← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

بين يديه إجلالًا له، أولئك الذين أخلص الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرة لذنوبهم، وأجر عظيم على خفض أصواتهم عنده. ولفظ (امتحَنَ) من قولهم: امتحنْتُ الفضة، أي: اختبرتها حتى خَلَصتْ، وروى عن أبي هريرة أنه قال: لمّا نزلت: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ … ) قال أبو بكر: (والله لا أرفع صوتي إلا كأَخى السّرار) أي: إلا كصاحب المسارَّة، وقال عبد الله بن الزبير: لما نزلت: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ .. ) ما حدث عمر عند النبي ﷺ بعد ذلك فسمع كلامه حتى يستفهمه ممَّا يخفض، فنزلت: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ). (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)) المفردات: (يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ): يرفعون أصواتهم من خارج حجرات أزواجه ﷺ طالبين خروجه إليهم، وسيأتي الحديث عنهم. التفسير ٤ - (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ): كان الأعراب ذوى خشونة وجفاء في أخلاقهم وطباعهم قبل أن يدخلوا الإِسلام فيرقق طباعهم ويحسن أخلاقهم. وكان من عادة رسول الله ﷺ أن ينام القائلة - أي: نصف النهار - فجاء وفد من أعراب بني تميم يفادون أسراهم عند رسول الله ﷺ فجعلوا ينادونه من وراء الحجرات أن يخرج إليهم دون أن ينتظروه حتى يخرج من حجرته، فأنزل الله عليه تلك الآية.

стр. 4657

قال مجاهد وغيره: نزلت في أعراب بني تميم؛ قَدِم الوفد منهم على النبي ﷺ فدخلوا المسجد ونادوا النبي ﷺ من وراء حجراته: أن اخرج إلينا فإن مدحنا زَيْنٌ وذمنَا شَيْنٌ، وكانوا سبعين قدموا لفداء ذرارى لهم، وكان النبي ﷺ نَام القائلة. وروى أن الذي ناداه منهم هو الأقرع بن حابس، وأنه هو القائل: إن مدحى زين وإن ذمى شين، فقال النبي ﷺ : "ذاك الله" رواه الترمذي عن البراء بن عازب، والمراد من قوله ﷺ : "ذاك الله" أن الذي مَدْحُهُ زين وذمه شين هو الله تعالى. وفي رواية عن زيد بن أرقم قال: "أتَى أناس النبي ﷺ فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يك نبيًّا فنحن أسعد الناس باتباعه، وإن يك مَلِكًا نَعِشْ في جنابه فأَتوا النبي ﷺ فجعلوا ينادونه: يا محمَّد، يا محمَّد. وهناك روايات أُخرى لسبب النزول، وحَسْب القارئ ما تقدم. والحجرات جمع حجرة (١) والمراد بها بيوت النبي ﷺ التي أسكن فيها زوجاته، وقد بينت الآية أن أكثر هؤلاء المنادين لا يعقلون، ويفهم منها أن أقلهم يعقلون وهم الذين لم يوافقوا على ندائه قبل أن يخرج إليهم. والمعنى الإجمالي للآية: أن الأعراب الذين ينادونك - أيها النبي - من وراء الحجرات وقت راحتك في النهار أو الليل، أكثرهم لا يعقلون، حيث لم يفرقوا بين ما يليق وما لا يليق وقد أوضح الله لهم ولغيرهم كيف يكون الأدب مع رسول الله ﷺ فقال: ٥ - (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ): كان النبي ﷺ لا يحتجب عن الناس إلا في أوقات يشتغل فيها بمهمَّات نفسه، وذلك حقٌّ له، فمن سوء الأدب إزعاجه وقت راحته، وعلى من أراد لقاءه أن ينتظره حتى يخرج.

стр. 4658

ومعنى الآية: ولو أن هؤلاء الذين نادوك من وراء الحجرات وأنت مستريح - لو أنهم - انتظروك حتى تخرج إليهم، لكان انتظارهم وصبرهم خيرا لهم في دينهم ودنياهم، والله - تعالى - واسع المغفرة شامل الرحمة، فيقبل التوبة ممن تاب وآمن، ومن هذا الأدب نعلم أنه ينبغي أن لا ينادى الناس بعضهم بعضًا من وراء مساكنهم، وأن لا يستأذنوا في أوقات الراحة، وينبغى أن يكون الاستئذان بالقرع الخفيف على الباب، وقد قام مقامه الضغط على (زر الكهرباء) ليصلصل الجرس، فإذا فتح للطارق سلم على من فتح له. أي: قال له: السلام عليك، ولا يدخل البيت إلا بإذن ممن له حق الإذن، وفي هذا يقول الله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (١). (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ في كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)

стр. 4659

المفردات: (فَاسِقٌ): مرتكب للمعصية خارج عن الطاعة، من فَسَقت الرُّطبة: خرجت عن قشرها. (بِنَبَإٍ): بخبر. (فَتَبَيَّنُوا): فتثبتوا. (أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ): لئلا تعتدوا على قوم بغير علم. (لَعَنِتُّمْ): لأصابكم العنت وهو المشقة والإثم. (أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ): أولئك هم المستقيمون على طريق الحق مع تصلب فيه، من الرشاد: وهي الصخرة. التفسير ٦ - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ): الخبر الكاذب تكون آثاره بعيدة عن الصواب مجانبة للحق، ولذا ينبغي التدقيق في التعرف على راوى الخبر، هل هو ممن عرف بالصلاح والصدق فيقبل خبره، أم هو ممن عرف بالفسق والكذب فيتحرى عن خبره ويتثبت منه. ولهذا أنزل الله هذه الآية الكريمة لتوعية المسلمين بالتدقيق في تلقى الأخبار، لما يترتب على قبولها من الفساق من سيء الآثار. سبب نزول الآية: روى سعيد عن قتادة أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عُقْبَة مُصَّدِّقًا إلى بني المصطلق - أي: جابيًا للصدقة منهم وهي الزكاة - فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم لإحة كانت بينه وبينهم - كما جاء في بعض الروايات - فرجع إلى النبي ﷺ فأخبره بأنهم قد ارتدوا عن الإِسلام، فبعث نبى الله ﷺ خالد بن الوليد، وأمره أن يتثبت ولا يعجل، وانطلق خالد حتى أتاهم

стр. 4660

ليلًا، فبعث عيونه - أي: جواسيسه - فلما جاءُوا أخبروا خالدا أنهم متمسكون بالإِسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أَتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه، فعاد إلى النبي ﷺ فأخبره فنزلت الآية، فكان نبي الله يقول: "التأني من الله والعجلة من الشيطان". وجاء في رواية أُخرى أن وفدهم قدم على النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله ﷺ سمعنا رسولك فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدى إليه ما عندنا من الصدقة، فاستمر راجعًا، وبلغنا أنه يزعم لرسول الله ﷺ أنا خرجنا لنقاتله، والله ما خرجنا لذلك، فأنزل الله هذه الآية. هل كان الوليد فاسقًا؟: تقول الآية: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) وهي تشير إلى أن الوليد كان فاسقًا، فكيف يبعثه النبي لجلب الصدقة من المسلمين؟ والجواب: أنه لم يكن يعلم بحاله، فلما أرسله وحدث منه ما حدث ظهر فسقه، فنزلت الآية: للتحذير من قبول من يحتمل أنه فاسق حتى يتبينوا. المعنى للإجمالى للآية: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله: إن جاءكم من يحتمل فسقه بخبر خطير فتثبتوا من صدقه، لكي لا تصيبوا قومًا وتعتدوا عليهم وأنتم جاهلون للحقيقة، فتصبحوا نادمين على ما فعلتم من التسرع في الانتقام منهم، قبل التثبت من حال خبرهم، وذلك حين تظهر الحقيقة مخالفة للخبر بعد التورط في آثاره. ٧ - (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ في كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ): المعنى: واعلموا يا صحابة رسول الله أن فيكم رسول الله فاصْدقوه ولا تكذبوه، وعظموه ووقروه، وتأدبوا معه وانقادوا لأمره، فإن أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم، فلو سارع إلى ما أردتم قبل وضوح الأمر، لنالتكم المشقة والإثم،

стр. 4661

فإنه لو قاتل الذين كذب عليهم الوليد بن عقبة، لكان خطأً كبيرًا، ولأصاب العنت، والإثم الوليد بن عقبة الذي أراد قتالهم ولأصاب من كان على رأيه منكم. ثم خاطبهم الله مشيرًا إلى أنهم - مع خطئهم في المشورة في كثير من الأمور - مقيمون على الحق فقال: (وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ) أي: ولكن الله حبب إليكم الإيمان بالله ورسوله وحسَّنه في قلوبكم حتى اخترتموه (وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) فرفضتموها (أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) أولئك الموصوفون بهذه الصفات هم المستقيمون على طريق الحق مع تصلب فيه. والرشد مأخوذ من الرشادة، وهي الصخرة، كما تقدم في المفردات. ٨ - (فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ): أي: فعل الله ذلك بكم فضلا وإنعامًا منه، والله عليم بما يصلحكم، حكيم في تدبير أموركم. (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)) المفردات: (طَائِفَتَانِ): جماعتان. (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا): فإن تعدت وظلمت.

стр. 4662

(حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ): حتى ترجع إلى أمره. (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الإقساط (١): العدل أي: واعدلوا في الإصلاح بين الطائفتين إن الله يحب العادلين. التفسير ٩ - (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) الآية: مقدمة: بعث الله محمدًا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولا يتحقق ذلك إلا بالوحدة وعدم التفرق بين المسلمين، امتثالا لقوله - تعالى -: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا .. ﴾ (٢) فإذا وسوس الشيطان بين فريقين منهم حتى اقتتلوا، وجبت المسارعة إلى الإصلاح بينهما، كما كان النبي ﷺ يصنع مع أصحابه، وعلى الفريقين أن ينقادوا إلى الصلح حقًّا على الوحدة بين المسلمين، ومن أجل ذلك نزلت هذه الآية والتي تليها. سبب النزول: روى المعتمر بن سليمان عن أنس بن مالك قال: (قلت: يا رسول الله، لو أَتيت عبد الله بن أبَيٍّ - يعني ابن سلول رأس المنافقين - فانطلق إليه النبي ﷺ فركب حمارًا وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي ﷺ قال: إليك عني، قد أذاني نَتَنُ حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لَحِمَارُ رسول الله ﷺ أطيب ريحًا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم حرب بالجريد والأيدى والنعال، فبلغنا أنه أنزل فيهم هذه الآية (٣) وعلى أساسها أصلح النبي بينهم.

стр. 4663

وقال مجاهد: نزلت في الأوس والخزرج، قال مجاهد: تقاتل حيَّان من الأنصار بالعصى والنعال فنزلت. وتوفيقًا بين الروايتين نقول: إن عبد الله بن أُبي بن سلول والذين تعصبوا له أَوسيون والذين جابهوهم خزرجيون وعلى رأسهم عبد الله بن رواحة كما جاء في إحدى الروايات. كيف يكون الإصلاح بينهما؟ يكون الإصلاح بين الطائفين المتقاتلتين من المؤمنين بالعدل وعدم التحيز إلى فئة على حساب الأُخرى، فإن دين الإِسلام دين مساوة، وبذلك ترضى نفوسهما ويزول ما بينهما، ومن وسائل الصلح التنازل عن حق الإمارة، فقد بويع الحسن بن علي ﵄ بعد قتل أبيه، ثم تنازل عن حقه في الإمارة والخلافة، حقْنًا لدماء المسلمين وجمعا لكلمتهم وقد أَخبر النبي ﷺ بذلك في طفولة الحسن. روى الإِمام البخاري بسنده عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ خطب يومًا ومعه على المنبر الحسن بن عليٍّ، فجعل ينظر إليه مَرَّةً وإلى الناس أخرى ويقول: "إن ابني هذا سيِّدٌ، ولعل الله - تعالى - أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" فكان كما قال ﷺ فقد أصلح الله به بين أهل الشام وأهل العراق، بعد الحروب المدمرة التي كانت بين أبيه وبين معاوية. (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ): أي: فإن تطاولت إحداهما على الأخرى ولم تستجب للصلح فهي باغية عليها، فيجب على المسلمين قتالها حتى ترجع إلى حكم الله في كتابه وسنة رسوله، فإن رجعت إليه فكُفُّوا عن قتالها، وأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين.

стр. 4664

بعض ما يستنبط من أحكام الآية: ١ - استدل البخاري وغيره بالآية على أن المؤمن لا يخرج عن إيمانه بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقول الخوارج وفريق من المعتزلة، والآية صريحة في ذلك، فإنها سمّتهم (المؤمنين) مع قتالهم، وكما صرح به الحديث الصحيح السابق "ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". ٢ - دلت الآية على وجوب قتال الفئة الباغية على الإِمام وعلى سواه من المسلمين، كما أنها حجة على من منع قتال المؤمنين مطلقًا، محتجًا بقوله ﷺ : "قتال المؤمن كفر" فلو كان قتال المؤمن الباغى كفرًا، لكان أمر الله بقتاله أمرا بما يكفر، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا - كما أن هذا أقول مخالف لقوله ﷺ : "خذوا على أيدى سفائكم" ولو كان قتال المؤمن محرمًا على الإطلاق، لما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة مانعى الزكاة من المؤمنين. وقد أمر الصديق أن لا يتبع فارٌّ، ولا يجهز على جريح منهم، ولا تَحِلُّ أَموالهم، بخلاف الواجب في الكفار. ويقول الطبرى: لو كان الواجب في كل خلاف بين فريقين الهرب منه ولزوم المنازل، لما أُقيم حَدٌّ ولا أُبطل باطل، ولوجد أَهل النفاق والفجور سبيلا إلى استحلال كل ما حرم عليهم من أموال المسلمين، وسبق نسائهم وسفك دمائهم، بأن يتحزبوا عليهم ويكف المسلمون أيديهم عنهم، وذلك مخالف لقوله ﷺ : "خذوا على أيدى سفهائكم": إهـ. فلذلك كله يحمل حديث "قتال المؤمن كفرٌ" على قتال غير البغاة منهم استحلالًا له. قتال علي ومعاوية: كان القتال لشبهة قامت بينهما، فالإمام عليٌّ طلب البيعة من أهل الشام وعلى رأْسهم معاوية، ومعاوية طلب الأخذ بثأر عثمان ممن يوجد منهم في معسكر علي، فكان عليٌّ يقول: ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق تصلوا إليه، وكان معاوية ومن معه يقولون: لا تستحق البيعة وقتلة عثمان معك تراهم صباحًا ومساءً.

стр. 4665

وكان عليٌّ أحسن رأْيا من معاوية في هذا؛ لأنه لو قتل الذين قتلوا عثمان قبل تمام البيعة، لتعصبت لهم قبائلهم وصارت حربا أُخرى، فانتظر بهم أن يستوثق الأَمر وتنعقد البيعة، ويقع الطلب من أولياءِ دم عثمان في مجلس الحكم، فيجرى القضاءُ بالحق والمسلمون يد واحدة. ٣ - يستنبط من قوله - تعالى -: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ أن لا يطالبوا بما جرى بينهما من دم، ولا ما أُنفق من مال، ففي طلب ذلك منهم تنفير لهم عن الصلح. ٤ - قال القرطبي: لا يجوز أن يُنْسبَ إلى أحد من الصحابة خطأٌ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه، وأرادوا الله ، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا الله بالكف عما شجر بينهم، وأن لا نذكرهم إلا بأحسن الذكر لحرمة الصحبة، ونهي النبي ﷺ عن سبهم، وذكر أن الله غفر لهم وأخبر بالرضا عنهم، قال - تعالى - في سورة التوبة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ … ﴾ (١) وقال في سورة الفتح: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ … ﴾ (٢) هذا مع ما ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبي ﷺ "أن طلحة شهيد يمشي على الأرض" فلو كان ما خرج له معصية لم يكن بالقتل فيه شهيدًا. ثم قال القرطبي: وسئل بعضهم عن الدماء التي أُريقت فيما بينهم فقال: تلك دماء طهر الله منها يدي فلا أُخضِّب بها لساني. يريد التحرز من الحكم على بعضهم بما لا يكون مصيبًا فيه. ثم قال القرطبي: وقال الحسن البصري: قتال شهده أصحاب محمَّد ﷺ وغِبْنَا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا. قال المحاسبي: فنحن نقول كما قال الحسن، ونعلم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا، ونتبع ما اجتمعوا عليه، ونقف

стр. 4666

عما اختلفوا فيه، ولا نبتدع رأيًا مِنَّا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله إذ كانوا غير متهمين في الدين - انتهى ما قاله القرطبي وما نقله عن غيره بتصرف يسير. ١٠ - (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ): إنما المؤمنون إخوة في الدين، والأُخوة فيه أَقوى من الأخوة في النسب، فاتقوا الله في الإصلاح بينهم لعلكم ترحمون في الدنيا والآخرة. أخرج الصحيحان بسنديهما عن النبي ﷺ أنه قال: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا - ويشير إلى صدره - بِحسبِ امرئ من الشر أَن يَحْقِرَ أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه". رأى علي فيمن قاتلوه: سئل الإِمام على ﵁ عمَّن قاتلوه: أمشركون هم؟ قال: لا، من الشرك فَرُّوا، فقيل له: أَمنافقون هم؟ قال: لا؛ لأَن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا، فقيل له: فما حالهم؟ قال: إخواننا بَغَوْا علينا. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)) المفردات: (قَوْم): هم الرجال دون النساء. (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ): ولا يعب بعضكم بعضًا.

стр. 4667

(بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) أي: بئس أن يسمى المسلم كافرًا أو زانيًا بعد إيمانه. التفسير ١١ - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ … ) الآية: من أهداف الإِسلام العظمى أن يجعل المؤمنين مجتمعا فاضلا يقوم على مكارم الأخلاق، وقد اشتملت هذه الآية على آداب رشيدة من دستور الإِسلام الخلقي، وبيان ذلك فيما يلي: نهى الله المؤمنين في صدر هذه الآية عن سخرية بعضهم ببعض، والاستهزاء بهم، والقوم يطلق على الرجال بخاصة، وقد يدخل النساءُ في القوم مجازًا، ولكن الله شاءَ أن يعني بهذه النسخة، فنهى النساء عنها نهيًا مستقلا عن نهى الذكور لكثرة وقوعها بينهن. سبب نزول الآية: اختلف فيه، فقال الضحاك: نزلت في وفد بني تميم الذين تقدم ذكرهم في تفسير أول السورة، استهزءُوا بفقراء الصحابة مثل عمَّار وخباب وابن فهيرة، وبلال وصهيب وسلمان الفارسي، وسالم مولى أَبي حذيفة وغيرهم حين رأوا رثاثة حالهم، فنزلت في الذين آمنوا من هؤلاء المستهزئين. وقيل: نزلت في عكرمة بن أبي جهل حين قدم المدينة مسلمًا، وكان المسلمون إذا رأَوه قالوا: ابن فرعون هذه الأُمة، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ فنزلت، وقيل غير ذلك. وسواءٌ كان السبب هذا أَو ذاك أو غيرهما، فالمراد أَن لا يقدم أحد من الرجال أَو النساء على الاستهزاء ممن يقتحمه بعينه إذا رآه رث الهيئة أَو ذا عاهة في بدنه أو غير ذلك، فلعله أَخلص ضميرًا وأنقى قلبًا ممن هو على ضد صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله.

стр. 4668

وقد كان السلف يبالغون في البعد عن السخرية، وهو لا يكلفنا شيئًا، فينبغى أن نكون مثلهم، فالعبرة في الإِسلام بالقلوب لا بهيئات الناس ومظاهرهم قال ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" وإذا رأيت إنسانا على معصية فانهه ولا تسخر منه. ويقول الله - تعالى -: (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) واللمز: العيب، وقد يكون باللسان أو الإشارة أو العين أو غير ذلك، وقال: (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) ولم يقيل: ولا يلمز بعضكم بعضًا، ليشير بذلك إلى أَن المؤمنين كنفس واحدة، فمن عاب غيره منهم فكأَنما عاب نفسه، قال ﷺ : "المؤمنون كجسد واحد، إن اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" أو: لا تفعلوا ما تلمزون به؛ فإن من فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه. ثم يقول الله - تعالى -: (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ) والنَّبَزُ - بالتحريك -: اللقب، ويكثر إطلاقه على لقب السوء، وبالتسكين (النَّبْزُ) المصدر، تقول: نبزه ينبز نبزًا: إذا لقبه بما يسوءُه، أخرج الترمذي في سبب نزولها عن أبي جبير بن الضحاك قال: كان الرجل منا يكون له الاسمان والثلاثة، فيدعى ببعضها فعسى أن يكره، فنزلت هذه الآية (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ) قال: هذا حديث حسن. وقال قتادة: هو قول الرجل للرجل: يا فاسق، يا منافق. ومن الآية وسبب النزول عرفنا أن تلقيب الرجل بما يكره منهى عنه. وجاءَ في الآية ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ أي: بئس أن يسمى الرجل كافرًا أو فاسقًا بعد إسلامه وتوبته، روى أن أبا ذرٍّ كان عند النبي ﷺ فنازعه رجل، فقال له أبو ذر: يا ابن اليهودية، فقال ﷺ : "ما ترى؟ ها هنا أحمر وأسود؟ ما أنت بأفضل منه". وقيل في معنى الآية: إن من لقَّب أخاه أو سخر منه فهو فاسق.

стр. 4669

واستثنى من ذلك ما غلب عليه الاستعمال ولم يكن لصاحبه فيه كسب ولا يتأذى منه، لأَنه لمجرد التمييز لا الإيذاء، كالأَعرج والأَحدب والطويل والقصير، ومثل ذلك قد يأتي في أسانيد الحديث ورجاله. ويجوز تلقيب الإنسان بما يحب، ولهذا لقب الرسول ﷺ عُمَرَ بالفاروق، وأبا بكر بالصديق، وعثمان بذى النورين، قال ﷺ : "من حق المؤمن على المؤمن أن يسميه بأحب أسمائه إليه" ولهذا كانت التكنية من السنة والأدب الحسن، وقد لقب أبو بكر بالعتيق كما لقب بالصديق، وحمزة بأسد الله، وخالد بن الوليد بسيف الله. المعنى الإجمالي للآية: يا أيها الذين شرفهم الله بالإيمان: لا يسخر أحد من أحد، فلا يستهزئ الرجال بالرجال، ولا النساءُ بالنساء، عسى أن يكون المسخور به خيرًا عند الله من الساخر؛ لنظافة قلبه وصفاءِ نفسه، ولا يَعِبْ بعضكم بعضا بالقول أو الإشارة أو نحوهما، فإن المؤمنين كنفس واحدة، فإذا لمزتَ أخاك وعبتهُ فكأنَّما لمزت نفسك وعبتها، بئس الوصف الفسوق بعد الإيمان، فمن حق الإيمان أن يعصم الناس عن أن يعيب بعضهم بعضا، فإذا فعل المؤمن ذلك فقد فسق بعد الإيمان، وذلك أمر لا يليق بالمؤمنين، ومن لم يتب من الاستهزاء بغيره وتنقيصه بالعيب فيه، فأولئك هم الظالمون لأنفسم ولإخوانهم المؤمنين.

стр. 4670

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)) المفردات: (الظَّنِّ) المراد به في الآية: الاتهام. (ولا تَجَسَّسُوا) التجسس: هو البحث في خفية عما يكتم عنك. (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا): لا يتحدث عنه في غيبته بما يكره. (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ) الشعوب: رءُوس القبائل كربيعة ومضر، والقبائل فروعها، وقال ابن عباس: الشعوب: الجمهور، والقبائل: الأفخاذ. التفسير ١٢ - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ … ) الآية: بعد أن بين الله - تعالى - في الآية السابقه تحريم السّخرية والتنابز بالألقاب، جاءَ بهذه الآية استكمالا لحقوق المسلم على أخيه. وقد اشتملت هذه الآية على تحريم سوء الظن بالناس، والتجسس عليهم، وحديث السوء عنهم في غيبتهم، وقد جاء في الصحيحين واللفظ للبخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ

стр. 4671

قال: "إياكم والظَّن، فإن الظن أكذبُ الحديثِ، ولا تجسسوا، ولا تباغضوا، ولا تنابزوا وكونوا عباد الله إخوانًا". والظَّن في الآية والحديث هو الاتهام، فلا يحل لمسلم أن يتهم أخاه، صيانة لأعراض الناس وتأمينًا لهم من سوء السمعة بدون مقتض، ومنعًا للعداوة وآثارها. ويفهم من النهي عن كثير من الظن أنه يجوز بعض الظن، وذلك إذا وجدت أَمارة تقتضيه، قال القرطبي: والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها، أن كل ما لم نعرف له أمارة صحيحة وسببا ظاهرا كان حرامًا واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأُونست منه الأمانة في الظاهر، فظنُّ الفساد به والخيانة محرم، بخلاف من اشتهر عند الناس بتعاطى الرِّيب، والمجاهرة بالخبائث. ونزيد على ذلك فنقول: إنه لا ينبغي أن تتهم إنسانا بأَنه هو الذي أَحدث لك بعض الأضرار في أرضك أو بيتك أو سمعتك، ما لم تقم أَمارة قوية على ذلك، حتى لا تتورط معه فيما يضرك ويضره، فربما كان ما أصابك مِمَّن يظهر لك مودة وأنت به واثق. ويجوز الحذر من شخص أو أشخاص، خشية أن يأتيك ضرر من جهتهم، وليس لك أن تتهمهم بغير دليل، فإن اتهمتهم لوجود أمارة تدل عليه ذلك الحق في اتهامهم، ولكن ليس لك الحق في الانتقام منهم، فربما كانوا برآء، وعليك أن تلجأَ إلى القضاء، فهو الذي يفصل الحق من الباطل. ويجوز التجسس لتوقى هذه الأضرار، دون أي مساس بحرمات من تتجسس عليه، وكان عمر بن الخطاب يفعل ذلك. قال عمر بن طلحة في كتابه (العقد الفريد للملك السعيد): وأما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فإنه بذل جهده في تسديد الأمور، وسدِّ الثغور وسياسة الجمهور، وكان علمه بمن نأَى عنه من عماله ورعيته كعلمه بمن بات معه على مهاده، فلم يكن له في قطر من الأقطار والٍ ولا عاملٌ ولا أمير إلا وله عليه عَينٌ (أي: جاسوس)

стр. 4672

لا يفارقه، فكانت أخبار الجهات كلها عنده كل صباح ومساء، حتى أن العامل كان يتوهم في أقرب الخلق إليه أنه عين عليه: انتهى بتصرف. والتجسس: هو البحث في خفية عما يكتم عنك، ومنه قيل: رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور الخفية. والمقصود من النهي عنه في الآية أن يأْخذ المؤمنون ما ظهر من الناس، ولا يتبعوا عورات المسلمين، فلا يبحث المسلم عن عيب أخيه ليطلع عليه بعد أن ستره الله، عن أبي بَرزَة الأسلمى قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإن من تتبع عورة أخيه يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته". وجاء عن زيد بن وهب قال: أُتِيَ ابن مسعود فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا، فقال عبد الله: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيءٌ نأخذْ به. (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا): الغيبة: أن تذكر أخاك في غيبته بما فيه من المكاره، فإن ذكرته بما ليس فيه فهو البهتان. ففي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون ما الغيبة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذِكرُكَ أخاكَ بما يَكره" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقولُ فقدِ اغتَبتَهُ، وإن لم يكن فقدْ بَهتَّهُ". والمقصود من هذا صيانة أعراض الناس، وتركهم إلى الله فيما بينهم وبينه. (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا): هذه الجملة تشير إلى أن غيبة المؤمن تشْبه أكل لحمه ميتًا، واستعمال أكل اللحم مكان الغيبة مأْلوف في كلام العرب، قال شاعر منهم: فإن أكلوا لَحْمي وَفَرْتُ لُحومَهم … وإن هدموا مَجْدِي بنيْتُ لهم مجدًا

стр. 4673

وقد مثل الله الغيبة بأكل الميتة؛ لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما أن الحيَّ لا يعلم بغيبة من اغتابه، وقال ابن عباس: إنما ضرب هذا المثل للغيبة؛ لأن أكل لحم الميتة حرام مستقذر، وكذا الغيبة حرام في الدين، وقبيحة في النفوس. والغيبة تأْكل الحسنات، قال ﷺ : "ما صام من ظل يأكل لحوم الناس" والغيبة تكون في الدين والأخلاق والخِلْقة والحسب والنسب، ولا خلاف بين العلماء في أنها من الكبائر، فعلى المغتاب أن يتوب إلى الله. كيف تكون التوبة من الغيبة؟ اختلف العلماء في كيفية التوبة منها، فقال بعضهم: هي مظلمة يكفى فيها الاستغفار لمن اغتابه إلى جانب الاستغفار لنفسه، وقال آخرون: هي مظلمة لا بد في التوبة منها من طلب العفو ممن اغتابه، لقوله ﷺ : "من كانت له مظلمة لأخيه من عِرْضه أو شيء". فليتحلله منه قبل أن لا يكون له دينارٌ ولا درهم، وإن كان له عملٌ صالح أُخذ منه بقدر مَظلمته، وإن لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ من سيئاتِ صاحبِه فحُمِل عليه" أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة. من لا غيبة لهم: لا تحرم الغيبة للفاسق المجاهر بفسقه، ولا في عرض الشكوى على القاضى، كقولك: فلان ظلمنى أو خاننى أو نحو ذلك، ولا في الاستفتاء كقول هند عن زوجها أبي سفيان: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطينى أنا وولدى، أفآخذ من غير علمه؟ فقال: "فخذي بالمعروف". ولا تحرم في النصيحة والتحذير، ولا في التعريف: كفلان الأعرج أو الأعمى. (فَكَرِهْتُمُوهُ): أي: فكرهتم أكل لحم أخيكم ميتا، فكذلك فاكرهوا غيبته، وقيل: لفظه خبر ومعناه أمر، أي: فاكرهوا غيبته. (وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ):

стр. 4674

ختم الله الآية بهذه الجملة، لحمل الناس على ترك الغيبة وعلى التوبة منها. والمعنى: واتقوا الله بترك الغيبة والتوبة إليه منها ومن سائر الذنوب إن الله تواب رحيم يقبل التوبة من التائبين، ويعفو عن سيئات المسيئين، إذا حسنت توبتهم لرب العالمين. ١٣ - (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ): بعْدَ أن ذكر الله - تعالى - تلك الآداب السامية التي حفلت بها هذه السورة، ختمها بلون من الأدب العالى، وهو تعليم عباده أَن لا كرم ولا شرف عند الله إلا بالتقوى كيفما كانت الأحساب والأَنساب، حتى لا يتعالى بعضهم على بعض بغير حق، فكل الناس من آدم وحواء، فلا وجه للتعالى بالأحساب والأَنساب؛ ليظل الناس إخوة متواضعين متحابين. وجاءَ في معنى الآية في كتاب (آداب النفوس) للطبراني بسنده عن أبي نضرة قال: حدثني - أو حدثنا - من شهد خطب رسول الله ﷺ بمنى في وسط أيام التشريق وهو على بعير فقال: "يا أيها الناس: ألا إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإن أباكم واحدٌ، أَلا لا فضل لعربيٍّ على عجمي ولا عجمى على عربى، ولا أسود على أحمر، ولا لأحمرَ على أسود إلا بالتقوى، ألَا هَلْ بلَّغت؟ قالوا: اللهم نعم، قال: "لِيبلغ الشاهدُ الغائب". سبب نزول هذه الآية: أخرج أبو داود بسنده عن الزهرى - مُرسلًا - قال: "أمر رسولُ الله ﷺ ، بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم، فقالوا لرسول الله ﷺ : أنزوج بناتنا مَوالينا؟ فأنزل الله : (إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ) وقيل في سبب نزولها غير ذلك، ولا مانع من نزولها من أجل عدد من الحوادث المتشابهة.

стр. 4675

وقد عرف من الآية والحديث وسبب النزول أن الناس متماثلون في الآدمية، فلا شرف فيهم إلا بتقوى الله . واعلم أن الناس أربعة أصناف: صنف خلق من تراب هو آدم ﵇ وصنف خلق من أَب دون أُم وهو حواء؛ فقد خلقت من أَحد أضلاع آدم، وصنف خلق من أُم دون أَب وهو عيسى ﵇ وصنف خلق من أبوين - ذكر وأنثى وهو جميع البشر ما عدا هؤلاء، وقد خلفهم الله على هذا النحو ليعلم الناس قدرة الله على خلق ما يشاءُ كما يشاء. وعقب الله خلقه للناس من ذكر وأنثى بقوله: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) والشعوب: جمع شعْب - بفتح وسكون (١). والشعب: ما تشعبت منه القبائل، فالعرب شعب، وقبائله مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج، وقد يطلق الشَّعب على القبيلة العظيمة، قال ابن عباس: الشعوب: الجمهور مثل مضر، والقبائل: الأفخاذ، وقد جعلهم الله كذلك ليتمايزوا ويتعارفوا، كأَن يقول الواحد منهم: أنا من شعب مصر: من قبيلة كذا، فيعرف نسبه. ولقد جعل الله الشعوب والقبائل تتخذ لها أماكن مستقلة، ليزداد التعارف بين الناس بذكر المكان، وقد كان الناس - عربا أو عجما - عند نزول الآية قبائل متمايزة، ضمن شعوب تعمهم، ولكنهم الآن في معظم الأُمم، قد اختلط بعضهم ببعض، وأصبح التعارف بينهم بالانتماء إلى الأمم، وبيان البلدان التي يعيشون فيها، والمساكن التي يأوون إليها. وعقب الله هذه الجملة بقوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) لبيان أن التقوى هي الأمر المُراعَى عند الله، وليس الحسب والنسب والمال والوظيفة.

стр. 4676

عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن الله - تعالى - يقول يوم القيامة: إلى جعلت نسبا وجعلتم نسبا، فجعلت أكرمكم عند الله أتقاكم، وأبيتم إلا أن تقولوا: فلان ابن فلان، وأنا اليوم أرفع نسبى لأضع أنسابكم، أين المتقون؟ ". وفي حديث مسلم من حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول جهارا: "إنَّ أولياءَ أبي ليسوا لي بأولياء، إنَّ ولِيِّيَ الله وصالحو المؤمنين". وقد ختم الله الآية بقوله: (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) أي: أنه - تعالى - عليم خبير بأحوال الناس نحو هذه الآداب، فيثيب من تأَدب بها، ويعاقب من أعرض عنها. صور مشرقة من محو الفوارق الطبقية في الزواج: لقد كان لهذا الأَدب تأْثيره في محو الفوارق بين طبقات الناس، فقد ذكر الطبرى بسنده عن أبي الجَعْد قال: تزوج رجل من الأنصار امرأة فطعن عليها في حسبها، فقال الرجُلُ: إني لم أتزوجها لحسبها، إنما تزوجتها لدينها وخلقها، فقال النبي ﷺ : "ما يضرك أن لا تكون من آل حاجب بن زرارة؟ " ثم قال النبي ﷺ : "إن الله - تعالى - جاء بالإِسلام فرفع به الخسيسة، وأتمَّ به الناقصة، فأذهب به اللوم، فلا لوم على مسلم، إنما اللومُ لومُ الجاهلية". وفي الصحيح عن عائشة ﵂ أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة - وكان ممن شهد بدرًا مع النبي ﷺ تبَنَّى سالما وأنكحه هند بنت أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى امرأة من الأنصار (١)، وضباعة بنت الزبير كانت تحت المقداد ابن الأَسود، وتزوج بلال بن رباح أخت عبد الرحمن بن عوف، فدل ذلك على جواز نكاح المولى العتق من الحرة، ومَنْ نَسَبُه خامل ممن نسبه عالٍ، وأن المعوّل عليه في الإِسلام هو التقوى، وهي التي اعتبرها المالكية أساس الكفاءَة كون الحسب والنسب والغنى (٢) وما إلى ذلك من الفوارق الطبقية.

стр. 4677

(قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ في قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)) المفردات: (الْأَعْرَابُ): هم سكان البادية بخاصة، والأعراب اسم جنس وليس جمعا، والنسبة إليه أعرابي، أما العرب فهم أَهل الأمْصَار، وهو جنس أيضًا، والنسبة إليه عربي. (آمَنَّا): صدقنا بألسنتنا وقلوبنا. (أَسْلَمْنَا): صدقنا بألسنتنا دون قلوبنا.

стр. 4678

(وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ في قُلُوبِكُمْ): وحتى الآن لم يدخل التصديق في قلوبكم. (لَا يَلِتْكُمْ): لا ينقصكم. (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ): قل لهم أيها الرسول: أتخبرون الله بدينكم بقولكم: آمنا؟. (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا): يعدون إسلامهم مِنَّة عليك، والمنة: النعمة التي لا يطلب لها ثواب ممّن أُنعِم بها عليه. التفسير ١٤ - (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ في قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ): ختم الله الآية السابقة بقوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) وجاءت هذه الآية لتفيد أن الإيمان باللفظ ليس إيمانا عند الله، بل هو إسلام وخضوع ظاهرى يقصد به السلامة من القتل لشركهم، وجر المغانم إن جاهدوا بعد إسلامهم، ومن كان كذلك فلا تقوى عنده، ولا كرامة له عند الله تعالى. قال مجاهد: نزلت هذه الآية في بني أسد بن خزيمة - قبيلة تجاور المدينة - أَظهروا الإِسلام وقلوبهم دَغِلَةٌ (١)، إنما يحبون المغانم وعرض الدنيا. وقال القرطبي: نزلت في أعراب من بني أسد بن خزيمة، قدموا على رسول الله ﷺ في سنة جَدْبة، وأظهروا الشهادتين، ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأَفسدوا طرق المدينة بالعذِرَات (٢) وأَغلوا أَسعارها، وكانوا يقولون لرسول الله ﷺ : أتيناك بالأنفال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان فأعطنا الصدقة، وجعلوا يَمُنُّون عليه، فأَنزل

стр. 4679

الله - تعالى - فيهم هذه الآية. وقيل غير ذلك في سبب نزولها، وتعتبر هذه الرواية تفصيلًا لما قبلها. على أي سبب نقله الرواة فالآية خاصة ببعض الأعراب؛ لأن منهم من آمن بالله واليوم الآخر، وفيهم قال الله - تعالى -: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ في رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). ومعنى الآية: قالت الأعراب الذين حول المدينة لرسول الله ﷺ : آمنا، يقصدون إبهامه أنهم صدقوا به وبرسالته مخلصين، وقد كذبوا، فإنهم منافقون، ولهذا كذبهم الله - تعالى - بقوله لرسوله ليبلغهم: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أي: قل لهم: لم تصدقوا بقلوبكم، ولكن قولوا: أسلمنا بألسنتنا، رغبة في جلب المنافع ودفع المضار، وحتى الآن لم يدخل الإيمان في قلوبكم، وإن تطيعوا الله ورسوله فتُصَدِّقوا بقلوبكم كما صدقتم بألسنتكم لا ينقصكم شيئًا من أُجور أعمالكم التي تؤدونها بعد صدق الإيمان، إن الله واسع المغفرة عظيم الرحمة، فبادروا بالإخلاص ليغفر لكم نفاقكم الذي أنتم فيه، ويرحمكم بقبول توبتكم. ١٥ - (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ): إنما المؤمنون - حقيقة - هم الذين صدقوا بالله ورسوله بقلوبهم، ثم لم يطرأ على إيمانهم ريبة وشك، وبذلوا الجهد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم إذا طلبوا للجهاد، أولئك الموصوفون بتلك الصفات هم الصادقون في إيمانهم لا أنتم أيها المنافقون الذين قدِمتم لنيل المغانم، واتقاء المغارم.

стр. 4680

ولما نزلت هذه الآية جاءُوا وحلفوا أنهم مؤمنون صَادقون، فأنزل الله فيهم الآية التالية: ١٦ - (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ): قل - أيها الرسول - لهؤلاء الأعراب المنافقين: أتعرِّفون الله بدينكم وتخبرونه به زاعمين أنكم مخلصون فيه، والله يعلم ما في السموات وما في الأرض، من الكليات والجزئيات، والله بكل شيء عليم، فلا يحتاج إلى من يعلمه ويعرفه، فلا يخفى عليه سِرُّكم ونجواكم. ١٧ - (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ): يعد هؤلاء الأعراب المنافقون أن إظهار إسلامهم مِنَّة ونعمة عليك أيها الرسول، حيث قالوا: لم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان الذين كفروا بك، قل لهم - أيها الرسول -: لا تمنُّوا عليَّ إسلامكم الذي زعمتموه إيمانا، بل الله - تعالى - هو الذي يمن عليكم أنْ وفقكم للإيمان إن كنتم كما زعمتم، وما أولئك بالمؤمنين، ولذا عقب الله هذه الآية بقوله تأكيدا لتكذيبهم: ١٨ - (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ): إن الله - تعالى - يعلم ما غاب عن العيون في السموات والأرض، والله بصير بما تعملونه أيها الأعراب في سركم وعلانيتكم، فكيف يخفى عليه حالكم؟.

стр. 4681

سورة ق مكية وآياتها خمس وأربعون مجمل معانيها: تضمنت هذه السورة عجيب الكفار من مجئ منذر منهم، وأنكروا البعث قائلين: (ذلك رجعٌ بعيد) مع أن الله - تعالى - خلقهم أول مرة؛ وعابت عليهم أنهم لم ينظروا إلى آيات قدرته في خلق السموات والأرض وما فيهما وما بينهما ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ وبينت أنهم يبصرون إحياء الله للأموات من آن لآخر في الزروع والأشجار (كذلك الخروج) أي: كذلك البعث، ثم حكت تكذيب قوم نوح وأصحاب الرَّسِّ وثمود وعاد وقوم لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع - حكت تكذيبهم - لأنبيائهم، فنزل بهم وعبد الله باستئصالهم، وبينت أنه - تعالى - خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، وأنه أقرب إليه من حبل الوريد، وأن عليه رقباء من الملائكة ثابتين، وحكت أهوال الموت والقيامة، وغفلة الإنسان عن ذلك كله، وأن التابعين والمتبوعين في الكفر يختصمون لديه - تعالى - فيلقى التابعون مسئولية كفرهم على المتبوعين، والمتبُوعُون يتبرأون منهم، فيقول لهم الله - تعالى -: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وحكت فوز المتقين بنعيم الجنة خالدين فيها أبدا (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) ثم حَثت النبي ﷺ على الصبر والتسبيح ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ ثم أبانت أنه - تعالى - يحيى ويميت وإليه المصير، ثم نفت عنه ﷺ مسئولية كفرهم، وأوجبت عليه مداومة التذكير ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾.

стр. 4682

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ في أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)) المفردات: (وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ): ذي المجد والشرف، فهو من قبيل النسب بغير الياء المشددة كلابن وتامر، أي: صاحب لبن وصاحب تمر. (هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ): هذا شيءٌ يقتضي التعجب والإنكار - كما زعموا -. (ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ): ذلك البعث رجع بعيد عن الوقوع أو عن الإمكان. (وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ): وعندنا كتاب حافظ لكليات الأمور وجزئياتها، والمراد به: علم الله، أو اللوح المحفوظ. (فَهُمْ في أَمْرٍ مَرِيجٍ): فهم في أمر مضطرب، من مَرَجَ الخاتم في أصبعه: إذا تحرك واضطرب من الهزال.

стр. 4683

مقدمة: سورة (ق) سورة عظيمة في مبانيها ومعانيها، لها تأثير واغل في أعماق النفوس، ولهذا كان النبي ﷺ يخطب بها يوم الجمعة، جاء في صحيح مسلم عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: (لقد كان تنُّورُنا (١) وتنُّور رسول الله ﷺ واحدًا سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذتُ "ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ" إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس). وعن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبا واقد الليثى: "ما كان يقرأُ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما بـ "ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ" و"اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ". وعن جابر بن سمرة (أن النبي ﷺ كان يقرأُ في الفجر بـ "ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ" وكانت صلاته بعدُ تخفيفًا) وكل ذلك قد حدث وهو مروى بصحاح الأحاديث. التفسير ١ - (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ): (ق) سبق الكلام على مثله من الحروف في سورتي البقرة وآل عمران، فارجع إليه فيهما، والقرآن: هو الكتاب الذي أنزله الله بلفظه على نبيه محمَّد ﷺ ليكون معجزة مؤيدة له، باقية إلى قيام الساعة، أما معجزات الأنبياء قبله فقد فَنِيَت ولم يبق منها إلاَّ الحديث عنها. وقد وُصِف القرآن بلفظ (الْمَجِيدِ) بمعنى ذي المجد والشرف، وشرفه بالنسبة إلى سائر الكتب واضح، أما غير الإلهية فظاهر، وأما الإلهية فلإعجازه وكونه غير منسوخ بغيره، واشتماله مع إيجازه على أسرار يضيق عنها كل واحد منها.

стр. 4684

وقال الراغب: المجد: السعة والكرم، ثم قال: ووصف القرآن به لكثرة ما يتضمن من المكارم الدنيوية والأُخروية. إهـ. وقد أقسم الله بالقرآن المجيد، وجواب القسم مقدر يدل عليه المقام، وتقديره: إنا أنزلناه لتنذر به الناس، أو إنك لمنذر بالبعث وما وراءه. وقد عقَّب الله هذا القسم بقوله: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ)، ولفظ (بل) للإضراب الانتقالى عمَّا ينبئ عنه جواب القسم المقدر، فكأنه قيل: إنا أنزلناه لتنذر الناس بالبعث وما وراءه فلم يؤمنوا، بل جعلوا كلا من النذر والمنذر به عرضة للتنكير والتعجب، مع كونهما أقرب شيء إلى العقول والتلقى بالقبول. ثم أكدوا تعجبهم وبينوا أهم ما ينكرونه ويتعجبون منه فقالوا: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) يعنون أنهم إذا ماتوا وتحولت لحومهم وعظامهم إلى تراب، لا يعقل أَن تعود إليهم الحياة مرة أخرى، وجواب الاستفهام مقدر، أَي: نرجع. ومعنى الآية: أَئذا تحولت لحومنا وعظامنا إلى تراب بعد الموت نرجع إلى الحياة مرةً أخرى؟ ذلك الرجوع إليها حينئذ رجوع بعيد عن التصديق وعن القبول. وهذا الاستبعاد ناشئ عن قصر نظرهم وسوء فهمهم، فإن مَن خلقهم من تراب يُعيد خلقهم منه، وهو أهون من البدء. وقد ردَّ الله عليهم، وعاب سرعة تكذيبهم للحق من غير روية فقال: ٥، ٤ - (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ): أي: أَن بعثهم حينئذ لا صعوبة فيه على الله - تعالى - فقد علم ما تأكل الأرض من لحوم موتاهم وعظامهم، وعنده كتاب حافظ التفاصيل الكون كله، ومنها ما تنقص الأرض من الموتى بعد موتهم.

стр. 4685

والمراد بالكتاب الحفيظ: علم الله - تعالى - على سبيل التمثيل، أَو اللوح المحفوظ، ثم أَضرب عن إنكارهم البعث انتقالًا إلى ما هو أَفظع منه، وذلك في قوله - جل وعلا -: (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ): أي: بل كذبوا بالقرآن الذي هو كلام الله ومعجزته الدالة على نبوة محمد ﷺ ، وكان تكذيبهم به حين جاءهم من غير روية، وبلا تفكر وتدبر، وبتكذيبهم له تكذيبا لما فيه من توحيد الله - تعالى - وسائر كمالاته، وكذبوا بنبوة محمد ﷺ فهم في أمر مضطرب، فتارة يقولون: إنما يعلمه بشر وما هو من كلام الله، وأُخرى يقولون: إنه شعر، وثالثة يقولون: هو أساطير الأَولين. ويقولون عن محمد ﷺ : إنه ساحر وكاهن وشاعر ومجنون، وكل ذلك ناشئ عن نظرات سطحية لا عمق فيها، وعن تقليدهم للآباء، وزعمهم أنه لو كانت نبوة من البشر لكلف بها رجل من الرؤساء، وذلك قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (١) يعنون بهما: مكة والطائف، فهم في أمر مريج مضطرب لا يثبتون على حال، وقد ذابت كل أكاذيبهم مع الزمن، ودخل الناس في دين الله أفوجًا، ومنهم أهل مكة في السنة الثامنة من الهجرة، وصدق الله - تعالى - إذ يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (٢).

стр. 4686

(أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)) المفردات: (كَيْفَ بَنَيْنَاهَا): كيف أنشأناها في عظمتها وحسنها، ورفعها بغير عمد ترونا. (وَزَيَّنَّاهَا): وجعلنا لها زينة بالكواكب على أبدع نظام، وأكمل إحكام. (وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ): وليس فيها شقوق وخلل. (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا): بسطناها في رأْى العين، وإن كانت في حقيتها مكورة. (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ): وأنبتنا فيها من كل صنف حسن يَبْهَج ويَسُرُّ من نظر إليه، وفعله بَهج بوزن طرب، والبهجة: الحسن، وفعله بوزن ظَرُف وطَرِب، فهي مشتركة بين الوزنين. (جَنَّاتٍ): بساتين. (وَحَبَّ الْحَصِيدِ): وحب الزرع الذي شأْنه أَن يحصد، أَي: يقطع. (بَاسِقَاتٍ): طويلات.

стр. 4687

(لهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ): لها طلع منضود بعضه فوق بعض. (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ): مثل ذلك خروجكم للبعث من قبوركم. التفسير ٦ - (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ): جاءت هذه الآية والآيات النى بعدها لتعيب على المشركين شركهم واضطرابهم في أمر الحق الذي جاء به محمد ﷺ عن ربه، ومنه البعث والنشور - تعيب عليهم ذلك - مع وجود الآيات الكيوية الدالة على توحيد الله وإمكان البعث وهم غافلون عنها. ولقد أشارت هذه الآية إلى أَن لله سماء، ولهذه السماء زينة، فأما الزينة فهي الكواكب التي يرونها متلألئه في الفضاء، دائرة فيه بقدرة الله - تعالى - وأما السماة الحقيقية فهي محجوبة عنا؛ لأنها من شأن الله، ولسنا بحاجة إلى معرفة حقيقتها ووظائفها، فهي من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، وفي ذلك يقول الله - تعالى - في سورة الصافات: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ (١)، ويقول في سورة فصلت: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ (٢)، ويقول في سورة الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ (٣) ثم يقول فيها: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ (٤) إلى غير ذلك من الآيات الناطقة بأَن لله سبع سموات، وأن الكواكب زينة للسماء الأولى منها، ولا شك أَن الزينة غير المزيَّن، فهي أمر زائد على الذات. ومعلوم أَن طبقات الكواكب وسُدُمها ليست سبعًا، بل هي ملايين الملايين، وأن الرسول ﷺ ليلة المعراج عُرج به إلى تلك السموات لا إلى الكواكب.

стр. 4688

ومعنى الآية: أعَمِيَتْ قريش حين أشركوا وأنكروا البعث - أعموا - فلم ينظروا إلى الكواكب فوقهم بحيث يشاهدونها كل وقت، كيف بنيناها وأحكمناها، وجعلناها زينة للسماء الدنيا وما لها من شقوق ولا فتوق، فهي تامة السلامة من كل عيب. واعلم أيها القارئ الكريم أن القبة الزرقاء التي ترى خلالها الكواكب مما هي إلاَّ الغلاف الجوى، وفوقه ظلمة حالكة السواد، كما اكتشف ذلك علماءُ الفلك، فإذا أطلق عليه لفظ (سماء) فهو إطلاقه لغوى، فإن كل ما علاك سماء. ٧، ٨ - (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ. تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ): الأرض مثل الكرة، غير أنها منبعجة (١) من جهة القطبين، وهي تدور في الفضاء تحت الشمس، وتنتقل في مدارها من برج إلى برج، ويترتب على ذلك وجود الليل والنهار، والربيع والصيف والخريف والشتاء. وظاهر الآية يدل على أن الأرض مفروشة ومبسوطة، وهذا لا ينافى أنها كروية، فهي مبسوطة في رأى العين، كروية في الحقيقة، ولهذا ترى الشمس تشرق في بعض الأقاليم، وغيرها مما يليها لا يزال الليل فيه، فلا تُرَى الشمس فيه إلاَّ بعد حين يطول أو يقصر حسب البعد والقرب، وذلك ناشئ من كرويتها، فعاليها يحجب ضوء الشمس عن سافلها، ولو لم تكن الأرض كروية لأشرقت الشمس على جمع أقاليمها في وقت واحد. والمعنى: والأرض بسطها الله في رأى العين ومهَّدها ليتيسر السير عليها والانتفاع بها، وخلق فيها جبالًا ثوابت تحفظها من أَن تميد وتضطرب بمن عليها، وأنبت فيها بقدرته من كل صنف حسن يسر الناظرين والآكلين، وقد فعك الله ذلك تبصيرًا وتذكيرًا لكل عبد منيب راجع إلى الحق، فالصنعة البديعة تدل أوضح الدلالة على الصانع المبدع المتفرد في إبداعه.

стр. 4689

٩ - ١١ - (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ. وَالنَّخْلَ (١) بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (٢). رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ): تخصيص النخل بالذكر مع اندراجه في الجنات، لبيان فضلها على سائر الأشجار، وتوسيط الحب بين الجنات والنخل لتأكيد استقلال النخل وامتيازها عنها، مع ما فيه بن رعاية الفواصل. ومعنى الآية: ونزلنا من السحاب ماء مباركا كثير الخيرات - أنزلناه - في جميع الأقاليم في أوقات مناسبة لمصالح العباد، فأنبتنا بهذا الماء المبارك بساتين كثيرة مشتملة على أطيب أنواع الثمار والفاكهة، وأنبتنا به حب الزرع الذي يحصد ويقطع ليستخرج منه حبه كالبر والشعير والذرة وغيرها، وأنبتنا به النخل طويلات لها طلع منضود بعضه فوق بعض. - أنبتنا كل ذلك - رزقا للعباد، يستوجب الإيمان والشكر، وأنبتنا بذلك الماء أرضًا جدبة لا نبات فيها، مثل هذه الحياة الناشئة عن الإحياه خروجُ الموتى من القبور، فالنبات يذبل ويجف بعد ازدهاره ويصبح ميتا، والله - تعالى - يعيد أحياءه ويبعثه بعد الموت، وإحياء الموتى مثل ذلك، أفلا تعقلون؟. (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥))

стр. 4690

المفردات: (قَوْمُ نُوحٍ): من أُرسل إليهم، والقوم: جماعة الرجال، وقد يندرج فيه النساء مجازًا كما هنا، وتأنيث الفعل المسند إليه (كَذَّبَتْ) باعتبار أنه اسم جنس بمعنى الجماعة. (أَصْحَابُ الرَّسِّ) الرس: هي البئر التي لم تُبن، وقيل: هو اسم لوالدٍ معين. (فِرْعَوْنُ): المراد به هو وقومه، كما تسمى القبيلة باسم أبيها. (الْأَيْكَةِ): مجتمع الشجر، ويطلق عليها لفظ الأجمة. (وَقَوْمُ تُبَّعٍ): الحميرى. (أَفَعَيِينَا): أفعجزنا، والعيُّ بالأمر: العجز عنه، والهمزة للاستفهام الإنكارى. (بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ): بخلق آدم وذريته. (بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ): بل هم في خلط وشبهة من البعث. التفسير ١٢ - ١٤ - (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ. وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ): هذه الآيات مستأنفة لتقرير أَن البعث حق، وأنه متَّفق عليه من جميع الرسل، وأن الأمم التي سبقت قريشًا كذبت رسلها وأنكروا البعث فعاقبهم الله - تعالى -، وفي ذلك تسلية للنبي ﷺ وتهديد للكفرة من قومه. وأصحاب الرَّسِّ قيل: إنهم ممن بعث إليهم شعيب ﵇ وقيل: هم قوم حنظلة ابن صفوان، وإخوان لوط: قومه وأهله الذين بعث إليهم، وقيل: إنهم كانوا أصهاره، وليس المراد بالأخوة القرابة من النسب، وأصحاب الأيكة أي: سكان مجتمع الشجر، قيل: إنهم ممن بعث إليهم شعيب غير أهل مدين، وكانوا يسكنون هذه الأيكة فنُسِبوا إليها.

стр. 4691

وتبع: هو تبع الأكبر الحميرى، واسمه أسعد وكنيته أبو كُرَبٍ، وكان رجلًا صالحًا بين قومه الكافرين، أخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت: كان تبع رجلًا صالحًا، ألا ترى أَن الله ذم قومه ولم يذمه. وأخرج الإِمام أحمد وغيره عن سهل الساعدى قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا تُبَّعا فإنه كان قد أسلم". وأخرج ابن عساكر وابن المنذر عن ابن عباس قال: (سألت كعبا عن تبع، فإننى أسمع الله - تعالى - يذكر في القرآن قوم تبع ولا يذكر تبعا. فقال: إنه كان رجلًا من أهل اليمن ملكا منصورا، فسار بالجيوش حتى انتهى إلى سمرقند، فرجع فأخذ طريق الشام فأسر بها أحبارا، فانطلق نحو اليمن، حتى إذا دنا من مكة طار في الناس أنه هادم الكعبة، فقال له الأحبار: ما هذا الذي تحدث به نفسك؟ فإن هذا البيت لله، وإنك لن تسلط عليه؟ فقال: إن هذا لله - تعالى - وأنا أحق من حرَّمه، فأسلم من مكانه، وأحرم فدخلها محرما، فقضى نسكه ثم انصرف نحو اليمن راجعا، حتى إذا قدم على قومه … ) إلى آخر مما ذكره كعب في هذا الأثر الطويل، وخلاصة ما ذكره بعدُ أنه طلب من قومه أَن يؤمنوا كما آمن فامتنعوا، فنزلت من السماء نار فأحرقت من لم يؤمن منهم (١). والمعنى الإجمالي للآيات: كذب بالحق قبل قريش قومُ نوح، مع أنه كان ينصحهم ويطلب منهم الإيمان به، كما كذب به أصحاب الرس (٢) ممن بعث إليهم شعيب، أو هم قوم حنظلة ابن صفوان، وكذبت به ثمود قوم صالح وعاد قوم هود وفرعون وقومه، وقوم لوط وأصحاب الأشجار المجتمعة - الأيكة - وقوم تبع، كل هؤلاء كذبوا جميع رسلهم فحق عليهم وعيدى وثبتت عليهم كلمة العذاب في الدنيا بعذاب استأصل كفارهم، وفي الآخرة بعذاب ينتظرهم. ١٥ - (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ): أي: أقصدنا خلقهم من تراب ثم من نطفة فعيينا وعجزنا عن تحقيق ما قصدناه وأردناه حتى يتوهم عجزنا عن الإعادة؟ كلا لم نعجز عن خلقهم كذلك، فلماذا ينكرون بعثنا إياهم

стр. 4692

بعد موتهم، وهو في القياس أهون من بدئهم، إنهم معترفون بالخلق الأول صادًرا عنا فلا ينكرونه، بل هم في شك واضطراب من خلق جديد، وهو إحياؤهم بعد موتهم لينال كل امرئ جزاء ما قدم من خير أو شر. (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)) المفردات: (مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ): ما تحدثه به من الخواطر. (حَبْلِ الْوَرِيدِ): الحبل معروف، والمراد بالوريد: عرق كبير في العنق، وأضيف الحبل إليه لإفادة أَنه ممتد في الجسم امتداد الحبل. (الْمُتَلَقِّيَانِ): هما ملكان جعلهما الله لكل إنسان، ليكتبا أعماله من خير أو شر عن اليمين وعن الشمال. (قَعِيدٌ) أي: كلا الملكين ملازم له، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله (رَقِيبٌ عَتِيدٌ): ملك حاضر مهيأ يرقب أقواله وأعماله ويكتبها. التفسير ١٦ - (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ):

стр. 4693

الوسوسة لغة: الصوت الخفى، ومنه وسواس الحُلى، (أي: صوت احتكاك بعضه ببعض) وما توسوس به نفسه: ما يخطر بباله من الخواطر الخفية المختلفة. والمراد من قربه - تعالى - من العبد أكثر من حبل الوريد أنه - سبحانه - أعلم بحاله سرا أو علنا، فهو أقرب إليه بعلمه من حبل الوريد الذي يمتد في عنقه، وليس المراد منه القرب الذاتى؛ لأنه - تعالى - ليس له مكان، فهو من باب الثمثيل والتشبيه، وليس من باب الحقيقة. وعن الأثرم أنه يقال: في العنق الوريد، وفي القلب الوتين، وفي الظهر الأبهر، وفي الذراع والفخذ الأكحل والنَّسا، وفي الخنصر الأسلم: انتهى. وبالجملة فحبل الوريد مثل في شدة القرب، وإضافة الحبل إليه للبيان كشجر الأراك. ١٧ - (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ): لفظ (إذ) ظرف بمعنى حين، متعلق بلفظ (أقرب) في الآية السابقة، أو مفعول لفعل مقدر تقديره: اذكر، والمتلقيان: الملكان الوكلان بكيل إنسان يكتبان أعماله وأقواله في كتاب يتسلمه يوم القيامة، فيعلم منه أنه من الناجين إن تلقاه بيمينه، أو من أهل النار إن تلقاه بشماله أو من وراء ظهره - أعاذنا الله من ذلك -. وعِلْمُ العبد بكتابة أعماله مع علمه بأنه - تعالى - أعلم بحاله مما يحمله على إحسان العمل. وقوله - تعالى -: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) معناه عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، فحذف قعيد من الأول لدلالة الثاني عليه، والمراد من قعود الملك ملازمته للعبد للكتابة. ١٨ - (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ): أي: أَن أقوال العباد من خير أو شر أو غيرهما يكتبها ملك ملازم له يرقبها ويسجلها في صحيفته، فإن كانت خيرًا كتبها الرقيب الذي عن يمينه، وإن كانت شرًّا كتبها

стр. 4694

الرقيب الذي عن يساره، وتخصيص القول بالذكر للإيذان بأن الفعل القطيعي هو أظهر من القول يكتب أيضًا من باب أولى، وقال اللقانى في شرح الجوهرة: مما يجب اعتقاده أَن لله - تعالى - ملائكةً يكتبون أعمال العباد من خير أو شر أو غيرهما، قولا كانت أو فعلا أو اعتقادًا، همًّا كانت أو عزما … إلخ وقال الإمام مالك وجماعة: يكتبان كل شيء حتى الأنين في المرض. والمعنى الإجمالي لهذه الآيات: ولقد خلقنا الإنسان جسدًا وروحًا وعقلا، ونعلم ما تحدثه به نفسمه من الخواطر خيرًا كانت أو شرًّا، ونحن أقرب إليه علمًا من حبل الوريد في عنقه - نحن أقرب إليه - حين يتلقى الملكان المتلقيان أحوال العبد الظاهرة والخفية ليسجلاها في صحيفة أعماله، وهذان الملكان أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ما ينطق من قول إلا عنده مراقب ملازم له من الملكين الموكلين يه، يكتب ما يصدر عنه من الأقوال وكذا الأفعال والنوايا. (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)) المفردات: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ): وأحضرت شدة الموت حقيقة ما كتبه الله على عباده من الموت الذي يليه البعث والجزاء. (تَحِيدُ): تميل وتعدل.

стр. 4695

(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ): ونفخ في البوق. (مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيد): من الملائكة. (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ): فكشفنا عن عقلك الحجاب الذي سببته الغفلة. (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ): فبصرك اليوم حاد ونافذ. التفسير ١٩ - (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ): بعد ما ذكرت الآيات إنكار المشركين للبعث، وأثبتث بأقوى الحجج أنه سيحصل. جاءت هذه الآية وما بعدها لتبين لهم أَن هذا الذي أنكروه سيلقونه حقًّا. وسكرة الموت: ما يحدث للمرء وهو مشرف على الموت من شدائد حتى تخرج روحه من بدنه. والمعنى: وجاءت شدة الموت بحقيقة الموت الذي يبعث بعده الخلائق للجزاء، ونبهت إليها رسل الله جميعًا، ذلك الحق هو الذي كنت تميل وتنصرف عن التفكر فيه أيها الكافر، لشدة غفلتك وعمق غوايتك. ٢٠ - (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ): الصور: هو البوق الذي ينفخ فيه إسرافيل، والله أعلم بحقيقته وحقيقة النفخ فيه، ولإسرافيل نفختان في الصور كما جاءت به السنة، إحداهما يموت عندها الخلائق، والثانية يبعث عندها الموتى - وهي المرادة هنا - وهذه الآية معطوفة على ما قبلها لبيان ما يحدث بعد الموت. والمعنى: ونفخ إسرافيل في البوق نفخة البعث، وقت ذلك النفخ يوم إنجاز الوعيد الذي توعد الله به الكفار في الدنيا.
следующие страницы →