← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

التفسير ١١ - ١٣: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُوالْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾: المراد بالأنام: الناس في رواية عن ابن عباس، وفي رواية أُخرى عنه وعن قتادة وابن زيد وغيرهم: الأنام: الحيوان كله - كما في مجمع البحرين. وقال الحسن: الإنس والجن. والظاهر أنها مخلوقة للإِنس والجن والحيوان والسمك، فإنهم جميعًا يعيشون فيها، وينتفعون بخيراتها، وقال صاحب القاموس: الأنام: الخلق. وقد عقب الله هذه الآية بقوله: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢)﴾ ففيهما تقرير للآية التي قبلها، من أن الأرض موضوعة للأنام، فقد تضمنت بعض النعم التي أعدها الله في الأرض لمنفعتهم، من فاكهة كثيرة يتفكهون بها، ونخل ذات أكمام - أي: أوعية تشتمل على الطَّلْع الذي يحوله الله إلى بلح فرطب فتمر، فيتغذون بثمارها ويتفكهون، وحَبٍّ ذي تبن وريحان، فالحب: القمح والشعير والذرة وغيرها، وهو غذاء للإنس والجن والحيوان، والتبن لغذاء الحيوان، والريحان: كل مشموم طيب الريح من النبات، منعش للنفوس كالورد والياسمين، كل ذلك وغيره أعده الله لمنفعة الأنام، فما أعظم نعم الله على خلفه وأحقه بالشكر عليها، وبذل الوسع في طاعته، ثم يخاطب الله الكافرين من الثقلين الداخلين في عموم الأَنام بقوله موبخا لهم ومنكرًا عليهم ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ الفاء في قوله ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ﴾ لترتيب التوبيخ والإِنكار بعدها على كفرهم بالنعم التي قبلها، مع أنها من موجبات الإيمان، أي: إذا كانت هذه نعمًا عليكم أيها الثقلان، فبأى نعم الله الذي رباكما تكفران، بإنكار كونها من نعم الله عليكما، أو إنكار دلالتها علي وجود الله ووحدانيته، أخرج ابن جرير والخطيب في تاريخه وغيرهما بسند صحيح: عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قرأ سورة الرحمن على أصحابه فسكتوا، فقال: "ما لى أسمع الجن أحسن جوابًا لربها منكم؟ ما أتيت على قوله - تعالى -: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلا قالوا: لا بشيءٍ من نعمك ربنَّا نكذِّب فلك الحمد".

стр. 4832

﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣)﴾ المفردات: ﴿صَلْصَالٍ﴾: طين جاف له صلصلة - أي صوت - إذا نقر. ﴿كَالْفَخَّارِ﴾: الفخار: الخزَف، وهو ما أحرق من الطين حتى تحجر. ﴿مِنْ مَارِجٍ﴾: من لهب خالص، وسيأتي بسط الآراء فيه. ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾: أرسل البحرين العذب والملح. ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾: رب مشرقى الشمس ومغربيها - صيفًا وشتاءً. ﴿بَرْزَخٌ﴾: حاجز. ﴿اللُّؤْلُؤُ﴾: صغَار الدر. ﴿وَالْمَرْجَانُ﴾ كبار الدُّر، وقيل غير ذلك، وسيأتي بيانه.

стр. 4833

التفسير ١٤ - ١٦ - ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: الآيتان الأُوليان تمهيد لتوبيخ الثقلين على إخلالهما بموجب شكر النعمة المرتبطة بذاتى كل واحد منهما، والمراد بالإنسان: آدم ﵇ وقيل الجنس الشامل لاولاده، أنهم مخلوقون من الصلصال تبعًا لأَبيهم. والصلصال: الطين اليابس الذي له صلصلة - أي: صَوْت - إذا نُقِر، وقيل: هو الطين المنتن، من صَلَّ اللحم إذا أنتن، والفخار: هو ما أحرق من الطين حتى تحجر، ويسمى الخزف. واعلم أن أصل آدم ومنشأَه هو التراب، ثم تحول التراب إلى طين، ثم إلى حمأ مسنون - أي: طين يابس منتن، ثم إلى صلصال كالفخار، ولهذا ترى منشأه يختلف باختلاف الآيات، فتراه في بعضها التراب، وفي أخرى الطين أو الحمأ المسنون أو الصلصال فلا تعارض بينها؛ لأن كلا منها يتكلم على طور من أطوار خلقه، ولا عجب في أن يكون منشأ الإنسان ما ذكر، فإن الله على كل شيءٍ قدير، وهو الذي يقول للشيء: كن فيكون. وجاء في الآية الثانية: أن الجانَّ خلق من مارج من نار، فالجانُّ أبو الجن، وهو إبليس كما قاله الحسن، وقال مجاهد: هو أبو الجن وليس إبليس، كما جاءَ فيها أنه خلق من مارج من نار، ولفظ (من) في قوله تعالى: ﴿مِنْ مَارِجٍ﴾ يشير إلى مبدأ خلقه، وفي قوله: ﴿مِنْ نَارٍ﴾ يبين المراد من مارج، فإن أصله من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط، فيصدق على النار وغيرها، فجاء قوله: ﴿مِنْ نَارٍ﴾ ليبينه، ومعناه كما قال الجوهرى في الصحاح: نار لا دخان لها خلق منها الجان، وعن ابن عباس ﵄ ومجاهد: أنه اللهب الذي يعلو النار، يختلط بعضه ببعض، أحمر، وأصفر، وأخضر - كما نقله القرطبى.

стр. 4834

وقد عقب الله هاتين الآيتين باستفهام إنكارى توبيخي، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي: فبأى نعم ربكما تكذبان أيها الثقلان؟، أتكفران بمنشأ خلقكما، أم تكفران بغيره؟. ١٧ - ١٨ - ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: المراد بالمشرقين: مشرق الشمس شتاءً وصيفًا، وبالمغربين: مَغْرِباها كذلك، وقيل: المشرقان مشرق الشمس ومشرق القمر، والمغربان كذلك، وهذه الآية كناية عن أنه - تعالى - ربها ورب ما بينها من الكائنات. والمعنى: الذي أبدع ما مرّ من النعم هو مالك المشرقين والمغربين وما بينهما، لا يشاركه في خلقها أحد، وحيث كانت المشارق والمغارب وما بينها من إبداعه - تعالى - وداخلة في ملكوته، فمن حقه أن يُعبد ولا يُجحد ولا تُكذب آلاؤُه ونعمه، ولهذا أنكر على المشركين تكذيبهم لآلائه ونعمه، ووبخهم على هذا التكذيب بقوله - جل وعلا - بعد هذه الآية -: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أَتكذبان بخلقه المشارق والمغارب وما بينها من الكائنات واختلاف الفصول وما يترتب عليه من المنافع والمصالح، أم تكذبان بغير ذلك؟ اللهم لا بشيء من آلائك نكذب، سبحانك ذلك الحمد. ١٩ - ٢٣ - ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: قال الآلوسي في معنى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أي: أرسلهما وأجراهما، من مرجت الدابة في المرعى، أي: أرسلتها فيه، أي: أرسل الله البحر الملح والبحر العذب. ونقول: إن هذا هو التفسير الموافق لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (١) ولقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي

стр. 4835

الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ (١). أما قول الحسن: إنهما بحرا فارس والروم، فإنه مخالف لصريح الآيات المذكورة، والقرآن يفسر بعضه بعضًا. وقد ذكر الله أن هذين البحرين يلتقيان. بينهما برزخ لا يبغيان، فأما التقاؤُهما فيكون عند مصاب الأنهار فيها، وأما البرزخ الذي بينهما فهو القدرة الإلهية التي منعت أن يبغى الماءُ الملح على العذب فيحوله إلى ملح، وأن يبغى العذب على الملح فيحوله إلى عذب، فبقى كلاهما يؤدى وظيفته التي خلق لها. وهل هذا الحاجز هو أنه - تعالى - خلق الأرض كروية، وأن الارتفاع الكروى هو الذي يمنع أن يبغى أحدهما على الآخر، ويدل على ذلك أن الشمس تشرق في أرض قبل أخرى، وتغرب في أرض قبل أخرى، بسبب هذا التكوير، فيبقى كل منهما في مكانه لا يبغي على الآخر، ولا يمنع لقاؤهما في طرفيهما من أن يبقى ما وراء هذا اللقاء حافظًا لخواصه، فتبارك الله أحسن الخالقين. ولا شك في أن جاذبية الأرض تبقى كل شيءٍ في مكانه، من جبال ورمال وإنسان وحيوان وغير ذلك، مع سرعة الأرض الخارقة في دورانها، ولو كانت الأرض مسطحة لبقيت الشمس مشرقة فيكون الوقت كله نهارًا لا ليل فيه، ولا بقي شيءٌ من البحرين محافظًا على خواصه، فإنه يندمج كل منهما في الآخر. وقيل: إن البرزخ الذي بينهما هو الأرض اليابسة التي بينهما، وحينئذ يكون المراد من لقائهما تقابلهما وتجاورهما، والذي قلناه هو المتعين، وفيه من الدلالة على قدرة الله ما فيه، ويلاحظ أنه لا توجد أرض يابسة عند مصاب الأَنهار كما زعموا،

стр. 4836

وذكر الله - تعالى - أنه يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، يقول بعض المفسرين: إن اللؤلؤ صغار الدر، والمرجان كباره، ونقل ذلك عن الإِمام علي ﵁ وقيل: عكس ذلك، وروى عن ابن عباس ﵄ وروى عن ابن مسعود أن المرجان الخرز الأحمر، وعلى هذا يكون اللؤلؤ شاملا لكباره وصغاره، وهذا هو المتعارف بين الناس. وجاء في الآية أن كليهما يخرج من البحرين الملح والعذب، مع أن المعروف هو وجودهما في الملح دون العذب، وأجاب القرطبي عن ذلك بقوله: إن العرب تجمع الجنسين ثم تخبر عن أحدهما، كقوله - تعالى -: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ وإنما الرسل من الإنس دون الجن: قاله الكلبي وغيره: وقال الزجاج: قد ذكرهما الله، فإذا أخرج من أحدهما شيء فقد خرج منهما، وهو كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ (١) ولكن أجمل ذكر السبع، فكان ما في إحداهما فيهن، إلى غير ذلك مما ذكره القرطبى. والحق أنه يخرج من كليهما كما أظهره العلم الحديث، فقد جاءَ في هامش التفسير المنتخب الذي أخرجته وزارة الأوقاف المصرية؛ تعليقًا علي قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ (٢) - جاء في الهامش - "أن اللؤلؤ كما يستخرج من أنواع معينة من البحر الملح، يستخرج أيضًا من أنواع أخرى صدفيات من الأنهار، فتوجد اللآلئ في المياة العذبة في انجلترا واسكتلاندا وويلز وتشيكوسلوفاكيا واليابان" إلخ بالإضافة إلى مصايد اللؤلؤ البحرية المشهورة، ويدخل في ذلك ما تحمله المياه العذبة من المعادن العالية، كالماس الذي يستخرج من رواسب الأنهار الجافة المعروفة بالبرقة، ويوجد الياقوت كذلك في الرواسب النهرية.

стр. 4837

ومن الأحجار شبه الكريمة التي تستعمل في الزينة حجر التوباز، ويوجد في الرواسب النهرية في مواقع كثيرة ومنتشرة في البرازيل وروسيا (الأورال) وسيبريا - ثم قال: ويغلب أن يكون أصفر أو بنيًّا، إلى آخر ما جاءَ في الهامش المذكور من الأحجار الكريمة التي تستخرج من الرواسب النهرية. والمعنى الإجمالي للآيتين: أرسل الله - تعالى - البحرين الملح والعذب، وجعلهما يلتقيان في أطرافهما، وهذا الالتقاء والتمازج في الأطراف لم يجعل أحدهما يبغى على الآخر بإيصال خاصيته في داخله؛ لأنه - تعالى - جعل بينهما حاجزًا يمنع التمازج الكلى بينهما، وهذا الحاجز هو تدرج أجزاء الأرض إلى الارتفاع الكروى، وهذه الكروية مع سرعة دورانها الرهيبة تبقى كليهما في داخله محافظًا على خاصيته، ومثل ذلك كمثل الشمس تشرق في أرض قبل أُخرى وتغرب كذلك، وهذا بسبب الارتفاع الكروى الذي يحجز إشراقها أو غروبها في أرض قبل أخرى، بالإضافة إلى جاذبيتها الشديدة، فهي تجذب كل ما فوقها إليها، حتى لا يفارق مكانه بسبب سرعتها، ولو كانت غير كروية لاختلط الملح بالعذب، وأبطل كل منهما خاصية الآخر، ولأشرقت الشمس على جميع بقاعها في وقت واحد، فيبقى الزمن كله نهارًا لا ليل له، وكل ذلك بقدرة الله الذي أحسن كل شيء خلقه، فتبارك الله أحسن الخالقين. ومن العلماء السابقين من قال: إن الحاجز بين البحرين هو الأرض اليابسة بينهما، وجعل التقاءَهما تقاربهما، وهذا غير متيسر في كل الأَنهار، بل المشاهد هو التلاقى الامتزاجى في الأطراف، حتى لا يكون الماء العذب آسنا متغير الطعم واللون، فما قلناه أولًا هو الحق، وصدق الله - تعالى - إذ يقول: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ … ﴾ (١). ويعقب الله - تعالى - هاتين الآيتين بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ممّا لكما في ذلك من المنافع، وبقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي: يخرج من البحرين الملح والعذب اللؤلؤ والمرجان، على ما تقدم بيانه، فكما جعل الأرض

стр. 4838

تنبت لنا الزروع والأشجار، والحب ذا العصف والريحان، جعل البحرين لنأكل منهما لحمًّا طريًّا، ونستخرج منهما حلية نزدان بها، فكل من البرِّ والبحر أساس حياتنا وزينتنا، وكل ذلك آلاء ونعم لا يمكن تكذيبها وإنكارها، فبأَيهما تكذبان أيها الثقلان. ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُوالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠)﴾ المفردات: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾: وله السُّفُن - جمع جارية. ﴿الْمُنْشَآتُ﴾: المرفوعات الشرع كما قال مجاهد، من أنشأه بمعني رفعه، ويدخل في هذه الجوارى السفن التي تدار بمحركات آلية، فهي له - سبحانه -. ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾: كالجبال المرتفعة، جمع علم وهو الجبل الطويل. ﴿فَانٍ﴾: هالك. ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾: ويبقى ذاته، وسيأتي بيانه في موضعه. ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: المراد باليوم: الزمان مطلقًا، فيصدق على كل وقت ولحظة. ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ أي: في أمر من الأُمور العظيمة، ويجمع على شئون.

стр. 4839

التفسير ٢٤ - ٢٥ - ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: ولله من النعم على عباده السفن التي تجرى في البحر، تحمل الناس وما يتَّجرون فيه من قطر إلى قطر، ومن مكان إلى مكان، وهذه السفن منشآت - أي: مرفوعات كالجبال فوق ظهر الماء بقدرته - تعالى - فهي ملك له - جل وعلا - فهو الذي خلق ما صنعت منه، وهو الذي يجريها فوق سطح الماء ويحفظها من الغرق في رحلاتها الطويلة والقصيرة، فيسلم أهلها وتجارتهم، فهي لله خلقًا وملكًا أو تصرفا، ولا يمنع ذلك ملك الناس لها، فهو الذي أرشدهم إلى كيفية صناعتها وإجرائها في مختلف البحار، فكل أمورها ترجع إلى الله - تعالى - فهي وأهلها لله رب العالمين، فبأى نعم الله في شأن السفن الجوارى تكذبان يا معشر الثقلين. ٢٦ - ٢٨ - ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُوالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: الضمير في عليها يرجع إلى الأرض التي وضعها الله للأنام، والمراد من وجه الله: ذاته - جل وعلا - فإضافة لفظ "وجه" إلى لفظ "رب" إضافة بيانية، فكأنه قيل: ويبقى ربك، واستعمال الوجه بمعنى الذات مجاز مرسل، ومثل ذلك شائع في لغة العرب، وهذا هو تفسير الخلف، مَنْعًا لاعتقاد أن لله وجهًا يشبه وجه الإنسان، وأنه جزءٌ من ذاته، فإن ذلك كفر، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. أما السلف فيقولون: إن لله وجهًا لا كوجه الإنسان، فالمماثلة للخالق ممنوعة، وذهب بعض العلماء إلى تأويلات أخرى، وحسب القارئ ما تقدم. وجلالُ الله عَظَمته، وإكرامه - تعالى - هو تنزيهه عمَّا لا يليق به من الشرك وسواه من صفات النقص، كما تقول: أنا أكرمك عن كذا أي: أنزهك عنه، والله - تعالى - متصف بهما، سواءٌ أجلَّه ونزهه الناس، أم لم يفعلوا ذلك. والله - تعالى - يعدد في هذه السورة آلاءَه ونعمه، فما وجه ذكر الفناء للخلق في آلائه - تعالى -؟ والجواب: أن الفناءَ باب للبقاء والحياة الأبدية في جنة عرضها السموات

стр. 4840

والأرض، وقال الطيبى: المراد من قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ملزوم معناها؛ لأنها كناية عن مجئ وقت الجزاء، وهو من أَجَلِّ النعم على المؤمنين، ولذلك خص الجلال والإكرام بالذكر، لأنهما يدلان على الإثابة والعقاب، تبشيرًا للمؤمنين، وتحذيرًا للعباد من ارتكاب ما يترتب عليه العقاب، ولذلك رتب عليها بالقاء قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ٢٩ - ٣٠ - ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (١) (٢٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: المراد بمن في السموات والأرض: أهلهما من الملائكة والإنس والجن وغيرهم ممن لا يعلمهم إلا الله - تعالى - فالله لم يجعل الجنة كعرض السموات والأرض لأهل هذه الأرض، بل لهم ولغيرهم من المكلفين فيهما ممن نعلمه ومن لا نعلمه، فقد جاء في القرآن أن الأرض سبع كالسموات، قال تعالى في آخر سورة الطلاق: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ وكان ابن عباس يرى أن الأرضين الأخرى بها مكلفون مثلنا، كما أن سكان السماء لا نستطيع القطع بأنهم الملائكة فحسب، فقد يكون فيهن سكان عقلاء مكلفون، فلهذا جعل الله الجنة كعرض السماء والأرض، لكي تتسع للمكلفين فيهن، والله - تعالى - أعلم. والمراد من كل يوم كل وقت من الأوقات، ولحظة من اللحظات، والمراد من الشأن الشئون المختلفة، فهو مفرد في معنى الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي: أطفالًا. وشئون الله تعالى في كل لحظة لا تعد ولا تحصى، كما أن كلامه لا يعد ولا يحصى، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (٢)، ومن شئونه - جل وعلَا - أنه ينشيء أشخاصًا ويفنى آخرين، ويغفر

стр. 4841

ذنوبًا ويفرج كروبًا، ويرفع أقوامًا ويخفض آخرين، ويجيب دعاء بعض الداعين، ولا يجيبه لآخرين، ويعز ويذل، ويرزق ويمنع، إلى غير ذلك من شئون الكون. وقال الكلبي: شأنه سوق المقادير إلى المواقيت، وروى أن عبد الله بن طاهر، دعا الحسين بن الفضل وقال له: أشكلت على ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي، قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ وقد صح أن الندم توبة، وقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، وقد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين: يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك الأُمة، ويكون توبة في هذه الأُمة؛ لأن الله - تعالى - خص هذه الأُمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم، وقيل: إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله، وأما قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شئون يبديها ولا يبتديها (١)، وأما قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فمعناه: ليس له إلاَّ ما سعى عدلًا، ولي أن أجزيه بواحدة ألفا فضلًا، فقام عبد الله وقبل رأسه وسوَّغ خراجه، أي: أَمر بعطائه والإنعام عليه. وبعد هذا نقول: إن تلك الأراء ما هي إلاَّ نماذج من شئونه - تعالى - وشئونه لا تحصى والمعنى الإجمالي للآيتين: يسأل الله أهل السموات وأهل الأرض عن حاجاتهم وضروراتهم؛ لأنه هو الذي خلقهم، وهو الذي يجيب مسألتهم، كل وقت هو - سبحانه - في شئون كثيرة لا تحصى من شئون ملكوته، ومن جملتها سماع أسئلة عباده والبت في أسئلتهم، إيجابًا أو سلبًا، فالله - سبحانه - لا يغفل عن ملكوته طرفة عين، فلهذا لا ترى نقصًا في سمواته وأرضه، فهو ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (٢)، فبأى نعمة من نعم ربكما تكذبان أيها الثقلان، وهو الذي تسألونه فيحقق أسئلتكم.

стр. 4842

﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦)﴾ المفردات: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾: سَنَأُخذ في جزائكم فقط أيها الإنس والجان. ﴿أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أَن تخرجوا من جوانبها. ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾: إلاَّ بقوة وقهر. ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ أي: لهب من نار ونحاس مذاب يصب فوقكم. ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾: فلا تمتنعان من العقوبة بهما، وسيأتي في الشرح بيان ما تقدم. التفسير ٣١ - ٣٢ - ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: جاءَ في الآية السابقة أنه - تعالى - ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ أي: كل وقت هو في شئون ملكوته التي لا تحصى ولا تعد، ومن جملتها شئون الثقلين، وجاءَت هذه الآية لتبين أنه - سبحانه - سيفرغ من شئونهم الدنيوية من الخلق والرزق والإحياء والإماتة وتدبير

стр. 4843

سائر أحوالهم - سيفرغ من ذلك كله - إلى شأن واحد هو جزاؤهم يوم القيامة على أعمالهم في الدنيا. ويجوز أَن يكون المعنى: سنفرغ من شئون الدنيا كلها - ومنها شئون الثقلين فيها - إلى جزائهم في الآخرة فإنه - سبحانه - سيبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وتبرز الخلائق وتظهر بالبعث والحشر بعد موتهم وفنائهم، أي: سيحيون لجزائهم منه - تعالى -. ومعلوم من الدين بالضرورة أنه - تعالى - وقد انتهي من شئون الدنيا - فإنه معنى بشئون الآخرة - وما أكثرها - فليس شأنه في الآخرة مقصورًا على جزاء الثقلين، فلهذا تعتبر الآية من قبيل الوعيد للإنس والجن بأنه - تعالى - سيعاقبهم إن كفروا وعصوا ربهم، وبهذا المعنى قال ابن عباس ﵄. وقيل: إنَّ فرغ قد تكون بمعني قصد، وهو المراد هنا، ونقل هذا عن الخليل والكسائى والفراء، وعلى هذا يكون المراد حينئذ: تعلق الإرادة بجزائهم تعلقًا تنجيزيًّا. وقد عبر الله عن الإنس والجن بالثقلين لعظم شأنهما، ولذا يقال: العظيم القَدْر ثَقَلٌ، ومنه قوله ﷺ : "إني تارك فيكم الثقلين - كتاب الله وعِتْرتى" (١)، وقيل: لأنهما مثقلان بالتكاليف. والمعنى الإجمالي للآيتين: سنقصد تنجيز عقابكم يوم القيامة، ونريد تحقيق ما أردناه لكما أزلًا أيها الثقلان إن لم تؤمنوا، فبأي نعمة من نعمى التي من جملتها التشبيه علي ما ستلقونه يوم القيامة، لعلكم تتقونه بإيمانكم - فبأي نعمة منها - تكذبان. ٣٣ - ٣٤ - ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾:

стр. 4844

المعشر: الجماعة، وقد ذكر الله في الآية السابقة ما يفيد أنه سيعاقب الجن والإنس إن كفروا، وجاءت هذه الآية لتعجيزهم عن الهَرَب للتخلص من عقابه. والمعنى: يا جماعة الجن والإنس أنتم راجعون إلينا بعد الموت لعقابكم على كفركم ومعاصيكم، فإن قدرتم على الهرب والتخلص منه بالخروج من جوانب السموات والأرض، فاخرجوا منها وخلصوا أنفسكم من عقابى، لا تخرجون منها إلاَّ بسلطان وقوة وقهر، أنتم لا تقدرون على ذلك، عاجزون عن تحقيقه؛ لأنكم لا سلطان ولا قدرة لكم على تحقيقه، فأنتم محصورون في ملكوتى في حين لا ملكوت لغيرى حتى تخرجوا إليه - إن قدرتم - فبأَي نعمة من نعم ربكما تكذبان وتكفران، ومنها تحذيركم من العقاب لتتقوه. ٣٥ - ٣٦ - ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: شواظ النار: لهيبها الخالص من الدخان، وبهذا المعنى أخذ ابن عباس، وقيل: هما جميعًا، حكاه الأخفش عن بعض العرب، والنحاس: هو دخان النار على القول الأول، وقيل: هو النحاس المعروف. سمى الصُّفْر، يذاب ويصب على رءُوسهم، وروى هذا: مجاهد وقتادة، وكذا ابن عباس في رواية عنه. وهذه الآية جواب عن سؤال مقدر عن الداعى للفرار أو عمَّا يصيبهم. والمعنى: يرسل عليكما أَيها الثقلان لهب شديد من نار، كما يرسل عليكما نُحاسٌ مذاب يصب فوق رءُوس الكافرين منكما، فلا تمتنعان من العذاب، ولا تستطيعان الهرب منه لو أردتموه، فبأى نعم ربكما تكذبان، ومنها تنبيهكم إلى أنكم لا تستطيعون الفرار من العذاب إن بقيتم على كفركم.

стр. 4845

﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥)﴾ المفردات: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ أي: كالوردة في الحمرة، لامعة كالدهان، والدهان قيل أنه مفرد كالدهن، وقيل: إنه جمع دهن، وقال الحسن: أي كالدهان المختلفة؛ لأنها في الإعراب خبر ثان لكانت أو نعت لوردة. ﴿يَطُوفُونَ﴾: يترددون. ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾: ماءٌ شديد الحرارة. ﴿بِالنَّوَاصِي﴾: جمع ناصية وهي: مقدم الرأس. ٣٧ - ٤٢ - ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢)﴾:

стр. 4846

انشقاق السماء: انصداعها يوم القيامة، وبعد انشقاقها تكون حمراء كالوردة، لامعة كالزيت، أو صافية كصفائه. وجواب إذا تقديره. كان ما كان مما يعجز عنه البيان. ومعنى هذه الآيات: فإذا تصدعت السماءُ، فصارت حمراء كالورد. صافية كالزيت، يكون من الأهوال ما لا يقدر على وصفه البيان، فبأى نعمة من نعم ربكما تكذبان، ومنها ما تقدم من ذكر أهوال يوم القيامة، توعية للثقلين لحملهما على الوقاية من تلك الأهوال بالإيمان، فيوم تكون السماءُ كذلك لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (١) لأن الله حفظها عليهم وسطرتها الملائكة في كتبهم. يعرف هؤلاء المجرمون بعلاماتهم، من سواد الوجوه وزرقة العيون، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٢)، وكما قال - سبحانه -: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ (٣) فتأخذ الملائكة بشعور مقدم رءُوسهم وبأَقدامهم، فيقذفونهم في نار جهنم فبأى نعمة من نعم ربكما تكذبان يا معشر الثقلين. وجعل ذلك من نعم الله عليهم من جهة أن فيه تحذيرا لهم من هذا المصير، وحملًا لهم على الإيمان. فإن قيل: إنه قد جاءَ في القرآن أنهم يُسألون، كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤)، فالجواب: أن في يوم القيامة الطويل مواقف، ففي بعضها يسألون، وفي آخر لا يسألون، وقال ابن عباس: حيث ذكر السؤال فهو سؤال توبيخ، وحيث نفى فهو استخبار محض، يعني: أن سؤالهم لمعرفة أخبار جرائمهم لا يحصل؛ لأن الله وملائكته يعلمونها، ولأَنها مكتوبة في صحائفهم، ولسان أعضاءهم تشهد عليهم.

стр. 4847

٤٣ - ٤٥ - ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾: مقول لقول مقدر، وهذا المقدر معطوف على قوله تعالى: ﴿يُؤْخَذُ﴾ أَي: ويقال للمجرمين، أو مستأنف جوابًا لسؤال مقدر، أَي: ماذا يقال لهم حينئذ، والذي يقول لهم هذا هم الملائكة الذين وكل إليهم تعذيبهم. والمعنى: يقول الملائكة الذين وكل إليهم عقابهم توبيخًا وتأنيبًا ومضاعفة لآلامهم - يقولون لهم - حين يأخذون بنواصيهم وأقدامهم ويلقونهم في النار: هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون أمثالكم يترددون بينها وبين شراب شديد الحرارة يقطع أمعاءَهم، فبأى نعم ربكما تكذبان أيها المكذبون من الإنس والجن. واعتبر هذا القول نعمة من نعم الله في الدنيا للثقلين؛ لأنه ربما دعاهم إلى الإيمان ليتقوا هذا العذاب. ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥)﴾

стр. 4848

المفردات: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ أي: خاف قيام ربه وهيمنته عليه، فمقام: مصدر ميمى مضاف إلى الفاعل، فالقيام هنا مثله في المعنى قوله - تعالى: - ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (١) وللكلام بقية في شرحها. ﴿جَنَّتَانِ﴾: بستانان. ﴿أَفْنَانٍ﴾: جمع فَنٍّ بمعنى: نوع، أو جمع فَنَن وهو ما دقَّ ولان من الأغصان. ﴿زَوْجَانِ﴾: صِنفان، وسيأتى بيان ذلك في موضعه من الشرح. ﴿مُتَّكِئِينَ﴾: الاتكاءُ الاعتماد والتحمل، والتُّكَأَةُ العصا وما يتكأُ عليه، ومنه بمعنى الجلوس قوله ﷺ : "أنا لا آكل متكئا" (٢) أي: جالسًا على هيئة المتمكن المتربع المستدعية لكثرة الأكل، بل كان قعوده مستوفزًا (٣). ﴿إِسْتَبْرَقٍ﴾: ديباج ثخين، والديباج الحرير المنقوش، وهو فارسيٌّ مُعَرّب. ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ﴾ أي: ما يجنى ويؤخذ من ثمار أشجارها. التفسير ٤٦ - ٤٩ - ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: ذكر الله فيما مضى من الآيات أحوال أهل النار، وجاءت هذه الآيات وما بعدها لتبين الآلاء والنعم التي أعدها الله لعباده المؤمنين الأبرار، وهم الذين خافوا مقام ربهم يوم الحساب. وهذه الآيات نزلت في أبي بكر ﵁ روى عن ابن الزبير وابن شوذب وابن أبي حاتم عن عطاء، أنه ﵁ ذكر ذات يوم وفكر في القيامة والموازين والجنة والنار، وصفوف الملائكة وطى السموات ونسف الجبال وتكوير الشمس وانتثار

стр. 4849

الكواكب، فقال: وددت أني كنت خَضِرًا من هذه الخضر، تأتى عليَّ بهيمة فتأكلنى وأنى لم أُخلق، فنزلت: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ وهي وإن نزلت بسبب خوف أبي بكر الصديق ﵁ فالعبرة بعموم اللفظ لكل خائف، لا بخصوص السبب. ومقام مصدر ميمى معناه: قيام، وهو مضاف إلى الفاعل، أي: ولمن خاف قيام ربه وهيمنته عليه يوم القيامة، وذلك هو المقصود من قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (١) وهذا المعنى مروى عن مجاهد وقتادة، أو هو اسم مكان، والمراد به: مكان وقوف الخلق وقيامهم عند ربهم يوم القيامة للحساب والجزاء، وإضافته للرب لأنه لا سلطان فيه لغيره - جلَّ وعلَا - وهذا المعنى موافق للمراد من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) أي: يوم وقوف الناس وقيامهم في أَماكنهم منتظرين قضاء رب العالمين. والجنتان لكل واحد من المتقين، إحداهما منزله ومحل زيارة أجابه، والأُخرى منزل أزواجه وخدمه، كما يفعله الرؤساء والمترفون في الدنيا، وإلى هذا ذهب الجبائى، وقيل: بستانان، أحدهما: داخل قصره والآخر: خارجه. والخوف من الله - تعالى - هو خوف من حسابه وعقابه على فعل المعاصي وترك الطاعات، فيحمله هذا الخوف على تقوى الله - تعالى - وقال مجاهد: هو الرجل يريد الذنب فيذكر الله - تعالى - فيدع الذنب، وما قاله مجاهد مثال لباعث من بواعث الخوف من الله تعالى، فالخوف من الله - تعالى - أوسع من ذلك، فمن أطاع الله وترك المعاصي يعد خائفًا منه - جلَّ وعلَا - سواءٌ حملته النفس على معصيته فكف عنها خوفًا منه تعالى، أو لم تحمله، ولكنه دأب على طاعته وترك معصيته، خوفًا منه، حتى أصبح ذلك خلقا له. وقد وصفت الجنتان بأنهما ذواتا أفنان، وما بينهما جملة اعتراضية للتنبيه على أن التكذيب بالموصوف أو بالصفة موجب للإنكار والتوبيخ، وأفنان إمّا جمع فَنٍّ بعض النوع،

стр. 4850

أي: صاحبتا أنواع من الأشجار والثمار، وروى ذلك عن ابن عباس وابن جبير والضحاك، وعليه قول الشاعر: ومن كل أفنان اللذاذة والصبا … لهوتُ به والعيش أخضر ناضر وإمَّا جمع فَنَن، وهو ما لَان ودق من الأغصان، كما قاله مجاهد وابن الجوزى وعلى تفسيرها بمعنى الأغصان يكون تخصيصها بالذكر مع أنها ذواتا جذوع وأوراق وثمار أيضًا لأنها هي التي تورق وتثمر، فمنها تمتد الظلال، ومنها تجنى الثمار، فكأنه قيل: ذواتا ثمار وظلال، فالأَغصان كناية عن ذلك. ٥٠ - ٥٥ - ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: المعنى: في الجنة لكل خائف مقام ربه عينان تجريان بالماء الزلال، إحداهما بالنسيم والأخرى بالسلسبيل، وروى هذا عن الحسن، وقال عطية العوفى: عينان: إحداهما من ماءٍ غير آسن، والأخرى من خمر لذة للشاربين، فبأى نعم ربكما تكذبان أيها الثقلان، في الجنتين من كل فاكهة صنفان: صنف معروف لهم في الدنيا، وصنف آخر غريب لم يعرفوه، أو صنف يابس، وآخر رطب، فبأى نعم ربكما تكذبان، معتمدين على فرش من ديباج ثخين، سواءٌ كان الاعتماد جلوسًا عليها أو نومًا أو اضطجاعًا إذا كانت الفرش بطائنها من إستبرق فكيف بالظواهر، وقيل لابن عباس: بطائنها من إستبرق فما الظواهر؟ قال: ذلك مما قال - تعالى -: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (١). وثمر الجنتين قريب، يناله القائم والقاعد والمضطجع، قال ابن عباس ﵄: تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولى الله - تعالى - إن شاء قائمًا وإن شاء قاعدًا وإن شاء مضطجعًا: فبأى نعم ربكما كذبان أيها الثقلان.

стр. 4851

﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١)﴾ المفردت: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: نساءٌ قصرن أبصارهن على أزواجهن، وسيأتى في الشرح مزيد بيان. ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾: لم تفتض بكارتهن. التفسير ٥٦ - ٦١ - ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: المعنى: في هذه الجنات المعدة لمن خافوا مقام ربهم فاتقوه وكانوا من الأبرار - فيهن - نساءٌ قاصرات أبصارهن على أزواجهن فلا ينظرن سواهم، أخرج ابن مردويه بسنده عن النبي ﷺ أنه قال في ذلك: "لا ينظرون إلا إلى أزواجهن" أو قاصرات أَبصار أزواجهن عليهن، فلا ينظرون سواهن، لم يفتض بكارتهن ولم يجامعهن إنس ولا جان قبل هؤلاء المتقين، فبأَى نعم ربكما تكذبان، كأنهن في صفائهن الياقوت وفي حمرتهن المرجان (١)، فبأَى نعم ربكما تكذبان، هل جزاءُ الإحسان في الطاعة إلاَّ الإحسان في الثواب، فهؤلاء

стр. 4852

الخائفون أحسنوا فتركوا المعاصي وأقبلوا على الطاعات، فأحسن الله إليهم هذا الإحسان الذي تقدم بيانه. ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩)﴾ المفردات: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾: ومن تحت هاتين الجنتين السابقتين في المنزلة والقدر جنتان أُخريان. ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾: شديدتا الخضرة. ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾: فوارتان بالماء، صيغة مبالغة من النضخ، وهو فوران الماء. التفسير ٦٢ - ٦٩ - ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: تحكى هذه الآيات نعيمًا آخر، لصنف آخر ممن خاف مقام ربه، فهاتان الجنتان لأصحاب اليمين، والجنتان السابقتان للسابقين - كما قاله ابن زيد والأكثرون - وقال

стр. 4853

الحسن: الأوليان السابقين والأُخريان التابعين، وهو بذلك يجعل أصحاب اليمين من جملة السابقين، وهذا القول روى موقوفًا، وصححه الحاكم عن أبي موسى. ومعنى هذه الآيات: وأقل من الجنتين السابقتين جنتان لصنف آخر ممن خاف مقام ربه، وقد وصف الله هاتين الجنتين بأَوصاف فصل بينهما بقوله تعالى -: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إيذانًا بالإنكار والتوبيخ على تكذيب كلّ من الموصوف وصفته. وأول هذه الأوصاف أن الجنتين ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ أي: خضراوان - كما روى عن ابن عباس وغيره، وأصل هذا التفسير عن النبي ﷺ فقد أخرج الطبرانى وابن مردويه عن أبي أيوب ﵁ قال: "سألت النبي ﷺ عن قوله - تعالى - ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ فقال: "خضراوان" والمراد أنهما شديدتا الخضرة من كثرة الرى، حتى أصبح لونهما يميل إلى الدهمة وهي السواد، وَوَصْف هاتين الجنتين بذلك دون السابقتين، للإيذان بأن الغالب فيهما النبات والرياحين المنبسطة على الأرض، أما وصف السابقتين بأَنهما ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾، فللإيذان بأن الغالب فيهما الأشجار، فإنها هي التي توصف بأنهما ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ والنبات يوصف بالخضرة الشديدة. وثاني هذه الأوصاف ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ أي: فوارتان بالماء، قال البراءُ بن عازب فيما أخرجه عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم: العينان اللتان تجريان في خير من النضاختين. وثالث هذه الأوصاف ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ وقد عطف نخل ورمان كل فاكهة مع أنهما منها، للإيذان بفضلهما، وقيل: إنهما لم يخلصا في الدنيا للتفكه، فإن ثمرة النخل فاكهة وغذاءٌ، والرمان فاكهة ودواءٌ، فكأنهما جنس آخر فعطفا على الفاكهة، ولهذا قال أبو حنيفة: من حلف أن لا يأكل فاكهة فأكل رُمَّانًا أو رُطبا لم يحنث، وخالفه صاحباه.

стр. 4854

﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ المفردات: ﴿خَيْرَاتٌ﴾: جمع خَيْرة، وصف بني على فعلة من الخير، كما قالوا شَرَّة من الشر، قاله أبو حيان، وقال الزمخشرى: أصله خيِّرات بالتشديد فخفف: كما قال ﷺ - هيْنُون لَيْنُون - بإسكان بدل تشديدها. ﴿حُورٌ﴾: جمع حوراء، أي: بيض كما روى عن ابن عباس، وقال ابن الأثير: الحوراءُ هي شديدة بياض العين، شديدة سوادها، وزاد في القاموس أن تستدير حدقتها وترقُّ جفونها ويبيض ما حولها. ﴿مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾: مُخَدَّرات ملازمات لبيوتهن، لا يطفن في الطرق. ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾: لم يطأهن، فهن أبكار. ﴿رَفْرَفٍ﴾: قال الجبانى: هي الفُرُش المرتفعة، وسنزيده بيانًا في الشرح. ﴿حِسَانٍ﴾ حملا على المعنى. ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾: تنزه وتقدس.

стр. 4855

التفسير ٧٠ - ٧٨ - ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾: في هذه الآيات الكريمة بقية أوصاف الجنتين الأخيرتين، وبدأت بالوصف الرابع لهما وهو ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ والتعبير بالجمع في قوله: ﴿فِيهِنَّ﴾ مع أنهما جنتان باعتبار جميع الجنان التي يمنحها الله لهؤلاء الأبرار. والمعنى: في هذه الجنات نساء مختارات حسان الخَلْق والخُلُق، وقال قتادة: خيرات الأخلاق حسان الوجوه. وهؤلاء الخيرات الحسان حور مقصورات في الخيام غير نساء الدنيا، وهن مخدَّرات أي: ملازمات لبيوتهن لا يطفن بالطرق، عاكفات على أزواجهن، وقد وصفهن بالحُور، وهو شدة بياض بياض العيون، وشدة سواد سوادها، مع استدارة الحدقة ورقة الجفون وبياض ما حولها. وقد وصفت هذه الحور بأنهن أبكار لم يطأهن إنْسٌ ولا جان قبل أزواجهن ممن خافوا مقام ربهم. ووصف أصحاب هذه الجنان بأنهم يعتمدون على رفرف خضر وعبقرى حسان جلوسًا أو اضطجاعًا أو نومًا، والرفرف جمع رفرفة، ولهذا وصف بخضر جمع أخضر، وهو ما يطرح على ظهر الفرش للنوم، وهذا التفسير لابن عباس وغيره، وقال الجبانى: هي الفرش المرتفعة، وقال الحسن: هي البُسُطُ.

стр. 4856

كما يتكئون على عبقرى حسان، والعبقرى لفظ يطلق على الشيء العجيب النادر. والمراد به: الجنس ولذا وصف بالجمع. وفسره أبو عبيدة بأنه ما كلُّه وشْيٌ - أي: نقش - من البسط، وفسره مجاهد بأنه الديباج الغليظ، وقيل غير ذلك. ثم ختمت السورة بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾: أي: تعالى الله صاحب العظمة والتكريم ومنزه عن أن يكون له شريك في هذا الإنعام وفي هذا الملكوت العظيم.

стр. 4857

" سورة الواقعة" وهي مكيّة كما أخرجه البيهقي وغيره عن ابن عباس، وآياتها ستٌّ وتسعون نزلت بعد سورة طه. مناسبتها لما قبلها: سورة الواقعة متَّفقة مع ما قبلها [سورة الرحمن] في أنّ كل منهما وصف القيامة والجنة والنار، قال بعض الأجِلّة: انظر إلى اتصال قوله - تعالى -: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ بقوله - تعالى - في سورة الرحمن: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ (١)، وأنه اقتصر في سورة الرحمن على ذكر انشقاق السماء، وفي سورة الواقعة على ذكر رجّ الأرض، فكّأنّ السورتين لتلازمهما وتوافقهما سورة واحدة، ذُكِر في كل شيء. وقد عُكِس الترتيب فذُكِر في أوَّل سورة الواقعة ما في آخر سورة الرحمن، وفي آخر هذه ما في أول تلك، فافتتح في سورة الرحمن بذكر القرآن ثم ذكر الشمس والقمر ثم ذكر النبات ثم خلق الإنسان والجان، ثم صفة يوم القيامة، ثم صفة النار، ثم صفة الجنة. وبُدِيء في سورة الواقعة بذكر القيامة، ثم صفة الجنة، ثم صفة النار، ثم خلق الإنسان، ثم النبات، ثم الماء، ثم النّار. المعنى العام للسورة: تقْرعُ سورة الواقعة سَمْعَك، وتبعث الخوف والرهبة في نفسك حين تحدِّثك عن وقوع يوم القيامة، وما يصاحب ذلك الوقوع من أمور جسام، وأحداث عظام، حيث ترج الأرض وتزلزل زلزالها، وتتفتت الجبال تفتيتا وتصير غبارًا منتشرًا متطايرًا، وتذكر أحوال الناس يومئذ وأنواعهم فهم أصناف ثلاثة: ١ - أصحاب اليمين.

стр. 4858

٢ - أصحاب الشمال. ٣ - والسّابقون. وتبيِّن بتفصيل ما أعدّ الله كل من نعيم مقيم جزاء عملهم الصالح، أو عذاب أليم يناسب كفرهم وعصيانهم وخروجهم عن أوامر ربهم وتكذيبهم بيوم الدين وقولهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾؟ ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ (١)؟ وتتحدث السورة بعد ذلك عن بعض آلاء الله ونعمه، وآثار قدرته فيما خلق وأبدع في الزرع والماء والنار، وأن ذلك يستوجب تسبيح الله وتقديسه على نعمه الغامرة، وشكره على آياته الظاهرة الباهرة، وتوضح أنّ من خلق هذا وأوْجَده إليه قادر على البعث، وإعادة الناس إلى الحياة مرة ثانية للحساب والجزاء؛ لأن الإعادة أسهل من البداءة عادة. وتذكر السورة أن الله - سبحانه - قضى بين الناس بالموت وجعل لموتهم وقتًا معينًا وهو - سبحانه - ليس بعاجز على أن يبدّل صورهم بغيرها وينشئهم خلقًا آخر في صور أخرى لا يعرفونها، وفي السورة قَسَمٌ على مكانة القرآن وعلو شأنه وتقريع للكافرين على قبح صنعهم وعجيب شأنهم، حيث وضعوا التكذيب موضع الشكر، وقابلوا النعمة بالجحود والكفر، وفي آخر السورة إجمالى ما فصلته أولًا عن أحوال الأصناف الثلاثة، وما ينتظر كل صنف من ثواب أو عقاب. وتختم السورة ببيان أن كل الذي ذكر فيها وجاءت به هو حق اليقين ولذا فسبِّح باسم ربك العظيم.

стр. 4859

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ المفردات: (وقعت الواقعة): حدثت وقامت القيامة. ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾: لا تكون نفس مكذبة بوقوعها يوم القيامة. ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾: خافضة لأقوام رافعة لآخرين والخفض والرفع يستعملان عند العرب في المكان والمكانة. ﴿رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾: زلزلت وحُركت تحريكًا عظيمًا. ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾: فُتِّتت تفتيتًا شديدًا أو سيقت وسُيِّرت من بسّ الغنم إذا ساقها. ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾: فكانت غبارًا منتشرًا متفرقًا.

стр. 4860

التفسير ١ - ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾: أي: إذا قامت وحدثت القيامة، فالواقعة من أسماء يوم القيامة كما صرَّح بذلك ابن عباس وسميت بذلك للإيذان بتحقيق وقوعها لا محالة كما قال تعالى: ﴿فيومئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ (١) قال الزمخشرى: وقعت الواقعة هو كقولك: كانت الكائنة وحدثت الحادثة فكأنه قيل: إذا وقعت التي لابدّ من وقوعها، ووقوع الأمر نزوله، يقال: وقع ما كنت أتوقعه أي: نزل ما كنت أترقب نزوله وقال الضحّاك: الواقعة الصيحة وهي النفخة الأخيرة في الصور وجواب إذا تقديره حدث كيت وكيت، وفي إبهامه تهويل وتفخيم لأمر الواقعة. ٢ - ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾: اعتراض يؤكد تحقيق الوقوع أو حال من (الواقعة) كما قال ابن عطيَّة، أي: لا يكون حين وقوعها نفس كاذبة تنكر وقوعها وتنفيه وتجحده. وقال ابن كثير: أي: ليس لوقوعها - إذا أراد الله كونها - صارف يصرفها ولا دافع يدفعها، ومعنى كاذبة كما قال محمَّد بن كعب لابدّ أن تكون. ويجوز أن تكون ﴿كَاذِبَةٌ﴾ مصدرًا بمعنى التكذيب وهو التثبيط أي: ليس لوقعتها ارتداد ولا رجعة كالحملة الصادقة من ذي سطوة قاهرة، وروى نحو ذلك: عن الحسن وقتادة وابن جرير. ٣ - ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾: أي: هي خافضة رافعة ترفع أقوامًا وهم السّعداء، وتضع آخرين وهم الأشقياء، تخفض أقوامًا إلى أسفل سافلين في الجحيم وإن كانوا في الدنيا أعزاء، وترفع آخرين إلى أعلى

стр. 4861

علِّيين إلى النعيم المقيم وإن كانوا في الدنيا وضعاء هكذا قال الحسن وقتادة وغيرهما. وقيل: تزلزل الأشياء وتزيلها عن مقارها فتخفض بعضًا وترفع بعضًا حيث تسقط السماء كسفا، وتنتشر الكواكب وتنكدر، وتسير الجبال فتمر في الجو مر السحاب، فالخفض والرفع إما حسى أو معنوي. ٤ - ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾: أي: إذا زلزلت الأرض واهتزت وحرِّكت تحريكًا شديدًا بحيث ينهدم ما فوقها من بناء وجبال، وإذا بدل مما قبلها أي: تخفض وترفع وقت رجّ الأرض وبس الجبال. ٥ - ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾: أي: وفتتت الجبال تفتيتًا دقيقًا أو وسيقت وسيِّرت من بسّ الغنم إذا ساقها فهو كقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ (١). ٦ - ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾: أي: فصارت الجبال بسبب ذلك البس غبارًا منتشرًا، والمراد: مطلق الغبار عن الأكثرين، وقال ابن عباس: الهباء: هو ما يثور مع شعاع الشمس إذا دخلت من كوَّة، وفي رواية أخرى عنه: أنه الذي يطير من النار إذا اضطرمت. قال ابن كثير: وهذه الآية كأخواتها دالة على زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة، وذهابها وتسييرها ونسفها أي: قلعها.

стр. 4862

﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) في جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾ المفردات: ﴿أَزْوَاجًا﴾: أصنافًا وأنواعًا وعن مجاهد فِرَقًا. ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾: فأصحاب اليُمْن والبركة، أو ناحية اليمين. ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾: وأصحاب الشُّؤم، أو جهة الشّمال. ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾: عن ابن كيسان: هم المسارعون إلى كل ما دعا الله إليه، ورجّحه بعضهم؛ لأنه عام يشمل كل الأنواع. التفسير ٧ - ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾: خطاب للأمة الحاضرة والأُمم السالفة كما ذهب إليه الكثير، والمعنى: وصرتم جميعًا في يوم القيامة أصنافًا وأنواعًا وفرقًا ثلاثة، قال الآلوسي: كل صنف يكون مع صنف آخر في الوجود أو الذكر فهو زوج: قال ابن كثير: ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف: ١ - قوم عن يمين العرش ويؤتون كتبهم بأيمانهم، ويؤخذ بهم ذات اليمين - قال السدى: هم جمهور أهل الجنة.

стр. 4863

٢ - وآخرين عن يسار العرش ويؤتون كتبهم بشمالهم ويؤخذ بهم ذات الشمال وهم عامة أهل النار. ٣ - وطائفة يُساقون بين يديه وهم أخصّ وأحظى وأقرب من أصحاب اليمين، فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء. وهكذا قسّمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم، وذلك إشارة إلى قوله - تعالى - في آخر السورة ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ (١) إلخ. ٨، ٩ - ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾: شروع في تفصيل للأزواج الثلاثة مع الإثارة الإجمالية إلى أحوالهم قبل تفصيلها، والدائر على ألسنة المفسرين أن أصحاب الميمنة مبتدأ خبره جملة ما أصحاب الميمنة والرابط الظاهر القائم مقام الضمير في قوله - تعالى -: ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ وكذا يقال في قوله - تعالى -: ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾. والأصل في الموضعين ما هم؟ أي. أي شيء هم في حالهم وصفتهم، والمراد تعجيب السامع لشأن الفريقين في الفخامة والفظاعة، كأنه قيل: فأصحاب الميمنة هم في غاية من حسن الحال وما أعظم مكانتهم، وأصحاب المشأمة هم في نهاية سوء الحال وما أسوأ مكانتهم، واختلفوا في الفريقين: ١ - فقيل أصحاب الميمنة: أصحاب المنزلة السّنية. أصحاب المشأمة أصحاب المنزلة الدنية. ٢ - وقيل: الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم، والذين يؤتونها بشمالهم.

стр. 4864

٣ - وقيل: الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، والذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. ٤ - وقيل: أصحاب اليمن، وأصحاب الشؤم، فإن السعداء ميامين علي أنفسم بطاعتهم، والأشقياء مشائيم على أنفسهم بمعاصيهم روى هذا عن الحسن والربيع (اهـ. بتصرف آلوسى - وكشاف). ١٠ - ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾: هذا هو الصنف الثالث من الأزواج الثلاثة، ولعل تأخير ذكرهم مع أنهم أسبق الأصناف وأقدمهم في الفضل ليردف ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم، واختلف في تعيينهم فقيل. ١ - هم الذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة عند ظهور الحق من غير تلعثم، روى ذلك عن عكرمة ومقاتل. ٢ - وقيل: هم من ذكروا في الحديث الذي أورده صاحب "البحر": "سئل الرسول ﷺ عن السابقين فقال: هم الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سُئلوه بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم". ٣ - وقيل: هم السابقون إلى الهجرة والصلوات والجهاد، وهم أهل القرآن أوهم الأنبياء. ٤ - وقيل - كما نقل عن ابن كيسان - هم المسارعون إلى كل ما دعا الله إليه، ورجحه بعضهم بالعموم. وجعل ما ذكر في أكثر الأقوال من باب التمثيل.

стр. 4865

والشائع أن ﴿السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ مبتدأ وخبر والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم، وعرفت مكانتهم ومنزلتهم، كقولهم: أنا أبو النجم، وشعرى شعرى، وفيه من تفخيم شأنهم والإيذان بشيوع فضلهم ما لا يخفى (اهـ. آلوسي بتصرف) ولم يقل: والسابقون ما السابقون على غرار الأولين في قوله - تعالى -: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾. إلخ لأنه جُعِل أمرًا مفروغًا منه مسلّما به مستقلًا بالمدح والتعجب. ١١ - ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾: مبتدأ وخبر والجملة استئناف وبيان، أي: أولئك المقربون عند الله، الموصوفون بذلك النعت الجليل الذي استحقوه حُظوة ومكانة عنده، أو الذين قربت إلى العرش العظيم درجاتهم، والإشارة بأولئك إلى السابقين وما فيه من معنى البعد - مع قرب المشار إليه - للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل. ١٢ - ﴿في جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: أي: كائنين في جنات النعيم وفائدة ذكر ﴿في جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ بعد ذكر كونهم مقرّبين للإشارة بالأول إلى اللذة الروحية، وبالثاني إلى اللذة الحسية.

стр. 4866

﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ المفردات: ﴿ثُلَّةٌ﴾: المشهور أنها الجماعة كثرت أو قلت، وقال الزمخشري: الاستعمال غلب على الكثير فيها. ﴿الْأَوَّلِينَ﴾: الأمم الماضية قبل الرسول، أو الأولين من صدر أمة محمَّد. ﴿الْآخِرِينَ﴾: أمة محمَّد أو المتأخّرين منهم. ﴿مَوْضُونَة﴾: منسوجة بالذهب بإحكام. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾: يدور عليهم للخدمة. ﴿بِأَكْوَابٍ﴾: أقداح لا عُرا لها ولا خراطيم. ﴿وَأَبَارِيقَ﴾: أوانٍ لها عُرًا وخراطيم. ﴿وَكَأْسٍ﴾: إناء شرب الخمر.

стр. 4867

﴿مَعِينٍ﴾: خمر جارية من العيون. ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي: لا يصيبهم صداع بشربها. ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾: لا تذهب عقولهم بسببها. ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾: ونساء بيض واسعات الأعين حسانها. ﴿اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾: اللؤلؤ المستور المصون في صدفه مما يغّيره. ﴿لَغْوَا﴾: كلامًا لا خير فيه. ﴿تأْثِيمًا﴾: حديثًا قبيحًا يأثم قائله. التفسير ١٣، ١٤ - ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾: وقد اختلفوا في المراد بـ (الأولين والآخرين) في الآية السابقة فقيل: ١ - المراد بالأولين الأُمم الماضية، والآخرين هذه الأمة، وهذه رواية عن مجاهد والحسن واختار ابن جرير هذا القول. قال ابن كثير: وهذا الذي اختاره ابن جرير هو قول ضعيف؛ لأن الأمة المحمدية خير الأمم بنص القرآن، فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها، اللهم إلاَّ أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة، [والظاهر أن المقربين من أمة محمَّد أكثر من سائر الأمم] والله أعلم. فالقول الثاني في هذا المقام هو الراجح وهو أن يكون المراد بقوله - تعالى -: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: من صدر الأُمة [أمة - محمَّد ﷺ ] ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ أي: من هذه الأمّة، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا السرى بن يحيى قال: قرأ الحسن: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ* في جَنَّاتِ النَّعِيمِ* ثُلَّةٌ مِنَ

стр. 4868

﴿الْأَوَّلِينَ﴾ قال: ثلة ممن مضى من هذه الأمة، وروى عن محمَّد بن سيرين أنه قال في قوله - تعالى -: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾. كانوا يقولون أو يرجون أن يكونوا كلهم من هذه الأمة فهذا قول الحسن وابن سيرين أن الجميع من هذه الأُمة ولا شك أن أول كل أمة خير من آخرها، فيحتمل أن تعم الآية جميع الأمم، كل أُمة بحسبها، ولقد ثبت في الصحاح قوله ﷺ : (خير القرون قرنى ثم الّذين يلونهم ثم الذين يلونهم). ١٥، ١٦ - ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ (١) أي: ومستقرّين على سرر منسوجة بالذهب مشبّكة بالجواهر الكريمة من الدر والياقوت بإحكام، وقيل موضونة: أي: متصل بعضها ببعض متقاربة كحلقِ الدِّرع. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: مضجعين على السرر في راحة واستقرار وهدوء وطمأنينة متقابلة وجوههم ليس أحد وراء أحد. والمراد كما قال مجاهد: لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه، وهو وصف لهم بحسن العشرة وكمال الخلق، ورعاية الآداب، وصفاء النفوس وطهارة القلوب. ١٧، ١٨ - ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ* بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ حال آخر، أو استئناف أي: ويدور حول السابقين المقربين للخدمة ولدان مُخلدون أي: باقون أبدًا على هيئة الولدان وشكلهم وطراوتهم لا يتحوّلون عن ذلك، وإلا فكل أهل الجنة مخلد لا يموت.

стр. 4869

وقال الفراء وابن جبير: ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ أي: مقرّطون بخلدة وهي ضرب من الأقراط قيل: الولدان: هم أولاد أهل الدنيا الذين ماتوا صغارًا فلم تكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، روي هذا عن علي - كرم الله وجهه - وعن الحسن. واشتهر أنه ﵊ قال: (أولاد الكفار خدم أهل الجنة). ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾: ﴿بِأَكْوَابٍ﴾ أي: ويدور عليهم الولدان بآنية لا عرا لها ولا خراطيم، والظاهر أنها الأقداح وبذلك فسّرها عكرمة وهي جمع كوب. ﴿وَأَبَارِيقَ﴾: جع إبريق وهو إناء له خرطوم وعروة. ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ أي: وبكأس ملئت خمرًا من عيون جارية كما قال ابن عباس وقتادة، أي: لم يُعصر كخمر الدنيا وقيل: ﴿مَعِينٍ﴾ خمر ظاهر للعين مرئية بها؛ لأنها كذلك أهنأُ وألذُّ. ١٩ - ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي: لا يصيبهم بشربها صداع يصرفهم عنها، والمراد: أنه لا يلحق برءوسهم صداع لأجل خِمار يحصل منها كما في خمور الدنيا، أو لا يُفرقون عنها: بمعنى: لا تقطع عنهم لذَّتهم بسبب من الأسباب. ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ أي: ولا تذهب عقولهم بسكرها من نزف الشارب كعُنِيَ إذا ذهب عقله، فهي لذّة بلا ألم ولا سكر بخلاف شراب الدّنيا والآية الأولى ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ لبيان نفي الضرر عن الأجسام والثانية ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ لبيان نفي الضرر عن العقول. ٢٠، ٢١ - ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: ويطوف الولدان عليهم بما يتخيّرون من الفاكهة والثمار أي: يأخذون خيره وأفضله والمراد بما يرضونه ويعجبهم.

стр. 4870

﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي: ولحم طير مما تميل نفوسهم إليه وترغب فيه. والظّاهر أن الآية تشير إلى أن الولدان يطوفون بهما عليهم في الجنة، مع أنّه جاء في الآثار والأحاديث أن فاكهة الجنة وثمارها ينالها القائم والقاعد والنائم، وأن الرجل من أهل الجنّة يشتهى الطير فيقع في يديه نضجا، وإنّما كان طواف الولدان عليهم للإكرام ولمزيد المحبّة والتّعظيم والاحترام وهذا كما يناول أحد الجالسين على مائدة جليسا معه بعض ما عليها من الفاكهة ونحوها، إن كان ذلك قريبًا منه اعتناء بشأنه وإظهارا لمحبته والاحتفاء به، وتقديم الفاكهة على اللحم للإشارة إلى أنهم ليسوا بحال تقتضى تقديم اللحم كما في الجائع، فإن حاجته إلى اللحم أشّد من حاجته إلى الفاكهة، بل هم في حالة تقتضى تقديم الفاكهة واختيارها كما في الشّبعان فإنه إلى الفاكهة أميل منه إلى اللحم. قال ابن كثير في تفسير قوله - تعالى -: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ هذه الآلة دليل على جواز أكل الفاكهة على صفة التخيّر والانتقاء لها. ٢٣،٢٢، ٢٤ - ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ*جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أي: ولهم في الجنَّة نساء بيض واسعات العيون حسانها كأمثال اللؤلؤ المكنون، أي: المصون في صدفه، وقيّد بالمكنون أي: المستور بما يحفظه؛ لأنه أصفى وأبعد عن التغيّر. ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي يُغطون هذا الجزاء العظيم وينالون هذا الثواب الجزيل بسبب ما كانوا يعملون من الصالحات في الدنيا. ٢٥، ٢٦ - ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا* إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾: أي: لا يسمعون في الجنة ﴿لَغْوًا﴾ وهو ما لا نفع فيه من الكلام أو هو القبيح منه، ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾ أي: لا يسمعون حديثًا ينسب إلي الإثم قائله أو سامعه أن رضي به.
следующие страницы →