← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

التفسير ٢٣٦ - ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً … ﴾ الآية. ﴿أَو﴾ في قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ بمعنى الواو، كما في كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (١) أي وكفورًا. المعنى: لا إثم عليكم أيها الأزواج، إن طلقتم الزوجات قبل الدخول بهن وفرض مهرٍ لهن. أو: لا تبعة عليكم من المال، إن طلقتموهن عند انتفاء مباشرتهن وتقدير مهر لهن. وقيل: ﴿أَو﴾ هنا بمعنى: إلا. والمعنى - على ذلك - ولا تبعة عليكم من المال عند عدم الدخول بهن، إلا أن تفرضوا لهن فريضة من المهر. ولكن ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو، هو الأنسب، لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾: فإن المعنى: ومتعوا المطلقات عندما يجتمع لهن أمران، عدم الدخول بهن، وانتفاءُ تقدير مهر لهن: على الغني ما يقدر عليه، وعلى الفقير ما يقدر عليه. وهذه المتعة، جبر لما أصابهن من الحرمان، وهي واجبة - في هذه الحالة - عند كثير من فقهاء السلف، ومنهم علي بن أبي طالب، وابن عمر، وسعيد بن جبير، والزهري وغيرهم، وقال بعض الفقهاء: إنها مندوبة. فالآية ظاهرة في الرأي الأول. أما غيرهن من المطلقات: فالمتعة مندوبة في حقهن عند الجمهور. وقال مالك وأصحابه: المتعة مندوبة في كل مطلقة - وإن دخل بها - إلا في التي لم يدخل بها، وقد فرض لها - فحسبها ما فرض لها، وهو نصف المهر المسمى. ولا متعة لها.

стр. 422

وليس للمتعة حَدٌّ معروف في الكتاب أو السنة. ولكنها - على ما قال الله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾: وقال ابن عمر: أدنى ما يجزيءُ في المتعة ثلاثون درهمًا. ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾: أي تمتيعًا بما عرف حسنه شرعًا ومروءة. ﴿حَقًّا﴾: ثابتًا على من ينبغي له أن يحسن إلى نفسه - وهو المكلف - بالمسارعة إلى الامتثال. وإطلاق وصف ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ على المكلفين، للترغيب والتحريض. ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ التفسير ٢٣٧ - ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِ يضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ … ﴾ الآية. هذه الآية مسوقة لبيان حكم من سُمِّي لها مهر. والمعنى: وإن طلقتموهن، من قبل الدخول بهن - الحال أنكم قد فرضتم لهن صداقًا معلومًا - فواجب عليكم أن تؤدوا نصف ما فرضتم لهن.

стр. 423

﴿إِلَّا أَن يَعْفُونَ﴾: يعني: أن هؤُلاء المطلقات - قبل الدخول، وقد سمى لهن صداق - يجب لهن نصفه إلا في حال عفوهن، وتجاوزهن عنه، أو عن بعضه للزوج الذي أوقع الطلاق. ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: المراد بهذا: الزوج. فهو الذي بيده أمر عقد النكاح، إن شاءَ أبقاه، وإن شاء أبطله بالطلاق. ومعنى عفوه: أن يترك - تكريمًا - ما يعود إليه من نصف المهر الذي ساقه كله إلى من طلقها، أو يعطيه إليها إن لم يكن أعطاه من قبل. وقيل: المراد بمن بيده عقدة النكاح: هو ولي المرأة المطلقة الذي لا تتزوج إلا بإذنه، فإن له العفو عن نصف مهر البكر إذا طلقت، وإن لم تبلغ الحيض. والتفسير الأول وهو المأْثور. وبه قال جمع من الصحابة. وهو الأَنسب لقوله تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾: الخطاب هنا للرجال والنساء، على ما رآه ابن عباس. أي وأن تعفو المطلقات عن حقهن في النصف، لأن الأَزواج لم يدخلوا بهن، وأن يعفو الأَزواج بالزيادة على النصف، جبرًا لخاطر المطلقات قبل الدخول - أقرب للتقوى. والباديءُ بالفضل أكرم. فإن إسقاط حق الغير، ليس من التقوى. (وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ): أي لا تجعلوا الفضل بينكم كالشيء المنسي، بأن تتركوا التعامل به بينكم. والفضل - كما قال مجاهد - إتمام الرجل الصداق كله، أو ترك المرأة النصف الذي لها. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: أي بجميع أعمالكم ومجازيكم عليها. ثم عقب هذا، بالأمر بالمحافظة على الصلاة، لأَنها تنهى عن الفحشاءِ والمنكر، وتوجب العمل بما تقدم من التكاليف.

стр. 424

﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ المفردات: ﴿الْوُسْطَى﴾: تانيث الأَوسط، وهي الفضلى، ووسط الشيءِ: خيره وأعدله. ﴿قَانِتِينَ﴾: القنوت، الطاعة والعبادة. وأصله الدوام على الشيءِ. ومن هنا سمى المداوم على الطاعة: قانتًا. التفسير ٢٣٨ - ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾: المعنى: أمر الله بالمحافظة على الصلاة في هذه الآية الكريمة، فأصبح الناس - بهذا الأمر الكريم - مكلفين بتنفيذه: وقتًا فوقتًا. والمحافظة عليها، تقتضي أداؤُها في أوقاتها: مستكملة لأركانها وشروطها: مشتملة على الخشوع والخضوع حين أدائها، تعظيمًا لله - تعالى - الذي يقف المصلي بين يديه، حتى تأتي بالغاية المنشودة التي شرعت من أجلها، وهي أنها تنهي عن الفحشاء والمنكر، فإن العبد فيها يناجي ربه، ويقف بين يديه خمس مرات في اليوم والليلة. فإذا كان خاشع القلب فيها - استحيى أن يقف بين يدي مولاه عاصيًا. وأمر أيضًا: بالمحافظة على الصلاة الوسطى. ورجح بعض العلماء أنها صلاة العصر، لما أخرجه مسلم، عن علي - كرم الله وجهه - أنه ﷺ قال يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم نارًا". وخصت بالذكر، لأَنها تقع وقت اشتغال بعض الناس - ولا سيما العرب - أو وقت الراحة والكسل، بالنسبة إلى طائفة أخرى من الناس. وسميت الصلاة الوسطى، لتوسطها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل.

стр. 425

وقيل: المراد بالوسطى: المتوسطة كيفية: بين الإفراط والتفريط، حتى لا يمل الناس الصلاة إن أفرطت في الطول، ولا تكون كنقر الغراب إن فرط في كيفيتها. ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾: القيام هنا، مراد منه: الاهتمام والتشمير عن ساعد الجد، من قولهم: قام فلان بالأمر خير قيام، إذا أداه أحسن أداءٍ. أي: شمروا عن ساعد الجد في الصلاة، لأجل الله وحده، بلا رياء ولا سمعة، خاضعين لله خاشعين. ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾ المفردات: ﴿خِفْتُمْ﴾: الخوف، الفزع من أي مصدر يبعث عليه. ﴿فَرِجَالًا﴾: جمع راجل، أي فَصَلُّوا راجلين. ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾: جمع راكب، أي راكبين على الإبل وغيرها، مما يركب، كالمصفحات والدبابات وغيرها. التفسير ٢٣٩ - ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا … ﴾ الآية. لما أمر الله - في الآية السابقة - بأداء الصلاة يف حال القنوت، وهو السكينة والخشوع: حيث يكون الأمن والطمأنينة، أتبعه ببيان أدائها حال الخوف الطارئة، للإيذان بأنها لا تسقط عن العبد، بأي حال. والمعنى: هذه الصلاة المبينة في الآية، رخصة لنا في حال الخوف، سواءٌ كان سببه عدوًّا مقاتلا مسايفًا، أو كان سبعًا، أو عدوًّا يتبعه ليسرقه أو يقتله، أو سيلا يخاف الغرق منه، أو نحو ذلك.

стр. 426

ففي كل هذه الأحوال، يصلي الخائف فردًا بلا جماعة، سواءٌ أكان راجلًا أي ماشيًا على قدميه، أم كان راكبًا على أية وسيلة من وسائل الركوب، كالدواب وما استحدثه المخترعون من وسائل الانتقال المختلفة: برًّا وبحرًا وجوًّا، وتكون قبلته حيثما توجه، ويتقلب ويتصرف - بحسب نظره - في نجاة نفسه. ولا يلزمه ركوع ولا سجود إذا كان هذا يضره، ويكفيه عنهما الإيماء بالرأس، بطريقة لا تعرضه للتهلكة. أما الصلاة التي يكون فيها إمام، وينقسم فيها الناس، فهي غير هذه، وسيأْتي بيانها في سورة النساء، في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (١). ولا ينقص عدد ركعات صلاة الخوف عن صلاة المسافر، وهي ركعتان في الرباعية، واثنتان في الصبح، وثلاث في المغرب. هكذا قال مالك، والشافعي، وجماعة من العلماء. وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وغيرهما: يصلي ركعةً إيماءً. روى مسلم، عن بكير بن الأخنس عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "فرض الله الصلاة على لسان رسول الله ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة". وضعف هذا الرأي، بأن الأخنس انفرد بهذا الحديث، وليس بحجة عند الانفراد. والصلاة أولى ما يحتاط فيه. ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾: أي فإذا زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة، فاذكروا الله بالشكر، لأجل تعليمه إياكم مالم تكونوا تعلمونه، من صلاة الخوف التي وقع بها الإجزاءُ، ولم تفتكم صلاة من الصلوات، فإن صلاة الخوف المذكورة: هي التي لم يكونوا يعلمونها من قبل. وهذا كما يقول لك قائل: اشكر معلمك كما علمك. أي لأجل ما علمك من العلم، فالكاف للتعليل.

стр. 427

وقيل إنها للتشبيه: والمعنى: فاذكروه تعالى بأن تشكروه شكرًا يماثل تعليمه إياكم ما لم تكونوا تعلمونه من الشرائع، وكيفية الصلاة: حالتي الأمن والخوف. والمعنى الأول أنسب. ويجوز أن يكون المعنى: فإذا زال خوفكم، فصلُّوا لله صلاة الأمن، كما علمكم من شأنها ما لم تكونوا تعلمون على لسان نبيه، حيث عرفتم كيفيتها منه، ولم يكن لكم بها علم قبل هذا. والكلام جار مجري الامتنان من الله عليهم بذلك، فقد كانوا من قبل يعبدون الأوثان ولا يعرفون هذه العبادة. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾ التفسير ٢٤٠ - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ … ﴾ الآية. الربط: بعد أن ذَكَّر الله المؤمنين بوجوب المحافظة على الصلاة: في حالتي الأمن والخوف، عاد إلى ذكر أحكام أُخرى لمن توفى عنهن أزواجهن من النساءِ. وتوسيط الصلاة - بين تلك الأحكام المتجانسة - لأَنها أهم وسيلة في تقوى الله: التي تقتضي تنفيذ هذه الأحكام. المعنى: والذين يتوقَّعون قرب الوفاة منكم أيها المسلمون، ويتركون بعدهم زوجات: كتب الله عليكم أيها الأَزواج - قبل الاحتضار - وصية لهن: بأن يُمتعن بعدكم - بالنفقة

стр. 428

والسكنى - إلى نهاية عام كامل بَعْدُ الوفاة، غير مخرجات من مساكنهن طيلة الحول، أي لا يخرجهن منه أَولياءُ الميت. وسيأتي مزيد بيان لذلك، بعد الفراغ من شرح الآية. ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ﴾: يعني: فإن خرجن باختيارهن من مسكن عدة الوفاة - قبل تمام الحول - فلا إثم على أحد من ولي أو حاكم أو غيره - فيما فعلن في أنفسهن من معروف لا ينكره الشرع، كالتطيب والتزين للخطَّاب وترك الحداد، أو لا إثم عليكم في ترك منعهن عن الخروج، أو قطع النفقة عنهن. وقد دلت الآية: على أنهن كن مخيرات بين ملازمة المسكن حولا وأخذ النفقة فيه، وبين الخروج وتركها. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: أي والله قوي غالب على أمره ينتقم ممن خالف شيئًا من هذه الوصايا والأحكام. ﴿حَكِيمٌ﴾: يرعى مصالح عباده. وقد دلت هذه الآية: على أن المتوفَّى عنها زوجها: تتربص في بيت زوجها عامًا كاملًا، ينفق عليها فيها، من مال المتوفى. وظاهر ذلك: أنها منافية لما سبق تفسيره من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. وقد ذهب جماعة في التوفيق بينهما: إلى أن هذه منسوخة بالتي قبلها. فهي - وإن تأخرت تلاوة - فهي متقدمة في النزول على الآية السابقة. وقالوا في كلامهم: إن المتوفى عنها زوجها: كانت تجلس في بيته حولًا، وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل، فإن خرجت لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة

стр. 429

عنها، ثم نسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر، ونسخت النفقة بالربع والثمن في سورة النساءِ. قاله ابن عباس، وقتادة، وغيرهما. وذهب آخرون إلى عدم النسخ، وسلكوا طريقًا آخر في التوفيق بينهما. قال الطبري عن مجاهد: إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها. والعدة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشرًا. ثم جعل الله لهن وصية منه: سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة - هي تمام الحول - فإن شاءَت المرأة سكنت في وصيتها، وإن شاءَت خرجت. وتلك الوصية - على سبيل الإحسان والندب - قائمة لم تنسخ. قال القرطبي: ما ذكره الطبري عن مجاهد، صحيح ثابت. خَرَّج البخاري عن مجاهد: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قال: كانت هذه العدة، تُعْتَد عند أهل زوجها واجبًا (١) فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ إلى قوله: ﴿مِن مَّعْرُوفٍ﴾ قال: جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية: إن شاءَت سكنت في وصيتها وإن شاءَت خرجت. وهو قول الله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾ المفردات: ﴿مَتَاعٌ﴾: المتاع، ما يمنحه الأَزواج للمطلقات، تطييبًا لنفوسهن.

стр. 430

التفسير ٢٤١ - ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ … ﴾ الآية. أي لجميع المطلقات - سواءٌ كن مدخولا بهن أم لا - متاع. وينقسم هذا المتاع إلى قسمين: واجب، ويكون للمطلقة قبل الدخول، ولم يكن سمى لها مهر. وقد مرَّ بيانه في الآية (٢٣٦) من سورة البقرة. ومندوب: في غيرها. وأَوجبه - في الجميع - سعيد بن جبير، وأبو العالية الزهري. وقيل: المراد بالمتاع: نفقة العدة للمعتدات. ومعنى كون هذا المتاع ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: أي يكون حسب العرف بين الناس، وبحيث يكون على نحو ما قال الله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (١). ثم أكدت الآية الكريمة هذه المتعة فقالت: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾: أي: متاعًا قد حقه الله وأثبته على المتقين لربهم، المسارعين إلى امتثال أمره - تعالى -. والتعبير بقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ مع أنه حق على الجميع، قصد منه: الترغيب في البذل والإحسان، وترقيق القلوب: بالإيذان بأنه من الطاعات التي يتحلي بها المتقون، ويحفظون بها أنفسهم من عقاب الله. ٢٤٢ - ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: مثل هذا البيان الواضح، لأحكام النكاح، والطلاق، والعدة بأنواعها، والمتعة، وغير ذلك - يبين الله لكم آياته - كلها - في شريعته، لكي تدركوا أسرارها، وتعقلوا أغراضها، فتنفذوها عن يقين واقتناع.

стр. 431

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ التفسير ٢٤٣ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ … ﴾ الآية. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: كلمة تُذكَر لمن يعلم ما بعدها، لتعجيبه وتذكيره، وتقرير موضوع التعجيب بأهل الكتاب، وقراء التاريخ. وتُذكَر - أيضًا - لمن لا يكون له علم بذلك، لتعريفه وتعجيبه، وللتقرير كذلك. وقد اشتهرت في خطاب من لا يعلم، حتى أُجريت فيه مجرى الأمثال، بأن يشبه حال من لم ير الشيءَ بحال من رآه، في: أنه لا ينبغي أن يخفي عليه، وأنه ينبغي أن يتعجب منه. ثم أجرى الكلام معه كما يجري مع من رأي، قصدًا إلى المبالغة في شهرته. والخطاب فيه هنا، لمن يعلم ولمن لا يعلم ويتأَتى منه العلم، للأَغراض السابقة. والرؤية فيه علمية، وتعدت بإلى في قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ لتضمينها معنى الوصول والانتهاءِ. والمعنى: ألم ينته علمك إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم أُلوف - وكانوا فوق عشرة آلاف - لأن العشرة فما دونها جمع قلة، فيقال فيها: آلاف، ولا يقال أُلوف، إلا لجمع الكثرة، الذي يزيد على العشرة ..

стр. 432

ولذا، روى عن ابن عباس: أنهم كانوا أربعين ألفًا، كما في بعض الروايات عنه. وكان خروجهم بهذه الكثرة، خوفًا من الموت، حذرًا منه، مع أن الحذر لا يمنع القدر، فإذا جاءَ أجلهم معًا - أو متفرقين - لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون. ويرى بعض المفسرين: أَن هذه الآية الكريمة: تنبئنا عن قوم من بني إسرائيل، دُعوا إلى الجهاد في سبيل الله، فخرجوا من ديارهم فرارًا منه، حتى لا يموتوا - مع أنهم كانوا أُلوفا، فلا ينبغي لهم أن يفروا - لأن من عادتهم أن يجبنوا عن القتال، كما حدث عندما أمرهم موسى ﵇ بقتال الجبارين، فقالوا له: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾ (١). فأماتهم الله جميعًا، عقابًا لهم على فرارهم، ثم أحياهم ليبين لهم قدرة الله عليهم، وأنه لا ينفعهم الفرار من القتال، إن كان الموت فيه مكتوبًا عليهم، فقد يموت المرءُ بدون قتال كما حدث لهم. ويقول صاحب هذا الرأي: إنه - تعالى - بعد أن أحياهم، أمرهم بالجهاد بقوله لهم: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (٢) لعلهم يعتبرون بذلك، فيخلصوا في الجهاد. وقال ابن عطية منكرًا لهذا وأمثاله من القصص: وهذا القصص كله لين الأسانيد. وإنما اللازم من الآية أن الله - تعالى - أخبر نبيه محمدًا ﷺ إخبارًا في عبارة التنبيه والتوقيف، عن قوم من البشر، خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت، فأماتهم الله ثم أحياهم ليروا - هم وكل من خَلَفَ من بعدهم - أن الإماتة إنما هي بيد الله - تعالى - لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر. وقد جعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمره للمؤمنين من أُمة محمد ﷺ بالجهاد. هذا قول الطبري. وهو ظاهر معنى الآية.

стр. 433

ويرى الشيخ محمد عبده: أن هذا مَثَلٌ لا قصة واقعية، وأن الموت هنا مجازي. وخلاصة رأيه: أن هؤلاءِ القوم فروا أمام أعدائهم دون قتال، وتركوا أوطانهم غنيمة للأعداءِ، فعاشواء أذلاءَ مشردين، في حياة أشبه بالموت. فلما عرفوا جنايتهم على أنفسهم - عادو إلى جهاد أعدائهم، وتحرير أوطانهم، فاستردُّوا كرامتهم، وعاشوا حياة كريمة جديرة بالمجاهدين الأبطال. ويرى آخرون: أنها تتحدث عن قوم نزل ببلادهم وباءُ الطاعون، فعمها بأَسباب الموت، فظنوا أن فرارهم من هذا الوباءِ، سيكفل لهم النجاة من الموت، فأَماتهم الله عقابًا لهم، فلكل أجل عن الله كتاب وقدر. وقد فاتهم أنهم سينقلون معهم وباء الطاعون، إلى بلاد خالية منه. وتلك جريمة أُخرى. وفي هذا يقول الرسول ﷺ : "إن هذا السُّقم، عُذِّب به الأُمم قبلكم، فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع - بأرض وأنتم فيها - فلا تخرجوا فرارًا منه … " إلخ. أخرجه الإمام أحمد عن عمر. ولِلشَّيخين نحْوهُ. وهذا الإرشاد منه ﷺ مطابق لأحدث النظم الصحية، وهو ما يعرف اليوم بالحجر الصحي. والتعبير بقوله - تعالى -: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾: إما على ظاهره، وإما مجاز عن تعليق إرادة الله تعالى بموتهم دفعة واحدة. وقيل: هو تمثيل لإماتتهم ميتة نفس واحدة، في أسرع زمان، بأمر مطاع لمأمور مطيع. والله يعلم مقدار المدة التي ظلوا فيها أمواتًا. ولكنها لابد متراخية فترة عن إماتتهم، كما يوحي به العطف بثم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾: أي ثم أعادهم الله إلى الحياة مرة أُخرى، بعد فترة موت، ليستوفوا آجالهم، وليؤمنوا بقضاء الله وقدره، وليكونوا عبرة يعتبرون بها هم وغيرهم، وليظهر فضل الله الذي عبر عنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾: بما أَنعم به عليهم من نعمة الخلق، ونعمة البقاء والرزق، وبما يريهم من الآيات الباهرة، والحجج القاطعة، التي تنفعهم في دينهم.

стр. 434

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾: فَضْلَ الله عليهم، بالاعتراف بهذه النعم، والعمل بوجبها. هذا وقد تناول الإصحاح السابع والثلاثون، من سفر حزقيا، هذه القصة. فارجع إليه إن شئت. وكذلك راجع هذا التفسير للآية (٢٥٩) من البقرة. وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنه لا يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأَ من الله إلا إليه، فإن هؤُلاءِ فروا من الموت طلبًا للحياة، فعوملوا بنقيض قصدهم، وجاءَهم الموت من حيث لا يشعرون، وظهر لهم أنهم قد فروا من قضاء الله إلى قضاء الله. ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ المفردات: ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾: السبيل، الطريق، يذكَّر ويؤنَث. وإذا أُطلق، انصرف إلى الجهاد. ﴿يُفْرِضُ﴾: الإقراض، إعطاءُ شخص ما لا لغيره، ليرده إليه بعد حين. ﴿يَقْبِضُ﴾: يُضيِّق على من يشاءُ في الرزق. ﴿وَيَبْسُطُ﴾: يُوسِّع على من يشاءُ. التفسير ٢٤٤ - ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: هذه الجملة معطوفة على جملة ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ من جهة المعنى، فإن ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بمعنى: انظروا وتفكروا.

стр. 435

وإنك لترى الأمر بالجهاد منثورًا في هذه السورة، ضمن آيات الأحكام، مذكرًا به من آن لآخر، لأنه من أشق التكاليف، وعليه يدور بقاءُ هذا الدين، الذي يتربص به أعداؤُه. فلو لم يجاهدوهم لهلكوا، وضاع دينهم. وقد بدأَ الحديث عن الجهاد - في هذه السورة - بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَآءٌ﴾ (١) حتى وصل إلى هذا التكليف الكريم، ثم ينتهي في آخر السورة: بالحث على الإنفاق في سبيله. والخطاب هنا، لأُمة محمد ﷺ . والجهاد في سبيل الله: هو ما كان لإعلاء كلمة الله، فلا يكون الجهاد في سبيل الله، إلا إذا كان همُّ المقاتل ومقصده - إحياء دينه ونشره والدفاع عنه. فإن لم تكن تلك نيته، فإنما يقاتل لأمر دنيوي. ومن كان كذلك، لا يحصل على الثواب العظيم: الذي أعده الله لمن يجاهدون في سبيله. وفي مضمون الآية الكريمة: تحذير لكل مسلم من أن يجبن عن القتالِ حذر الموت، بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: فإن الموت قدر لابد منه. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ (٢). إذ الموت أجل يبلغه المرءُ فيموت: سواءٌ أكان على فراشه، أم كان في حرب ضروس. كما أن فيها رمزًا إلى وعدهم بحسن الجزاء. وكأَنه يقول: واعلموا أنه سميع عليم، فلا يخفى عليه مجاهد أو قاعد. فمن قعد عنه، عوقب أشد العقاب. ومن جاهد، جوزي أعظم الجزاء. ثم حرَّضهم على الإنفاق في سبيل الله بأموالهم، بعد أن أمرهم ببذل أنفسهم، فقال: ٢٤٥ - ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً … ﴾ الآية.

стр. 436

بهذا الأسلوب الاستفهامي البليغ، يدفعنا الله - تعالى - دفعًا إلى المشاركة بالمال، في الإعداد للقتال: إعدادًا نرهب به عدو الله وعدو دينه، لتكون كلمة الله دائمًا هي العليا. وقد صورت الآية إعطاءَ الباذل ماله في سبيل الله: يبتغي ثوابه، بصورة تقديم قرض إلى مقترض، للإيذان بأن ثوابه محقق، ولازم لزوم أداءِ الدين .. وفي الآية: لطف من الله بعباده، وتوثيق لثوابه، وأنه لازم الأداء: تفضلًا منه وتحقيقًا لوعده الذي لا يتخلف، حيث جعل نعمته التي أنعم بها على عباده - إذا أنفقوا في سبيل الله - كأَنها قرض يقدمونه له - سبحانه - مباشرة، مع أنه غني عن عباده، فهو الذي يقول: ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ (١). والمراد يكون القرض حسنًا: أن يكون الغرض منه وجهَ الله، لا الرياء والسمعة، وأن يكون حلالًا طيبًا. ومع أن القرض مع الناس يؤَدي بمثله، فإنه - تعالى - بيّن لعباده أن القرضَ معهَ يؤدي مضاعفًا، إذ قال: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾: عوضًا عن هذا القرض الذي قدموه خالصًا لله. وتلك المضاعفة، تكون في وقت تشتد فيه حاجتهم إلى هذا الربح الوفير، وهو يوم القيامة. وقد بيَّن الله هذه المضاعفة في أواخر السورة إذ يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: أي يضيِّق الرزق على بعض، ويوسعه على بعض، أو يضيقه تارة، ويوسعه أُخرى، حسبما تقتضيه الحكمة. وإذا علمتم أنه - تعالى - واهب الأرزاق، يوسعها ويضيقها كما يشاءُ، وأن ما عندكم هو من بسطه وعطائه، فأنفقوا مما وسع عليكم، ولا تبخلوا بما هو من فضله، فإنه مجازيكم على إنفاقكم جزاءً مضاعفًا، حسبما وعدكم.

стр. 437

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾ المفردات: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَأِ﴾: الملأُ من القوم، وجوههم وأشرافهم، وهو اسم للجماعة لا واحد له من لفظه. سموا بذلك، لأنهم يملأون القلوب مهابة، والعيون حسنًا وبهاءً، والمقصود به هنا - وفي كل القرآن - الرجال: كالقوم، والرهط، والنَّفر. والرؤْية - هنا - علمية كسابقتها: ضمنت معنى الانتهاء. فعديت بحرف الجر ﴿إِلَى﴾. والاستفهام: للتعجيب والتشويق لهذه القصة. ومعنى ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾: فقد قاربتم عدم القتال إن كتب عليكم كما يتوقع منكم، فعسى للتوقع. والمراد: تقرير أن المتوقع منهم كائن. ولابد من وقوعه. التفسير ٢٤٦ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَ ائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ … ﴾ الآية. كان العبرانيون جيرانًا لبني إسرائيل. وكان يحكمهم ملك يُقَالُ له: جالوت - ولما فسق بنوا إسرائيل، وقتلوا أنبياءَهم - سلطهم الله عليهم، فهزموهم، وظهروا عليهم، وأخذوا كثيرًا من بلادهم، وأسروا من أشرافهم عددًا كبيرًا، وضربوا عليهم الجزية، وأخذوا توراتهم، واستباحوا نساءَهم. فلما رأوا ما حلّ بهم - عادوا إلى رشدهم، وقالوا لنبيهم يوشع ﵇: أقم علينا ملكًا يضم شتاتنا، وتنصاع له جماعتنا، ونقاتل

стр. 438

تحت لوائه في سبيل الله وشريعته، وفقد كفانا ما لقيناه من ذل الهزيمة والاستعباد. وكان الملك فيهم هو الذي يسير بالجموع. أما النبي، فهو الذي يقيم أمره ويرشده ويشير عليه، فيطيع الملك أمره كسائر بني إسرائيل. والخطاب في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: لكل من تتأتي منه الرؤية والعلم. (١) ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾: هل: هنا - للتحقيق فهي بمعنى ﴿قد﴾، و ﴿عسى﴾ تفيد التوقع، وأُدخلت ﴿هل﴾ عليها لتحقيق ما يتوقعه النبي، و ﴿أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾: خبر ﴿عسى﴾. والمعنى: قال لهم نبيهم مجيبًا لهم: أتوقع عدم قتالكم، إن كتب عليكم القتال، وذلك التوقع محقق عندي وثابت، وقد بنى توقعه هذا على تاريخهم في الجهاد، وجبنهم طول حياتهم أمام عدوهم، وقولهم لموسى ﵇ حينما دعاهم للجهاد ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا … ﴾ (٢) فأَجابوا نبيهم: ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾: والمعنى: وأي شيءٍ يمنعنا من أن نقاتل في سبيل الله، ويصرفنا عنه مع وجود مقتضيه، فقد أخرجنا الأعداءُ من ديارنا، وطغى علينا قومُ جالوت، فاستباحوا أبناءَنا ونساءَنا، وهذه حالٌ تقتضي الجهاد، الذي تركناه طلبًا للعافية والسلامة ففقدناهما، فاسأل ربك ما طلبناه منك: من تنصيب ملك علينا: نقاتل معه، لنستردَّ أرضَنا، وكرامتنا، ومقدساتِنا. ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾: أي: فلما فُرض عليهم قتال أعدائهم - بعد ما اختار لهم نبيهم ملكًا كطلبهم وبرزوا لقتاله، وشاهدوا جده في قتالهم - وَلِّوْا فرارًا وَجُبْنًا، إلا نفرا قليلًا منهم: آثروا أُخراهم على دنياهم، طمعًا فيما عند الله، وإيمانًا بأَن آجالهم قد قدرت عليهم،

стр. 439

فلا ينجيهم من الموت فرارٌ، إن كان مكتوبًا عليهم، فصبروا مع ملكهم طالوت على قتال عدوهم جالوت. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾: أي جميعًا، ومنهم الذين تركوا القتال من بني إسرائيل، ونافت أعمالُهم أقوالَهم، فهو مجازيهم على ظلمهم، بتوليهم وسائر معاصيهم. وهذه الآية إجمال، يأتي تفصيله في الآيات التالية: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾ المفردات: ﴿أَنَّى يَكُونُ﴾: كيف يكون؟ ﴿سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾: بسطة فيه. ﴿التَّابُوتُ﴾: صندوق فيه ألواح التوراة، وبعض مقدساتهم. ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَّبِّكُمْ﴾: في التابون طمأنينة لقلوبكم من ربكم، لما فيه من علوم وشرائع.

стр. 440

التفسير ٢٤٧ - ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا … ﴾: أي قال لهم نبيهم: إن الله قد اختار لكم طالوت ملكًا يدبر أمركم، وتصدرون عن رأيه في القتال، واسمه في العهد القديم: شاول (١)، ولم يكن طالوت من سبط الملك - يهوذا - ولا من سبط (لاوى) الذي فيه الأنبياءُ، ولا من الأغنياء، ولهذا ضاقت نفوسهم به، فاعترضوا على تنصيبه ملكًا عليهم. ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ﴾: أي قالوا لنبيهم - مستنكرين - كيف يتملك علينا ذلك الرجل وهو لا يستحق الملك في نظرنا، لوجود من هو أحق بالملك منه بيننا، فنحن الملأ من بني إسرائيل ﴿أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾: نَسَبًا وَحسبًا! ولأَنه لم يؤْت سعة من المال، وتلحقه بالأشراف. والملك عندهم، يتوقف على الحسب واليسار. ونسوا أنهم سألوا الله أن يبعث لهم ملكًا يلي أمرهم، ويقودهم في حربهم، وأن الله هو الذي اختاره لهم - لا النبي - ولا مَلِك أَصلح لهم ممن اختاره الله، فلا سبيل إلى تغييره. ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾: واختاره ملكًا لكم، والله أعلم به منكم، وذكر لهم مزاياه التي ترشحه للملك فقال: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾: أي سعة فيهما. وهاتان الميزتان أصلح للملك من سواهما. ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: أي والله وحده صاحب الخيرة: لا يُسأل عَما يَفعل: يؤتى ملكه من يشاءُ من خلقه، بمقتضى حكمته، وينزعه عمن يشاءُ من خلقه. (وَاللَّهُ وَاسِعٌ): فضله، يختص برحمته وحكمته من يشاءُ. ﴿عَلِيمٌ﴾: بمن يستحق الملك والقيادة ممن لا يستحقه.

стр. 441

ثم بين لهم نبيهم علامة تدل على صحة ملك طالوت، وقد طلبوها منه، وذلك ما حكاه الله بقوله: ٢٤٨ - ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَاتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّ بِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَ كَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُ ونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ … ﴾ الآية. المعنى: قال لهم نبيهم إن علامة صحة ملك طالوت لكم وأنه من عند الله: أن يأتيكم التابوت ويرجع إليكم على يديه: في إتيانه طمأنينةٌ لكم، أو فيه ما تسكنون وتطمئنون إليه، هو التوراة وغيرها من مقدساتكم. وقيل: إنهم كانوا يستفتحون به على عدوهم، ويقدمونه، في القتال - أمام جيوشهم - فينصرهم الله بسببه. وكانوا يجدون فيه - كلما نظروا إليه - سكينة لقلوبهم، يطمئنون إليها، ويتبركون بها. والآية الكريمة، تصرح: بأن الملائكة تأتيهم بالتابوت حاملة له. والظاهر أن ذلك على الحقيقة، ليروه ويطمئنوا. روى ابن جريج عن ابن عباس: "قال جاءَت الملائكة تحمل التابوت بين السماءِ والأرض، حتى وضعته بين يدي طالوت، والناس ينظرون". وقيل: إن الحمل مجاز عن الإيصال، كما تقول: حمل فلان متاعه إلى مكة، أي أوصله إليها. فلما رأوا ذلك آمنوا بصدق نبيهم، ورضوا بطالوت ملكًا عليهم. وكان ختم الآية: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾: أي علامة لكم على صدقي، فيما أمرتكم به من طاعة طالوت. ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾: أي: مصدقين. وفي التعبير بلفظ ﴿إِنْ﴾ إشارة إلى أصالة الشك في نفوسهم، وأنهم سيتمردون على أمر الله، ولن يطول بهم القرار على الخضوع له، كما سيأتي، فهي تفيد الشك في تحقيق مفهوم خبرها.

стр. 442

﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ المفردات: ﴿فَصَلَ﴾: خرج. ﴿مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ﴾: أي مختبركم به، ليظهر الصادق منكم والكاذب في طاعة الملك، والجهاد في سبيل الله، لإخراج العدو من البلاد التي أخذها منكم. ﴿يَطْعَمْهُ﴾: يذق طعمه. ﴿اغْتَرَفَ غُرْفَةً﴾: الغرفة، ما يغرف. ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾: لا قوة لنا على حربه، فضلا عن الانتصار عليه.

стр. 443

﴿يَظُنُّونَ﴾: هي هنا بمعنى، يوقنون بالبعث، على حدِّ قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ (١). ﴿مُلَاقُو اللهِ﴾: أي مبعوثون إليه. ﴿بَرَزُوا﴾: ظهروا واصطفوا للقتال، على بارز من الأرض. التفسير ٢٤٩ - ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ … ﴾ الآية. فلما خرج طالوت بالجنود من بيت المقدس، لقتال أعدائهم، قال لهم: إن الله مختبركم وممتحن مقدار صدقكم - في لقاءِ عدوكم، واستجابتكم لأوامر قائدكم - ﴿بِنَهَرٍ﴾ يعترض طريقكم: أطلب منكم عدم الشرب منه، ليظهر منكم المطيع والعاصي، فإن طاعة القائد شرط أساسي للنصر، فمن غلبته شهوته وشرب من مائه، فليس من أتباعي: لأنه إذا عصاني اليوم، فهو أحرى أن يعصي أمري وقت اشتداد الحرب، فتحدث الهزيمة. ومن لم يذق ماءَه استجابة لهذا الأمر وصبر، لإنه مِنِّي، ضالع معي في لقاء العدوّ، والرغبة في الانتصار عليه. ثم استثنى من القسم الأول وهو: من شرَب من النهر فقال: (إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) يبلُّ بها ريقه في هذه الفلاة وشدة العطش، فلا بأس عليه في ذلك. قالوا - في حكمة الأمر بالاكتفاء بالغرفة - إنه اختبار لطاعتهم كما تقدم، كما أن فيه سلامة الجندي، فإن الإسراف في الشرب - عند مناجزة العدو - يضر ضررًا بليغًا. ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾: أي: فلم يمتثلوا ما أمرهم به طالوت، بل شربوا منه أكثر مما أمرهم به، إلا قليلًا منهم، نفذوا أمره فاغترف كل واحد منهم لنفسه غرفة واحدة.

стр. 444

﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾: المعنى: فلما جاوز طالوت النهرن وتركه هو والذين آمنوا معه، وهم القليل الذي نفذ أمره، وصدق إيمانه بربه، ونظروا إلى كثرة عدوهم وهم قليلن فأوجس بعضهم خيفة، وقالوا ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ﴾ بقتال ﴿جَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ أي: لا قدرة لنا على محاربتهم، فضلًا عن غلبتهم. وهؤلاء - وإن كانوا من المؤمنين معه، المنفذين لأمره في اغتراف الغرفة - إلا أنهم قالوه إظهارًا لواقع الحال، ورجاءَ المعونة من الله، وليس نكوصًا وامتناعًا عن القتال. ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ﴾: أي قال أفضلهم وخلصاؤهم، الذين يتيقنون أنهم ملاقوا جزاء الله يوم القيامة. ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَ ةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: أي كم من جماعة - قليلة العدد والعُدد - استعصمت بإيمانها بالله، وتوكلت عليه - غلبت فئة كثيرة العدد والعُدد، بإرادة الله ونصره؟ فإن النصر من عند الله، لا بكثرة الجنود. فلا ينبغي لنا أن نستقل أنفسنا فنجبن عن لقاءِ عدونا. ثم ختمت الآية بهذه البشرى: ﴿وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ): أي معهم بالنصر والتأييد. وهذه الجملة إما: من جهته - تعالى - تقريرًا لكلامهم، ودعاء للسامعين إلى مثل حالهم، وإما من كلام هؤلاء الذين يظنون أنهم ملاقو الله، قالوها تشجيعًا وترغيبًا في الصبر. ٢٥٠ - ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: ولما واجه حزب الإيمان أعداء الله، وصاروا إلى براز الأرض، المتكشف منها، متأهبين لحرب جالوت وجنوده قالوا ذاكرين عبوديتهم: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ عظيمًا غامرًا من عندك، يشملنا ويعمنا، ويقوي نفوسنا.

стр. 445

﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾: بطمأنينة نفوسنا عند اللقاء، فإن طمأنينة النفس تهب القوة، وتثبت الأقدام. ﴿وَانصُرْنَا﴾: بفضلك، وأعنا بقوتك ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: الجاحدين لأُلوهيتك ونعمك المتوالية عليهم. ٢٥١ - ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ … ﴾ الآية. أي: فاستجاب الله دعاءهم، فهزموهم بإرادة الله - تعالى - ونصره لهم، بسبب إيمانهم واعتمادهم عليه، وصبرهم في ملاقاة العدو، واستمساكهم بأسباب النصر، وعدة الحرب ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ﴾: أحد جنود طالوت ﴿جَالُوتَ﴾: زعيم العبرانيين، وانتصرت القلة المؤمنة، على الكثرة الكافرة. وفي ذلك ترغيب للمؤمنين في الجهاد، وتحذير من الضعف والفرار حذر الموت. ثم مات طالوت ملك بني إسرائيل، فتولى داود الملك بعد ﴿وَآتَاهُ اللهُ﴾ - بسبب شجاعته وعقله ودينه - الملك، ووهبه الحكمة، وعلمه مما يشآءُ الله تعليمه إياه، من العلم الذي اختصه به ﵇. وبذلك دفع الله بداود عن بني إسرائيل معرة الجبن والهزيمة. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾: وهكذا يدفع الله بالصالحين - من الناس - المفسدين في الأرض، المعطلين مصالح العباد، ولولا ذلك لفسدت الأرض، ووقع الناس في الفوضى. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: فيدفع الله بعضهم بقوة بعض، رحمة بهم.

стр. 446

﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾ التفسير ٢٥٢ - ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: المعنى: تلك يا محمد، قصص قصصناها عليك، تحكي لك شأن الجهاد والمجاهدين والعاصين والمنافقين، من بني إسرائيل. ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾: الثابت، لتكون حجة لك على الناس، ودليلًا واضحًا على صدق نبوتك. ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: بشهادة إخبارك عن الأمم الماضية: من غير مطالعة كتاب، ولا اجتماع بأحد يخبرك عنها، ويدارسك بها. هذا، وقد وردت هذه القصة مفصلة في سفر صموائيل الأول - من الإصحاح الثامن إلى آخر الإصحاح الحادي عشر - والنبي فيها هو صموائيل، وطالوت هو - شارل - وجالوت هو - جليات - والله أعلم.

стр. 447

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ المفردات: ﴿تِلْكَ﴾: يشار بها إلى المؤنث، ويعامل جمع الذكور معاملة المؤنث بتأويله بالجماعة لهذا أُنث اسم الإشارة هنا. أي تلك جماعة الرسل. ﴿مَن كَلَّمَ اللهُ﴾: أي كلَّمه بلا وساطة، ومن غير سفير، وهو موسى ﵇. ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾: الحجج والأدلة. ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: أي بالروح المقدس. أي المطهر، وهو جبريل ﵇. التفسير ٢٥٣ - ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ … ﴾ الآية. لما ذكر الله قبل هذه الآية مباشرة قوله عز من قائل: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. عقبه بتفصيل الحديث من شأن هؤُلاء الرسل الكرام - عليهم الصلاة والسلام -. ومعنى الآية: هؤلاء الرسل الكرام - الذين بعثهم الله تعالى إلى الناس برسالاته وهداه في مختلف البقاع والأزمان - فضل الله تعالى، بعضهم على بعض: في المكانة والمعجزات. وإن كانوا جميعًا، قد تآخوا في شرف النبوة والرسالة.

стр. 448

﴿مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ﴾: أي منهم من فضله الله بتكليمه مباشرة ودون وسيط مثل: موسى ﵇ ومثل محمد - صلوات الله وسلامه عليه - ليلة الإسراء والمعراج، كما سيرد في تفسير أول سورة الإسراء. ومنهم من كلمه بغير ذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ … ﴾ (١). ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾: فمنهم أُولو العزم، ومنهم خليل الله، ومنهم كليمه، إلى غير ذلك مما يمتاز به بعض الرسل عن بعض. وعلينا أن نكف عن الموازنة بينهم، تكريمًا لهم عن أن يكونوا مجالًا للمناقشة والجدال، والتعصب الجنسي أو الديني، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ … ﴾ (٢) الآية. والإجماع منعقد على أن أفضل الرسل جميعًا محمد ﷺ لأن رسالته عامة للبشرية جمعاء، ممتدة من عصره إلى آخر الزمان. أما كل منهم فرسالته محصورة في قوم، وتنتهي رسالته ببعثه خلفه، ولأن الله تعالى أخذ عليهم العهد - جميعًا - بالإيمان به ﷺ ، وبرسالته، ومناصرته إذا أدركوا بعثته. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُ نَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٣). وقال ﷺ : "أَنا سَيِّدُ وَلدِ آدمَ يومَ القيامةِ، وأول من ينشقُّ عنه القبرُ، وأَوَّلُ شَافِع، وأَوَّلُ مُشَفَّع" (٤). وقال صلوات الله وسلامه عليه: "أنا سَيَّدُ وَلَدِ آدمَ يومَ القيامةِ ولا فَخْرَ، وبيدي لواءُ الحمدِ ولا فَخرَ. وما من نَبي يومئذ - آدم فمن سواه - إلا تحت لوائي، وأنا أَوَّلُ شافَعٍ، وأولُ مُشَفَّعٍ ولَا فَخْر" (٥).

стр. 449

أما ما رواه الشيخان من أن النبي ﷺ قال:"لا تُفضِّلوني على الأنبياء .. " فإن ذلك من باب تواضعه ﷺ ، وأن الأنبياء إخوة في الرسالة، والأخ لا يُفَضِّلُ نفسه على أخيه، ولأن اللجاج والخصام في هذا التفضيل قد يقود المتخاصمين إلى النيل من بعض الأنبياء، وفي هذا كفر صريح. ومردُّ التفضيل - بعد هذا كله - إل الله وحده. ومع أن الإجماع منعقد على أفضلية محمد ﷺ فمن الواجب على المسلمين: ألَّا يخوضوا في الجدال حول تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض، تمسكًا بآداب القرآن. ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: أعطينا عيسى بن مريم ﵇ الآيات الواضحة الدالة على نبوته. وهي: المعجزات التي أجراها الله على يديه: كإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله - تعالى - وقوَّاه الله كذلك على دفع أذى أعدائه بروح القدس. وهو جبريل ﵇ قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ … ﴾ (١). وإضافة الروح إلى القدس من إضافة الموصوف إلى صفته، أي الروح المطهر. ولما كانت هذه الآية واردة عقب قصة بني إسرائيل مع طالوت، ومخالفتهم لأمره - خص الله عيسى بالذكر من بين الرسل، بالتنبيه على بعض معجزاته، للرد عليهم إذ كذبوه ووصفوه وأمه بأوصاف فيها بهتان عظيم. كما قال تعالى: " ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (٢). ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾: ولما كان جوهر الديانات السماوية واحدًا، وهدفها واحدًا، فلذا كان الواجب على أتباع كل رسول: أن يؤمنوا بالرسول الذي جاء بعده، وألا يختلفوا معه ولا مع أتباعه. ولكنهم تفرقوا واختلفوا، واقتتلوا، من بعد ما جاءتهم البينات، والآيات المؤيدة لرسالته. ولو أراد الله

стр. 450

ألا يحدث ذلك ما حصل. ولكنه ابتلاهم، ليميز الخبيث من الطيبن والمؤمن من الكافر. وهذا ما قاله الله تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ آمَن وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ اللهُ مضا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾: أي: فانقسموا بالابتلاء إلى فريقين: فمنهم من آمن لطيب سريرته، وحسن اختياره. منهم من كفر لخبث نيته، وسوء رأيه. ولو شاء الله لآمنوا جميعًا، ولم يقتتلوا. ولكن الله يفعل ما يريد من ترك عباده لاختيارهم، وحتى يتبين الخبيث من الطيب، ويدفع المؤمنون شر الكافرين وفسادهم، ثم يجزي كلا على حسب عمله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ … ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ المفردات: ﴿خُلَّةٌ﴾: الخلة، الصداقة والمحبة للقرابة أو غيرها. ﴿شَفَاعَةٌ﴾: الشفاعة، طلب التجاوز عن السيئة. التفسير ٢٥٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ … ﴾ الآية. هذه الآية ظاهرة الارتباط بما قبلها، فقد دلت الآية السابقة: على أن القتال بين أهل الحق وأهل الباطل، من سنن الله ﵎ فلهذا ناسب أن يعقب تلك الآية بمناشدة أهل الحق: أن يجاهدوهم بأموالهم التي رزقهم الله إياها من فضله. والمعنى: ينادي الله عباده الذين آمنوا به وبكتابه وهدي رسوله، ويأمرهم: بأن ينفقوا - في سبيل الله ووجوه الخير - بعض ما آتاهم الله من فضله، وأنعم به عليهم من رزق حلال

стр. 451

طيب، ما كانوا عليه بقادرين لولا فضل الله وتوفيقه، وذلك بأن يُعطوا الزكاة الواجبة عليهم إلى مستحقيها، ويتطوعوا بالتصدُّق عليهم بما يستطيعونه فوق الزكاة الواجبة، ويأمرهم بالمسارعة إلى ذلك، قبل أن ينتهي الأجل المجهول لديهم، ويقبل عليهم يوم الحساب بالثواب أو العقاب، وهو يوم القيامة، الذي لن يجدوا فيه ما يتقربون به حينئذ إلى الله تعالى، أو يتداركون به ما فاتهم. فلن يجدوا فيه بيعًا لحسنات ترجح بها موازينهم، ولن تنفع فيه صداقة مهما قويت. ولن تجدي فيه شفاعة شفيع إلا بإذن الله ورحمته. وإنما يأذن الله في ذلك للمستحقين بعلمه وحكمته. (١) ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: والذين كفروا بالله ﷻ هم الظالمون لأنفسهم وللمجتمع. فكافحوهم بالقتال: بالأنفس والأموال التي أمركم الله بإنفاقها في سبيله. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ المفردات: ﴿الْحَيٌّ﴾: الباقي، الدائم البقاء، الذي لا يناله الفناء. ﴿الْقَيُّومُ﴾: الدائم القيام بتدبير الخلائق وحفظهم. ﴿سِنَةٌ﴾: ما يكون قُبيل النوم من فتور يشبه النوم. والوسنان: هو من يكون بين النائم واليقظان.

стр. 452

﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: المراد منه، الدنيا، أو ما كان قبلهم، أو المستقبل. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: الآخرة. أو ما يكون بعدهم. أو الماضي. ﴿كُرْسِيُّهُ﴾: الكرسي، علم - تعالى - أو عرشه. وقيل: هو تمثيل لِمُلكِ الله تعالى وسلطانه، وقيل: هو فلك يحيط بالسماء والأرض. ﴿وَلَا يَؤُودُهُ﴾: أي ولا يثقله، ولا يشق عليه. التفسير ٢٥٥ - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ … ﴾ الآية. دعت الآية السابقة إلى الإنفاق في سبيل الله من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه، ولا تنفع فيه صداقة ولا شفاعة. وإنما ينفع الإنسان عمله، ومرضاته لربه. وهذه الآية بينت لهم: أن الله الذي دعاهم إلى الإنفاق: هو الإله الواحد، القيم على كل نفس بما كسبت، المحيط بكل شيء علمًا، وأنه لا تنفع الشفاعة عنده إلا بإذنه. وتُعْرَفُ هذه الآية بين المسلمين، باسم: آية الكرسي، لأن ذكره ورد فيها. وقد بدأت الآية الكريمة هذه باسم ﴿الله﴾ ﷻ ، وأخبرت أنه المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأنه ﴿الْحَيُّ﴾: أي الذي له الحياة الكاملة الأزلية، فلا أول لها، الباقية فلا آخر لها، وهو ﴿الْقَيُّومُ﴾: أي الدائم القيام بتدبير شئون الخلائق وحفظهم. ﴿لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: لا تعتريه غفلة ولا نوم عن خلقه، فذلك شأن الحادث الضعيف، الذي يحتاج إليهما، ليسترد قُوَّتَه ونشاطه. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: له - سبحانه - كل ما في السموات، وكل ما في الأرض من إنسان، وحيوان، ونبات، وجماد، وكل كائن. ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: لا يستطيع أحد أن يشفع لأحد عند الله تعالى، إلا إذا أذن الله له. وإنما يأذن بعلمٍ

стр. 453

وقد نص القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة، على أن الله لا يأذن بالشفاعة إلا لمن ارتضى من عباده كالملائكة. وعلى أن الشفاعة العظمى لسيدنا محمد ﷺ (١) وجملة ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: فيها رد على المشركين، حين قالوا عن الأوثان: ﴿ … هَؤلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ .. ﴾ (٢). وفيها وعيد للمستخفين بأوامر الله تعالى، المُصِرِّين على المعصية، اتكالا منهم على أنه سيُشفع لهم، وذلك بإقناطهم من قبول الله لشفاعة أحد عنهم. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: والله تعالى يعلم أمور الدنيا والآخرة: ظاهرة كانت أو خفية. فاحذروا أن تقعوا في المعاصي التي لا تغني فيها شفاعة الشافعين. ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾: أي أن الخلق لا يعرفون أي شيء من معلومات الله - سبحانه - إلا ما يشاء لهم أن يعرفوه: بفضله وتوفيقه. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: سعة الكرسي للسموات والأرض: كناية عن نفوذ سلطان الله تعالى فيهما، وسعة علمه لهما، ولجميع ما فيهما. فإنه تعالى أحاط بكل شيءِ علما. فإن أُريد بالكرسي: الفلك المحيط بالسموات والأرض - كما قال بعض العلماء - فسعته لهما، على الحقيقة. وقد أَخذوا ذلك من ظاهر النص، ومن حديث رواه ابن مردويه عن أبي ذَرّ قال: قال ﷺ :"والذي نفسي بيده، ما السموات السبع، والأَرضون السبع عند الكرسي إلا كحَلْقةٍ ملقاةٍ بأرض فلاة. وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحَلْقة" (٣)

стр. 454

وهذا يدل على أن العرض غير الكرسي، وأنه أعظم منه. ﴿وَلَا يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا﴾: ولا يثقله سبحانه حفظ السموات والأرض. وهذا ناطق بدوام حفظه وتدبيره لهما، لا يتخلى عن ذلك طرفة عين. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾: وهو سبحانه الذي يتعالى عن الشبيه والنظير. ويتعالى عن النقص والعجز، وهو العظيم قدرًا وشرفًا. ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ المفردات: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾: لا إجبار، ولا قسر على الإيمان. ﴿الرُّشْدُ﴾: الصواب، أو الهدى، أو الحق. ﴿الْغَيِّ﴾: الخطإ، أو الضلال، أو الباطل. ﴿بِالَّطاغُوتِ﴾: الشيطان، أو كل ذي طغيان، أو كل معبود سوى الله تعالى. ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوثْقى﴾: العروة: ما يُتعلق به، كالمقبض. والوثقى، مؤَنث الأوثق، وهو الأَشد الأحكم. ﴿لَا انفِصَامَ لَهَا﴾: لا انقطاع لها.

стр. 455

التفسير ٢٥٦ - ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ … ﴾ الآية. ذكرت الآية السابقة صفات الله السامية، المقتضية لتفرده بالأولوهية واستحقاق العبادة. ولم يعد - بعد ما جاء فيها - مجال للمكابرة أو الإنكار، أو إكراه أحد على الإيمان، لأن أدلتها القوية تدعو إليه، دون قسر أو إكراه، فلا يحتاج العاقل إلى الإكراه أو الإلزام، بل يختار الدين الحق من غير تردد .. ولذا قال تعالى عقبها: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾: أي لا ينبغي أن يحتاج عاقل إلى الإكراه على دين الإسلام، لوضوح أدلته، فعليه أن يتجه إليه باختياره. ويجوز أن يكون النفي بمعنى النهي للمسلمين عن إكراه أحد على الدِّين. ولذا قال تعالى: ﴿ … أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ … ﴾ (٢). وقال: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ … ﴾ (٣). إلى غير ذلك من الآيات. والمعنى: لا تكرهوا - معشر المسلمين - أحدا على الإسلام، لأن الحق فيه واضح بَيِّن، لا يحتاج إلى إكراه أحد عليه. ﴿قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾: تعليل للحكم السابق مقرون بكلمة التحقيق ﴿قَدْ﴾، لتأكيد مضمونه أي: قد تبين الرشد والحق في دين الإسلام، كما تبين الغي والضلال فيما عداه. فلا حاجة للإكراه على الإسلام.

стр. 456

﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾: أي فمن يكفر بما يعبد من دون الله، ويؤمن بالله وحده - بعد ما تبين له الحق من الباطل بالحجج الواضحة -. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾: فقد صار ممسكا بالسبب الأوثق الذي يصله بالحق. ﴿لَا انفِصَامَ لَهَا﴾: أي لا انقطاع لهذه الصلة القوية. وبذلك يكون آمنا من التهلكة ومن كل مكرُوه. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾: أي شامل السمع، لا يغيب عن سمعه شيءٌ. ﴿عَلِيمٌ﴾: واسع العلم: يحيط علمه بكل شيء. وهذه الآية الكريمة: تنزه الإسلام عما زعمه أَعداؤُه من قيامه على القتال. فما كانت حروب المسلمين إلا دفاعية أو وقائية. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا … ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا … ﴾ (٢). فإن جنح أعداء الإسلام إلى السلام سالمناهم. قال جل شأنُه: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا … ﴾ (٣). وأَساليب الدعوة الإسلامية، تقوم: على الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال الرقيق. قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ … ﴾ (٤).

стр. 457

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ ﴿وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: متولي أُمورهم، يهديهم ويعينهم. ﴿الطَّاغُوتُ﴾: المراد به، الشياطين. ﴿يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾: يخرجونهم من نور الحق إلى ظلمات الكفر. التفسير ٢٥٧ - ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ … ﴾ الآية. الله ﷻ هو معين المؤمنين الطائعين، ومتوليهم بتوفيقه وتأييده وهدايته إلى طريق الحق، فيخرجهم - بلطفه ورحمته - من ظلمات الحيرة والضلال والكفر، إلى نور الاستقرار والهداية والإيمان. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾: والذين كفروا بالله ﷻ وأنكروا رسالة نبيه ﷺ ، أولياؤهم الشياطين: يوسوسون لهم، ويضلونهم عن صراط ربهم، ويبعدونهم عن طريق الهدى، ويوقعونهم في ظلمات الضلال والشر، ويحجبونهم عن فطرة الإيمان في نفوسهم. فكأَنهم يبعدونهم عن طريق مضيء منير، ويوقعونهم في طرق كثيرة الظلمات، فلا يهتدون سبيلا. وعبر عن دين الإسلام بالنور، تشبيهًا له به، لأنه يهدي إلى الحق والسعادة. كما يهدي النور إلى طريق السلامة. والتعبير عن الشرك بالظلمات: تشبيه له بها، لأنه يُضِل عن الحق والسعادة، كما يُضِل الظلام عن طريق السلامة.

стр. 458

﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: أولئك الضالون، هم الذين يستحقون عذاب النار لا يفارقونها. بل يستقرون فيها، ويدوم عليهم عذابها. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ المفردات: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: عبارة استفهامية لطلب التعجب. ﴿حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾: خاصمه وجادله في شأن ربه. ﴿فَبُهِتَ﴾: فتحير وانقطعت حجته. التفسير ٢٥٨ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ … ﴾ الآية. اتضح مما سبق: أن الرشد قد تبين من الغي، وأن الله يتولى المؤمنين فيهديهم، وأن الشيطان يتولى الكفار فيضلهم. لتوضيح هذه المعاني، ذكرت هذه الآية - وما بعدها - ثلاث قصص واقعية، تدور حول الموت والحياة، وإبراز قدرة الله: الأولى: قصة رجل كافر تبين له الحق، ولكنه أصرَّ على كفره. الثانية: قصة رجل تبين له الحق فاقتنع به، واعترف بأن الله على كل شيءٍ قدير.

стр. 459

الثالثة: قصة نبي أظهره الله على بعض آياته، فازداد إيمانًا وتثبيتًا. وفيما يلي بيان القصة الأُولى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾: أي هل رأيت في الضلال مثل ذلك الملك الطاغية الكافر، الذي جادل إبراهيم ﵇ تجبرا منه وطغيانا بسبب ما أعطاه الله من سعة الملك، وقوة السلطان. ﴿إِذْقَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾: كانت المحاجة، حينما أعلن إبراهيم: أن ربه هو الذي يحيي ويميت، لأنه هو الإله الخالق القادر على كل شيء دون سواه: فأجابه الطاغية - وهو لا يملك من أمر نفسه شيئا - قائلا: أنا أُحيي بالعفو عن محكوم عليه بالموت، وأُميت بقتل إنسان حي. ظانا بجهله أن قتله الإنسان إماتة، وعفوه عنه إحياءٌ. فاقتضت حكمة إبراهيم أن يغلق باب الجدل ويجابهه بما لا يستطيع أن يجادله فيه. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾: قال إبراهيم: إن الله تعالى، يظهر الشمس في أول النهار من جهة المشرق، فإن استطعت فأظهرها من جهة المغرب، لتعود إلى الإشراق والإضاءَة، وينعكس بذلك نظامها. فيكون شروقها من جهة المغرب، وغروبها من جهة المشرق!! ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾: فانقطعت حجة الطاغية، وسكت متحيرا، ولم يستطع الاستمرار في التمويه. فظهر الحق، واندحر الباطل، عن طريق محاورة إبراهيم النافعة، التي كشفت الفرق بين الحق والباطل، وبين الصدق والكذب؟! ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: والله العادل، لا يعطي الهداية لغير مستحقيها من أُولئك الكافرين المعاندين، فهم ظالمون. والله تعالى لا يهدي القوم الظالمين، أي لا يوفقهم إلى حجة يغلبون بها أَهل الحق.

стр. 460

﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ المفردات: ﴿أَوْ﴾: للتخيير والتنويع في التعجيب بين ما جاء في هذه الآية والتي قبلها من العجائب. والكاف بمعنى اسم بمعنى: مثل. مفعول لفعل محذوف دل عليه ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ السابق. والتقدير: أوَ رأيت مثل الذي مر على قرية. والجملة معطوفة بلفظ ﴿أَوْ﴾ على جملة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ ﴿قَرْيَةٍ﴾: اسم للموضع الذي يسكن فيه الناس ولو كبيرا، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا … ﴾ (١) وقوله: ﴿لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى … ﴾ (٢). ﴿خَاوِيَةٌ﴾: أي ساقطة من: خوت الدار، إذا سقط بنيانها. ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾: العرش، السقف. والمراد: أنها متهدمة أو ﴿خَاوِيَةٌ﴾ بمعنى خالية. والمراد حينئذ: أن القرية خالية من أهلها - مع بقائها، قائمة سليمة العروش - لموت أَهلها. ﴿نُنشزُهَا﴾: مضارع أنشز، أي نركب بعضها فوق بعض وننشئها. وقريءَ ﴿نَنْشُرُهَا﴾ بالراء بمعنى: نبعثها إلى الحياة من جديد، من النشر. وهو إعادة الحياة بعد الموت.
следующие страницы →