← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ المفردات: ﴿ثُلَّةٌ﴾: المشهور أنها الجماعة كثرت أو قلت، وقال الزمخشري: الاستعمال غلب على الكثير فيها. ﴿الْأَوَّلِينَ﴾: الأمم الماضية قبل الرسول، أو الأولين من صدر أمة محمَّد. ﴿الْآخِرِينَ﴾: أمة محمَّد أو المتأخّرين منهم. ﴿مَوْضُونَة﴾: منسوجة بالذهب بإحكام. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾: يدور عليهم للخدمة. ﴿بِأَكْوَابٍ﴾: أقداح لا عُرا لها ولا خراطيم. ﴿وَأَبَارِيقَ﴾: أوانٍ لها عُرًا وخراطيم. ﴿وَكَأْسٍ﴾: إناء شرب الخمر.

стр. 4867

﴿مَعِينٍ﴾: خمر جارية من العيون. ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي: لا يصيبهم صداع بشربها. ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾: لا تذهب عقولهم بسببها. ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾: ونساء بيض واسعات الأعين حسانها. ﴿اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾: اللؤلؤ المستور المصون في صدفه مما يغّيره. ﴿لَغْوَا﴾: كلامًا لا خير فيه. ﴿تأْثِيمًا﴾: حديثًا قبيحًا يأثم قائله. التفسير ١٣، ١٤ - ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾: وقد اختلفوا في المراد بـ (الأولين والآخرين) في الآية السابقة فقيل: ١ - المراد بالأولين الأُمم الماضية، والآخرين هذه الأمة، وهذه رواية عن مجاهد والحسن واختار ابن جرير هذا القول. قال ابن كثير: وهذا الذي اختاره ابن جرير هو قول ضعيف؛ لأن الأمة المحمدية خير الأمم بنص القرآن، فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها، اللهم إلاَّ أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة، [والظاهر أن المقربين من أمة محمَّد أكثر من سائر الأمم] والله أعلم. فالقول الثاني في هذا المقام هو الراجح وهو أن يكون المراد بقوله - تعالى -: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: من صدر الأُمة [أمة - محمَّد ﷺ ] ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ أي: من هذه الأمّة، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا السرى بن يحيى قال: قرأ الحسن: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ* في جَنَّاتِ النَّعِيمِ* ثُلَّةٌ مِنَ

стр. 4868

﴿الْأَوَّلِينَ﴾ قال: ثلة ممن مضى من هذه الأمة، وروى عن محمَّد بن سيرين أنه قال في قوله - تعالى -: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾. كانوا يقولون أو يرجون أن يكونوا كلهم من هذه الأمة فهذا قول الحسن وابن سيرين أن الجميع من هذه الأُمة ولا شك أن أول كل أمة خير من آخرها، فيحتمل أن تعم الآية جميع الأمم، كل أُمة بحسبها، ولقد ثبت في الصحاح قوله ﷺ : (خير القرون قرنى ثم الّذين يلونهم ثم الذين يلونهم). ١٥، ١٦ - ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ (١) أي: ومستقرّين على سرر منسوجة بالذهب مشبّكة بالجواهر الكريمة من الدر والياقوت بإحكام، وقيل موضونة: أي: متصل بعضها ببعض متقاربة كحلقِ الدِّرع. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: مضجعين على السرر في راحة واستقرار وهدوء وطمأنينة متقابلة وجوههم ليس أحد وراء أحد. والمراد كما قال مجاهد: لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه، وهو وصف لهم بحسن العشرة وكمال الخلق، ورعاية الآداب، وصفاء النفوس وطهارة القلوب. ١٧، ١٨ - ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ* بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ حال آخر، أو استئناف أي: ويدور حول السابقين المقربين للخدمة ولدان مُخلدون أي: باقون أبدًا على هيئة الولدان وشكلهم وطراوتهم لا يتحوّلون عن ذلك، وإلا فكل أهل الجنة مخلد لا يموت.

стр. 4869

وقال الفراء وابن جبير: ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ أي: مقرّطون بخلدة وهي ضرب من الأقراط قيل: الولدان: هم أولاد أهل الدنيا الذين ماتوا صغارًا فلم تكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، روي هذا عن علي - كرم الله وجهه - وعن الحسن. واشتهر أنه ﵊ قال: (أولاد الكفار خدم أهل الجنة). ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾: ﴿بِأَكْوَابٍ﴾ أي: ويدور عليهم الولدان بآنية لا عرا لها ولا خراطيم، والظاهر أنها الأقداح وبذلك فسّرها عكرمة وهي جمع كوب. ﴿وَأَبَارِيقَ﴾: جع إبريق وهو إناء له خرطوم وعروة. ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ أي: وبكأس ملئت خمرًا من عيون جارية كما قال ابن عباس وقتادة، أي: لم يُعصر كخمر الدنيا وقيل: ﴿مَعِينٍ﴾ خمر ظاهر للعين مرئية بها؛ لأنها كذلك أهنأُ وألذُّ. ١٩ - ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي: لا يصيبهم بشربها صداع يصرفهم عنها، والمراد: أنه لا يلحق برءوسهم صداع لأجل خِمار يحصل منها كما في خمور الدنيا، أو لا يُفرقون عنها: بمعنى: لا تقطع عنهم لذَّتهم بسبب من الأسباب. ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ أي: ولا تذهب عقولهم بسكرها من نزف الشارب كعُنِيَ إذا ذهب عقله، فهي لذّة بلا ألم ولا سكر بخلاف شراب الدّنيا والآية الأولى ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ لبيان نفي الضرر عن الأجسام والثانية ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ لبيان نفي الضرر عن العقول. ٢٠، ٢١ - ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: ويطوف الولدان عليهم بما يتخيّرون من الفاكهة والثمار أي: يأخذون خيره وأفضله والمراد بما يرضونه ويعجبهم.

стр. 4870

﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي: ولحم طير مما تميل نفوسهم إليه وترغب فيه. والظّاهر أن الآية تشير إلى أن الولدان يطوفون بهما عليهم في الجنة، مع أنّه جاء في الآثار والأحاديث أن فاكهة الجنة وثمارها ينالها القائم والقاعد والنائم، وأن الرجل من أهل الجنّة يشتهى الطير فيقع في يديه نضجا، وإنّما كان طواف الولدان عليهم للإكرام ولمزيد المحبّة والتّعظيم والاحترام وهذا كما يناول أحد الجالسين على مائدة جليسا معه بعض ما عليها من الفاكهة ونحوها، إن كان ذلك قريبًا منه اعتناء بشأنه وإظهارا لمحبته والاحتفاء به، وتقديم الفاكهة على اللحم للإشارة إلى أنهم ليسوا بحال تقتضى تقديم اللحم كما في الجائع، فإن حاجته إلى اللحم أشّد من حاجته إلى الفاكهة، بل هم في حالة تقتضى تقديم الفاكهة واختيارها كما في الشّبعان فإنه إلى الفاكهة أميل منه إلى اللحم. قال ابن كثير في تفسير قوله - تعالى -: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ هذه الآلة دليل على جواز أكل الفاكهة على صفة التخيّر والانتقاء لها. ٢٣،٢٢، ٢٤ - ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ*جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أي: ولهم في الجنَّة نساء بيض واسعات العيون حسانها كأمثال اللؤلؤ المكنون، أي: المصون في صدفه، وقيّد بالمكنون أي: المستور بما يحفظه؛ لأنه أصفى وأبعد عن التغيّر. ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي يُغطون هذا الجزاء العظيم وينالون هذا الثواب الجزيل بسبب ما كانوا يعملون من الصالحات في الدنيا. ٢٥، ٢٦ - ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا* إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾: أي: لا يسمعون في الجنة ﴿لَغْوًا﴾ وهو ما لا نفع فيه من الكلام أو هو القبيح منه، ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾ أي: لا يسمعون حديثًا ينسب إلي الإثم قائله أو سامعه أن رضي به.

стр. 4871

﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ أي: إلاَّ أن يقول بعضهم لبعض: سلامًا سلامًا أي: نسلم سلامًا قال تعالى - تعالى -: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ (١) قال ابن عباس: أي يحيّي بعضهم بعضًا بالسّلام، وقيل: تحييهم الملائكة أو يحيّيهم ربهم . والتكرير للدلالة على ذيوع السّلام وكثرته؛ لأن المراد سلام بعد سلام. والكلام من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم. ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ ﴿سِدْرٍ﴾: السدر: شجر النبق. ﴿مَخْضُودٍ﴾: قُطِع شوكه أو مثقل بالثمر. ﴿وَطَلْحٍ﴾: الطلح: شجر الموز روى ذلك عن علي وغيره. ﴿مَنْضُودٍ﴾: في الصحاح: المنضود: المرصوص بعضه فوق بعض.

стр. 4872

﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: وظل دائم ممتد منبسط لا يتقلص ولا يتفاوت. ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾: وماء مصبوب في غير أخدود لا ينقطع عنهم. ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾: المراد بالفُرُش: ما يفرش للجلوس عليه، و ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ مرتفعة القدر أو مرفوعة على الأسرَّة، وقيل: المراد بالفرش: النساءُ، ومرفوعة في المنزلة أو على الأرائك، فالرفع حسى أو معنويّ. ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ أي: ابتدأنا خلقهن ابتداءً جديدًا من غير ولادة. ﴿عُرُبًا﴾: متحببات إلى أزواجهن جمع عَروب كصبور وهي حسنة التودد لزوجها. ﴿أتْرَابًا﴾: متساويات في السّن أو الأخلاق. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾: جماعة كثيرة من سابقي هذه الأمّة. ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾: وجماعة كثيرة من متأخريها. التفسير ٢٧ - ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾: لما ذكر الله - تعالى - مآل السابقين وهم المقربون، عطف عليهم بذكر أصحاب اليمين وهم الأبرار كما قال ميمون بن مهران: أصحاب اليمين منزلتهم دون السابقين المقربين فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ أي: أيّ شيء أصحاب اليمين، وما حالهم، وكيف مآلهم؟ والجملة استئنافيّة مشعرة بالتفخيم والتعجيب من حالهم. والمعنى: وأصحاب اليمين لا يعلم أحد ما جزاءُ وثواب أصحاب اليمين، إنه شيء عظيمٌ ثم فسر ذلك وفصَّله فقال: ٢٨ - ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾: أي: وأصحاب اليمين في سدر مخضود يتنعمون، عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد - السدر المخضود: النَّبق الذي لا شوك له، وعنهم - أيضًا - هو الموّقر والمثقل بالثمر علي أنه

стр. 4873

من خَضَد الغصن إذا ثناه وهو رطب فمخضود مثنِيّ الأغصان كنى به عن كثرة الثمر. ويدل على أن المخضود هو الذي خُضد أي: قطع شوكه ما أخرجه الحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي أمامة قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إن الله - تعالى - ينفعنا بالأعراب وسائلهم. أقبل أعرابي يوما فقال: يا رسول الله لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية وما كنت أرى أن في الجنة شجرة تؤذى صاحبها. قال: وما هي؟ قال: السِّدر فإن له شوكًا، فقال رسول الله ﷺ : أليس الله يقول: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾؟ خضد الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة وإن الثمرة من ثمره تفتق عن اثنين وسبعين ولونًا من الطعام ما فيها لون يشبه الآخر. وقال أبو العالية والضّحاك: نظر المؤمنون إلى وَجّ (وهو واد بالطائف مخصب وفي اللسان وجّ موضع بالبادية) فأعجبهم سدره فقالوا: يا ليت لنا مثل هذا. قال الآلوسي والظرفية في قوله - تعالى -: ﴿فِي سِدْرٍ﴾: مجازية للمبالغة في تمكنهم من النعم والانتفاع بما ذكر. ٢٩ - ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾: أي: وشجر موز قد نضَّد حمله من أسفله إلى أعلاه أي: متراكب قد رُصّ بعضه فوق بعض ليست له ساق بارزة، روى ذلك عن عليّ وأخرجه جماعة من طرق عن ابن عباس، وأبي هريرة وأبى سعيد الخدريّ. ٣٠ - ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: أي: وهم كائنون في ظل ممدود أي: دائم ممتد منبسط لا يتقلص، ولا يتفاوت ولا يذهب كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وظاهر الآثار أنه ظل الأشجار. أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذى وابن مردويه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "في الجنة شجرة يسير الراكب في ظِلِّها مائة عام لا يقطعها وذلك الظل الممدود".

стр. 4874

٣١ - ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ أي: وماء منصب حيث شاءوا لا يحتاجون فيه إلى آنية أو رشاء. قال القرطبي: أصل السكب الصب أي: وماءٌ مصبوب يجرى الليل والنّهار في غير أخدود لا ينقطع عنهم، وكانت العرب أصحاب بادية وبلاد حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة، لا يصلون إلى الماء إلاَّ بالدلو والرَّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك ووصف لهم أسباب النزهة المعروفة في الدانيا، وهي الأشجار وظلالها والمياه والأنهار واطِّرادها. وقيل: كأنَّه لما شبَّه حال السابقين بأقصى ما يتصور لأهل المدن من كونهم على سرر تطوف عليهم خُدَّامهم بأنواع الملاذ، شبَّه حال أصحاب اليمين بأكمل ما يتصوَّر لأهل البوادى من نزولهم في أماكن خصبة فيها مياه وأشجار وظلال إيذانًا بأن التَّفاوت بين الفريقين كالتفاوت بين أهل المدن والبوادى [أهـ. آلوسى بتصرف]. ٣٢، ٣٣ - ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾: أي: فاكهة كثيرة الأنواع والأصناف ليست بالقليلة العزيزة كما كانت في بلادهم، لا مقطوعة في أي وقت من الأوقات كانقطاع فواكه الصيف في الشتاء، ﴿وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: ولا يمنع من أرادها بشوك ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دَنَتْ منه حتى يأخذها قال - تعالى -: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ (١)، وقيل: ليست مقطوعة بالأزمان ولا ممنوعة بالأثمان. ٣٤ - ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾: أي: وفرش مرفوعة نُضِّرت وفرشت حتى ارتفعت، أو مرفوعة على الأسرة، فالرفع حسي كما هو الظاهر، وقال بعضهم: رفيعة القدر، على أن رفعها معنوى بمعنى شرفها، وأيًّا ما كان فالمراد بالفُرش على هذا: ما يفرش للجلوس والنوم عليه.

стр. 4875

وقال أبو عبيدة: المراد بالفرش: النِّساء؛ لأن المرأة يكنى عنها بالفراش كما يكنى عنها باللباس ورفعهنَّ في الأقدار والمنزلة، وقيل: على الأرائك، وأيّد إرادة النساء بقوله - تعالى -: ﴿إنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾؛ لأن الضمير في الأغلب يرجع على مذكور متقدم وليس إلاَّ الفرش، وعلى التفسير الأول أُضمر لهن؛ لأن ذكر الفُرُش وهي المضاجع دل عليهن. ٣٥، ٣٦، ٣٧، ٣٨ - ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾: المراد بأَنْشَأْنَاهُنَّ: أعَدْنا إنشاءهنّ من غير ولادة؛ لأن المخبر عنهن بذلك نساء كن في الدنيا، فقد أخرج ابن جرير والترمذي وآخرون عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المنشآت اللاتي كنّ في الدنيا عجائز عُمْشًا رُمْصًا" وأتت عجوز فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يدخلنى الجنة فقال: يا أم فلان، إن الجنة لا تدخلها عجوز، فولت تبكى فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز إن الله - تعالى - يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ الآية. وقال أبو حيان: الظاهر أن الإنشاء هو الاختراع الذي لم يسبق بِخَلْق ويكون ذلك مخصوصًا بالحور العين، فالمعنى: إنا ابتدأناهن ابتداء جديدًا من غير ولادة ولا خلق أوّل، ومما تقدم يتبين أن المراد بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ اللاتى أُعيد إنشاؤهن وهن نساء الدنيا أو اللاتى ابتدئ إنشاؤهن وهن الحور العين. ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾: تفسير لما تقدم أي: فصيرناهنّ أبكارًا أو فخلقناهنّ أبكارًا. ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾: ﴿عُرُبًا﴾: متحببات عاشقات لأزواجهنّ، واشتقاقه من أعْرب إذا بين فالعَرُوب تُعرب وتُبِين عن محبتها لزوجها بتكسر ودلّ وحسن كلام.

стр. 4876

﴿أَتْرَابًا﴾: مستويات في سن واحدة، كأنهن شبّهن في التساوى بالترائب التي هي ضلوع الصدر وهن أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين، وكذا أزواجهن، يقال في النساء: أتراب، وفي الرجال: أقران، وكانت العرب تميل إلى من تجاوزت حد الصبا من النساء، وانمطَّت عن الكِبَر، أخرج الترمذيّ عن معاذ مرفوعًا: "يدخل أهل الجنة الجنة جُرْدًا مُرْدًا مكحلين أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين" والمراد بذلك تمام الشباب وكماله. وقيل: أتراب أي: مستويات في حسن الخلق وكريم الطباع، لا تباغض بينهن ولا تحاسد يألفن ويؤلفن. ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾: متعلق بأنشانا أو بجعلنا أي: إنَّا أنشاناهن إنشاء لأصحاب اليمين، أو فجعلناهن أبكارًا عُربًا أترابًا لأصحاب اليمين. والمعنى: هن مهيئات ومعدات لنعيم وتمتُّع أصحاب اليمين، وقيل: الحور العين للسابقين والأتراب العرب لأصحاب اليمين (ذكره القرطبي). ٣٩، ٤٠ - ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾: عاد ورجع الكلام إلي قوله - تعالى -: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾. أي: هم جماعة كثيرة من الأولين وجماعة كثيرة من الآخرين والمراد بهما: المتقدمون والمتأخرون إمّا من الأمم السابقة وهذه الأمة، أو من هذه الأمة فقط على ما سمعت فيما تقدم. ولم يقل - سبحانه - في حق أصحاب اليمين - جزاء بما كانوا يعملون كما قاله - سبحانه - في حق السابقين إشارة إلى أن ما أُعطوه من جزاء كان بمحض فضل الله. ثم الظاهر أن ما ذكر من حال أصحاب اليمين هو حالهم الذي ينتهون إليه، فلا ينافى أن يكون منهم من يعذَّب لمعاصٍ فعلها ومات غير تائب عنها، ثم يدخل الجنة ولا يمكن أن يُقال: إن المؤمن العاصى من أصحاب الشمال؛ لأّنّ صريح أوصافهم الآتية يقتضي أنهم كانوا كافرين. (اهـ. آلوسي).

стр. 4877

﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾ المفردات: ﴿سَمُومٍ﴾ قال الراغب: الرِّيح الحارة التي توثِّر تأثير السّم، والمراد هنا: النار ولفحها. ﴿وَحَمِيمٍ﴾: وماءٍ شديد الحرارة. ﴿يَحْمُومٍ﴾: دخان حار شديد السواد. ﴿لَا بَارِدٍ﴾: ليس باردًا حتى يخفف حرارة الجوّ. ﴿وَلَا كَرِيمٍ﴾: وليس كريمًا يعود عليهم بالنفع، بل هو حارٌّ ضارّ. ﴿مُتْرَفِينَ﴾: منعمين متبعين هوى أنفسهم.

стр. 4878

﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ (١): الذنب الكبير كالشرك ونحوه. ﴿مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾: هو يوم القيامة. ﴿زَقُّومٍ﴾: شجر في النار كريه المنظر والطعم والرائحة. ﴿الْحَمِيمِ﴾: الماء الذي اشتدّ غليانه وقال القرطبيّ: هو صديد أهل النّار. ﴿الْهِيمِ﴾: الإبل العطاش التي لا تروى لداء يصيبها، وقال ابن كيسان وابن عباس: الأرض ذات الرمال التي لا تروى من الماء لتخلخلها. ﴿نُزُلُهُمْ﴾: ما يقدم للنازل إذا حضر. ﴿يَوْمَ الدِّين﴾: يوم الجزاء وهو يوم القيامة. التفسير ٤١ - ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾: لما ذكر أصحاب اليمين وما أعد لهم من النعيم المقيم كرامة لهم عطف عليهم بذكر أصحاب الشمال فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ أي: وأصحاب الشمال لا يدرى ما هم فيه من العذاب والأهوال وسمَّاهم أصحاب الشمال؛ لأنهم - يأخذون كتبهم بشمالهم أو لأنهم يكونون في جهة الشمال. ٤٢، ٤٣، ٤٤ - ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾: ٤٢ - ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾: في هذه الآية وما بعدها بيَّن الله ما ينال أصحاب الشمال من عذاب وما يُصيبهم من نكال وعقاب فذكر أنهم ﴿فِي سَمُومٍ﴾ أي: ريح حارة تؤثِّر تأثير السّم وتنفذ في المسام وتحيط بهم من كل جانب، ﴿وَحَمِيمٍ﴾ أي: ماءُ حار قد انتهى حره وبلغ

стр. 4879

الغاية، إذا أحرقت النار أجسامهم فَزِعوا إلى الحميم، كالذي يفزع من النار إلى الماء ليطفيء به الحر فيجده حميمًا حارًّا في نهاية الحرارة والغليان، وقد مضى في سورة محمَّد قوله - تعالى -: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (١). ٤٣ - ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾: أي: يفزعون من السموم إلى الظل كما يفزع أهل الدنيا فيجدونه ظلًّا من ﴿يَحْمُومٍ﴾ (٢) أي: من دخان شديد السواد والحرارة. وتسمية هذا ظلًا على التشبيه التهكمى، وعن ابن عباس اليحموم - سرادق النار المحيط بأهلها يرتفع من كل ناحية حتى يظلهم، وقال ابن زيد: جبل أسود من النار يفزع أهل النار إلى ذراه فيجدونه أشد شيء. ٤٤ - ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾: صفتان للظّل: أي: ظل لا بارد ليخفِّف حرارة الجو كسائر الظلال ولا كريم أي: ولا نافع لمن يأوى إليه، ونفى ذلك ليزيل توهم ما في الظِّل من الاسترواح إليه. والمعنى: أنَّه ظل حار ضار ومن ذلك النفى جاء التهكم والتعريض بأنّ الذي يستأهل الظّل الذي فيه بردٌ وإكرام غير هؤلاء فيكون أشجى لحلوقهم وأشد لتحسرهم. (آلوسى - وكشاف). ٤٥ - ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾: تعليل لابتلائهم بما ذكر من أصناف العذاب وألوان العقاب. أي: وإنما استحقوا هذه العقوبة؛ لأنهم كانوا في الدنيا مترفين، والمترف هنا بقرينة المقام هو المتروك يصنع ما يشاء لا يمنع.

стр. 4880

والمعنى: أنهم عذبوا؛ لأنهم كانوا في الدنيا قبل ذلك أي: قبل ما ذُكِر من العذاب متبعين هوى أنفسهم وليس لهم رادع منها يردعهم عن مخالفة أوامره وارتكاب نواهيه - سبحانه ، رقيل: المترف هو الذي أدرفته النعمة أي: أبطرته وأطغته. ٤٦ - ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾: أي: وكانوا يصمِّمون بل ويقيمون ويداومون على الذنب العظيم والكبائر كالشرك، وقيل: الحنث اليمين الغموس، وظاهره الإطلاق ليعم كل ذلك، وما ذكر تمثيل له، وقال التاج السبكى في طبقاته: سألت الشيخ - يعنى والده تقي الدّين -: ما الحنث العظيم؟ فقال: هو القسم على إنكار البعث المشار إليه بقوله - تعالى -: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ (١) وهو تفسير حسن؛ لأن الحنث وإن فُسِّر بالذنب مطلقًا أو العظيم منه فالمشهور استعماله في عدم البر بالقسم، وتُعُقِّب هذا بأنه يترتب عليه التكرار في قوله - تعالى -: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا متْنًا … ﴾ الآية. وأجيب بأنه لا تكرار؛ لأن المراد بالأول في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وصفهم بالثبات على القسم الكاذب وبالثاني في قوله - تعالى -: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ إلخ - وصفهم بالاستمرار على الإنكار على أنه لا محذور في تكرار ما يدل على إنكارهم البعث. ٤٧ - ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾: أي: وكانوا يقولون منكرين للإعادة مكذبين بالبعث مستبعدين لحصوله: أئذا متنا وكان بعض أجزائنا ترابًا وبعضها عظامًا نخرة أئنا لعائدون إلى الحياة مرة أخرى ونبعث، إن هذا لمستبعد وقوعه ولا يمكن حصوله وحدوثه، وتقديم التراب؛ لأنه أبعد عن الحياة التي يقتضيها ما هم بصدد إنكاره من البعث.

стр. 4881

٤٨ - ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾: عطف على محل إن واسمها أو على الضمير المستتر في (مبعوثون) والمعنى: أو يبعث - أيضًا - آباؤنا الأقدمون الذين صاروا ترابًا متفرقًا في الأرض - يقولون ذلك زيادة في الاستبعاد لحصول البعث يعنون أن آبائهم أقدم فبعثهم أبعد وأبطل. ٤٩، ٥٠ - ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ* لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾: أي: قل لهم يا محمد: ردًّا لإنكارهم وتحقيقا للحق: إن الأولين والآخرين من الأمم ومن جملتهم أنتم وآباؤكم لمجموعون بعد البعث إلى ميقات يوم معلوم وهو يوم القيامة، ومعنى كونه معلومًا: أنه معيّن عند الله، والميقات: ما وُقِّت به الشيء أي: حُدّ ومنه مواقيت الإحرام وهي الحدود التي لا يتجاوزها من يريد دخول مكة إلا مُحْرما والمعنى: لمجموعون منتهين إلى ذلك اليوم. وتقديم الأولين في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ﴾ للمبالغة في الرد حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشدّ من إنكارهم لبعثهم مع مراعاة الترتيب الوجودى. ٥١، ٥٣،٥٢ - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ*لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ* فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ عطف على ﴿إِنَّ الْأَوَّلِينَ﴾ داخل في حيز القول. وثم للتراخى الزمانى. أي: قل لهم: ثم إنكم أيها الكافرون الضالون عن الهدى المكذبون بالبعث أو بما يعمه وغيره، والخطاب لأهل مكة وأمثالهم ﴿لَآكِلُونَ﴾ بعد دخول جهنم من شجر هو الزقوم وهو شجر في جهنَّم قبيح المنظر كريه الطعم والرائحة فمالئون من هذا الشجر بطونكم من شدة الجوع الذي اضطركم وقسركم على أكل مثلها مما لا يؤكل وتعافه النفوس. ٥٤، ٥٥ - ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾: أي: فشاربون عقيب ذلك بلا ريْث على ما تأكلون من هذا الشجر من الحميم وهو الماء الذي اشتد غليانه - وقيل صديد أهل النار - أي: يورثهم حر ما يأكلون من الزقوم مع

стр. 4882

الجوع الشديد عطشًا فيشربون ماء يظنون أنه يزيل العطش ويذهب الظمأ فيجدونه شديد الحرارة. ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ (١): أي: فشاربون بكثرة كشرب الإبل العطاش أو المريضة التي لا تروى بشرب الماء فلا يكون شربكم شربًا معتادًا بل يكون مثل شرب الهيم. قال الزمخشرى: والمعنى أنه يسلط عليهم من الجوع ما يفطرهم إلى أكل الزقوم فإذا أكلوا وملأوا منه البطون سلط عليهم من العطش ما يضطرهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم فيشربونه شرب الهيم. وقيل ﴿الْهِيمِ﴾: الرِّمال التي لا تروى من الماء لتخلخلها، ومفرده هَيَام بفتح الهاء. ٥٦ - ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾: أي: هذا الذي ذكر من ألوان العذاب الذي تقشعر منه النُّفوس وتذوب من هوله لفائف القلوب هذا الذي ذكر نزلهم يوم الدين أي: يوم الجزاء وهو يوم القيامة، فإذا كان ذلك نزلهم وهو ما يقدَّم للنازل مما حضر فما ظنك بما ينالهم بعد دخولهم النار، وفي جعله ألوان العذاب وأنواعه السابقة نزلًا أي: مما يكرم به النازل فيه من التهكم ما لا يخفى، ونظير ذلك قول الشاعر: وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا .... جعلنا القنا والمرهفات له نُزُلا قال ابن كثير في قوله - تعالى -: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصفنا - يقصد من ألوان العذاب السابق ذكره في الآيات السابقة - هو ضيافتهم المعدة الدائمة عند ربهم يوم حسابهم كما قال - تعالى - في حق المؤمنين:

стр. 4883

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ (١). أي: ضيافة وكرامة. ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ المفردات: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾: أخبروني. ﴿مَا تُمْنُونَ﴾: ما تقذفونه وتصبّونه في أرحام النساء من المنيّ. ﴿قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾: قضينا به بينكم، وكتبناه عليكم. ﴿مَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: وما نحن بعاجزين ولا مغلوبين. ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾: على أن نبدل صوركم بغيرها ونغيِّر خلقكم. ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: نخلقكم في خلق وصور لا تعرفونها أو ننشئكم في البعث ونخلقكم على غير صوركم في الدنيا. ﴿النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾: خلقكم من نطفة ثم من علقة إلخ، أو خَلْق آدم ونشأته من تراب.

стр. 4884

التفسير ٥٧ - ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾: يقول الله - تعالي - مقررًا للمعاد ورادًّا على المكذّبين من أهل الزيغ والإلحاد الذين قالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ يقول - تعالى - رادًّا عليهم -: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أي: نحن ابتدأنا خلقكم من العدم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا أليس الذي قدر على البداءة بقادر على الإعادة بطريق الأولى والأخرى ولذا قال: ﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ أي: فهلَّا تصدقون بالبعث - تحريض لهم وتحضيض على الإيمان به. وقال الزمخشريّ: ﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ تحضيض على التّصديق إمّا بالخّلق، لأنهم وإن كانوا مصدّقين به بدليل قوله - تعالى -: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (١) إلاَّ أنهم لما كان مذهبهم وسلوكهم في الحياة خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما تحضيض على التصديق بالبعث؛ لأن من خلق أوّلا لا يمتنع عليه أن يخلق ثانيًا، واختار الآلوسي الرأى الأول. ٥٨، ٥٩ - ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾: أي: أخبرونى ما تقذفونه في أرحام النساء من المني أأنتم تقدّرونه وتتعهدونه في أطواره المختلفة وتصورونه بشرًا سويًّا تام الخلقة أم نحن المقدرون المصورون، قال القرطبي: وهذا احتجاج عليهم أي: إذا أقررتم بأنَّا خالقوه لا غيرنا فاعترفوا بالبعث. ٦٠، ٦١ - ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ أي: نحن قضينا به بينكم وكتبناه عليكم وقسمناه ووقتنا موت كل أحد بوقت معيّن حسبما تقتضيه مشيئتنا وما نحن بمسبوقين ولا عاجزين ولا مغلوبين ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ أي: على أن نذهبكم ونأتى

стр. 4885

مكانكم أشباهكم من الخلق ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من الخلق والصور والأطوار التي لا تعرفونها ولا تعهدونها والمراد: ونحن قادرون على ذلك أيضًا. قال الزمخشري: المعنى إنّا لقادرون على الأمرين معًا، على خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم، وقال القرطبي: المعنى: وننشئكم في البعث علي غير صوركم في الدنيا فيُجَمّل المؤمن ببياض وجهه، ويقبّح الكافر بسواد وجهه مثلا - قاله سعيد بن جبير. ٦٢ - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾: أي: ولقد أيقنتم أن الله - سبحانه - أنشأكم النشأة الأولى من خلقكم من نطفة ثم من علقة ثم مضغة إلخ - وقال قتادة: وهي خلق آدم من التراب فهلّا تتذكرون أنّ من قدر عليها فهو على النشأة الأُخرى أقوى وأقدر. وفي الخبر: (عجبا كل العحب للمكذب بالنّشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى، وعجبا للمصدِّق بالنشاة الآخرة وهو لا يسعى لدار القرار" اهـ. آلوسي وقرطبى بتصرف. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾ المفردات: ﴿مَا تَحْرُثُونَ﴾: ما تبذرون حبه وتعملون في أرضه. ﴿تَزْرَعُونَهُ﴾: تنبتونه وتروونه نباتًا يرفَّ. ﴿حُطَامًا﴾: هشميًا متكسِّرًا قبل أن يبلغ نضجه.

стр. 4886

﴿تَفَكَّهُونَ﴾: تتعجبون من سوه حاله وتندمون. ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾: لمعذبون بهلاك أموالنا. ﴿نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾: لا حظ لنا أو محرومون الرزق بالكلية. التفسير ٦٣، ٦٤ ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ* أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾: هذه حجّة أخرى ودليل علي البعث، أي: أخبروني عما تحرثون من أرضكم فتطرحون فيها البذر أأنتم تنبتونه وتحصِّلونه زرعًا فيكون فيه السنبل والحبّ أم نحن نفعل ذلك، وإنما منكم البذر وشقّ الأرض؟ فهذا أقررتم بأن إخراج السنبل من الحب الذي بُذر ليس إليكم فكيف تنكرون إخراج الأموات من الأرض وبعثهم؟ وأضاف الحرث إليهم والزرع إليه - تعالى - لأنّ الحرث فِعلُهم ويجرى على اختيارهم. والزرع من فعل الله وينبت علي اختياره لا على اختيارهم - روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقولنّ أحدُكم زرعت وليقل حرثتُ فإن الزارع هو الله" (١). قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله - تعالى - ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾. قال الماورديّ: وتتضمن هذه الآية أمرين: أحدهما: الامتنان عليهم بأنه أنبت زرعهم حتي عاشوا به ليشكروه على نعمته عليهم - الثاني: البرهان الموجب للاعتبار؛ لأنه لما أنبت زرعهم بعد تلاشى بذره وانتقاله إلى استواء حاله من العفن والتتريب حتى صار زرعا أخضر ثم جعله قويًّا مشتدا أضعاف ما كان عليه، فهو بإعادة من أمات أقوى عليه وأقدر. وفي هذا البرهان مقنع لذوى الفطر السليمة. ٦٧،٦٦،٦٥ - ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ* إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾:

стр. 4887

﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أي: نحن أنبتنا ما تحرثون بلطفنا ورحمتنا وأبقيناه لكم رحمة بكم. ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أي: هشيمًا متكسرًا متفتتا لشدة يبسه من بعد ما أنبتناه قبل استوائه واستحصاده فظللتم بسبب ذلك ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ أي: تتعجّبون من سوء حاله إثر مشاهدتكم له على أحسن حال - روى ذلك عن ابن عباس - وقال الحسن: تندمون على ما تعبتم فيه وأنفقتم عليه من غير حصول نفع ودليله قوله - تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ (١) أو تندمون على ما اقترفتم لأجله من المعاصي، وقال عكرمة: تتلاومون على ما فعلتم - وأصل التفكّه: التَّنقل بصنوف الفاكهة، استعير للتّنقل بألوان الحديث، وهو هنا ما يكون بعد هلاك الزرع وقد كنى به في الآية عن التعجب أو الندم أو التلاوم كما سبق. ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لظلتم تفكهون في المقالة وتنوعون كلامكم فيها فتقولون تارة إنا لمغرمون أي معذبون أو مهلكون بهلاك رزقنا من الغرام وهو الهلاك، أو لملزمون الغرم بعد جهدنا فيه. ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ويقولون تارة أخرى: بل نحن محرومون. أي: سيئو الحظ محدودون لا مجدودون، أو محرومون من الرزق بالكلية، كأنهم لما قالوا: إنا لمعذبون لملزمون الغرم بعد بذل الجهد أضربوا عن ذلك وقالوا: بل هذا أمر قدر علينا لنحس طالعنا وعدم حظنا، أو بل نحن محرومون الرزق بالكلية. وعن أنس أن النبي ﷺ مرّ بأرض الأنصار فقال: "ما يمنعكم من الحرث؟ " قالوا: الجدوبة، فقال: لا تفعلوا فإن الله - تعالى - يقول: أنا الزّارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر ثم تلا ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ* أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٢).

стр. 4888

أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ المفردات: ﴿الْمُزْنِ﴾: السّحاب واحدته مُزْنة، وقيل: الأبيض منه خاصة وهو أعذب ماء. ﴿أُجَاجًا﴾: مِلْحا زُعاقا مُرًّا لا يصلح لشرب ولا لزرع. ﴿تُورُونَ﴾: توقدون وتقدحون الزناد لاستخراجها. ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾: أأنتم أنبتم شجرتها التي منها الزناد. ﴿تَذْكِرَةً﴾: تذكيرا لنار جهنم عند رؤيتها. ﴿وَمَتَاعًا﴾: ومنفعة. ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾: للذين ينْزلون القواء وهي القفر أو للمسافرين، والمراد المستمتعون بالنار والمحتاجون إليها. التفسير ٦٨، ٦٩، ٧٠ - ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ* أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ* لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾

стр. 4889

﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ أفرأيتم الماء العذب الذي تشربون منه لتحيوا به أنفسكم وتسكنوا به عطشكم، أأنتم أنزلتموه من السّحاب أم نحن المنزلون له بقدرتنا، فإذا عرفتم بأنا ننزله فلم لا تشكروننى بإخلاص العبادة لي؟ ولم تنكرون قدرتى علي الإعادة؟ وتخصيص الماء بهذا الوصف ﴿الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ مع كثرة منافعه؛ لأن الشرب أهم المقاصد المنوطة به، وإنزال الأمطار يتطلب أحوالا جوية خاصة لا يمكن أن يسيطر عليها الإنسان سيطرة كاملة أو يوفِّرها صناعيا توفيرًا تاما بسهولة مثل هبوب تيار بارد فوق آخر ساخن ولقد حاول الإنسان استمطار السحب العابرة صناعيا، إلا أن هذه المحاولات لا تزال مجرد تجارب على أن الثابت علميا أن نجاح بعض هذه التجارب تمّ على نطاق ضيِّق جدًّا مع وجوب توافر بعض الظروف الملائمة. اهـ. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أي: لو نشاء صيرناه أُجاجًا أي مِلْحا زعاقا لا يستساغ لا يمكن شربه من الأجيج وهو تلهب النار، وقيل الأُجاج: كل ما يلذع الفم ولا يمكن شربه فيشمل الملح والمر والحار. ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ حث وتحضيض علي شكر جميع النعم لأنه أفيد وأشمل، دون عذوبة الماء فقط، نعم ورد أن رسول الله ﷺ كان إذا شرب الماء قال: "الحمد لله الذي سقانا عذبا فراتًا برحمته ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا" قال ابن الأثير: إن اللام في "لجعلناه" أُدخلت في المطعوم دون المشروب؛ لأنَّ جعل الماء العذب ملحا أسهل إمكانا في العرف والعادة، وأما المطعوم فإن جعله حطامًا من الأشياء الخارجة عن المعتاد، إذا وقع يكون عن سخط شديد اهـ. بتصرف. ٧١، ٧٢ - ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ* أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾: أخبروني عن النار التي تظهرونها بالقدح - من الشجر الرطب - أأنتم أنشأتم تلك الشجرة وأودعتم فيها النّار أم نحن المنشئون الخالقون؟ فإذا عرفتم قدرتي فاشكرونى ولا تنكروا قدرتي علي البعث.

стр. 4890

٧٣ - ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ استئناف معين لمنافع النار مبين لفوائدها أي: نحن جعلنا النار تذكيرًا لنار جهنم حيث علّقنا بها أسباب معاشهم لينظروا إليها ويذكروا بها ما أوعدوا به وهددوا، أو جعلناها تذكرة وأنموذجا من جهنم لما في الصّحيحين وغيرهما عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "ناركم هذه التي توقدون جزءا من سبعين جزءًا من نار جهنم" وقيل: تبصرة في أمر البعث؛ لأن من أخرج النار من الشجر الأخضر المضاد لها قادر على إعادة ما تفرقت مواده ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ومنفعة لهم، والمقوون الّذين ينزلون القواء وهي القفر وتخصيص المقوين بذلك؛ لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزِّناد، وقيل ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ أي: المسافرين أو الفقراء والجائعين ولعل الأقرب أن المراد بالإقواء: الاحتياج فإن المنتفع بالنار محتاج إليها. ٧٤ - ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾: هذا القول مرتّب علي ما عدّد من بدائع صنعه وروائع نعمه، والمراد فَدُم على التسبيح واستمر عليه بذكر اسم ربك العظيم؛ لأنه ﵇ غير معرض عن ربه، وتعقيب الأمر بالتسببح بعد ما عدد وذكر من النعم إما أولًا: لتنزيهه سبحانه عما يقوله الجاحدون لوحدانيته ، الكافرون بنعمه مع عظمها وكثرتها، أو ثانيًا للشكر على تلك النعم السابقة التي عدَّها ونبه عليها، أو ثالثًا للتعجب من أمرهم في غمط آلائه وآياته الظاهرة، ويحتمل الكلام عموم الخطاب كل من يتأتى خطابه …

стр. 4891

* ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ المفردات: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾: بمساقطها ومغاربها، وقيل غير ذلك، وسيأتي في التفسير. ﴿مَكْنُونٍ﴾: مصون ومحفوظ. التفسير ٧٥ - ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾: لما ذكر الله - سبحانه - في الآيات السابقة جزاء كل من السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، وما يلقونه من نعيم تتفاوت درجاته وتتباين منازله حسب مقام كل من الطائعين، وما يناله ويعانيه أهل الشقاء وأصحاب الشمال من عذاب مقيم فيه شدة عليهم وإيلام بهم جزاء ما كانوا يعملون في الدنيا من كفر وعصيان ونكران ليوم يبعث الله فيه عباده للحساب، لما ذكر ذلك جاء قوله - تعالى -: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ وما بعده من الآيات للتأكيد على أن القرآن الكريم الذي ذكرت فيه تلك الأمور هو من عند الله - جل شأنه - وفي قوله - تعالى -: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ حلف وقسم بناء على أن (لا) جاءت في النظم الكريم لتأكيد القسم وتقويته، نظير ذلك قوله - تعالى -: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ (١) أي: ليعلم أهل الكتاب، ويتلاقى مع هذا الرأى قراءة الحسن ﴿فَلأُقْسِمُ﴾ نقول: هذا ما يقتضيه سياق الآيات وما عليه جمهور المفسرين، وذهب بعضهم إلى أن (لَا) نفى وردّ

стр. 4892

لما يقوله الكفار في القرآن من أنه سحر وشعر وكهانة كأنه قيل: لا صحة لما يقولون في القرآن الكريم من هذا الافتراء ثم قيل: (أقسم) وهذا منسوب إلى سعيد بن جبير وبعض النحاة. ومواقع النجوم: مساقطها ومغاربها وخصها - جلت قدرته - بالقسم لما في غروبها من ذهاب أثرها وذلك للدلالة على وجود حكيم دائم لا يتغير يؤثر فيها ظهورا وخفاءً، وقد استدل الخليل إبراهيم ﵇ بأُفول الكوكب، وغروب القمر، وذهاب الشمس على وجود الصانع الذي لا يغيب ولا تأخذه سنة ولا نوم، أو أقسم - سبحانه - بها في هذا الوقت لأنه أوان قيام المتهجدين وانقطاع المتبتلين إليه - تعالى - ونزول رحمته وفيض رضوانه عليهم. وقد ورد في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألنى فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" (١). والنزول كناية عن القرب والعناية. وقال جماعة منهم ابن عباس ﵄: النجوم نجوم القرآن، ومواقعها أوقات نزولها، فإن القرآن نزل جملة ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقًا في السنين بعد. ٧٦ - ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وإن هذا القسم الذي أقسمت به لقسم جليل، لو تعلمون قدره ومكانته لعظمتم المقسم عليه وهو القرآن الكريم. ٧٧ - ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: إن هذا القرآن الذي أنزله الله على محمَّد ﷺ حسن مرضي رفيع القدر في جنسه بين الكتب المنزلة من عند الله، كثير المنافع، أو كريم على الله أو على المؤمنين؛ لأنه كلام ربهم وشفاءُ صدورهم، وقيل: كريم لما فيه من كريم

стр. 4893

الأخلاق ومعالى الأمور، وقيل: لأنه يكرّم حافظه ويعظّم قارئه، والحق أن القرآن الكريم جدير وحقيق بهذه الصفات جميعًا. ٧٨ - ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾: أي: في كتاب جليل عظيم القدر مصون ومحفوظ من التبديل والتغيير والباطل والبهتان والمراد بقوله: ﴿كِتَابٍ﴾ قيل: هو اللوح المحفوظ، وقيل: هو المصحف الذي بأيدينا لا يعتريه تحريف ولا زيف. ٧٩ - ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾: أي: لا يصل ولا يفضى إلى القرآن ولا يطلع عليه ولا على ما فيه إلا المنزهون عن كدر الطبيعة ودنس الحظوظ النفسية وهم الملائكة، أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنه قال في الآية: ذاك عند رب العالمين ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ من الملائكة، أما عندكم فيمسه المشرك والنجس والمنافق الرجس، وقيل: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ من الشرك وهم المؤمنون وروى عن الإمام محمَّد الباقر وعطاء وطاوس وسالم والشافعى وغيرهم ﵃ جميعًا - أن المراد بهم: هم المطهرون من الأحداث، والخلاف في ذلك مبسوط في كتب الفقه ولكل رأيه، فمن أراد مزيدًا فليرجع إليها. ومع هذا الاختلاف لم ينازع أحد في دلالة الآية على عظم شأن القرآن، وعظيم الاعتناء به ولا ينحصر هذا بمنع غير الطاهر من مسّه بل يكون بأشياء كثيرة تدل على تعظيمه وتوقيره. ٨٠ - ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: القرآن الكريم منزل من لدن رب العالمين فهو - سبحانه - هو الذي ربّاهم ورعاهم وبلغ بهم الغاية خَلْقًا وإبداعًا. وليس القرآن العظيم كما يقولون ويزعمون أنه من عند غير الله، وأنه سحر وشعر وكهانة، بل هو الحق الذي لا مرية فيه، والكفار والمشركون قد أقروا بذلك وعلموه ولكنهم ينكرونه كبرًا وعنادًا كما قال - تعالى -: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (١).

стр. 4894

ووصف القرآن بقوله: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ لأنه نزل منجمًا مفرقًا من بين سائر الكتب المنزلة من عند الله - تعالى - فإنها قد نزلت دفعة واحدة ولقد جرى هذا اللفظ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ مجرى أسماء القرآن وأطلق عليه فقيل: جاء في التنزيل كذا، ونطق به التنزيل يريدون به القرآن الكريم. ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ المفردات: ﴿مُدْهِنُونَ﴾: متهاونون به كما يدَّهن في الأمر أي: يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونًا به (١). التفسير ٨١ - ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾: أي: أتعرضون فبهذا القرآن الكريم أنتم متهاونون كمن يتهاون في الأمر ويلين فيه استهانة به وحطًّا من شأنه، وعن ابن عباس والزجاج ﴿مُدْهِنُونَ﴾: مكذبون. ٨٢ - ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾: أي: وتجعلون جزاء رزق الله لكم وتفضله عليكم بنعمه التي لا تحصى ولا تعد أنكم تكفرون بربكم وتكذبون القرآن الناطق بأن الله هو الذي أغاثكم، وأنزل

стр. 4895

عليكم المطر فأنبت لكم به الزرع وأدرَّ به الضرع، وأطفأ ظمأكم، أحياكم به كما أحيا الأرض بعد موتها، وتنسبون ما حل بكم من عظيم فيضه إلى النجوم والأنواء فتقولون: مطرنا بنوء كذا (١). أخرج البخاري ومسلم وغيرهما: عن زيد بن خالد الجهني قال: "صلى رسول الله ﷺ الصبح في الحديبية في إثر سماء (بعد مطر) وكانت من الليل، فلما سلم أقبل علينا فقال: "هل تدرون ما قال ربكم في هذه الليلة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم فقال: قال: (ما أنعمت على عبادى نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، فأما من آمن بي وحمدنى على سقياى فذلك الذي آمن بي وكفر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك الذي آمن بالكوكب وكفر بي). ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾ المفردات: ﴿الْحُلْقُومَ﴾: تجويف خلف تجويف الفم (٢). ﴿غَيْر مَدِينِينَ﴾: غير مربوبين لله من دان السلطان الرعية إذا ساسهم وتعبدهم وقيل: غير ذلك وسيأتي.

стр. 4896

التفسير ٨٣، ٨٤ - ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ* وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾: الضمير في قوله - تعالى -: ﴿بَلَغَتِ﴾ للروح ولم يتقدم لها ذكر؛ لأن المعنى معروف وواضح ونظيره قول حاتم الطائى: أماويّ ما يغنى الثراءُ عن الغنى .... إذا حشرجت (١) يومًا وضاق بها الصدر والروح - كما ذهب سلف هذه الأمة المحمدية - جسم لطيف سار في البدن سريان ماء الورد في الورد، وهو حيّ بنفسه يتصف بالخروج والدخول وغيرهما من صفات الأجسام. ﴿فَلَوْلَا﴾ هذا حث وتخضيض أريد به التبكيت والتعجيز أي: فهلاّ إذا بلغت ووصلت الروح إلى حلقوم ذلك الذي حان حينه، ودنا أجله، وهو يجرد بنفسه، وأنتم أيها الحاضرون حوله في هذا الوقت تشاهدون ما يعانيه من سكرات الموت، وما يقاسيه من غمراته. ٨٥ - ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾: أي: ونحن بعلمنا وقدرتنا أو بملائكتنا الموكلين بذلك أقرب إلى ذلك المحتضر في كل هذا منكم حيث لا تعرفون من حاله إلاَّ ما تشاهدونه من آثار الشدة النازلة به من غير أن تقفوا على حقيقتها وكيفيتها وأسبابها ولا تقدروا على دفعها بما ينفع مع تعطفكم وشفقتكم عليه وتوفركم على إنجائه من المهالك. ٨٧،٨٦ - ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ* تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: أي: فهلاّ إن كنتم - كما تزعمون - غير مربوبين لله وغير مخلوقين له ولستم في قهره وسلطانه، أو غير مجزيين ولا محاسبين بأعمالكم يوم القيامة، وذلك بإنكاركم البعث فهلاّ ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ أي: ترجعون الروح إلى جسدها وتعيدون إليه الحياة كاملة ﴿إِنْ كُنْتُمْ

стр. 4897

صَادِقِينَ﴾ في دعواكم أنكم غير مربوبين أو لا محاسبين ولا مبعوثين فارجعوا الأرواح إلى الأبدان. ولن تستطيعوا ذلك فبطل زعمكم. ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ المفردات: ﴿فَرَوْحٌ﴾: الرَّوْح - بفتع الراء - الرحمة أو الاستراحة. ﴿وَرَيْحَانٌ﴾: الريحان: كل مشموم طيب من النبات. ﴿فَنُزُلٌ﴾ النزول: ما يُعد ويُقدم للضيف من الزاد. ﴿حَمِيمٍ﴾: ماء شديد الحرارة. ﴿تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾: إدخال في النار ومقاساة لألوان عذابها. ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾: عين اليقين ونفسه الذي لا مرية فيه. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾: فنزه ربك عما لا يليق به.

стр. 4898

التفسير ٨٨، ٨٩ - ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾: هذا شروع في بيان حال المتوفى بعد الممات وما ينتظره من ثواب أو عقاب إثر بيان حاله عند الوفاة وما لاقاه من سكرات الموت وشدائده. ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: فأما إن كان المتوفى من السابقين من الأزواج الثلاثة الذين ورد ذكرهم في أول السورة فله استراحة من الدنيا وعنائها وكدرها، أو له رحمة واسعة من الله - تعالى - وله ريحان يتمتع برائحته الطيبة، فهو في هناءة بال، وسعة فضل ورحمة ومكان عبق بأريج عطر يفوح شذاه وينتشر عَرْفه، ومقره في الجنان يتمتع فيها ويسعد. ٩٠، ٩١ - ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ* فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾: أي: وأما إن كان هذا المتوفى من أصحاب اليمين وهم أهل اليمن والبركة والسلامة في آخرتهم، وأصحاب المنزلة الجليلة عند ربهم فيقال له: سلامٌ لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﵄ أنه قال في ذلك: تأتيه الملائكة من قبل الله - تعالى - تسلم عليه وتخبره أنه من أصحاب اليمين وذلك عند موته، وقيل: عند بعثه يوم القيامة تسلم عليه الملائكة قبل وصوله إليها، ويحتمل أنه يسلم عليه في هذه المواطن كلها، ويكون ذلك إكرامًا بعد إكرام. ٩٣،٩٢، ٩٤ - ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ* فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ* وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾: أي: أما إن كان المتوفى من المكذبين بالبعث المنكرين له، الضالين الذين زلوا وبعدوا عن الهدى وضاعوا وتاهوا في دروب الهوى والمعاصي ونأوا عن الحق فجزاؤهم أن يقدم لهم الماء المتناهى في الحرارة - على سبيل الإهانة لهم والتنكيل بهم والسخرية منهم - يشربونه بعد أكل الزقوم يصهر به ما في بطونهم ولهم مع ذلك إدخال وإقامة وخلود في النار يذوقون سعيرها ويقاسون ألوان عذابها.

стр. 4899

٩٦،٩٥ - ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾: أي: إن ما ذكر في تلك السورة وقصصناه عليك لهو محض اليقين وخالصه، وقال قتادة في هذه الآية: إن الله ليس بتارك أحدًا من الناس حتى يقفه على اليقين من هذا القرآن فأمّا المؤمن فأيقن في الدنيا فنفعه ذلك يوم القيامة، وأمّا الكافر فأيقن يوم القيامة حين لا ينفعه اليقين. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾: هذا ترتيب (١)، أمر بالتسبيح؛ لأن ما ورد في هذه السورة الكريمة يُوجب أن يُنَزّه الله - تعالى - عما لا يليق مما ينسبه الكفار إليه، سواءٌ كان ذلك منهم قولًا أو عملًا أو حالًا ﴿تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا﴾. أخرج الإِمام أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه، وغيرهم عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال: "اجعلوها في ركوعكم" ولما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: "اجعلوها في سجودكم" والله أعلم.

стр. 4900

" سورة الحديد" هذه السورة الكريمة من السور المدنية وآياتها تسع وعشرون آية سبب التسمية: وسميت بهذا الاسم لذكر الحديد فيها، وهو ذو أثر عظيم في حياة الناس جميعًا حاضرهم وباديهم في سلمهم وحربهم، فعليه تقوم المصانع التي تمد الإنسان بما يحتاجه في طعامه وشرابه ولباسه ومسكنه، وبه يدافع عن وطنه وحرماته فمنه تصنع الأسلحة البرية والبحرية والجوية إلى غير ذلك من أنوع القوة والبأْس وشتى المنافع الجليلة للبشرية: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾. مناسبتها لما قبلها: إن سورة الواقعة ختمت بطلب التسبيح والتنزيه لله ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ وهذه السورة بدئت بالتسبيح ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فكان أول سورة الحديد واقع مرقع التعليل لما في آخر سورة الواقعة فكأنه قيل: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾؛ لأنه ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ما جاء في فضلها مع أخواتها: أخرج الإِمام أحمد والترمذى وحسنه النسانى وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن عرباض بن سارية "أن رسول الله ﷺ كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد". بعض مقاصد السورة: ١ - تحدثت السورة في أولها عن أن الله - تعالى - تدين له المخلوقات جميعًا، وتسبح بحمده، وتنطق بلسان الحال أو بلسان المقال بعظمته وجلاله ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

стр. 4901

٢ - ذكرت بعضًا من أسمائه - تعالى - التي تدل علي تفرده وتوحده، فهو الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء، وأنه الظاهر بقدرته وآثاره، الباطن الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وأنه له ملك السموات والأرض خلقًا وإبداعًا، وأنه العليم بكل ما يلج في الأرض، ويعلم كذلك ما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وأن الأمور كلها راجعة إليه وحده ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. ٣ - تدعو السورة الكريمة إلى الإيمان بالله ورسوله، وتنعى علي الكافربن عدم الإيمان مع أن الرسول ﷺ يدعوهم ويذ كرهم بما أخذه الله علي عباده من المواثيق: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ فضلًا عمَّا لهم من عقول بها يميزون الصحيح عن الفاسد. ٤ - كما تحدثت عن طلب الإنفاق والحث عليه والبذل في سبيل الله ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ٥ - تعرضت السورة لذكر الفريقين: فريق الجنة، وفريق السعير. فأما الفريق الأول فيسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ليهديهم الصراط المستقيم - فيدخلون الجنة. أما الفريق الضال فإنه لا نور له ويحال بينه وبين نور المؤمنين فلا يستطيع اللحاق بهم ويسخر منهم فيقال لهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ فلا يستطيعون الرجوع إلى الدنيا ليعملوا بعمل المؤمنين حتى يلحقوا بهم. ٦ - مثلت السورة الكريمة الدنيا وما فيها من متاع زائل ولهو ولعب وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد، مثلتها بالزرع الذي سقاه المطر الوابل حتى نضر وأينع وأُعجب به الزُّرَّاع ثم يصيبه الذبول والضمور حتى يصير هشيمًا تذروه الرياح، وكذلك أمر الدنيا تتزين وتأخذ زخرفها حتى يظن أهلها أنهم قادرون عليها فيأتيها أمر الله ليلًا أو نهارًا بالفناء فتصير كالزرع المحصود الذي لم يكن موجودًا بالأمس.

стр. 4902

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾ المفردات: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾: نزَّه الله عما لا يليق به (١). ﴿الْأَوَّلُ﴾: الذي كان قبل كل شيء. ﴿الْآخِرُ﴾: الباقي بعد فناء كل شيء.

стр. 4903

﴿الظَّاهِرُ﴾: الذي يعرف بالأدلة الدالة عليه. ﴿الْبَاطِنُ﴾: الذي لا تدرك حقيقته ولا تحوم العقول حوله. ﴿يَلِجُ﴾: يدخل. ﴿يَعْرُجُ﴾: يصعد. ﴿يُولِجُ﴾: يُدخل. التفسير ١ - ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: التسبيح: هو تنزيه الله - تعالى - اعتقادًا وقولًا وعملًا عمّا لا يليق بجنابه - سبحانه - وأسند التسبيح إلى ما في السموات والأرض؛ ليعم جميع ما فيهما من الموجودات عقلاء وغيرهم فتسبيح العقلاء يكون بلسان المقال، فإنهم ينزهونه ويقدسونه بألسنتم كما ينزهونه - بقلوبهم وأعمالهم، أما بالنسبة لغير العقلاء فإن تسبيحهم يكون بلسان الحال أي: إن حدوث هذه الموجودات على ما هي عليه من إبداع وإتقان يدل على الصانع الواجب الوجود المتصف بكل كمال المنزه عن كل نقص، وذهب بعضهم إلى أن التسبيح على حقيقته في الجميع العاقل وغيره، وأن كل مخلوق يسبِّحه تسبيحًا قوليًّا مستدلين على ذلك بقوله - تعالى -: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (١). وافتتحت سورة الإسراء بالمصدر ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ … " وبعض السور بالفعل الماضي ﴿سَبَّحَ﴾ كسورة الحديد، وسورة الحشر وغيرهما، وبعضها بالفعل المضارع ﴿يُسَبِّحُ﴾ كسورة الجمعة، والتغابن، وبعضها بفعل الأمر ﴿سَبِّحْ﴾ كسورة الأعلى ليشعر استيعاب هذه الكلمة لجميع ما تدل عليه من المصدر والفعل بأن المخلوقات من لدن إخراجها من العدم إلى الوجود إلى الأبد مسبحة مقدسة لذاته في كل الأزمان قولًا وفعلًا،

стр. 4904

طوعًا وكرهًا، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي: القادر الذي لا ينازعه ولا يمانعه شيء، فهو - سبحانه - لا نظير له ولا مثيل، ﴿الْحَكِيمُ﴾ أي: الذي لا يفعل إلاَّ ما تقتضيه الحكمة، ولعزته ينتقم من المكلف الذي لا يسبحه عنادًا، ولحكمته يجازى من قدَّسه ونزهه طواعية وانقيادًا. ٢ - ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: أي: له - سبحانه - لا لغيره ملك السموات والأرض ملكًا حقيقيًّا أبديًّا غير حادث، ولا زائل، أما ملك غيره فهو موقوت بزمان مرهون بوقت يحدث بعد أن لم يكن، ويزول مهما امتد به الزمن، وهو - جل شأنه - يحيى الأشياء من العدم المحض، ويميت كل شيء ويبقى وجهه الكريم وحده قال - تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (١). وهو - تعالت قدرته - مقتدر ومتمكن من كل شيء ممّا نعلم ومما لا نعلم، لا يعجزه أمر، ولا يشغله شأن عن شأن. ٣ - ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: أي: هو وحده ﴿الْأَوَّلُ﴾ بلا ابتداء، القديم الذي كان من قبل كل شيء، فهو الموجد والمحدث للموجودات، وهو ﴿الْآخِرُ﴾ بلا انتهاء، الباقي - سبحانه - بعد فناء كل شيء، ﴿الظَّاهِرُ﴾ بالأدلة الدالة عليه من خلق وإبداع ﴿الْبَاطِنُ﴾ الذي لا تدرك حقيقته ولا تحوم حوله العقول، ولا يعلم ذاته إلا هو وحده ﵎ والواو الأُولى بين ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ تدل على أنه - سبحانه - الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية، والواو التي بين ﴿الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ للدلالة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء، أما الواو الوسطى الواقعة بين ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ و ﴿الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ فتدل على أنه هو الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين، ومجموع الصفتين الأُخْرَيَيْن، فهو مستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية، وهو في جميعها ظاهر وباطن، جامع للظهور بالأدلة، والخفاء فلا يدرك بالحواس (٢).

стр. 4905

وختمت الآية وذيلت بقوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ لئلا يتوهم أن خفاءه - تعالى - عن الأشياء يستلزم خفاء الأشياء عنه ولكن ليس الأمر كذلك، بل هو - لا غيره - عالم كمال العلم وتمامه بكل ما كان وما هو كائن وما سيكون. ٤ - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: أي: هو- جلت قدرته - وَحدْهُ الذّي أوْجَد السّمَواَتِ والأرض وما فيهن في سِتَّة أوقات أو مقدار ستة أيام من أيام الدنيا ولو شاء - سبحانه - لخلقها في طرفة عين ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: استواء يليق بجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل، قال الإِمام مالك ﵀: الاستواءُ معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وقال الإِمام أحمد ﵀: أخبار الصفات تمر كما جاءت بلا تشبيه ولا تعطيل، فلا يقال: كيف؟ ولم؟ نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حدٍّ ولا صفة يبلغها واصف أو يحدها حادّ. هذا هو مذهب سلف هذه الأُمة، أما مذهب الخلف فيؤولون الاستواء بالاستيلاء. ومذهب السلف - كما يقولون - أسلم، ومذهب الخلف أحكم ولكل وجهته. ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: هو- سبحانه - يعلم علما لا يدانيه علم بما يدخل في الأرض من القطر، والبذر، والحشرات، والهوام، والكنوز، والموتى، وغيرها يعلمه علمًا تفصيليًّا محيطًا ويعلم - كذلك - ما يخرج منها من نبات ونفائس ومعادن ونحوها مما تحويه الأرض وتضمه في أثنائها ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: ويعلم - جلت عظمته - ما ينزل من السماء من ملائكة وشهب ومطر ورحمات أو نوازل ويعلم - أيضًا - ما يعرج فيها ويصعد إليها من كلم طيب ودعوات وعبادات أو ذرات البخار أو جن يسترق السمع أو أرواح تصعد إلى بارئها أو ملائكة ترفع أعمال العباد إلى مبدئها وخالقها قال - تعالى -: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ (١)، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ أي: وهو - تعالى - مع خلقه جميعًا
следующие страницы →