطإ يبعده عن المعاطب، ويصل به إلى السلامة والنجاة. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: وما يتفكر كما يتفكر أهل الحكمة، أو يتعظ اتعاظهم، إلا أصحاب العقول الخالصة، مِن شوائب الغباء والجهل، ومتابعة الهوى، ووساوس الشيطان. ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)﴾ المفردات: ﴿مِن نَّفَقَةٍ﴾: النفقة، ما ينفقه الإِنسان من المال في خير أو شر.

стр. 483

﴿مِن نَّذْرٍ﴾: النذر، هو ما يوجبه الإنسان على نفسه، من غير أن يلزمه الله به قبل نذره، ثم يصير - بالنذر - واجب الأداءِ شرعًا. التفسير ٢٧٠ - ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْنَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ … ﴾ الآية. هذه الآية مسوقة للحث على تنقية النفقات والنذور، وتخليصهما من شوائب الشر. ومعناها: وما أنفقتم - أيها المكلفون - من نَفَقَةٍ قليلة أو كثيرة، أو نذرتم من نذر هَانَ أو عظُم، فإن الله يعلمه بجميع أحواله وأوصافه، من طيِّب أو خبيث، قلّة أو كثرة، ابتغاءَ وجه الله به، أو ابتغاء وجه سواه، وتوجيهه إلى ما يرضى الله أو ما يغضبه، ويجازيكم عليه. ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾: الذين يضعون الأُمور في غير مواضعها، ويبذلون المال في غير وجوهه المشروعة، ويضنون به على مستحقيه. ﴿مِنْ أَنصَارٍ﴾: يمنعونهم من عذاب الله على ظلمهم. ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾ المفردات: ﴿إن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾: إن تظهروها بحيث يراهم الناس لقتدوا بكم. ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾: فنعم شيئا هذه الصدقات التي أبديتموها. وفي الكلام مضاف مقدر، أي: فنعما إظهارُها.

стр. 484

التفسير ٢٧١ - ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ … ﴾ الآية. أي إن تظهروا الصدقات المفروضة أو المقطوع بها - وأنتم تدفعونها لمستحقيها من المحتاجين - فنعم شيئًا إظهارها، لما فيه من نفي تهمة البخل عنكم، وحمل الغير على الاقتداء في التصدق بكم. ﴿وَإِن تُخْفُوهَا﴾: أي تسترونها عن أعين الناس، ابتعادًا عن مظنّة الرياء والنفاق، وحماية لآخذيها من موقف الذلّ والهوان أمام الناس. ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾: أي تعطوها من يستحقها من الفقراء، بعد التأكد من فقرهم بالتحري عنهم، لتقع الموقع الشرعي المطلوب. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: فالإخفاء خير لكم وأفضل عند الله من الإظهار. ﴿وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾: ﴿مِنْ﴾: بمعنى بعض. أي والله يكفر عنكم بعض ذنوبكم، فإن الصدقات يُكفِّرُ بها بعض السيئات، لا جميعها. وقد دلت هذه الآية، على أن الصدقة سرًا، أفضل من الصدقة علَنًا. قال الآلوسي: والأكثرون على أن هذه الأفضلية فيما إذا كان - كل من صدقني السر والعلانية - تطوعًا مِمَّنْ لم يعرف بمال "أي لم يعرف بغنى" وإلا فإبداءُ الفرض لغيره "أي لغير المتطوع المذكور" أفضل لنفي التهمة، وكذا الإظهار أفضل لمن يقتدي به وَأَمِنَ نَفْسَه. انتهى. وعن ابن عباس ﵁ "صدقةُ السِّر في التطوع تفضل على علانيتها سبعين ضعفًا، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفًا، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها" انتهى.

стр. 485

وفضل صدقة السر على صدقة العلانية، يؤيدها ما رواه الشيخان مرفوعًا أنه ﷺ قال: "سبعة يُظِلُّهم الله تعالى في ظلِّهِ يوم لا ظلَّ إلا ظله: إمام عَدْل، وشابٌّ نشأ في عبادة الله، ورجلٌ قلبه معلَّق في المساجد، ورجلان تحابَّا في الله: اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجلٌ دَعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ منصب وجمال فقال: إني أَخافُ الله، ورجلٌ تَصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلمَ شِمَالُه ما تنفقُ يمينهُ، ورجلٌ ذكر اللهَ خاليا ففاضَتْ عَيْناه" (١). وأخرج الطبراني مرفوعًا: "إنَّ صدقَةَ السِّرِّ تُطفِيءُ غَضَبَ الرَّبّ". ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: فهو يعلم جميع أعمالكم سرها وجهرها، ويعلم صدقاتكم ودوافعها. ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾ المفردات: ﴿هُدَاهُمْ﴾: الهدى لغة: الدلالة والإرشاد، وقد يطلق على الاهتداءِ والرشاد، وهو المراد هنا. تقول: هديته فهدى واهتدى أَي أرشدته ودللته فرشد واهتدى. ﴿ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللهِ﴾: طلبا لوجهه سبحانه، والمراد بوجه الله: ذاته، أو جهته. التفسير ٢٧٢ - ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ … ﴾ الآية. كان النبي ﷺ حريصًا على أن يهتدي الناس لما هداهم إليه. وكان يبذل في ذلك أشد الجهد، ويتحمل في سبيله عبئا نفسيًا شديدًا.

стр. 486

فأنزل الله عليه هذه الآية، ليخفف عنه أعباءَه النفسية، ببيان أنه ليس عليه سوى التبليغ. وأَما الاهتداءُ، فمن الله. وأن من أحسن فلنفسه. والآية متوسطة بين آيات الحث على الإنفاق، مبالغة في حمل المخاطبين على الامتثال. وإلى هذا ذهب الحسن وأبو على الجبائي. والمعنى: ليس واجبًا عليك يا محمد، أن تجعل هؤلاء المأمورين بتلك المحاسن، المنهيين عن أضدادها - مهتدين إليها عاملين بها فعلًا، فذلك ليس من شأْنك، ولست مكلفًا به، ولكنه شأْن الله الذي يهدي من يشاءُ إلى الخير، وهم أُولئك الذين اتجهوا باختيارهم إليه، فيعينهم ويوفقهم ويهديهم. واتجه بعض المفسرين إلى أن الضمير في ﴿هُدَاهُمْ﴾ لا يرجع إلى من أُمروا بالنفقة في الآيات السابقة واللاحقة، بل يرجع إلى الكفار، وإن لم يُذْكَروا، مراعاة لسبب النزول. فقد أخرج ابن أبي حاتم وغيره، عن ابن عباس ﵁، أن النبي ﷺ ، كان يأمرنا أَلَّا نتصدق إلى على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية. وأخرج ابن جرير عنه قال: ﴿كان أُناس من الأنصار لهم أنسباء وقرابة. وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم، ويريدونهم أن يسلموا .. فنزلت﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن جبير قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَصَدَّقُوا إلَّا على أَهْلِ دِينِكم" فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾. والمعنى على هذا الرأي: ليس واجبًا عليك أن تُلْجِيءَ هؤُلاء الكافرين إلى الإسلام، إن عليك إلا البلاغ، وقد فعلت، فلا تجعل التصدق عليهم منوطًا بإسلامهم. والآية على هذا، لا تعتبر بعيدة عما قبلها وما بعدها من آيات الإنفاق، إذ هي لإباحة الإنفاق على من خالفنا في الدين. ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾: أي وما تنفقوا في الوجوه المشروعة من مال طيب.

стр. 487

﴿فَلِأَنفُسِكُمْ﴾: لا يعود نفعه إلا عليكم، فلا تنفقوا من الخبيث، ولا تبطلوه بالمَنِّ والأذى، ومراءَة الناس. أو، فلا تمنعوه عن الفقراء من الكفار، فإن نفعكم به ديني، ونفع الكافرين به دنيوي، فلا يُصَدُّ عنهم، لأن الإسلام لا يمنع البِرَّ عن الناس، مهما كان دينهم. ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾: الجملة معطوفة على ما قبلها، أو حال. والمعنى: وما تنفقون من الخير - لسبب من الأسباب - إلا ابتغاء وجه الله، وطلبا لرضاه. وإذا كان أمركم كذلك، فلا يضيركم أن تعطوا منه الفقراء الكفار، فلا تمنعوهم إياه، فإن لكم ثوابه. ويجوز أن يكون النفي فيها بمعنى النهي، أي لا تنفقوا الخير إلا لوجهه تعالى، لا رياءً ولا لغرض من الأغراض الدنيوية. (١). ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ التوفية: إكمال الشيء. أي وما تنفقوا من خير تُعْطَوْن جزاءَه وافرًا وافيًا، فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه، على أن يكون على أحسن الوجوه وأجملها. وقيل: المعنى: يوف إليكم خلفه في الدنيا، ولا ينقص به من مالكم شيء. نقول: ولا يمنع هذا الثواب الآخرة. ﴿وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾: أي لا تنقصون شيئا مما وُعدتم به من الثواب.

стр. 488

وفي الآية: دليل على جواز دفع صدقة التطوع للكافر. أما الصدقة المفروضة في المال والزرع ونحوها -أي الزكاة- فلا يجوز دفعها له. ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾. المفردات: ﴿أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾: حبسوا في سبيله تعالى بالجهاد، أو العمل في مرضاته. ﴿ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾: سَعيا فيها للتكسب. ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾: من أجل تعففهم وامتناعهم عن السؤال. ﴿تَعْرِفُهُم بِسِمَاهُمْ﴾: أي بعلامتهم كرِقَّةِ الحال، أَو صُفْرَةِ الوجه أَو نحوهما. ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾: لا يسألونهم -ملحين في السؤال- حتى يعطوا. التفسير ٢٧٣ - ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ … ﴾ الآية. سبب النزول: نزلت في أهل الصفة، وكانوا نحو ثلاثمائة من فقراء المهاجرين يسكنون سقيفة مسجد المدينة، يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والجهاد، وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله ﷺ . قاله ابن عباس ومحمد بن كعب القُرَظي.

стр. 489

وعن سعيد بن جبير: هم قوم أصابتهم الجراحات في سبيل الله، فصاروا زَمْنَى، فجعل الله لهم في أموال المسلمين حقًّا. نقول: والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فكل من كان على مثل حالهم، يستحق الصدقة. وكذا. كل من كان كسبه لا يكفيه. ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾: أي اجعلوا صدقاتكم للفقراء الذين حبسهم عن التكسب العملُ في سبيل الله، كالجهاد وطلب العلم؛ لأنهم بسبب ذلك - لا يستطيعون سعيًا في الأرض للتكسب وجلب الرزق. ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾: أي يظنهم من لا يعرف حالهم - أغنياء: لا يستحقون الصدقة من أجل تعففهم، وامتناعهم عن السؤال. ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾: أي تعرف فقرهم بعلامتهم الملازمة لهم، المنبهة لفقرهم. وهي صفرة الوجوه، والجهد والانكسار ونحو ذلك. والخطاب في ﴿تَعْرِفُهُمْ﴾ عام للرسول ﷺ وغيره ممن يَنْظُر حالهم. ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾: أي لا يسألون الناس مُلِحِّين في السؤَال، كعادة الفقراء. والمراد: أنهم لا يسألون الناس أصلا، كما قاله ابن عباس. ومن أجل ذلك جُهِل حالهم، ولم يُعْرَفوا إلا استنباطا من علاماتهم. فالنفي هنا موجه، للأمرين جميعًا: السؤال، والإلحاح. وإلى هذا ذهب الفراءُ، والزجاج، وأكثر المفسرين. وقيل المراد، أنهم لا يسألون، وإن سألوا عن ضرورة - لم يلحوا. والأول هو الراجح.

стр. 490

﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾: فيجازيكم عليه؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، وهو ترغيب في الإنفاق عمومًا، وعلى هؤلاء خصوصًا. أخرج البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ المسكين الَّذي تردُّهُ التمرةُ والتَّمرتان، واللُّقمةُ واللُّقمتان، إنما المسكين الذي يَتعفَّفُ، واقرءوا إن شئتم قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُون النَّاسَ إِلْحَافًا﴾. … ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾. التفسير ٢٧٤ - ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً … ﴾ الآية. لما بين الله في الآية السابقة أَوْلَى الناس بالصدقة، بيَّن في هذه أَكْملَ وجوه الإنفاق. سبب النزول: أخرج ابن المنذر، عن ابن المسيب: أن الآية نزلت في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، في نفقتهم في جيش العسرة. وَرُوِيَ غَيْرُ ذلك.

стр. 491

والآية عامة الحكم، وإن نزلت بسبب خاص. (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ): أي في جميع الأوقات، فلا يخصون وقتا دون وقت. (سِرًّا وَعَلَانِيَةً): أي في جميع الأحوال، فلا يلتزمون حالا معيَّنَةً. (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ): اللائق بهم. (عِندَ رَبِّهِمْ): في دار كرامته. (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ): من لحوق مكروه بهم. (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ): على فوت شيءٍ من مطالبهم. وفي تقديم: الليل على النهار، والسر على العلانية، إشعار بأن إخفاء الصدقة أولى من إظهارها. وفي الآية: حثٌّ لأهل الغني واليسار، على الإنفاق في جميع الأوقات والأحوال، وترغيبٌ لهم -في ذلك- بما وعدهم الله من الأجر العظيم عنده في دار كرامته. كما أن فيها إشعارا -عن طريق المفهوم- بأن البخلاء محرومون من هذا الأجر الجزيل، وأنهم عرضة للخوف والحزن. روى أن عمر بن الخطاب ﵁، لما استُخْلِفَ - خطب الناس فَحمِدَ اللهَ وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس: إن بعضَ الطمعِ فقرٌ، وإن بعضَ اليأسِ غنى، وإنكم تَجمعونَ ما لَا تأكلونَ، وتُؤمِّلُونَ ما لا تُدرِكونَ، واعلموا أَنَّ بعضا من الشح شعبة من النفاق، فأنفقوا خيرًا لأنفسكم، فأين أصحاب هذه الآية؟ وقرأ هذه الآية الكريمة التي نحن بصدد تفسيرها.

стр. 492

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾. المفردات: (الَّذِينَ يَأكُلُونَ الرِّبَا): المراد بأكله، الانتفاع به، عبر به عنه لأنه أهم ما قصد به. والربا لغة: الزيادة. وشرعا: مال زائد في معاوضة -مبادلة- مالية ليس له ما يقابله. (يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ): يمسه بالأذى -قاله صاحب القاموس- وهو كما قال الآلوسي: ضربات متوالية على أنحاء مختلفة. ثم تُجَوِّزَ به عن كل ضرب غير محمود. (فَانتَهَى): أي كَفَّ عن الربا. (يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا): يذهبه ويهلكه - أو المعنى يهلك المال والربح الحرام. (وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ): أي يزيد ثوابها، أو يزيد المال الذي أُخرجت عنه. (كُلَّ كَفَّارٍ): كل مبالغ في الكفر بإقامته عليه. (أَثِيمٍ): منهمك في ارتكابه الإثم. التفسير ٢٧٥ - ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ … ﴾ الآية. بعد أن بين الله فضل الإنفاق، ومدِّ يد المعونة إلى الفقراء والمحرومين - أتبعه ذم أهل الربا: الذين يمتصون دماء الناس بدلاً من معاونتهم والإشفاق عليهم.

стр. 493

والمعنى: الذين يأخذون الربا ويتصرفون فيه: بأي وجه من وجوه التصرف: أكلاً أو غيره مثلهم - في جشعهم وحرصهم على تشمير أموالهم، وشدة تفكيرهم فيها وتحركهم في اكتسابها، والكَلَبِ عليها - كمثل الذي يتخبطه الشيطان، ويصرعه بسبب مَسِّهِ له، فهو دائم الحركة كالمسعور والمجنون. وتأويل الآية بهذا الوجه، هو رأي ابن عطية. وعلى هذا النحو. يقول الناس فيمن يسرع بحركات مختلفة: فلان كالمجنون. ويرى غير ابن عطية أن الآية على معنى: أن من يأكلون الربا لا يقومون من قبورهم -يوم القيامة- إلى كالمجانين الذين يتخبطهم الشيطان من المس. مُستدلين بنحو ما أخرجه الطبراني عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إياك والذنوب التي لا تُغفَر: الغُلولَ .. فَمَن غلَّ شيئا أتَى به يوم القيامة، وأَكْلَ الربا، فمن أَكَلَ الربا بُعِثَ يوم القيامة مجنونا يتخبط" ثم قرأ الآية، قالوا: ولعل ذلك جعل علامة له يعرف بها في ذلك اليوم الرهيب. وممن نسب إليه القول بذلك ابن عباس، وابن مسعود وقتادة، واختاره الزجاج. ومس الشيطان الذي يحدث به التخبط يحتمل أن يكون الوسوسة الدائمة، فإنها تنتهي إلى الجنون، ومن إطلاقه على الوسوسة قوله تعالى: " … إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ" (١) أو أن يكون ضربًا من اللقاء الجسدي بينه وبين من يمسه من الإنس، يحدث به الاختلاط والجنون، كما يقوله المعنيون بهذا الضرب من العلم. والمعنى الأخير، هو المعروف عند العرب، ومن ذلك ما قالته قريش فيما عرضوه على النبي ﷺ ليكف عن التعرض لآلهتهم وتسفيه أحلامهم "وإن كان الذي يأتيك رئيًّا أي -جنيًّا- قد غلب عليك، بَذَلنا أموالنا في طلب الطب لك، حتى نُبْرئَكَ أَو نُعْذَرَ فيك". (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا): الإشارة في (ذَلِكَ) راجعة إلى أكلهم الربا، يعني أنهم استحلوا الربا وأكلوا وانتفعوا به، بسبب أنهم جعلوه مثل البيع في الحل؛ لاتفاقها في المعارضة والزيادة من أحد الجانبين. فكما أنه يحل ببيع ما قيمته أربعة دراهم بخمسة، فكذلك يحل ببيع أربعة

стр. 494

دراهم بخمسة، وقد أخطأوا في الحكم تبعًا لخطئهم في القياس، على ما سنبينه. وإنما قالوا: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) ولم يقولوا: إنما الربا مثل البيع، لإرادة المبالغة، كأنهم جعلوا الربا أَصْلا للحِل، وشبَّهُوا البيع به في الحكم كما في قول الشاعر: ومَهمَه مُغبَّرةٍ أرجاؤه … كأن لونَ أَرضه سماؤه (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا): هذه جملة مستأنفة للرد عليهم، والمعنى: وأحل اللهُ البيع وحرم الربا بالنص، ولا يصح القياس مع وجود النص ممن له حق التشريع. وهو الله . والفرق بينهما في الحكم، تابع للفرق بينهما في المقتضى للحكم، فإن من باع ثوبًا قيمته أربعة دراهم بخمسة، فقد جعل الثوب كله في مقابل هذه الخمسة، فلا شيءَ منه إلا وهو مقابل لجزءٍ من الدراهم الخمسة، أما من باع أربعة دراهم بخمسة، فقد أخذ الدرهم الزائد بغير عوض ولا يمكن جعل الإمهال في مقابلته، لأن الإمهال ليس بِمَال حتى يكون في مقابلة المال. فضلاً عن أن الربا يمنع أصحابه عن الاشتغال بالتجارة والصناعة ذات المنافع العامة، ويفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس، فتضيق الحياة عليهم. فلو أن اللهَ أحلَّه كالبيع، لاستَغَلَّ المرابي حاجةَ الناس، وأَكَلَ أموالهم بالباطل، وسدَّ عليهم أبواب الفرج والرحمة. فلذا كان من رحمة الله بأصحاب الحاجات، أن حَرَّم الربا على أصحاب الأموال، حتى يسود التراحم بين الناس … وتلك سنة الإسلام في التشريع. (فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ): أي فمن بلغه موعظة وتذكير في شأن الربا من ربه ومالك أمره، فانتهى عنه، وامتنع من الاستمرار في التعامل به، فله ما تقدم من المال الربوي لا يُسْتَرَدُّ منه، ولا يُقْهرُ على رده. وهذا مذهب الباقر وسعيد بن جبير، في فهم الآية. وقال السدي وغيره، معناها: لا مؤَاخذة على ما أخذه (١)، لا في الدنيا، ولا في الآخرة. وقال القرطبي: هذا حكم من الله لمن أسلم من كفار قريش وثقيف، ومن كان يَتَّجِر هنالك.

стр. 495

ونقول: إن غيرهم ممن أسلم، وكان في كفره مرابيًا، له هذا الحكم أيضًا. (وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ): أي وأمر المنتهي عن الربا إلى الله تعالى: إن شاء ثبَّته على الانتهاء عن الربا لصدق نيته، وإن شاء خذله لعدم الجِدِّ في انتهائه وخور عزيمته. ويجوز أن يكون المعنى: وأمره متجه إلى طاعة الله، كما تقول: وأمره في نُمُوٍّ وإقبال إلى الله وطاعته. وأجاز بعضهم عود الضمير على الربا، أي وأمر الربا إلى الله تعالى في العفو عنه، وإسقاط التَّبِعَة عليه. (وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ): أي ومن عاد إلى الربا مستحلاً له، قائلاً: إن الربا مثل البيع في الحل، لأنه عَمَلٌ تجاري مثله، فأُولئك العائدون المستحلون أصحاب النار، الملازمون لها، هم فيها خالدون لا يخرجون منها أبدًا؛ لأن من استحل ما حرمه الله نَصًّا ومدلولاً. فهو كافر بالإجماع. والكافر خالد في النار أبدًا. وإن جعلنا الآية في مسلم يقول بحرمة الربا، ولكنه يعصي ربه باستدامة التعامل به بعد التوبة -فالمراد بالخلود هنا: المكث الطويل، كما تقول العرب "خَلَّد اللهُ ملكك" أي أبقاك أمدًا طويلًا. ٢٧٦ - ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ … ﴾: أراد الله أن يوقف سيل الطمع في نُمُوِّ المال عن طريق الربا، وأن يفتح القلوب على الصدقات، فبين عاقبة كليهما، فقال ما معناه: ينقص الله الربا، فَيُذهِب البركةَ من ماله في الدنيا وإن كان كثيرًا، ويجعل عاقبته في الآخرة خسرانًا وعقابًا، ويزيد الصدقات، وينميها في الدنيا بالبركة في مالها، وفي الآخرة بمضاعة الأجر عليها. روى ابن مسعود أنه ﷺ قال: "إنَّ الربا وإن كَثُرَ فعاقِبَتُهُ إلى قُلٍّ (١) ". وروى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
следующие страницы →