وتبع: هو تبع الأكبر الحميرى، واسمه أسعد وكنيته أبو كُرَبٍ، وكان رجلًا صالحًا بين قومه الكافرين، أخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت: كان تبع رجلًا صالحًا، ألا ترى أَن الله ذم قومه ولم يذمه. وأخرج الإِمام أحمد وغيره عن سهل الساعدى قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا تُبَّعا فإنه كان قد أسلم".
وأخرج ابن عساكر وابن المنذر عن ابن عباس قال: (سألت كعبا عن تبع، فإننى أسمع الله - تعالى - يذكر في القرآن قوم تبع ولا يذكر تبعا. فقال: إنه كان رجلًا من أهل اليمن ملكا منصورا، فسار بالجيوش حتى انتهى إلى سمرقند، فرجع فأخذ طريق الشام فأسر بها أحبارا، فانطلق نحو اليمن، حتى إذا دنا من مكة طار في الناس أنه هادم الكعبة، فقال له الأحبار: ما هذا الذي تحدث به نفسك؟ فإن هذا البيت لله، وإنك لن تسلط عليه؟ فقال: إن هذا لله - تعالى - وأنا أحق من حرَّمه، فأسلم من مكانه، وأحرم فدخلها محرما، فقضى نسكه ثم انصرف نحو اليمن راجعا، حتى إذا قدم على قومه … ) إلى آخر مما ذكره كعب في هذا الأثر الطويل، وخلاصة ما ذكره بعدُ أنه طلب من قومه أَن يؤمنوا كما آمن فامتنعوا، فنزلت من السماء نار فأحرقت من لم يؤمن منهم (١).
والمعنى الإجمالي للآيات: كذب بالحق قبل قريش قومُ نوح، مع أنه كان ينصحهم ويطلب منهم الإيمان به، كما كذب به أصحاب الرس (٢) ممن بعث إليهم شعيب، أو هم قوم حنظلة ابن صفوان، وكذبت به ثمود قوم صالح وعاد قوم هود وفرعون وقومه، وقوم لوط وأصحاب الأشجار المجتمعة - الأيكة - وقوم تبع، كل هؤلاء كذبوا جميع رسلهم فحق عليهم وعيدى وثبتت عليهم كلمة العذاب في الدنيا بعذاب استأصل كفارهم، وفي الآخرة بعذاب ينتظرهم.
١٥ - (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ):
أي: أقصدنا خلقهم من تراب ثم من نطفة فعيينا وعجزنا عن تحقيق ما قصدناه وأردناه حتى يتوهم عجزنا عن الإعادة؟ كلا لم نعجز عن خلقهم كذلك، فلماذا ينكرون بعثنا إياهم
стр. 4692
بعد موتهم، وهو في القياس أهون من بدئهم، إنهم معترفون بالخلق الأول صادًرا عنا فلا ينكرونه، بل هم في شك واضطراب من خلق جديد، وهو إحياؤهم بعد موتهم لينال كل امرئ جزاء ما قدم من خير أو شر.
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨))
المفردات:
(مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ): ما تحدثه به من الخواطر.
(حَبْلِ الْوَرِيدِ): الحبل معروف، والمراد بالوريد: عرق كبير في العنق، وأضيف الحبل إليه لإفادة أَنه ممتد في الجسم امتداد الحبل.
(الْمُتَلَقِّيَانِ): هما ملكان جعلهما الله لكل إنسان، ليكتبا أعماله من خير أو شر عن اليمين وعن الشمال.
(قَعِيدٌ) أي: كلا الملكين ملازم له، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله (رَقِيبٌ عَتِيدٌ): ملك حاضر مهيأ يرقب أقواله وأعماله ويكتبها.
التفسير
١٦ - (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ):
стр. 4693
الوسوسة لغة: الصوت الخفى، ومنه وسواس الحُلى، (أي: صوت احتكاك بعضه ببعض) وما توسوس به نفسه: ما يخطر بباله من الخواطر الخفية المختلفة.
والمراد من قربه - تعالى - من العبد أكثر من حبل الوريد أنه - سبحانه - أعلم بحاله سرا أو علنا، فهو أقرب إليه بعلمه من حبل الوريد الذي يمتد في عنقه، وليس المراد منه القرب الذاتى؛ لأنه - تعالى - ليس له مكان، فهو من باب الثمثيل والتشبيه، وليس من باب الحقيقة.
وعن الأثرم أنه يقال: في العنق الوريد، وفي القلب الوتين، وفي الظهر الأبهر، وفي الذراع والفخذ الأكحل والنَّسا، وفي الخنصر الأسلم: انتهى.
وبالجملة فحبل الوريد مثل في شدة القرب، وإضافة الحبل إليه للبيان كشجر الأراك.
١٧ - (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ):
لفظ (إذ) ظرف بمعنى حين، متعلق بلفظ (أقرب) في الآية السابقة، أو مفعول لفعل مقدر تقديره: اذكر، والمتلقيان: الملكان الوكلان بكيل إنسان يكتبان أعماله وأقواله في كتاب يتسلمه يوم القيامة، فيعلم منه أنه من الناجين إن تلقاه بيمينه، أو من أهل النار إن تلقاه بشماله أو من وراء ظهره - أعاذنا الله من ذلك -.
وعِلْمُ العبد بكتابة أعماله مع علمه بأنه - تعالى - أعلم بحاله مما يحمله على إحسان العمل.
وقوله - تعالى -: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) معناه عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، فحذف قعيد من الأول لدلالة الثاني عليه، والمراد من قعود الملك ملازمته للعبد للكتابة.
١٨ - (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ):
أي: أَن أقوال العباد من خير أو شر أو غيرهما يكتبها ملك ملازم له يرقبها ويسجلها في صحيفته، فإن كانت خيرًا كتبها الرقيب الذي عن يمينه، وإن كانت شرًّا كتبها
стр. 4694
الرقيب الذي عن يساره، وتخصيص القول بالذكر للإيذان بأن الفعل القطيعي هو أظهر من القول يكتب أيضًا من باب أولى، وقال اللقانى في شرح الجوهرة: مما يجب اعتقاده أَن لله - تعالى - ملائكةً يكتبون أعمال العباد من خير أو شر أو غيرهما، قولا كانت أو فعلا أو اعتقادًا، همًّا كانت أو عزما … إلخ وقال الإمام مالك وجماعة: يكتبان كل شيء حتى الأنين في المرض.
والمعنى الإجمالي لهذه الآيات: ولقد خلقنا الإنسان جسدًا وروحًا وعقلا، ونعلم ما تحدثه به نفسمه من الخواطر خيرًا كانت أو شرًّا، ونحن أقرب إليه علمًا من حبل الوريد في عنقه - نحن أقرب إليه - حين يتلقى الملكان المتلقيان أحوال العبد الظاهرة والخفية ليسجلاها في صحيفة أعماله، وهذان الملكان أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ما ينطق من قول إلا عنده مراقب ملازم له من الملكين الموكلين يه، يكتب ما يصدر عنه من الأقوال وكذا الأفعال والنوايا.
(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢))
المفردات:
(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ): وأحضرت شدة الموت حقيقة ما كتبه الله على عباده من الموت الذي يليه البعث والجزاء.
(تَحِيدُ): تميل وتعدل.
стр. 4695
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ): ونفخ في البوق.
(مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيد): من الملائكة.
(فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ): فكشفنا عن عقلك الحجاب الذي سببته الغفلة.
(فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ): فبصرك اليوم حاد ونافذ.
التفسير
١٩ - (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ):
بعد ما ذكرت الآيات إنكار المشركين للبعث، وأثبتث بأقوى الحجج أنه سيحصل. جاءت هذه الآية وما بعدها لتبين لهم أَن هذا الذي أنكروه سيلقونه حقًّا.
وسكرة الموت: ما يحدث للمرء وهو مشرف على الموت من شدائد حتى تخرج روحه من بدنه.
والمعنى: وجاءت شدة الموت بحقيقة الموت الذي يبعث بعده الخلائق للجزاء، ونبهت إليها رسل الله جميعًا، ذلك الحق هو الذي كنت تميل وتنصرف عن التفكر فيه أيها الكافر، لشدة غفلتك وعمق غوايتك.
٢٠ - (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ):
الصور: هو البوق الذي ينفخ فيه إسرافيل، والله أعلم بحقيقته وحقيقة النفخ فيه، ولإسرافيل نفختان في الصور كما جاءت به السنة، إحداهما يموت عندها الخلائق، والثانية يبعث عندها الموتى - وهي المرادة هنا - وهذه الآية معطوفة على ما قبلها لبيان ما يحدث بعد الموت.
والمعنى: ونفخ إسرافيل في البوق نفخة البعث، وقت ذلك النفخ يوم إنجاز الوعيد الذي توعد الله به الكفار في الدنيا.
стр. 4696
٢١ - (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ):
وجاءت كل نفس من نفوس الخلائق مؤمنهم وكافرهم، معها ملكان: أحدهما يسوقها إلى المحشر سوقًا مناسبًا لعمل المسوق، بحيث يكون برفق للمؤمنين، وبشدة للكافرين.
جاء في الحديث مرفوعًا عن جابر أَن أحدهما: ملك الحسنات، وثانيهما: ملك السيئات اللذين كانا يكتبان أعمال العباد في الدنيا، أخرجه أبو نعيم في الحلية، وقيل: غير ذلك فارجع إليه في المطولات إن شئت.
٢٢ - (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ):
هذه الآية استئناف مبنى على سؤال مقدر نشأ مما قبلها، كأنه قيل: فماذا يكون بعد النفخ ومجئ كل نفس معها سائق وشهيد؟ فقيل: يقال للكافر الغافل إذا عاين الحقائق التي لم يصدق بها في الدنيا - من البعث وما بعده - يقال به: لقد كنت في غفلة من هذا الذي تعاينه، فكشفنا عنك الآن الحجاب الذي غطى عليك أمور المعاد، وهو الغفلة والانهماك في أمور الدنيا وحدها، فبصرك اليوم نافذ لزوال المانع للبصائر في الدنيا عن إدراك ما بعد الموت.
(وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ)
المفردات:
(قَرِينُهُ): شيطانه المقارن في الدنيا.
(هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ): هذا ما عندي معدٌّ ومهيأ لجهنم.
(عَنِيدٍ): مبالغ في العناد.
(مُرِيبٍ): شاك في الله - تعالى - أو في البعث.
стр. 4697
التفسير
٢٣ - ٢٦ - (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦)):
لكل إنسان شيطان مقارن له ومصاحب في الدنيا، يمتحنه الله بوسوسته، فإن عصَاه دخل الجنة، وإن أطاعه دخل النار، جاء في الحديث: "ما من أحد إلا وقد وُكِلَ به قرينه من الجن، قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلاَّ أَن الله - تعالى - أعاننى عليه فأسلم فلا يأمرنى إلا بخير".
والمعنى: وقال الشيطان المقارن للكافر: هذا الإنسان هو ما عندى وتحت إغوائى، عتيد أعددته لجهنم وهيأته لها بإغوائى فاستحقها.
قال الله - تعالى - مخاطبًا للملكين السائق والشهيد: اطرحا في جهنم كل مبالغ في الكفر للمنعم ونعمته، مبالغ في العناد وترك الانقياد للحق، مبالغ في منع الخير والبر عن الناس فلا يتصدق على محتاج للصدقة، معتد ظالم للحق متجاوز له، شاك في دين الله وفي البعث الذي أشرك بالله فجعل معه إلهًا آخر، فألقياه أيها الملكان في العذاب الشديد.
حاشية
جملة (فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ) خبر عن (الذي) وجاءت الفاء في خبره لأنه في معنى الشرط، وقيل: في الكلام تقدير، أي: فيقال في حقه: ألقياه في العذاب الشديد، ويلاحظ أَن قوله - تعالى -: (فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ) فيه تكرار لقوله سابقًا: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) والغرض منه التوكيد كما في قوله - تعالى -: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (١).
стр. 4698
(قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)
المفردات
(قَرِينُهُ): الشيطان المقيض له.
(مَا أَطْغَيْتُهُ): ما حملته على الفساد والطغيان.
(ضَلَالٍ بَعِيدٍ): مغرق طويل مجاف للحق.
(قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ): عذرت اليكم.
(بِالْوَعِيدِ): بالإنذار والتخويف من عاقبة العصيان والطغيان.
(مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ): ما يغير القول عندي.
التفسير
٢٧ - (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ):
كلام مستأنف استئناف الجمل الواقعة في حكاية التقاول على تقدير أنه جواب لمحذوف دلّ عليه قوله - تعالى -: (رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ) كأن العبد الكافر قال: قرينى أطغانى وحملنى على العصيان والضلال، فأجاب قرينه بتكذيبه وإسناد الضلال إليه.
ولهذا الاستئناف تجرّدت الجملة عن العاطف بخلاف الجملة في قوله - تعالى -: (وقال قرينه هذا ما لدى عتيد) فإنها قرنت بالعاطف لتدل على الجمع بين مفهوميها في الحصول وهو مجئ كل نفس مع الملكين، وقول قرينه، والقرين هنا الشيطان المقيّض له.
стр. 4699
والمعنى: قال الشيطان المقيض للكافر، المقارن له والموكل به - ذا علي إنكاره -: ربَّنَا ما أوقعته في الطغيان، ولا حملته على الضلال قسرا واستكراها، ولكن كان هو في ضلال بعيد عن الحق، مغرق في العناد والفساد، فأعنته عليه بالإغراء والإغواء من غير قسر ولا إلجاء فهو كقوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾. (١).
٢٨ - ٣٠ - (قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)):
استئناف آخر مبنى على سؤال نشأ عما قبله، كأنه قيل: ماذا قال الله تعالى؟ فقيل: قال : (لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيّ).
والمعنى: لا يخاصم بعضكم بعضًا عندي في موقف الحساب والجزاء فإن ذلك لن يفيدكم، ولا يغنى عنكم شيئًا، وقد قدمت إليكم، وأعذرت بالوعيد والتخويف، والتحذير من عاقبة الطغيان في الدنيا، على ألسنة رسلى، وفي كتبي المنزلة عليهم فلم تسمعوا، ولم تطيعوا فلا تطمعوا في الخلاص مما أنتم فيه من التعلل بالمعاذير الباطلة، وقد علمتم ما قدمت وما أعذرتكم به، ومن جملته ما قلته لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٢) فاتبعتموه معرضين عن الحق، مغرقين في الكفر والضلال.
وقوله - تعالى -: (ما يبدل القول لديّ) فض لخصومتهم، وقطع لرجائهم، معناه: لا يقع عندي تبديل ولا تغيير لما قررناه وأردناه وقدمناه في دار الدنيا من أنى أعاقب من جحدنى، وكذَّب رسلى، وخالفنى في أمرى لا يبدل من ذلك شيء بغيره وقوله - تعالى -: ﴿وما أنا بظلام للعبيد﴾ وارد لتحقيق الحق على أبلغ وجه، ولتبيين أَن عدم التبديل للقول وتحقيق موجب الوعيد ليس من جهته - تعالى - من غير استحقاق له منهم، بل إنما ذلك لما صدر منهم من الجنايات الموجبة له.
وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في معرض المبالغة في الظلم، وهو لا يكون منه. ويجوز أَن يكون لرعاية جميع العبيد من قبيل قولهم: فلان ظالم لعبده، ظلَّام لعبيده. وقيل إن فعَّالًا تأتى بمعنى فاعل أي: وما ربك بظالم لعبيده.
стр. 4700
وقوله - تعالى -: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ … ) إما مرتبط بقوله - تعالى -: (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ويوم: ظرف معمول لظلام، وإما مفعول به لفعل محذوف تقديره: اذكر لهم يوم. وهو سؤال وجواب جئ بهما على منهاج التمثيل والتخييل لتهويل أمر جهنم وأنها مع اتساعها وتباعد أقطارها يُطرح فيها من الجِنَّة والناس فوج بعد فوج حتى تمتلئ، أو أنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيها بعدُ محلّ فارغ؟ أو أنها لغيظها على العصاة، وحنقها منهم تطلب زيادتهم.
والمعنى: وما أنا بظلام للعبيد يوم نقول لجهنم هل امتلأت، أو: اذكر يا محمد وأنذر بهذا اليوم الآتى لا محالة يوم نقول لجهنم وقد دفعت إليها أفواج الكافرين الضالين: هل امتلأت؟ وتقول بعد امتلائها: هل بقى من موضع لم يمتلئ؟ - تعنى: قد، امتلأت -، أو أنها تستزيد وفيها موضع للمزيد.
هذا، ويجوز أَن يكون الكلام على تحقيق القول من جهنم، وهو غير مستنكر؛ فإنه - تعالى - سوف ينطق الجوارح فتشهد على صاحبها، والإذن لها بنفسين، ونحن متعبدون باعتقاد الظاهر ما لم يمنع مانع، ولا مانع هنا فإن القدرة صالحة والعقل مجوّز، وأمور الآخرة لا ينبغي أن تقاس بأمور الدنيا.
أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذى والنسائي وغيرهم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه فيزوى بعضها إلى بعض وتقول: قط. قط. وعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة وفضل حتى ينشئ الله لها خلقًا آخر فيسلكهم في فضول الجنة" وليس المراد بقدم الله حقيقة، فإنه - تعالى - لا يشبه الحوادث، ولكنه كناية عن أن النار ذليلة لأمره، وفسره بعضهم بأنه - تعالى - يضع فيها من يقدمهم للنار، قال ابن الأثير: قدمه، أي: الذين قدمهم لها من شرار خلقه، فهم قَدَمُ الله - تعالى - للنار، كما أَن المسلمين قدمه للجنة، والقدم: كل ما قدمت من خير أو شر. وقيل: وضع القدم أو الرجل مثل للردع والقمع، فكأنه قيل: تأتيها أمر الله فيكفّها عن طلب المزيد.
стр. 4701
(وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥))
المفردات:
(أُزْلِفَتِ): دنت وقربت للمتقين.
(أَوَّابٍ): رجَّاع إلى الله.
(حَفِيظٍ) يحفظ توبته من النقض أو يحفظ ذنوبه ليرجع عنها ويستغفر منها.
(خَشِىَ الرَّحْمَنَ): خاف عذاب الرحمن.
(بِالْغَيْبِ) أي: خاف الرحمن وهو لا يراه، أو خاف الرحمن وهو في خلوته بعيدًا عن الناس فلا يراه أحد.
(مُنِيبٍ): راجع إلى ربه.
التفسير
٣١ - ٣٣ - (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ):
هذه الآيات شروع في بيان حال المتقين عند النفخة الثانية للصور، ومجئ النفوس إلى موقف الحساب بعد عرض حال الكافرين، والأظهر فيه أنه عطف على (ونفخ في الصور)
стр. 4702
والمعنى: وأُدنيت الجنة وقربت للمتقين الذين وقوا أنفسهم من الكفر، وتحاشوا المعاصي، وقاموا على اتباع الأوامر واجتناب النواهى فاستحقوا أحسن الجزاء، وأوفر النعيم في جنات تجمع كل أنواع المتاع من الأنهار والأشجار، وطيب الثمار، ومن الأزواج الكرام، والحور الحسان، والخدم من الولدان. وهي قريبة منهم في مكان غير بعيد بحيث يشاهدونها، ولا يلحقهم تعب أو ضرر ولا مشقة في الوصول إليها، أو المراد حصول هذا لهم غير بعيد لأنه آت لا محالة، وكل آتٍ قريب.
وقوله - تعالى -: ﴿هذا ما توعدون﴾ إشارة إلى الجنة، أي: هذا الذي ذكرناه هو ما وعدتم به من الثواب على ألسنة الرسل لكل رجَّاع إلى الله عائذ به مراقب له لا يغفل عن ذكره، ولا ينام عن طاعته، حفيظ لعهده أَن ينتقض، ولتوبته أَن تنتكس، حافظ لذنوبه حذرًا أَن يقع فيها مرة أخرى مستغفرًا منها، فهو أبدًا مع الله ندمًا على ما فرط فيه في ماضيه، وعزمًا على الاجتهاد في عمل ما يرضيه، روى عن ابن عباس، وسعيد بن سنان، وقريب منه ما أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر عن يونس بن خباب قال: قال لي مجاهد: "ألا أنبئك بالأواب الحفيظ؟ هو الرجل يذكر ذنبه إذا خلا فيستغفر الله - تعالى - منه".
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عبيد بن عمير: كنَّا نعد الأوّاب الحفيظ الذي يكون في المجلس فإذا أراد أَن يقوم قال: اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسى هذا.
وقوله - تعالى -: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) زيادة في الإيضاح والبيان لمعنى الأواب الحفيظ.
والمعنى: هذا الجزاء الموفور، والنعيم المذكور لمن اشتد خوفه من ربِّه، وعظمت مراقبته لخالقه كأنه يراه أو يخشى ربَّه ويراقبه في خلوته وغيبته عن أعين الناس حياء من الله.
والمعنى في قوله - تعالى -: (وجاء بقلب منيب) أنه يداوم ذلك، ويقيم عليه حتى يوافيه أجله فيلقى الله بقلب عاش مقبلا على طاعته، طامعًا في رحمته. مؤمنا بعاقبته وأوبته حتى أتى الله بقلب سليم.
стр. 4703
٣٤، ٣٥ - (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ):
هذا على تقدير القول، أي: يقال لهم: ادخلوها، والمعنى: ادخلوا أيها المتقون الأوابون المنيبون ادخلوا الجنة، واستمتعوا بنعيمها بأمان من كل مكروه، وسلامة من كل آفة، وسلام من الله وملائكته عليكم، ذلك يوم الإقامة الدائمة التي لا ينقطع مداها، ووقت الخلود الذي تعيشون في نعيمه بلا نهاية، ولا يستكثر ذلك على أهل الجنة فلهم كل ذلك، ولهم ما يشاءون من صنوف المطالب، وألوان النعم كائنا ما كان، فعند الله كل ما يشتهون، ولديه الزيادة على ما يستشرفون مما لا يخطر لهم على بال، ولا تدركه مشيئتهم من معالى الكرامات، ومجالى الخيرات مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ومع أَن لهم ما يشتهون في الجنة، فعند الله مزيد عليه مما لا يخطر على بال.
وقال أنس وجابر: المزيد: النظر إلى وجه الله - تعالى - بلا كيف، وقد ورد ذلك في أخبار مرفوعة إلى النبي ﷺ ، منها ما أخرجه الديلمى عن عليٍّ - كرم الله وجهه - عن النبي ﷺ في قوله - تعالى -: (ولدينا مزيد) قال: "يتجلى لهم الرب " إلى غير ذلك من الأحاديث.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)
المفردات:
(بَطْشًا): قوة وشدة ومنعة.
(نَقَّبُوا): جالوا في أقطارها، وساروا في نواحيها وطوفوا.
стр. 4704
(مَحِيصٍ): مهرب وملجأ يلجأون إليه.
(أَلْقَى السَّمْعَ): تنبّه وتيقظ.
(شَهِيدٌ): فَطِنٌ غير متغافل.
التفسير
٣٦ - (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ):
هذه الآية الكريمة تسلية للرسول ﷺ ، وتطمين لقلبه ببيان أَن مشركى قريش لن ينالوا منه شيئًا ولن يخلصوا إليه بسوءٍ، وأن قوة الله التي أهلكت قبلهم قرونًا كانت أشد منهم بطشًا، وأقوى منعة فوق قوتهم وجبروتهم، ولو شاء لأهلكهم كما أهلك من سبقوهم من الطغاة المتجبرين.
والمعنى: وكثيرًا أهلكنا قبل مشركى مكة والمنكرين من أهلها من أهل القرون السابقة من هم أشد منهم بطشًا، وأعتى قوة، وأعزّ منعة أمثال عاد وثمود وأضرابهم الذين ملكوا البلاد، وعاثوا فيها الفساد، واستبدوا بالعباد، وساروا في أقطار الأرض، وجاسوا خلالها، وجابوا أقطارها، فما أفادوا من ذلك، ولا ظفروا بمهرب من الهلاك، ولا بمعدل عن الموت، ولا وجدوا إلا الحسرة والتساؤل (هل من محيص؟) هل من مهرب نهرب إليه من الهلاك؟
٣٧ - (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ):
أي: إن في ذلك الإهلاك، أو في ذلك المذكور من أول السورة من الآيات والمشاهد والأخبار لعظة بالغة، وعبرة رادعة لكل من له قلب وعقل واع يعقل ما يقال، وينتفع به، ويدرك كنه ما يشاهده، ويوقظ سمعه، ويلقيه كل ما يوجّه إليه فيجتمع له من سلامة القلب وإلقاء السمع ما يحقق له النفع، والوقوف على جلية الأمر وهو شهيد وحاضر بفطنته ويقظته، لأن من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب.
стр. 4705
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢))
المفردات:
(لُغُوبٍ): تعب وإعياء.
(أَدْبَارَ): أعقاب الصلاة، جمع دُبُر، ويطلق على الظهور أيضًا، قال - تعالى -: "ليولن الأدبار".
(الصَّيْحَةَ): المرّة من الصوت الشديد، والمراد بها نفخة البعث.
(يَوْمُ الْخُرُوجِ): يوم الخروج من القبور للبعث، وهو من أسماء يوم القيامة.
التفسير
٣٨ - (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ):
استئناف كلام آخر لتأكيد ما قبله بتقرير قدرته - تعالى - على خلق السموات والأرض، وتمهيد لما بعده ببيان أَن القادر على خلق السموات والأرض لا يعجزه أمر من أمور الدنيا والآخرة.
قيل: إن هذه الآية تكذيب لليهود في زعمهم أَن الله - تعالى - خلق العالم يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، واستلقى على العرش، وجعلوا هذا اليوم للراحة عندهم.
стр. 4706
والمعنى: ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما من أصناف المخلوقات، وأنواع الكائنات في ستة أيام، وما أصابنا من تعب ولا إعياء مع قلة الزمن، وضخامة هذه الأجرام، وتعدّد أنواعها وأشكالها، واختلاف أحوالها، وتباين حركاتها، وذلك مما لا تفى بإحصائه القوى والقدر، فضلًا عن إيجاده.
٣٩، ٤٠ - (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ):
تتجه الآيات إلى تسمية الرسول ﷺ والترويح عنه بطلب الإعراض عن أقوال المشركين واليهود، والالتجاء إلى الله بالتسبيح والحمد.
والمعنى: إذا كان أمرنا في القدرة كما ترى في خلق السموات والأرض وما بينهما في أقل زمان وفي غير إعياءٍ ولا نصب، فاصبر يا رسول الله على ما يقوله المشركون في شأن البعث من الأباطيل المبنية على الإنكار والاستبعاد، فإن من قدر على خلق العالم بهذه الصفة قادر على بعثهم، وعلى الانتقام من المنكرين والمستبعدين.
أو: فاصبر على ما يقوله اليهود من مقالة الكفر والتشبيه، أو: فاصبر على كل ما يقال من هؤلاء وهؤلاء، ومهما يكن فإن هذا متصل بقوله - تعالى -: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) تسلية للرسول ﷺ ، ومدخلًا لقوله - تعالى -: (وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) أي: قدس ربك وسبح بحمده ونزّهه عن كل ما يقوله هؤلاء وهؤلاء، وعن العجز وعن وقوع الخلف في أخباره التي من جملتها الإخبار بالبعث، وعن وصفه - تعالى - بما يقتضي التشبيه نزّهه عن هذا كلِّه، وعن كل ما لا يليق بذاته حامدًا له ما أنعم به عليك من إصابة الحق، مداومًا على هذا التسبيح والحمد قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، وهما وقتا العصر والفجر لأفضليتهما، وقد نوّه القرآن الكريم بفضلهما في قوله - تعالى -: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١)، وفي قوله - تعالى -: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ
стр. 4707
الْوُسْطَى﴾ (١) وهي العصر على رأى كثير من المفسرين، ومن فضل هذا الوقت أيضًا القسم به في قوله - تعالى -: "والعصر".
وقوله - تعالى -: (ومن الليل فسبحه) معناه وسبحه بعض الليل وفي جزء منه، ولعل المقصود به السَّحر، فإنه الوقت المفضل للتهجد والتسبيح والاستغفار، وأعقاب السجود أي: آخر الصلاة بعد انقضاء السجود والسلام.
وهذا بناء على تفسير التسبيح بالتقديس والتنزيه والذكر - فإذا فسّر التسبيح بالصلوات الخمس كان المراد بما (قبل الطلوع) الفجر، وبما (قبل الغروب) الظهر والعصر، وبـ (ومن الليل) العشاءين والتهجد وما يصلى بأدبار السجود من النوافل بعد المكتوبات.
٤١ - (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ):
أي: واستمع - يا أيها الرسول - أخبار ما يوحى إليك من أحوال يوم القيامة يوم ينادى المنادى فيقول: أيتها العظام البالية، واللُّحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أَن تجتمعن لفصل القضاء.
قيل: إسرافيل ينفخ، وجبريل ينادى بالحشر، وفي هذا الأمر تهويل وتفظيع لأخبار هذا اليوم. وقوله: من مكان قريب معناه: من مكان يسمعه الخلائق كلهم على حال واحدة فلا يخفى على أحد قريب أو بعيد، فكأنهم نودوا جميعا من مكان قريب. قيل: من صخرة في بيت المقدس، وقيل: من تحت أقدامهم، وقيل: من منابت شعورهم. والتعبير القرآنى فوق كل بيان.
٤٢ - (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ):
تتصل هذه الآية بقوله - تعالى -: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ أي: استمع يوم ينادى المنادى يوم يسمعون نفخة البعث ناطقة بالحق الذي طالما أنكروه، وكذبوا أخباره وهو البعث الذي يسمعون النداء به حقا واقعًا، وحقيقة ماثلة، ذلك يوم الخروج الذي
стр. 4708
يخرج به الموتى من قبورهم لملاقاة جزائهم. ويجوز أن يكون المعنى: ذلك النداء نداء يوم الخروج من القبور - ويوم الخروج - اسم من أسماء يوم القيامة.
(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥))
المفردات:
(الْمَصِيرُ): المرجع للجزاء في الآخرة.
(سِرَاعًا): مسرعين.
(حَشْرٌ): جمع بعد البعث.
(يَسِيرٌ): سهل هيِّن.
(بِجَبَّارٍ): بمتسلط قهار.
(فَذَكِّرْ): فخوف وحذر.
التفسير
٤٣، ٤٤ - (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ):
يخبر الله في هذه الآية عن نفسه أنه هو القوى القادر الذي يحيى الخلق في الدنيا بعد أَن كانوا عدمًا، ثم يميتهم بعد استيفاء أجلهم بعد أَن كانوا أحياء، ثم يبعثهم من قبورهم بعد أَن صاروا ترابًا، وذلك بقوله مؤكدًا: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ) أي: إنا نحن نحيى ونميت في الدنيا من غير أَن يشاركنا في ذلك أحد، وإلينا المصير، أي:
стр. 4709
وإلينا وحدنا الرجوع للجزاء في الآخرة لا إلى أحد غيرنا استقلالا أو اشتراكًا، يوم تشقق الأرض عنهم سراعًا: يتعلق الظرف بقوله: (وإلينا المصير) أي: وإلينا المرجع والمآب يوم تتصدع الأرض، وتنشق عن أجسامهم البالية فيخرجون منها مسرعين إلى الداعى بلا نوان ولا تأخير، (ذلك حشر علينا يسير) أي: ذلك الحشر، وهذا الجمع هين علينا يسير مع شدة التفرق، وتباعد القبور وتناثر الاشلاء أو تحولها إلى تراب، لا يشق علينا، لا يقدر عليه غيرنا.
٤٥ - (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ):
هذه الآية تختم سورة (ق) بما يسلى الرسول ﷺ ويسرى عنه همَّه، ويهدد المشركين ويحذرهم عواقب الكفر والتكذيب.
والمعنى: نحن أعلم بما يقول هؤلاء الكفار من نفى البعث، وتكذيب الآيات الناطقة به، وغير ذلك مما لا خير فيه، فلا تعبأ بقولهم، ولا تبتئس من أحوالهم، فما عليك إلاَّ البلاغ وما أنت عليهم بمتسلط تقهرهم على الإيمان، وتقسرهم على التصديق، ولا من مهمتك ذلك (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) أي: فحذِّر وخوّف بالقرآن من يخاف العقاب ويخشى العذاب فيسمع لك، ويستجيب لدعوتك إشفاقًا من الوعيد، ورجاء في الوعد، وطمعًا في رحمة الله …
стр. 4710
" سورة الذاريات"
سورة الذاريات مكِّية، وآياتها ستون آية باتفاق، وقد بدأت بالقسم على تحقيق الوعيد الذي ختمت به السورة قبلها لرعاية التناسب بين ختام السورة السابقة وابتداء السورة اللاحقة.
مقاصد السورة:
ابتدأ الله السورة الكريمة بالقسم على صدق البعث وتحقيق وقوعه، ووقوع الجزاء - أقسم سبحانه - بمخلوقات من مخلوقاته لها آثارها الواضحة، وظواهرها الشاهدة، ومنافعها التي لا ينكرها أحد، ولا يجحد عقْلٌ فضلها على الإنسان والحيوان، والنبات، فإن الرياح تسوق الأمطار إلى جميع الأقطار، وتدفع السفن في البحار تحمل الأمتعة والأثقال والمسافرين، وتمخر عباب البحار، فتسهل كل صعب وتقرب كل بعيد، كل هذا مما يقع تحت العيان، ولا يستطيع أَن ينكره إنسان، كما أَن ما يتفاوت الناس فيه من أحوال وما يجرى عليهم من أحداث، وما يختلفون فيه من منازل وأرزاق مما يكون في الأبناء دون الآباء، أو في الآباء دون الأبناء، أو يحظى به العاجز الضعيف، ولا يدركه المتجبر العنيف، لا يكون إلاَّ بتقدير، وبتسخير من الحكيم الخبير.
وبعد أَن تؤكد الآيات أمر البعث والجزاء تكشف حال المنكرين للبعث والجزاء، وتسفه أقوالهم في الدنيا، وتصور مآلهم في الآخرة: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ. ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ).
ثم تخلص الآيات من هذا وذاك إلى المتقين فتشيد بما ينتظرهم في الآخرة من جميل النعيم في جنَّات وعيون، لقاء أعمالهم الصالحة في الدنيا من طاعة الله، والسهر في عبادته، والإنفاق الدائم في سبيله، متوخين الإحسان في كل أعمالهم، وسائر أحوالهم: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ).
стр. 4711
ثم تنتقل الآيات إلى الحديث عن دلائل القدرة، بأقوى ما يشد الانتباه، ويثير الفكر من نظر الإنسان في نفسه، وما أُودع فيه من عجائب الصنع، وبدائع الخلق، وتفكره فيما يحوى هذا الكون في سهوله ووهاده في أرضه وسمائه، وما يقدّر على الإنسان من أرزاق تقضى بها حكمة الكريم الرزاق، معقبة ذلك بما لا يدع مجالًا لمن ينكرون أو يتشككون: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ).
ثم تستهدف الآيات غرضًا آخر فتذكر طرفًا من قصص الرسل والأنبياء، وأحوالهم مع أقوامهم إعجازًا للقرآن الكريم بإخباره عن أحوال الغابرين، وتسلية للرسول ﷺ بذكر ما جرى لإخوانه من الرسل السابقين.
واختصت هنا طائفة من الرسل اشتدت معاناتهم مع أُممهم وأقوامهم، فذكرت إبراهيم وموسى ﵉ وعرضت للأمم التي أوغلت في الطغيان، وأغرقت في التجبر من أمثال عاد وثمود وقوم نوح، فلاقت أشد النكال وأسوأ المآل.
ثم عرضت الآيات إلى الحديث عن مظاهر القدرة ببناء السموات وامتدادها، وفرش الأرض وبسطها وتمهيدها، وتعدد المخلوقات وازدواجها مما لا يتحقق إلا بقدرة لا يقادر قدرها، وحكمة لا يدرك كنهها، ويقين يدفعنا إلى صدق الإيمان، ويسوقنا إلى الفرار إلى الله، والاعتماد عليه دون سواه.
ثم تختم السورة بالغرض الأسمى، والمقصد الأعلى، والغاية العليا من خلق الإنسان والجان، وهي توحيد الله - تعالى - وعبادته: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ثم تهدد الكافرين بسوء المصير: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ).
стр. 4712
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦))
المفردات:
(الذَّارِيَاتِ): الرياح تذرو الغبار وغيره.
(فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا) أي: فالحاملات السحب المثقلة بمياه الأمطار.
(فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا): فالسفن التي تجرى في البحار والأنهار في يسر وسهولة.
(فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا): فالملائكة التي تنفذ أوامر الله وقضاءه.
(إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ): إنما البعث الذي توعدونه لصادق.
(وَإِنَّ الدِّينَ): الجزاء يوم القيامة.
(لَوَاقِعٌ): حاصل.
التفسير
١ - ٦ - (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)):
اختتمت سورة (ق) بالتذكير بالوعيد، والتخويف من وقوعه. وافتتحت سورة الذاريات بتأكيد خبره، وصدق وقوعه إبداعًا في الإعجاز، وإحكاما للتنسيق بين السورتين.
стр. 4713
والمعنى: أقسم بالرياح التي تذرو الغبار، وتطيّر التراب والرمال، وتهب بين الزروع فتلقح الأشجار، وتدفع السفن في البحار والأنهار، وتسوق السحب إلى حيث يشاء الله بالأمطار، وأقسم بالسحب المثقلة الموقرة بالمياه التي تفرغها في الفيافى والقفار، وتجرى بها القنوات والأنهار، فيشربها الإنسان والحيوان، ويُروى بها الزروع والأشجار، ويعيش عليها جميع الكائنات، وأقسم بالسفن التي تمخر عباب المياه في يسر ورخاء تحمل الأمتعة والأحمال، وتعين على الترحل والانتقال، وتمكِّن من الانتفاع بخيرات البحار، وتربط بين الأقطار، في أمن وسلامة من البحار وأمواجها، وأقسم بالملائكة تنزل بأوامر الله وأقضيته فتجريها على الخلق كلّ بما قدر له رزقًا وحرمانًا وإحياءً وإماتةً، وإقامة وسفرًا، وصحة ومرضًا، وإنجابًا وعقمًا، وغير ذلك ممَّا يجرى على الإنسان بقضاء الله.
وقد ثبت من غير وجه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - أنه صعد منبر الكوفة فقال: لا تسألونى عن آية في كتاب الله، ولا عن سنة عن رسوله ﷺ إلا أنبأتكم بذلك، فقام إليه ابن الكوَّاء فقال: يا أمير المؤمنين … ما معنى قوله - تعالى -: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا؟) فقال على ﵁: الريح. قال: (فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا؟) قال: السحاب. قال: (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا). قال: السفن. قال: (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا) قال: الملائكة، ذكره ابن كثير، ومثله في الكشاف.
وقد أقسم الله بهذه الأشياء لكثرة ما فيها من المنافع، والمشاهد الواقعة بين الناس بحيث لا ينكرها أحد، ولما تتضمنه من الدلالة على وحدانية الله - تعالى - وتناهى قدرته، وبدائع صنعته.
وفي هذا القسم إشعار بأن لله - تعالى - أَن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وأنه يجوز للمخبر بأمر أو المتحدث عن شأن أَن يقسم على صدقه، وإن كان من القداسة أو المنزلة بحيث لا يتطرق إلى خبره شك تأكيدا للخبر، واهتمامًا بشأْنه. وقوله - تعالى -: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)) هو المقسم عليه، أي: إن الذي توعدونه من أمر البعث والثواب والعقاب والجنة والنار لصادق ثابت لا مجال فيه لريب، وإنَّ الجزاء على الأعمال لحاصل وواقع لا فوت منه، ولا مفرّ عنه فافعلوا فعلكم، وانتظروا جزاءكم.
стр. 4714
(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤))
المفردات:
(الْحُبُكِ) المراد من الحبك هنا: طرائق النجوم. وقال ابن عباس وغيره: ذات الخَلْق المستوى الجيد، من قولهم: حبكت الشيء: أحكمته وأحسنت عمله.
(مُخْتَلِفٍ): متخالف متناقض.
(يُؤْفَكُ عَنْهُ): يصرف عنه.
(الْخَرَّاصُونَ): الكذابون المقدرون ما لا صحة له.
(غَمْرَةٍ): في لُجَّة تغمرهم من الجهل والضلال.
(يَوْمُ الدِّينِ): يوم الجزاء وهو يوم القيامة، من: دِنْتُه، أي: جازيته.
(يُفْتَنُونَ): يعرضون على النار للحرق. وأصل الفتنة: عرض المعدن على النار لتظهر جودته، ثم استعمل في الإحراق.
التفسير
٧ - ١٤ - (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ):
стр. 4715
أكد القسم في الآيات السابقة صدق البعث والقيامة ووقوع الجزاء، ثم جاءت هذه الآيات وأنشأت قَسَمًا آخر يسفِّه عقول المشركين ويندد بغوايتهم وجهلهم فقال - تعالى -: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ).
والمعنى: وأقسم بالسماء ذات الطرائق المختلفة لمسيرة النجوم في خَلْق مستو وزينة منتثرة في نواحيها، إنكم أيها المشركون لفى قول متخالف متناقض متدافع فتعتقدون وجود الله، وتقولون بصحة عبادة الأصنام معه سبحانه، وتقولون في الرسول تارة: إنه مجنون، وأخرى إنه ساحر أو شاعر، والساحر لا يكون إلا عاقلًا حرِّيفًا، والشاعر لا يكون إلا موهوبًا متصرفًا وتقولون في شأن القيامة لا حشر ولا حياة بعد الموت، وتزعمون أَن أصنامكم شفعاؤكم عند الله يوم القيامة إلى غير ذلك من الأقوال المتضاربة، والآراه المتضادة.
ولعل النكتة في هذا القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها، وتنافى أغراضها بطرائق السموات في تباعدها، واختلاف هيئاتها،
وقوله - تعالى -: (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) معناه: يصرف عن القرآن أو عن الرسول ﷺ من صرف عن الخير إذ لا صرف أفظع وأشد منه، وقيل: يصرف عنه من صرف في علم الله وقضائه.
ويجوز أَن يكون الضمير في (عَنْهُ) للقول المختلف على معنى: يصدر إفك من إفك عن القول المختلف وبسببه.
وقوله - تعالى -: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) دعاءٌ عليهم كما في قوله - تعالى -: (قتل الإنسان ما أكفره) وأصله الدعاء بالقتل والهلاك، ثم جرى مجرى لُعن، أي: أُبعد الكذابون المقدرون لما لا يكون ولا صحة له عن رحمة الله، وهم أصحاب القول المختلف الذين هم في غمرة وشدة من الجهل والضلال غافلون ساهون عما أُمروا به: (يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ) أي: متى وقوع يوم الجزاء؟ لا يقصدون بالسؤال استعلامًا، ولكن يسألون سخرية واستبعادًا.
وقول - تعالى -: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) جواب لسؤالهم بما يسوءهم من الجزاء الذي لا محالة نازل بهم، أي: يكون هذا الجزاء يوم يعذبون ويحرقون بالنار - قال عكرمة: ألم تر أَن الذهب إذا أُدخل
стр. 4716
النار قيل: فُتِنَ، فهؤلاء يفتنون بالإحراق كما يفتن الذهب لإظهار حقيقته،
ويقول لهم خزنة جهنم امتهانًا وتبكيتًا: ذوقوا فتنتكم وعذابكم بالإحراق، هذا الذي كنتم تستعجلونه في الدنيا تكذيبًا وإنكارًا قد وافاكم، وحاق بكم فوقعتم فيه، وعرفتم صدقه.
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣))
المفردات:
(آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ): قابلين ما أعطاهم ربهم راضين به.
(يَهْجَعُونَ): ينامون. والهجوع: النوم ليلًا.
(الْأَسْحَارِ): جمع سَحَر، وهو الوقت الذي قبيل الصبح.
(حَقٌّ): نصيب وافر استوجبوه على أنفسهم.
(لِلسَّائِلِ): للمستجدى الذي يسأل الناس.
стр. 4717
(الْمَحْرُومِ): المحتاج المتعفف الذي لا يسأل الناس، ولا يفطن أحد لحاله فيحرم الصدقة.
(آيَاتٌ): دلائل واضحات.
التفسير
١٥، ١٦ - (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦)):
انتقلت الآيات بعد شرح أحوال المشركين، وعرض ما يستحقون من العذاب، وما أعدَّ لهم من سوء الجزاء إلى وصف أحوال المتقين وما ينتظرهم من نعيم لقاء ما أخذوا به أنفسهم في الدنيا من الإحسان، وقاموا عليه من الطاعة والانهماك في العبادة وبذل الصدقات، في سبيل الله عن رضًا وسخاء.
والمعنى: إن المتقين الذين سلكوا الطريق السَّوى فلزموا الطاعة ووقوا أنفسهم من مهالك الشرك، ومهاوى المعاصي سيسعدون في الآخرة بألوان مختلفة من النعيم في جنات متعددة الأشجار والثمار، تزيدها العيون الجارية فيها بالماء جمالًا وبهجة، وتزيد المتقين نعيمًا ومتعة، ويتلقون هذا النعيم راضين حامدين - وكيف لا يرضون وكل ما آتاهم حسن مرضى يُتَلقى بحسن القبول، وعظيم الرضا والشكر، فإن عملهم الصالح في الدنيا لا يساوى شيئًا بجانب هذا النعيم.
١٧، ١٨، ١٩ - (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ):
هذه الآيات بيان لأعمالهم الصالحة، وتعداد لصور من إحسانهم. أي: ومن جملة إحسانهم أنهم كانوا يسهرون ليلهم في العبادة، ولا ينامون من الليل إلا قليلًا، ومع طول السهر في العبادة وقلة الهجوع كانوا يداومون الاستغفار في السحر قبيل الفجر، ويحرصون على ذلك فلا يفوتهم. قال الحسن: مدّوا الصلاة إلى الأسحار، ثم أخذوا بالأسحار في الاستغفار.
стр. 4718
(وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ): وفي أموالهم نصيب وافر استوجبوه على أنفسهم لكل محتاج مستعرض للمسألة أو متعفف لا يسأل أحدًا ولا يفطن الناس له فيحرم من الإحسان والصدقة. والمقصود من هذا الحق الصدقة، لا الزكاة، لأن السورة مكية والزكاة مدنية، وقيل: المحروم هو الذي لا سهم له في الغنيمة، أو الغارم، والأصل هو أَن المحروم الممنوع الرزق لترك السؤال أو ذهاب المال أو غير ذلك ممَّا يصير به الإنسان فقيرًا ولا يتعرض للمسألة.
وفرَّق قوم بين الفقير والمحروم بأنه قد يحرمه الناس بترك الإعطاء وقد يحرم نفسه بترك السؤال، فإذا سأل لا يكون ممن حرم نفسه بترك السؤال، وإذا لم يسأل فقد حرم نفسه ولهم يحرمه الناس.
٢٠، ٢١، ٢٢ - (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ):
في هذه الآيات توجه إلى التدبر في آيات ومظاهر قدرته - تعالى - للانتفاع بذلك في ترسيخ العقيدة، وتعميق الإيمان، فإن من ينظر في آثار قدرة الله على الأرض التي تقلُّه، وفي نفسه وتكوين خلقه وجسمه، وفي السماء التي تظلُّه - إن من ينظر في ذلك كله - يجد من دلائل القدرة ما يدعم الإيمان، ويؤكد اليقين بالصانع الحكيم.
والمعنى: وفي الأرض التي تعيشون عليها، وتمشون في مناكبها دلائل على الصانع وحكمته وعلى الخالق وقدرته من حيث إنها كالبساط لما فوقها كما قال - تعالى -: ﴿الذى جعل لكم الأرض مهدا (١)﴾ وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها، وهي متنوعة بين سهل وجبل، وصلبة ورخوة، وخصبة وسبخة، ويتعدد فيها أنواع النبات وتسقى بماء واحد فتأتى بالثمار مخلتفة، ونفضل بعضها على بعض في الأكل، وكلها موافقة لحوائج الناس ومنافعهم في صحتهم واعتلالهم، وحلهم وترحالهم، وفيها من العيون المتفجرة والمعادن
стр. 4719
المتنوعة، والدواب المنبثة، والحشرات المختلفة في برها وبحرها المتعددة الصور والأشكال والحركات والأفعال من الوحشى والإنسيِّ، والنافع والمؤذى - في هذا كله آيات للموقنين الموحدين الذين يلتمسون سبل الهداية والسلوك السوى الموصل إلى المعرفة، فهم ينظرون بعيون باصرة، وأفهام نافذة، كلما رأوا آية عرفوا وجه تأوّلها فازدادوا إيمانًا على إيمانهم.
(وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) أي: وفي خلقكم آيات ودلائل، أي: وفي حال ابتداء خلقها، وتنقلها من حال إلى حال ما تتحير في تصوّره الأذهان - وحسبك بالقلوب - وما ركب فيها من عقول، وبالألسن والنطق ومخارج الحروف وما في تركيبها وترتيبها من الآيات الساطعة والبينات القاطعة، وناهيك بما سوّى في الأعضاء من المفاصل فإذا تعطل شيء منها جاء العجز، وإذا استرخى أناخ الذُّل؛ فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقوله - تعالى -: (أَفَلَا تُبْصِرُونَ): أغفلتم فلا تنظروا في أنفسكم فتبصروا هذا كلَّه بعين البصيرة وتقدروا نفعه لكم، وآثاره في حياتكم فيزداد إيمانكم، ويعظم شكركم.
وهو تعنيف على ترك النظر في الآيات الأرضية والنفسية.
(وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) أي: وفي السماء تقدير رزقكم وتعيينه، أو أسباب رزقكم من المطر، والشمس والقمر والمطالع والمغارب التي تختلف بها الفصول فتختلف المحاصيل، وتتنوع الأرزاق.
وذهب غير واحد إلى أَن المراد بالسماء السحاب، وبالرزق المطر، ومعنى قوله - تعالى -: (وَمَا تُوعَدُونَ) أي: الذي توعدونه من خير وشر، وثواب وعقاب، أو جنة ونار لأن الأعمال وثوابها مكتوبة مقدرة في السماء.
٢٣ - (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ):
هذا القسم لتأكيد المقسم عليه وتحقيقه، والأرجح في ضمير (إنَّهُ لَحَقُّ) أَن يكون راجعًا إلى كل ما تقدم من أول السورة.
стр. 4720
والمعنى: فورب السماء والأرض إن كل ما تقدم في هذه السورة من أخبار وأحوال، وأوصاف وتذكير حقٌّ واقع وأمر ثابت لا يرقى إليه شك، ولا يختلف في أحقيته أحد، وكما أنه لا شك لكم في أنكم تنطقون ينبغي ألا تشكوا في حقيته، فهو كما نقول: إن هذا حق مثل (١) أنك تبصر وتسمع.
روى في الأصمعى قال: أقبلت من جامج البصرة، فطلع أعرابيّ على قعود له.
فقال: مَن الرجل؟ قلت: من بني أصمع. قال: من أين أقبلت؟
قلت: من موضع يتلى فيه كتاب الرحمن. قال: اتلُ عليّ، فتلوت (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا … ) فلما بلغت قوله - تعالى -: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ). قال: حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولَّى.
فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف بالبيت، فإذا بمن يهتف بى بصوت دقيق فالتفت فإذا هو الأعرابى قد نحل واصفر فسلَّم عليَّ واستقرأنى السورة فلما بلغت الآية صاح وقال: ﴿قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾. ثم قال: وهل غير هذا؟ ﴿فوربِّ السماء الأرض … ﴾ فصاح وقال: يا سبحان الله. من الذي أغضب الجليل حتى حلف. لم يصدقوه بقوله: حتى ألجأوه إلى اليمين. قالها ثلاثًا، وخرجت معها نَفْسه.
التفسير
٢٤، ٢٥ - (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ):
هذه الآيات شروع في مقصد آخر من مقاصد هذه السورة يتمثل في عرض طائفة من القصص والأخبار الصادقة ليتسلى بها الرسول ﷺ ، ويتأسى بما لاقاه الأنبياء السابقون عن عنت أقوامهم، وعانوا من عنادهم وكفرهم وبما وقع للأمم التي أغرقت في العناد وأسرفت في الفساد، وأمعنت في الضلال والإضلال.
وقد بدأت هذا المقصد بحديث ضيف إبراهيم الذين استضافوه من الملائكة، واستهلته بالاستفهام المشوق إلى طرافة الحديث، المؤذن بأنَّهُ حديث تستلذه الأسماع، وتطيب بسماعه النفوس؛ لأنه مما لا يعلمه الرسول إلا بطريق الوحى.
والمعنى: هل أتاك - أيها الرسول - حديث ضيف إبراهيم الذين استضافوه من الملائكة المكرمين عند الله في المنزلة وفي شرف الوفادة، وعند إبراهيم ﵇ حيث قام على خدمتهم بنفسه وزوجه.
وقوله - تعالى -: (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ) توقيت للحديث أي: هل أتاك هذا الحديث وقت دخلوا عليه بيته فبادروه بقولهم: نؤمنك أمانا ونسلم عليك سلاما حتى لا يروعك ولا يخيفك دخولنا، قال ردًّا عليهم: عليكم سلام دائم، أو أمرى معكم سلام. وقوله: قوم منكرون، أي: أنتم قوم مجهولون عندي لا معرفة لي بكم، ولا عهد لي معكم، والظاهر أَن هذا خاطر حدَّث به نفسه، لأنه ليس من كرم الضيافة أَن يقول المضيف مهما كان لمضيفه: أنا لا أعرفك فضلا عن أَن يكون القائل إبراهيم، المضياف الكريم.
٢٦، ٢٧، ٢٨، ٢٩ - (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ):
стр. 4723
المعنى: فمال إلى أهله فور دخولهم عليه في خفية منهم فإن من حسن أدب المضيف أَن يبدأ ضيفه بالقرى، وأن يبادره به حذرًا من أَن يكفه ويمنعه، أو يعذره أو يصير منتظرًا، وقوله - تعالى -: (فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) أي: مكتنز لحمًا وشحمًا غير مهزول جاء به بسرعة.
(فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ) أي: فقدم الطعام إلى الضيف وطلب إليهم تناوله يقوله: ألا تأكلون؟ فهو بمثابة قولنا للضيف عند إحضار الطعام: تفضل لتناوله. ولم يقبل الضيف على الطعام، ولم يتقدموا للأكل
(فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) فأحس في نفسه خيفة وإشفاقا منهم، وعرفوا في ذلك منه (قالوا لا تخف) فقالوا له مطمئنين: لا تخف، وكشفوا عن حقيقتهم (وبشروه بغلام عليم) يشب ويكبر حتى يدرك مدارك الرجال، ويصير من أهل العلم والمعرفة، وهو إسحاق ﵇ لقوله تعالى -: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١)﴾ والظاهر أَن زوجه كانت تقف قريبًا من إبراهيم وضيفه بحيث تسمعهم ولا يرونها، فلما سمعت البشارة دهشت، ونسيت ما ينبغي منها
(فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) أي: فأقبلت عليهم في صيحة وضجة، وضربت جبهتها بأصابعها على عادة النساء إذا سمعن أمرا عجيبًا، وقالت: أنا عجوز عاقر، فكيف تتأتى هذه البشارة؟!! وكيف ألِد؟!!
٣٠ - (قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ):
قالت الملائكة: الأمر كما سمعت، أو مثل ذلك القول الكريم قال ربّك، وإنما نحن معبّرون بخبرك به - عنه تعالى - لا أنَّا نقول ذلك من تلقاء أنفسنا، إنَّه هو الحكيم الذي يضع الأمر في موضعه وضعًا متقنا، العليم الذي يكون قوله حقا لا محالة.
وقد تعددت رواية هذه القصة هنا وفي سورة هود وسورة الحجر، واختلفت أساليبها فبرز في كل واحدة من هذه الروايات جانب لم يظهر في الموقع الآخر على أسلوب القصص القرآنى إذا تعددت رواياته.
стр. 4724
(قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧))
المفردات:
(فَمَا خَطْبُكُمْ): فما شأنكم الخطير الذي جئتم من أجله.
(مُسَوَّمَةً): معلَّمة، من السُّومة - بالضم - وهي العلامة، أو مرسلة - من: أُسِيمت الإبل في المرعى إذا: أرسلت.
(لِلْمُسْرِفِينَ): للمُجاوزين الحدّ في الفُجُور.
(آيَةً): علامة دالة على ما أصابهم من عذاب.
التفسير
٣١ - (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ):
قال إبراهيم ﵇ لضيوفه المكرمين لما علم أنهم ملائكة وهم لا ينزلون إلا بإذن الله لأمر خطير ويفعلون ما يؤمرون: فما شأنكم العظيم الذي أرسلتم إليه غير البشارة بالغلام؟ وفيم جئتم؟.
٣٢، ٣٣، ٣٤ - (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ):
قالت الملائكة لإبراهيم: إنا أرسلنا من قبل الله إلى قوم مفرطين في العصيان، وهم قوم لُوط؛ لنُلقى عليهم حجارة من طين لا يعلم كنهها إلاَّ الله، وهذه الحجارة مسومة، أي: معلمة بما
стр. 4725
يدل على أنها ليست من طين أرضنا، وقيل: مسومة، أي: مرسلة، من: أُسيمت الإبل إذا أرسلت من (عند ربك للمسرفين) أي: أنها معدَّة في علم الله للمُجاوزين الحدّ في الفجور، التَّاركين ما أحل الله لهم من الطيبات، المقبلين على ما حرّم الله من الخبائث، حيث كانوا يأتون الذُّكران من العالمين مع كفرهم وشركهم.
ووضع الظاهر موضع ضميرهم في قوله - تعالى -: (للمسرفين) ذمًّا لهم بالإسراف بعد ذمّهم بالإجرام وإشارة إلى علَّة الحكم.
٣٥، ٣٦ - (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ): هذا الكلام حكايته من جهته - تعالى - لما جرى على قوم لوط ﵇ بطريق الإجمال بعد حكايته ما جرى بين الملائكة وبين إبراهيم ﵇ من الكلام، والفاء مفصحة عن جُمَل لم تذكر اكتفاء بذكرها في مواضع أخر، كأنه قيل: فقاموا من عنده وجاءوا لوطا فجرى بينهم وبينه ما جرى، فباشروا ما أُمِرُوا به فذلك قوله - تعالى -: (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين) أي: فأخرجنا من كان في قرى قوم لوط ممن آمن بلوط ﵇ فما وجدنا فيها غير أهل بيت من المسلمين، والمراد بهم - كما أخرج ابن المنذر عن مجاهد - لوط وابنتاه، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه قال: كانوا ثلاثة عشر. "آلوسى".
واحتجّ بهذه الآية من ذهب إلى رأى المعتزلة الذين لا يفرقون بين الإِسلام والإيمان لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين؛ لأن المعنى: فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فلم يكن المُخرَج إلاَّ أهل بيت واحد. وبهذا الرأى أخذ بعض أهل السنة ومنهم البخاري. قال ابن كثير: وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأن هؤلاء كانوا قومًا مؤمنين. وعندنا: أَنَّ كل مؤمن مسلم ولا ينعكس، فاتَّفق الاسمان هاهنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال. اهـ: ابن كثير ص ٢٣٦.
والوجدان في قوله - تعالى -: (فما وجدنا) معناه: العلم - على ما قاله الراغب - وذهب بعض الأجِلَّةِ إلى أنه لا يقال: ما وجدت كذا إلاَّ بعد الفحص والتفتيش، وحُمِل عليه معنى الآية، أي:
стр. 4726
فأخرج ملائكتنا (من كان فيها من المؤمنين) فما وجد ملائكتنا فيها (غير بيت من المسلمين).
٣٧ - (وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ):
أي: وتركنا في القرى التي أهلكناها وهي قُرى قوم لوط "وإضمارها بغير ذكر لشهرتها" - تركنا فيها - علامة دالَّة على ما أصابهم من العذاب الأليم وما نزل بهم من العقاب؛ ليكون ذلك عبرة بالغة وعظة نافعة للذين من شأنهم أَن يخافوا العذاب الأليم لسلامة فطرتهم ورقة قلوبهم، وهم المؤمنون، دُون من عداهم مِن ذوى القلوب القاسية فإنَّهُم لا يعتدون بها ولا يعتبرون بهذه الآيات، والمراد بها تلك الأحجار التي أهلكوا بها، وقيل: ماء مُنْتِن، قال الشهاب: كأنه بحيرة طبرية.
(وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦))
стр. 4727
المفردات:
(بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ): بدليل واضح له سلطان على القلوب، وهو ما ظهر على يديه من المعجزات.
(فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ): فأعرض فرعون بِقُوَّته وسلطانه عن الإيمان، ومنه قوله - تعالى -: "أوْ آوى إلى ركن شديد" وستأتى في الشرح معان أخرى.
(مُلِيمٌ): آت بما يلام عليه من الكفر والطغيان.
(الرِّيحَ الْعَقِيمَ): الشَّديدة التي لا خير فيها فقد دمرتهم.
(كَالرَّمِيمِ): كالشيء البالى الهالك المتفتِّت من عَظْم أو نبات أو غير ذلك.
(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ): فأهلكتهم الصّيحة، أو نار من السّماء.
التفسير
٣٨ - (وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ):
وفي قصة موسى عظة وعبرة إذ أرسلناه إلى فرعون مؤيدًا منَّا بسلطان مبين وهو ما أظهرناه على يده من معجزات باهرة وحجج واضحة ودلائل ظاهرة.
٣٩ - (فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ):
أي: فازْوَرَّ فرعون وأعرض عن الإيمان بما جاء به موسى من الحقّ المبين استكبارًا وعنادًا - على أَن رُكْنه جانب بدنه وعِطْفِه - والتَّولِّى به كناية عن الإعراض كِبرا وخيلاء وعجبًا، وقيل: تولى بما كان يتقوّى به من قومه وجنوده وملكه وسلطانه، والرّكن يستعار للقوة وقال فرعون عن موسى: لا يخلو أمره فيما جاءنا به من أَن يكون ساحرًا أو مجنونًا، كأن فرعون جعل ما ظهر على يديه ﵇ من الخوارق العجيبة منسوبة إلى الجن، وتردد في أنه حصل باختياره فيكون سحرًا، أو بغير اختياره فيكون جنونًا.
стр. 4728
وقال أبو عبيدة: (أو) بمعنى الواو؛ لأن القرآن حكى عن اللعين "فرعون" أنه قال "الأمرين" قال عن موسى مرة: ﴿إن هذا لساحر عليم﴾ (١) وقال مرة أخرى: ﴿إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ (٢) وهكذا كان يتلون تلون الحرباء.
٤٠ - (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ):
فأخذنا فرعون ومن اعتز بهم وتقوّى من جنوده وأعوانه فطرحناهم في اليم غير مقدِّرين لهم، ورميناهم في البحر غير مبالين بهم - فعلنا بهم ذلك - وفرعون مُرتكب ما يلام عليه من الكفر والطغيان لتكذيبه بالرّسول وادِّعائه الألوهية، وشاركه في ذلك جنوده فأُغرقوا معه، وفي الكلام من الدلالة على غاية عظيم شأن القدرة الربانية ونهاية قماءة فرعون وقومه وذلتهم أمام قدرة الله.
٤١ - (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ):
وفي قصة عاد وإهلاكهم عبرة وعظة إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم، وهي الشديدة التي لا خير فيها، فهي لا تُلقح شيئًا - كما أخرجه جماعة عن ابن عباس وصححه الحاكم - وفي لفظ: هي ريح لا بركة فيها ولا منفعة ولا ينزل منها غيث ولا يلقح بها شجر، كأنه شبّه عدم تضمن المنفعة بعقم المرأة.
وهذه الريح كانت "الدّبور" لما صحّ من قوله ﷺ : "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور".
٤٢ - (مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ):
أي: ما تدع من شيء مرّت عليه هذه الريح إلاَّ صيرته كالرميم، أي: كالشيء البالى المتفتِّت من عظم أو نبات أو غير ذلك، فالرميم من: رمّ الشيء، أي: بلى.
стр. 4729
وفسره السدى هنا بالتراب، وفسره ابن عيسى بالمنسحق الذي لا يُرَم، أي: لا يصلح، والشيء هنا عام مخصوص، أي: ما تذر الريح من شيء أراد الله تدميره وإهلاكه من ناس أو ديار أو شجر أو غير ذلك إلاَّ جعلته كالرميم، روى أَن الريح كانت تمر بالناس فيهم الرجل من عاد فتنتزعه من بينهم وتهلكه.
٤٣، ٤٤ - (وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ):
وفي قصة ثمود وإهلاكهم آيات، أي: عظات وعبر. إذ قيل لهم: تمتعوا في دياركم إلى وقت معلوم وهو وقت انقضاء آجالهم وفناء أعمارهم، فاستكبروا عن امتثال أمر ربهم وتعالوا عن الاستجابة لما دعاهم إليه الرسول فأهلكتهم الصاعقة وهي نار من السماء، وقيل: صيحة منها فهلكوا وهم ينظرون إليها ويعاينون وقوعها بهم؛ لأنها كانت نهارا.
وقال مجاهد: (وهم ينظرون) بمعنى ينتظرون، أي: وهم ينتظرون الأخذ والعذاب، وانتظار العذاب أشد من العذاب.
٤٥ - (فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ):
أي: فما تمكن أهل ثمود من النُّهوض للهرب حين نزول العذاب بهم ووقوعه عليهم، وما كانوا قادرين على الانتصار بدفع العذاب عنهم بغيرهم بعد أَن عجزوا عن دفعه بأنفسهم.
٤٦ - (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ):
أي: وأهلكنا قوم نوح من قبل هؤلاء المذكورين؛ لأنهم كانوا قومًا خارجين عن طاعة الله لما كانوا فيه من الكفر والمعاصي.
стр. 4730
(وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١))
المفردات:
(بِأَيْدٍ): بقوة.
(وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ): لقادرون، من الوُسْع: بمعنى الطاقة والقدرة.
(وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا): والأرض مهّدناها وبسطناها كالفراش للاستقرار عليها.
(زَوْجَيْنِ): صِنْفَين مزدوجين ونوعين مختلفين.
(فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ): فالجأوا إليه وسارعوا إلى طاعته.
التفسير
٤٧، ٤٨ - (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)):
يقول الله - تعالى - منبها على خلق العالم العلوي والسفلى؛ ليفكر الناس في بديع صنعه وعظيم خلقه فيعبدوه ولا يشركوا به شيئًا - يقول -: والسماء أحكمنا خلقها وجعلناها سقفًا محفوظًا بقوة عظيمة، وإنا لقادرون على أكثر من هذا، فقد وسعت قدرتنا كل شيء فضلا عن السماء، أي: قد وسعنا أرجاءها ورفعناها بغير عمد.
والآية الكريمة تشير إلى أَن التوسعة مستمرة على الزمن، وهو ما أثبته العلم الحديث، وعرف بنظرية التَّمدد التي أصبحت حقيقة علمية في أوائل هذا القرن، أشار إليها القرآن الذي