﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾
المفردات:
(وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ): وتقضوا إِليهم بالقسط والعدل.
(الْمُقْسِطِينَ): العادلين.
(وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ): وعاونوا الذين قاتلوكم وأَخرجوكم.
التفسير:
٧ - ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)﴾:
بعد أَن أَمر الله المؤمنين بعداوة الكفار في الآيات السابقة وامتثلوا الأَمر وتشددوا في عداوة ومقاطعة آبائِهم وأَبنائهم وجميع أقربائِهم من المشركين، وظهر منهم الجد فيه، والصِّدق والصبر والرغبة في وصل ما انقطع بينهم وبين أَقربائِهم لكفرهم رحمهم ووعدهم بتيسير ما تمنَّوه، وتذليل ما رغبوا فيه فقال - سبحانه -:
стр. 5007
(عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً): هذا وعد من الله أَن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم من الكفار مودة بأَن يهديهم للإِيمان ويوفقهم إِليه فيكونوا لكم أَولياءَ وتوجد المحبة بعد البِغضة، والأُلفة بعد الفرقة، والله تام القدرة على ما يشاءُ من الجمع بين الأَشياءِ المتنافرة فيؤَلف بين القلوب المتعادية القاسية لتصبح مجتمعة متفقة قال تعالى: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (١).
فلما يسّر الله فتح مكة أَظْفَرهم بأُمنيتهم فأَسلم قومهم وتمّ بينهم من التَّحابِّ والتصافي ما تم ويدخل في ذلك أَبو سفيان وأَحزابه من مسلمي الفتح.
(وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أَي: والله واسع المغفرة يغفر الكافرين كفرهم إِذا أَسلموا وتابوا وأَنابوا إِلي ربهم والله كثير الرحمة بعباده المخلصين، روي ابن أَبي حاتم أَن رسول الله ﷺ استعمل أَبا سفيان صخر بن حرب على بعض اليمن فلمَّا قبض رسول الله ﷺ ، أَقبل فلقي ذا الخِمار مرتدا فقاتله، فكان أَوَّل من قاتل في الرّدة وجاهد عن الدين، قال ابن شهاب: وهو ممَّن أَنزل الله فيه: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً).
٨ - ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾:
أَي: لا ينهاكم الله عن الذين لم يُقاتلوكم في الدِّين من الكفار ولم يُخرجوكم من دياركم أَن تُحسنوا إِليهم وتكرموهم وتمنحوهم صِلَتكم وتعدلوا بينهم، إِنَّ الله يُحب أَهل البر، والتَّواصل والحق والعدل. جاءَ في الحديث الصحيح: (المقسطون على منابر من نور عن يمين العرش: الذين يعدلون في حُكمهم وأَهاليهم وما وَلُوا)، وأَخرج البخاري وغيره عن أَسماءَ بنت أَبي بكر ﵄ قالت: (أَتتني أُمِّي راغبة - وهي مشركة في عهد قريش، إِذ عاهدوا رسول الله ﷺ فسأَلت رسول الله أأصلها؟ فأَنزل الله - تعالى -:
стр. 5008
(لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ … ) الآية، فقال ﵊: (نعم صِلِي أُمَّك)، وقال الحسن: نزلت الآية في خُزاعة وغيرها من قبائل العرب كانوا صالحوا رسول الله ﷺ على ألا يقاتلوه وأَلا يعينوا عليه، وقال قرة الهمداني: نزلت في قوم من بني هاشم منهم العباس، وعن عبد الله بن الزبير: نزلت في النساءِ والصبيان من الكفرة.
والأَكثرون على أَنها نزلت في كفرة اتصفوا بما في الآية أَي: (لَمْ يُقَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَألَمْ يُخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ).
٩ - ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾
أَي: إِنما ينهاكم الله عن الذين حاربوكم في الدين ليصدُّوكم عنه وأَجبروكم على الخروج من دياركم وعاونوا على إِخراجكم كمشركي مكة، فإِن بعضهم سعوا في إِخراج المؤْمنين وبعضهم أَعانوا من أَخرجوهم، وإِنما ينهاكم الله عن موالاتهم وأَن تتخذوهم أَنصارا لكم وأَعوانا ويأمركم بمعاداتهم، ثم أَكدَّ الوعيد على موالاتهم فقال: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ) أَي: ومن يتخذوهم أَولياءَ لهم وأَعوانًا فأُولئك الظالمون المتجاوزون الحد لوضعهم الولاية موضع العداوة أَو هم الظالمون لأَنفسهم بتعريضها للعذاب، وفي أَسلوب القصر من المبالغة ما لا يخفى.
مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾.
تقدم في سورة الفتح ذكر صلح الحديبية الذي وقع بين رسول الله وبين كفار قريش فكان فيه: على أَلا يأتيك منا رجل وإِن كان على دينك إِلا رددته إِلينا، وفي رواية على أَلا يأتيك منا أَحدٌ وإِن كان على دينك إِلا رددته إِلينا وهذا قول عُروة والضحاك وغيرهما.
وفي هذه الآية أمر الل عباده المؤمنين إِذا جاءَهم النساءُ مهاجرات من دار الشرك أَن يختبروهن لعلموا صدق إِيمانهن ومبلغ يقينهن والله أَعلم بذلك فإِنه - سبحانه - هو لمطلع على ما في قلوبهن، فإِن علموهن مؤْمنات فلا يردوهن إِلي أَزواجهن الكفار لئلا يفتنوهن عن دينهن.
روِي أَنَّ أُم كلثوم بنت عُقبة بن أَبي معيط كانت أَول المهاجرات فخرج أَخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله فكلَّماه فيها أَن يردها إِليهما فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساءِ خاصة فمنعهم الله أَن يردُّوهن إِلي المشركين وأَنزل الله آية الامتحان.
قال ابن جرير: سئل ابن عباس: كيف كان امتحان رسول الله ﷺ النساء؟ فقال: كان يمتحنهن بأَن يقلن: بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت عن أَرض إِلي أَرض وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إِلا حبًّا لله ولرسوله، ثم رواه من وجه آخر وذكر فيه أَن الذي كان يحلفهن - عن أمر رسول الله له - عمر بن الخطاب.
(لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ): تعليل للنهي عن إِرجاعهن إِليهم.
والمعنى: لا المؤْمنات حلال للكافرين حلال للمؤْمنات، الجملة الأُولي: (لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ) لبيان الفرقة الثابتة وتحقق زوال النكاح الأَول، والثانية (وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) لبيان امتناع ما يستأنف ويستقبل من النكاح، ويجوز أن يكون ذلك تكريرا للتأكيد، والمبالغة في الحرمة وقطع العلاقة.
стр. 5011
قال ابن كثير: وهذه الآية هي التي حرَّمت المسلمات على المشركين وقد كان جائزا في ابتداءِ الإِسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة، ولهذا كان حال أَبي العاص بن الربيع زوج ابنه النبي ﷺ زينب ﵂ وقد كانت مسلمه وهو على دين قومه، فلما وقع في الأُسارى يوم بدر بعث امرأَته زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأُمها خديجة، فلما رآها الرسول رق لها رقة شديدة وقال للمسلمين: (إِن رأَيتم أَن تطلقوا لها أَسيرها فافعلوا). ففعلوا فأَطلقه رسول الله على أَن يبعث ابنته إِليه، فوق له بذلك وصدقه فيما وعده وبعثها إِلي رسول الله مع زيد بن حارثة ﵂ فأَقامت بالمدينة من بعد وقعة بدر وكانت سنة اثنتين، وإِلى أَن أَسلم زوجها أَبو العاص بين الربيع سنة ثمان فردَّها عليه بالكناح الأَوَّل ولم يُحدث لها صداقا.
(وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا) أَي: وأَعطوا أَزواج المهاجرات من المشركين مثل ما دفعوا إِليهن من المهور.
(وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ): أَي: ولا حرج عليكم أَن تتزوجوا هؤلاءِ المهاجرات إِذا أَعطيتموهن صداقهن.
(وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) أَي: ولا تتمسكوا بعقد زوجية الكافرات الباقيات في دار الشرك أَو اللاحقات بها، والمراد نهي المؤمنين أن يكون بينهم وبين الزوجات المشركات الباقيات في دار الحرب عُلْقة من عُلق الزوجية أَصلًا، قال ابن عباس: من كانت له امرأَة كافرة بمكة فلا يعتد بها من نسائه (أَي لا يعتبرها من نسائه) لأَن اختلاف الدينين والدارين قطعا عصمتها منه، وأَخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن إِبراهيم النخعي أَنه قال: نزل قوله - تعالى -: (وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) في المرأَة من المسلمين تلحق بالمشركين فلا يمسك زوجها بعصمتها.
وتحقيقا لأَمر الله بمفارقة الكافرات نقل محمد ابن إسحاق عن الزهري: طلَّق عمر لذلك فاطمة بنت أَبي أُمية بن المغيرة فتزوجها معاوية، وأُم كلثوم الخزاعية فتزوجها أَبو جهم.
(وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا) أَي: واطلبوا من الكفار ما أَنفقتم من صداق على اللاحقات بدار الشرك، وليطلبوا هم ما أَنفقوا على زوجاتهم المهاجرات إِلي المسلمين.
стр. 5012
(ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ): أَي: ذلك الحكم السابق والتشريع الرباني العادل في صلح الحديبية واستثناء النساء منه والأَمر بما سبق ذكره هو حكم الله يفصل به بينكم ويحكم به بين خلقه.
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أَي: والله عليم بمصالح عباده حكيم في تشريعة يشرع ما تقتضيه الحكمة، روي أَنه لمَا نزل هذا الحكم أدى المؤمنون ما أُمِروُا به من مهور المهاجرات إِلي أزواجهن وأَبي المشركون أَن يردُّوا شيئا من مُهور الكَوافر إِلي أَزواجهن المؤمنين فنزل قوله تعالى:
١١ - ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾:
(وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ): أَي: وإِن لحق أَحد من أَزواجكم بالكفار أَو فاتكم شيء من مهورهن ولزمكم أَداءُ المهر كما لزم الكفار.
(فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنفَقُوا وَاتَّقُوا): أَي: فآتوا الذين ذهبت زوجاتهم مثل ما أَنفقوا عليهن من صداق وهذا على أَن معنى (فَعَاقَبْتُمْ) من العقبة لا من العقاب (وهي في الأَصل: التوبة في ركوب أَحد الرفيقين على دابة لهما والآخرة بعده): أَي: فجاءَت عقبتكم أَي: نوبتكم من أَداءِ المهر.
وجمل الآية على هذا المعنى يوافق ما روي عن الزهري أَنه قال: يُعْطَى من لحقت زوجته بالكفار من صداق من لحق بالمسلمين من زوجاتهم!
وعن الزجاج أَن معنى (فَعَاقَبْتُمْ): فغنمتم، وحقيقته: فأَصبتم في القتال بعقوبة حتى غنمتم فكأَنه قيل: وإِن فاتكم شيءٌ من أَزواجكم إِلي الكفار ولم يؤدُّوا إِليكم مهورهن فغتمتم منهم فآتوا الذين ذهبت أَزواجهم مثل ما أَنفقوا من الغنيمة.
وهذا هو الوجه دون ما سبق، ولقد كان ﷺ كما روي عن ابن عباس - يعطي المهر الذي ذهبت زوجته من الغنيمة (قبل أَن تُخمَّس) وَلا ينقص من حقه شيئا، (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) فإِن الإِيمان به يقتضي تقواه والعمل بأَحكامه، والتزام شريعته.
стр. 5013
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)
المفردات:
(يُبَايِعْنَكَ) يعاهدنك.
(بِبُهْتَانٍ): يزور وكذب بإِلصاق اللقطاءِ بالأَزواج.
(يَفْتَرِينَهُ): يختلقنه.
التفسير:
١٢ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾:
أَي: يا أَيها النبي إِذا جاءك المؤمنات مبايعات لك ومعاهدات على هذه الأمور (عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا) أَي: على أَلا يشركن بالله شيئا من الأَشياءِ أَو شيئا من الإِشراك، (وَلا يَسْرِقْنَ) أَي: ولا يسرقن أَموال الناس الأَجانب، فأَما إِن كان الزوج مقصرا في نفقتها فلما أَن تأكل من ماله بالمعروف ما جرت به عادة أَمثالها وإِن كان من غير علمه عملًا بحديث هند بنت عتبة وسيأتي، (وَلا يَزْنِينَ) ولقد ذكر في حديث رسول الله عقوبة الزنا بالعذاب الأَليم في نار جهنم، ولقد روي الإِمام أَحمد عن عائشة قالت: جاءَت فاطمة بنت عتبة تبايع رسول الله فأَخذ عليها (أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ) الآية - قال: فوضعت يدها على رأسها حياءً، فأَعجبه ما رآه منها، فقالت عائشة: أَقري أَيتها المرأَة فوالله ما بايعنا إِلا على هذا. قالت: نعم إِذن فبايعها بالآية (ابن كثير).
стр. 5014
(وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ): وهذا يشمل قتلهم بعد وجودهم كما كان أَهل الجاهلية يقتلون أَولادهم خشية الإِملاق، وقتلهم وهم أَجنة كما يفعله بعض الجهلة من النساءِ.
(ولا يأتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ) قال الفراءُ: كانت المرأَة في الجاهلية تلتقط المولود فتقول: هذا ولدي منك، فذلك البهتان المفترى بين أَيديهن وأَرجلهن وذلك أَن الولد إِذا وضعته الأُم سقط بين يديهما ورجليها.
وفي الكشاف ما يؤيد هذا المعنى.
وحمل الآية على ما ذكر هو الذي ذهب إِليه الأَكثرون، وروي ذلك عن ابن عباس وقال بعض الأَجلة: معناه لا يأتين ببهتان، أَي: يكذب وزور من قبل أَنفسهن، واليد والرجل كناية عن الذات؛ لأَن معظم الأَفعال بهما، وقيل البهتان: السحر، وللنساءِ ميل شديد إِليه فنهين عن ذلك وليس بشيءٍ. (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) أَي: ولا يعصينك فيما يأمرهن به من معروف وتنهاهن عنه من منكر، والتقييد بالمعروف مع أَن رسول الله لا يأمر إِلاَّ به للتنبيه على أَنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، ويرد به على من زعم من الجهلة أَن طاعة أُولي الأَمر لازمة مطلقا، وخص بعضهم هذا المعروف يترك النياحة لما أَخرج الإِمام أَحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه وغيرهم عن أُم سلمة الأَنصارية؛ قالت امرأة من هذه السورة: ما هذا النسوة: ما هذا المعروف الذي ينبغي لنا أَلا نعصيك فيه؟ فقال ﷺ : "لَا تَنُحْنَ … " الحديث، ونحوه من الأَخبار الظاهرة في تخصيصه بما ذكر كثير، والحق العموم، وما ذكر في الأَخبار من باب الاقتصار على بعض أَفراد العام لنكته، ويشهد للعموم قوم ابن عباس وأَنس وزيد بن أَسلم: هو النوح، وشق الجيوب ووشم الوجوه، ووصل الشعر وغير ذلك من أَوامر الشريعة فرضها وندبها، وتخصيص الأُمور المعدودة بما ذكر في حقهن لكثرة وقوعها فيما بينهن مع اختصاص بعضها بهن (فَبَايِعْهُنَّ) أَي: فعاهدهن بضمان الثواب على الوفاءِ بهذه الأَشياءِ، وتقييد مبايعتهن بما ذكر من مجيئهن لحثهن على المسارعة إِليها مع كمال الرغبة فيها من غير دعوة لهن إِليها (وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ) واطلب لهن المغفرة من الله زيادة على ما في ضمن المبايعة من ضمان الثواب. (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أَي: واسع المغفرة عظيم الرحمة فيغفر لهن ويرحمهن إِذا وفين بما بايعن عليه.
стр. 5015
وهذه الآية نزلت على ما أَخرج ابن أَبي حاتم عن مقاتل يوم الفتح، فبايع رسول الله الرجال على الصفا وعمر ﵁ يُبايع النِّساءَ تحتها عن رسول الله ﷺ وجاءَ أَنَّه ﵊ بايع النساء أَيضا بنفسه الكريمة، أَخرج الإِمام أَحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه وغيرهم عن أُميمة بنت رُقيْقة قالت: أَتيت النبي ﷺ لنبايعه فأَخذ علينا ما في القرآن (أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا) حتى بلغ (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) فقال: (فيما استطعن وأَطقن) قلنا: الله ورسوله أَرحم بنا من أَنفسنا يا رسول الله أَلا تصافحنا فقال: إِني لا أُصافح النساء، إِنما قوليِ لمائة امرأَة كقولي لامرأَة واحدة.
والمبايعة وقعت غير مرة، ووقعت في مكة بعد الفتح وفي المدينة.
وممن بايعه ﵊ في مكة هند بنت عتبة زوج أَبي سفيان ففي حديث أَسماءَ بنت يزيد بن السكن: كنت في النسوة المبايعات وكانت هند بنت بنت عتبة في النساءِ فقرأَ ﷺ الآية فلما قال: (عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا) قالت هند: وكيف نطمع أَن يقبل منَّا ما لم يقبل من الرجال، يعني أن هذا بين لزومه، فلما قال: (وَلا يَسْرِقْنَ) قالت: والله إِنِّي لأُصيب الهنة من مال أَبي سفيان لا يُدري أَيحل لي ذلك، فقال أَبوسفيان: ما أَصبت من شيءٍ فيما مضي وفيما نجد فهو لك حلال فضحك رسول الله وعرفها فقال لها: (وإنك لهند بنت عتبة) قالت: نعم فاعف عمَّا سلف يا نبي الله عفا الله عنك، فقال: (وَلا يَزْنِينَ)، فقالت: أَوتزني الحرة؟ فقال: (وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ)، فقالت: ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا - تعني ما كان من أمر ابنها حنظلة بن أَبي سفيان فإِنه قد قتل يوم بدر فضحك عمر حتى استلقي، وتبسم رسول الله، وفي رواية أَنها قالت: قتلت الآباءَ وتوصينا بالأَولاد؟ فضحك رسول الله فقال: (وَلا يَأتِينَ بِبُهْتَانٍ)، فقالت: والله إِنَّ البهتان لأَمر قبيح ولا يأمر الله إِلا بالرشد ومكارم الأَخلاق، فقال: (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ)، فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أَنفسنا أَن نعصيك في شيءٍ، وكان هذا منها دون غيرها لمكان أَم حبيبة ﵂ من رسول الله مع أَنها حديثة عهد بجاهلية، ويروى أَن أَول من بايع من النساءِ أُم سعيد بن معاذ وكبشة بنت رافع مع نسوة أُخري ﵅
стр. 5016
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾
التفسير
١٣ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾:
ينهي ﵎ عن موالاة الكافرين في آخر هذه السورة كما نهي عنها في أَولها فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) وهم اليهود والنصاري وسائر الكفار ممن غضب الله عليه ولعنه واستحق من الله الطرد والإِبعاد، فكيف توالونهم وتتخذونهم أَصدقاءَ وأَخلاءَ. (قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ) أَي: يئسوا من خيرها وثوابها لعنادهم الرسول المنعوت في كتابهم المؤيد بالآيات البينات والمعجزات الباهرات.
(كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) قال ابن كثير: - فيه ابن كثير: فيه قولان:
أحدهما: كما يئس الكفار الأَحياءُ من أَقربائهم الذين في القبور - أَن يجتمعوا بهم بعد ذلك؛ لأَنهم لا يعتقدون بعثا ولا نشورا فقد انقطع رجاؤُهم في لقائهم وذلك حسب اعتقادهم وبهذا القول قال ابن عباس، وقال قتادة: كما يئس الكفار أَن يرجع إِليهم أَصحاب القبور الذين ماتوا، وكذا قال الضحاك.
стр. 5017
والقول الثاني معناه: كما يئس الكفار الذين هم في القبور من كل خير ينالهم في الآخرة فقوله - تعالى -: (مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) بيان للكفار. قال الأَعمش عن أَبي الضحى عن ابن مسعود (كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) قال: كما يئس هذا الكافر إِذا مات وعاين عقابه واطلع عليه، وهذا قول مجاهد وعكرمة ومقاتل وهو اختيار ابن جرير. أ. هـ ابن كثير بتصرف.
وقال الزمخشري: روي أَن بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم فنزل قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ..... ) الآية.
стр. 5018
سورة الصف
مدنية وآياتها أربع عشرة
أَسماء هذه السورة:
وتسمى سورة الحَواريين، وسورة عيسى ﵇ وهي مدنيَّة، ويدل على ذلك ما أَخرجه الحاكم وغيره عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفرا من أَصحاب رسول الله فتذاكرنا فقلنا: لو نعلم أَي الأَعمال أحب إِلى الله تعالى لعملناه فأَنزل - سبحانه -: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾.
قال عبد الله: فقرأَها علينا رسول الله ﷺ حتى ختمها.
مناسبتها لما قبلها:
ومناسبتها لما قبلها اشتمالها على الحث على الجهاد والترغيب فيه، وفي ذلك تأكيد للنهي عن اتخاذ الكفار أَولياءَ الذي تضمنته السورة السابقة (سورة الممتحنة).
أهم مقاصد السورة:
تخبر السورة الكريمة في افتتاحها بأَنَّ الله - سبحانه - نزهه عمَّا لا يليق به كُل ما في السموات والأَرض وهو العزيز الحكيم، ثم تبين أَنه لا يليق بالمؤمنين أَن تخالف أَفعالهم أَقوالهم؛ لأَن هذه ليست طباع المؤمنين الصادقين، بل هذا خلق يبغضه الله ويمحقه.
ثم ترسم السورة لوحة جميلة، وصورة مشرقة يحبها الله للمؤمنين وهم يقاتلون في سبيل الله لإِعلان الدين صفًّا واحدًا كأَنهم بنيان مرصوص، ففي اجتماعهم قوتهم، وفي اتحادهم عزتهم ثم تُسلَّي الرسول عمَّا يحدث له، بما قد حدث لرسولين سابقين عليه جاءا إِلى بني إِسرائيل وهما: موسى ﵇ فآذوه مع علمهم بأَنه رسول الله لكثرة ما جاءَهم به من المعجزات فلما أصَروا على الانحراف أَمال الله قلوبهم عن الهداية والله لا يهدي القوم الفاسقين.
أَما عيسى ﵇ فقد أَخبر بني إِسرائيل أَنه رسول الله إِليهم، مصدقًا لِما قبله من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعده اسمه أَحمد؛ فلما جاءَهم الرسول المُبَشِّر به بالآيات كفروا به وقالوا: هذا سحرٌ مبين، وتذكر السورة أَن بني إِسرائيل لكفرهم وعنادهم وضلالهم
стр. 5019
(يُرِيدُونَ ليُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ)، وهم في سعيهم مخفقون وعاجزون، فهل يستطيع أَحد أَن يطفئ نور الله بفمه، هيهات هيهات ﴿وَيَأبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١) كما تذكر أَن الله - سبحانه - هو الذي أَرسل محمد بالقرآن ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ثم ترشد السورة المؤمنين إِلى التجارة الرابحة التي تنجيهم من عذاب أَليم، وهي الإِيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله بالأَموال والأَنفس، وربحُهم من هذه التجارة، غفران الذنوب ودخولهم جنات النعيم، ولهم نعمة أُخري يُحبُّونها، وهي نصرٌ من الله وفتحٌ قريب، ثم تدعو السورة المؤمنين أَن يكونوا أَنصارًا له كما كان الحَواريون مع عيسي أَيضًا أَنصارًا لله، وتختم السورة، بأَن الله يؤيد بنصره أَولياءَه وأَصفياءَه حتى يصبحوا على عدوهم غالبين منتصرين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾
المفردات:
(سَبَّحَ لِلَّهِ): نزهه عما لا يليق، ومجده، ودل عليه.
(الْعَزِيزُ): الغالب على كل شيء.
(كَبُرَ مَقْتًا): عظُم بغضا، وكره كرها شديدا.
(صَفًّا): صافين أَنفسهم، أَو مصفوفين.
(بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ): بنيان متلاصق محكم لا فرجة فيه.
стр. 5020
التفسير
١ - ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾:
يخبر الله تعالى أَن جميع ما في السموات وما في الأَرض من الحيوانات والنباتات وغيرهما يُسبحه - جلَّ وعَلَا - وينزهه عمَّا لا يليق به ويمجده ويُقدسه ويُصلِّي له ويُوحِّده ويدلّ عليه وهو - سبحانه - وحده الغالب على كل شيء الذي خضع له كل شيء وهو ذو الحكمة البالغة يضع الشيء في موضعه.
٢ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾:
المعنى: يا أَيها الذين آمنوا لأَي شيءٍ تقولون بأَلسنتكم ما لا تصدقه أَفعالكم، وما لا تفعلونه من الخير والمعروف، على أَن مدار التوبيخ في الحقيقة عدم فعلهم، وإِنما وُجِّه إِلى قولهم تنبيها على تضاعف معصيتهم.
قال الزمخشري: هذا الكلام تناول الكذب وإِخلاف الوعد، روي أَن المؤْمنين قالوا قبل أَن يؤْمروا بالقتال: لو نعلم أَحب الأَعمال إِلى الله لعملناه، ولبذلنا فيه أَموالنا وأَنفسنا، فدَلَّهم الله على الجهاد في سبيله فَوَلَّوْا يوم أُحد فعيَّرهم، وقيل: لما أخبر الله بشهداءِ بدر قالوا: لئن لقينا قتالًا لنُفْرِغن فيه وُسْعَنا ففروا يوم أُحد، ولم يَفُوا وقيل: كان الرجل يقول: قتلت ولم يقتل، وطعنت ولم يطعن، وقيل: كان قد آذى المسلمين رجل فقتله صُهيب وانتحل قتله آخر، فقال عمر لصُهيب: أَخبر الرسول أَنك قتلته، فقال: إنما قتلته لله ولرسوله، فقال عمر: يا رسول الله قتله صهيب، قال: ذلك يا أَبا يحيى قال: نعم فنزلت في المُنْتحِل، وعن الحسن: نزلت في المنافقين، ونداؤهم بالمؤْمنين في الآية الكريمة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) تهكم بهم وبإِيمانهم.
٣ - ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾:
المعنى: كره الله كرها شديدا أن تقولوا ما لا تفعلون وأن تخالف أَفعالكم أَقوالكم.
стр. 5021
قال الآلوسي والزمخشري: قصد في (كَبُرَ) التعجب وتعظيم الأَمر في قلوب السامعين؛ لأَن التعجيب لا يكون إِلا من شيءٍ خارج عن نظائره وأَشكاله، واختير لفظ (المقت) لأَنه أَشد البغض وأَبلغه ومنه نكاح المقت لتزوج الرجل امرأَة أَبيه - ولم يقتصر على أَن جعل البغض كبيرا حتى جعله أَشده وأَقبحه وأَفحشه، وكونه (عِند الله) فيه دلالة على أَنه أَبلغ من ذلك لأَنه إِذا ثبت كبر مقته عند الله الذي يحقر دونه كل عظيم، فقد تم كبره وشدته، وتفسير المقت بما سمعت ذهب إِليه كثير من أَهل اللغة.
٤ - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾:
هذا بيان لِمَا هو مَرْضِيّ عنه عند بعد بيان ما هو ممقوت لديه جل شأَنه والمشار إِليه بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ .... ) الآية. وظاهره يرجح أَن ما قالوه عبارة عن الوعد بالقتال دون غيره.
وهذا هو إِخبار من الله - تعالى - بمحبته عباده المؤْمنين إِذا صُفُّوا مواجهين أَعداءَ الله في حرمة الوغى يقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر على سائر الأديان، روي الإمام أَحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثةٌ يضحَكُ الله إِليهم: الرجل يقومُ من الليل، والقومُ إِذا صُفُّوا للصلاة، والقوم إِذا صُفُّوا للقتال).
وقوله تعالى: (كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ) أَي: كأَنهم في تَراصهم والتحام بعضهم ببعض من غير فرجة ولا خلل (بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ) رُصّ وضم بعضه إِلي بعض.
والمرصوص على ما قاله الفراءُ المعقود بالرصاص، ويراد به المحكم، وقال المبرد: رصصت البناءَ لاءَمت بين أَجزائه وقاربته حتى يصير كقطعة واحدة، ومنه الرصيص وهو انضمام الأسنان، وقيل: المراد استواءُ نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة وتوحيد الرأي كالبنيان المرصوص، والأكثرون على الأَول.
стр. 5022
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾
المفردات:
(زَاغُوا): مالوا باختيارهم عن الحق وأَصروا على الانحراف عنه.
(أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ): حرمهم الله التوفيق لاتباع الحق، وأَمال قلوبهم عن قبول الهداية.
(مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ): مصدقا لما تقدمني وجاءَ قبلي من التوراة.
التفسير
٥ - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾:
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي) هذا كلام مستأنف مقرر لِمَا قبله من شناعة ترك القتال.
والمراد: اذكر يا محمد لهؤلاءِ المعرضين عن القتال وقت قول موسى ﵇ لقومه بني إِسرائيل حين ندبهم لقتال الجبابرة بقوله: (ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ
стр. 5023
اللَّهُ لَكُمْ) (١)، فلم يمتثلوا أَمره وعصوه أَشد عصيان حيث قالوا: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا) (٢)، وقولهم: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (٣).
وأَصرُّوا على ذلك كل الإِصرار وآذوه ﵇ كل الإِيذاءِ فوبخهم على ذلك بما حكاه الله عنه بقوله (يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي) أَي: لم تؤذنني بالمخالفة والعصيان فيما أَمرتكم به ونهيتكم عنه (وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) أَي: والحال أَنكم تعلمون علما قطعيًّا بمشاهدة ما ظهر على يديَّ من المعجزات الباهرة التي منها إِهلاك عدوكم وإِنجاؤكم منه، تعلمون أَني رسول الله إِليكم لأُرشدكم إِلى خيري الدُّنيا والآخرة وكان مقتضي علمكم بذلك أَن تبالغوا في تعظيمي، وتسارعوا إِلى طاعتي، لا أَن تؤذوني وتستهينوا بي؛ لأَن من عرف الله وعظمته عظَّم رسوله، ولأَن من آذى رسول الله كان وعيد الله لاحقا به.
(فَلَمَّا زَاغُوا) أَي: فلما أَصروا على الزيغ والانحراف عن الحق الذي جاءَهم به موسى ﵇ واستمروا على ذلك، (أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) أَي: صرفها عن قبول الحق وعن الميل إِلى الصواب لصرف اختيارهم للعمى والضلال (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
تذييل مقرر لمضمون ما قبله - أَي: والله لا يهدي القوم الخارجين عن الطاعة ومنهاج الحق المُصرِّين على الغواية.
والمراد بهم إِما المذكورون خاصة، والإِظهار في مقام الإضمار لذمّهم بالفسق وتعليل عدم الهداية، أَو جنس الفاسقين وهم داخلون في حكمهم دخولًا أَوليًّا.
وذهب بعضهم إِلى أَن إِيذاءَهم إِياه ﵇ بما كان من انتقاصه وعيبه في نفسه وما ذكر أَولًا هو الذي تقتضيه جزالة اللفظ الكريم لمناسبته لما قبله.
стр. 5024
٦ - ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾
(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ): إِذ معطوف على إِذ الأُولى، والمعنى: واذكر يا محمد حين أَن قال عيسى ابن مريم: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) ولعله ﵇ لم يقل: (يَا قَوْمِ) كما قال موسى، بل قال: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) لأَنه ليس له النسب المعتاد وهو ما كان من قبل الأَب فيهم، أَو إِشارة إِلى أَنه عامل بالتوراة وأَنه مثلهم من قوم موسى ﵇ هضما لنفسه بأَنه لا أَتباع له ولا قوم، وفيه من الاستعطاف ما فيه، وقيل: إِن التعبير بما ذكر لِمَا فيه من التعظيم لهم فقد كانوا يفتحرون بنسبتهم إِلى إِسرائيل ﵇.
(إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) أَي: إِني مرسل منه - تعالى - إِليكم حال كوني مصدقا لِمَا تقدمني وجاءَ قبلي من التوراة، وذكر هذه الحال لأَنه مِن أَقوى الدواعي إِلى تصديقهم إِياه ﵇ وقوله تعالى - (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) معطوف على مصدقا وهو داع أَيضا إِلى تصديقه ﵇ من حيث إِن البشارة بهذا الرسول واقعة في التوراة ويتضمن كلامه ﵇ أَن دينه التَّصديق بكتب الله تعالى وأَنبيائه وجملة (يَأتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) صفة لرسول الله ﷺ ، وهذا الاسم الجليل (أَحْمَدُ) علم لنبينا، وصح من رواية مالك والبخاري ومسلم عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : "إِن لي أَسماءً، أَنا محمد وأَنا أَحمد، وأَنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأَنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأَنا العاقب".
والعاقب: الذي ليس بعده نبي، وأَحمد منقول من الفعل المضارع للمتكلم، أَو من أَفعل التفضيل من الحامدية أَو المحمودية، وبشارة عيسى ﵇ بنبينا مما نطلق به القرآن المُعجز فإِنكار النصارى له ضرب من الجحود والهذيان.
стр. 5025
ذكر الآلوسي أَنه ورد في إِنجيل يوحنا ما هو بشارة بذلك عند من أَنصف، وسلك الصِّراط السَّوي وما تعسف، ففي الفصل الخامس عشر منه قال يسوع المسيح (إِن الفارقليط روح الحق الذي يرسله أَبي يعلمكم كل شيء)، وقال يوحنا أَيضا: قال المسيح: (من يحبني يحفظ كلمتي وأبي يحبه وإِليه يأتي وعنده يتخذ المنزلة، كلمتكم بهذا لأَني لست عندكم بمقيم، والفارقليط روح القدس الذي يرسله أَبي هو يعلمكم كل شيءٍ .... الخ).
(والفارقليط) لفظ يؤذن بالحمد، وتعين إِرادته ﷺ من كلام عيسى ﵇ ممَّا لا غبار عليه لمن كشف الله غشاوة التعصب عن عينيه، وقد فسره بعض النصاري بالحمَّاد وبعضهم بالحامد في مدلوله إِشارة إِلى اسمه ﵊ أَحمد: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) أَي: فلمَّا جاءَهم عيسى ﵇ بالمعجزات الظاهرة قالوا مشيرين إِلى ما جاء به عيسى، وقيل: مشيرين إِلى ما جاءَ به أَحمد ﵊ (هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) وتسميته سحرا للمبالغة ويؤيده قراءَة طلحة والأَعمش: هذا ساحر.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾
المفردات:
(وَمَنْ أَظْلَمُ): أَي: لا أَحد أَشد ظلما.
(افْتَرَى): اختلق بادعاءِ الشركاءِ له.
стр. 5026
(نُورَ اللَّهِ): الحق الذي جاءَ به الرسول.
(بِالْهُدَى): بالقرآن.
(وَدِينِ الْحَقِّ): الإِسلام.
(لِيُظْهِرَهُ): ليعليه ويرفعه.
(عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ): على جميع الأَديان.
التفسير:
٧ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧)﴾:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾:
أَي: أيُّ النّاس أَشد ظلما ممن يُدْعى إِلى الإِسلام الذي يُوصله إِلى سعادة الدارين فتكون استجابته الافتراءَ والاختلاق على الله بتكذيب رسوله وتسمية آياته سحرا، والمراد أَنه أَظلم من كل ظالم، والآية فيمن كذب من هذه الأُمة على ما يقتضيه السياق، وهي إِن كانت في بني إِسرائيل الذين جاءَهم عيسى ﵇ ففيها تأييد لمن ذهب إِلى عدم اختصاص الإِسلام بالدين الحق الذي جاءَ به نبينا ﵊ بل الإِسلام هو كل دين جاءَ به الأَنبياءُ والمرسلون (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أَي: لا يوفقهم إِلى ما فيه فلاحهم لسوءِ استعدادهم وعدم توجههم إِليه.
٨ - ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾:
هذا تمثيل لحالهم - وهم يجتهدون في إِبطال الحق - بحال من ينفخ الشمس بفيه ليطفئها؛ تهكمًا وسخرية بهم.
стр. 5027
والمعنى: يفتري بنو إِسرائيل الكذب على الله لكي يطفئوا نور دينه بأَفواههم ومثلهم في ذلك كمثل من يريد إِطفاءِ نور الشمس بنفخه من فيه، والله مكمل الحق ومبلغه غايته بإِتمام دينه، وعن ابن عباس وابن زيد: يريدون إِبطال القرآن وتكذبيه بالقول، وقيل: يريدون إِبطال شأن النبي وإِخفاءَ ظهوره بكلامهم وأَكاذيبهم، فقد روي عن ابن عباس: أَن الوحي أَبطأَ أَربعين يوما فقال كعب بن الأَشراف: يا معشر يهود أَبشروا أَطفأَ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه، وما كان ليتم نوره. فحزن الرسول فنزلت (يُرِيدُونَ … ) الآية.
وقوله - تعالى -: (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) أَي: ولو كره الجاحدون، وفيه إِشارة إِلى أنه متم ذلك قسرا عنهم وإِرغاما لهم.
٩ - ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾:
أَي: أَن الله هو الذي أَرسل رسوله محمدا ﷺ بالهدى أَي: بالقرآن؛ أَو المعجزة عامة، وجعل ذلك نفس الهدى مبالغة، ودين الحق وهو الملة الحنيفية ودين الإِسلام ليظهره على الدين كله: أَي: ليعليه على جميع الأَديان المخالفة له، ولقد أَنجز الله وعده، وإذْ جعله بحيث لم يبق دين من الأَديان إِلا وهو مقهور مغلوب بدين الإِسلام، فقد هزم الأَديان الباطلة ونسخ الأَديان السماوية السابقة.
وعن مجاهد: إِذا نزل عيسى ﵇ لم يكن في الأَرض إِلا دين الإِسلام.
وقيل: المراد بالإِظهار: الإِعلاءُ بوضوح الأَدلة وسطوع البراهين وذلك أمر مستمر أَبدا.
(وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) أَي: ولو كره المشركين ذلك لِمَا فيه من التوحيد الخالص وإِبطال الشِّرك.
стр. 5028
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾
المفردات:
(أَدُلُّكُمْ): أَرشدكم.
(جَنَّاتِ عدن): جنات إقامة.
(وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا): أَي: ولكم من النعم نعمة أُخرى تحبونها في الدنيا.
التفسير
١٠ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠)﴾:
جاء في حديث عبد الله بن سلام أن الصحابة ﵃ أَرادوا أَن يسأَلوا رسول الله ﷺ عن أَحب الأَعمال إِلى الله فأَنزل الله هذه السورة ومن جملتها هذه الآية.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا هل أرشدكم إِلى تجارة عظيمة الشان تنجيكم وتخلصكم من عذاب شديد الأَلم يوم القيامة.
стр. 5029
١١ - ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾:
استئناف بياني كأَنه قيل: ما هذه التجارة الجليلة الشأن؟ دلَّنا عليها، فقيل: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ أَي: هذه التجارة هي أَن تثبتوا على الإِيمان بالله ورسوله وتجاهدوا في سبيل الله بأَموالكم وأَنفسكم، والمضارع في الموضعين (تُؤْمِنُون، وَتُجَاهِدُونَ) كما قال المبرد وجماعة: خبر بمعنى الأَمر، أَي: آمنوا وجاهدوا، ويؤَيده قراءَة بوقوعها (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) أَي: ذلكم ما ذكرته وأَرشدكم إِليه من الإِيمان والجهاد، خيَّر لكم على الإِطلاق أَو من أَموالكم وأَنفسكم.
(إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ): أَي: إِن كنتم من أَهل العلم؛ إِذ الجهلة يعتد بأَعمالهم حتى توصف بالخيرية، وقيل إِن كنتم تعلمون أَنه خير لكم كان خيرا لكم حينئذ؛ لأَنكم إِذا علمتم ذلك واعتقدتم أَحببتم الإِيمان والجهاد فوق ما تحبون أَموالكم وأَنفسكم وتخلصون وتفلحون.
١٢ - ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾:
(يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) أَي: آمنوا وجاهدوا في سبيل الله يغفر لكم ذنوبكم - فيغفر جواب للأَمر المدلول عليه بلفظ الخير في قوله - تعالى -: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ) ويجوز أَن يكون التقدير: إِن تؤْمنوا وتجاهدوا في سبيل الله يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأَنهار (وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً) أَي: طاهرة زكية مستلذة وهذه إِشارة إِلى حسنها بذاتها، وقوله - تعالى -: (فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ) إِشارة إِلى حسنها باعتبار محلها (ذَلِكَ) أَي: الجزاء الذي ذكر من المغفرة وما عطف عليها (الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الذي لا فوز بعده.
стр. 5030
١٣ - ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾:
أَي: ولكم أَيها المؤمنون المجاهدون إِلى ما ذكر من النعم من المغفرة والرضوان في الآجلة نعمة أَخرى عاجلة تحبونها ثم فسرها بقوله: (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) أَي: عاجل وهو فتح مكة، وعطف (وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ)؛ لأَنه خبر في معنى الأَمر كما قدمنا، كأَنه قيل: آمنوا وجاهدوا يثبتكم الله وينصركم وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾
المفردات:
(الْحَوَارِيُّونَ): أَصفياءُ عيسى وخواصه.
(فَأَيَّدْنَا): فقوينا.
(ظَاهِرِينَ): غالبين ومنتصرين.
التفسير:
١٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾:
стр. 5031
يقول الله ﵎ آمرا عباده المؤمنين أَن يكونوا أَنصار الله في جميع أَحوالهم بأَقوالهم وأَفعالهم وأَنفسهم وأَموالهم كما كان الحواريون أَنصار الله حين قال لهم عيسى: من أَنصاري إِلى الله؟ والحواريون: هم أَتباع عيسى وأَصفياؤه وأَول من آمن به، قيل: كانوا اثني عشر رجلًا فوقهم في البلاد وبعثهم دعاة إِلى الناس في البقاع المختلفة، واشتقاق الحواريين من الحَوَرِ وهو البياض؛ لأَنه كان ملبسهم، وقيل: لأَنهم كانوا قصارين يبيضون الثبات، وقيل: لنقاءِ ظاهرهم وباطنهم، وقيل: الحواريون هم المجاهدون.
وكذلك كان رسول الله ﷺ يقول في أَيام الحج: (مَنْ رجل يؤويني حتى أَبلغَ رسالةَ ربي؟) حتى قبض الله له الأَوس والخزرج من أَهل المدينة فبايعوه على أَن يمنعوه من الأَسود والأَحمر إِن هو هاجر إِليهم بمن معه من أَصحابه، ووفوا له بما عاهدوا الله عليه، ولهذا سماهم الله ورسوله الأَنصار وصار ذلك علما عليهم ﵃ وأَرضاهم، وقوله - تعالى -: (فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ) أَي: لَما بلَّغ عيسى ﵇ رسالة ربه إِلى قومه وآزر من آزره من الحواريين اهتدت طائفة من بني إسرائيل مما جاءَ به وصَلت، فخرجت عما جاءَ به وجحدوا نبوته ورموه وأُمه بالعظائم والأَباطيل وهم اليهود - عليهم لعنة الله المتتابعة إِلى يوم القيامة - ونحلت فيه طائفة ممن اتبعه حتى رفعوه فوق ما أَعطاه الله من النبوة وافترقوا فرقا وشيعا، فمن قائل: إِنه ابن الله، ومن قائل: إِنه ثالث ثلاثة - الأَب والابن وروح القدس - وقوله تعالى - (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) أَي: فنصرنا وقوينا الذين آمنوا بعيسى على عدوهم الذين كفروا به فصاروا بتقويتنا ومساعدتنا غالبين منتصرين قال زيد بن علي: ظاهرين بالحجة والبرهان.
وقيل المراد: (فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ) أَي: فآمنت طائفة من بني إِسرائيل بمحمد ﵊ وكفرت به طائفة أُخري، فأَيدنا المؤمنين على الكفرة فصاروا غالبين، والله أَعلم.
стр. 5032
سورة الجمعة
مدنية وآياتها إِحدي عشرة
الجمهور على أَن هذه السورة مدنية، ففي صحيح البخاري وغيره عن أَبي هريرة ﵁ قال "كنا جلوسًا عند النبي ﷺ حين نزلت سورة الجمعة" الحديث.
وإِسلام أَبي هريرة بعد الهجرة بالاتفاق، ولأَن أَمر الانفضاض عند مجئ تجارةٍ أَو لهو الذي جاءَ في آخر السورة، وكذا أَمر اليهود المشار إِليه بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ) لم يكن إِلا بالمدينة.
صلتها بما قبلها:
ووجه اتصالها بما قبلها أَنه تعالى: لَمَّا ذكر حال موسى ﵇ مع قومه، ونعي عليهم إِيذاهم له، وذكر في هذه السورة حال الرسول ﷺ وفضل أُمته تشريفًا لهم؛ لينظر الفرق بين الأُمتين، ولذا تعرض فيها لذكر اليهود، ولأَنه تعالى لَمَّا ذكر في السورة السابقة قول عيسى ﵇: (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) قال هنا: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا منْهُمْ … ) إِشارة إِلى أَنه هو الذي بشر به عيسى، ولأَنه تعالى لَمَّا ختم السورة السابقة بالأَمر بالجهاد وسماه تجارة، ختم هذه السورة بالأَمر بالجمعة، وأَخبر أَنها خير التجارة الدنيوية، إِلى غير ذلك، من المناسبات.
بعض مقاصد السورة:
حكت سورة الجمعة أَنه تعالى يسبح له ما في السموات وما في الأَرض، ووصفته بأَنه الملك القدوس العزيز الحكيم، وأَنه هو الذي بعث في الأَمِّيِّين رسولًا منهم يُعَلِّمهم الكتاب والحكمة بعد أَن كانوا في جاهليتهم في ضلال مُبين، وضربت مثلًا للذين حملوا التوراة ولم يعملوا بها، أَنهم كمثل الحِمَار يَحمل أَسْفارًا وكتبًا وهو لا يعلم ولا يعمل بها، وكذبت اليهود في زعمهم أَنهم أَولياءُ لله من دون الناس، وتحدتهم بأَن يطلبوا من الله الموت إِن كانوا صادقين؛ ليكونوا في رِحاب من أَحبُّوه، وذكرت أَنهم لا يتمنونه أَبدًا بما قدمت أَيديهم من السيئات، وأَنهم يَفِرُّونَ منه وسيلاقُونه ثم يعودون إِلى الله - تعالى - فيحاسبهم ويجازيهم.
стр. 5033
وحثت السورة المؤمنين على أَن يستجيبوا لنداءِ صلاة الجمعة ويتركوا التجارة مدة الصلاة وما يتصل بها؛ ليعودوا إِليها بعد الصلاة إِن شاءُوا، وحذَّرهم من إِيثارهم على الصلاة، ولأَمهم على الخروج من المسجد أَثناء خطبة الجمعة من أَجل اللَّهو والتِّجارة التي وصلت إِلى المدينة أَثناء الخطبة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾
المفردات:
(يُسَبِّحُ لِلَّهِ): التسبيح: التنزيه.
(الْقُدُّوسِ): البالغ غاية الطهر، وهو على وزن فُعُّول من القدس وهو الطهر والقدوس من أَسماءِ الله الحسنى.
(الأُمِّيِّينَ): الذين لا يقرءُون ولا يكتبون.
(رَسُولًا مِنْهُمْ): رسولًا أُميًّا مثلهم.
стр. 5034
(وَيُزَكِّيهِمْ): ويطهرهم من أَقذار العقائد والأَخلاق والعادات التي كانت لهم في الجاهلية.
(الْكِتَابَ): القرآن.
(وَالْحِكْمَةَ (١)): السنة.
(لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ): لفي بُعْد واضح عن الحق والحكمة، لجاهليتهم التي كانوا فيها.
(وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) وبعثه في آخرين من الأُميين لم يؤمنوا بعد وسيؤمنون مثلهم.
(وَهُوَ الْعَزِيزُ): الغالب.
(الْحَكِيمُ): المتقن للأَمور.
(فَضْلُ اللَّهِ): إِحسانه وعطاؤه.
التفسير
١ - ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾:
جاءَ التعبير بلفظ المضارع (يُسَبِّحُ) ليفيد أَن تسبيح ما في السموات وما في الأَرض لله تعالى متجدد في كل وقت، والمراد من (مَا فِي السموات وما في الأَرض) جميع أَجزائهما وما استقر فيهما، وتسبيح ذلك إِما تسبيح دلالة كما في قول الشاعر:
وفي كُلَّ شيءٍ لَهُ آيَةٌ … تَدُلُّ عَلَي أَنَّهُ الْوَاحِد
وإِما تسبيح مقال، وهو في كلِّ شيءٍ بحسبه، ومن ذلك قوله تعالى في سورة النور: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (٢) وكقوله في سورة سبأ: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا
стр. 5035
يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)، (١) وكقوله تعالى في سورة ص: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) (٢)، وكقوله في سورة الإِسراء: "تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا" (٣).
والمعنى الإِجمالي للآية: يسبح لله وينزهه عن الشريك وجميع صفات النقص - يسبح له - ما في السموات وما في الأَرض من أَجزائهما وما استقر فيهما، المالك لهما الغالب لكل ما سواه الحكيم المتقن لكل الأُمور، ومن كان شأنه ذلك فلا يصح أَن يعبد سواه.
٢ - ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾:
الأُميُّون هم الذين لا يقرءُون ولا يكتبون، نسبوا إِلى الأُم للإِيذان بأَنهم على فطرتهم التي ولدوا عليها، فقد ولدوا لا يقرءُون ولا يكتبون، ولم يطرأ على تلك الفطرة ما يغيرها، وقد كانت هذه سِمَتَهُم التي عرفوا بها بين الأُمم، وإِن كنت تري فيهم الخطباء والبلغاء والفصحاء بفطرتهم، وهذا المعنى أَخرجه البخاري ومسلم وغيرهما بأَسانيدهم عن النبي ﷺ أُمِّيًّا مثلهم، وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ) (٤).
قال الماوردي: فإِن قيل: ما وجه الامتنان بأَن بعث في الأُميِّين نبيًّا أُمِّيًّا، فالجواب عنه ثلاثة أَوجه:
(أَحدهما) لموافقة ما تقدمت به بشارة الأَنبياء.
стр. 5036
(ثانيها): لمشاكلة حاله لأَحوالهم فيكون أَقرب إِلى موافقتهم له.
(ثالثها) لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعا إِليه من الكتب التي قرأَها والحكم التي تلاها.
ونزيد على ذلك أَن الله اختاره أُمِّيًّا، لتكون أُميَّته مؤكدة لإِعجاز القرآن، وكونه آية على صدقة، وكان النبي ﷺ لأُمِّيَّته يحرك لسانه وينطق بالقرآن عقب سماعه من جبريل ليحفظه فلا يغيب عنه شيءٌ منه فطمأَنه الله - تعالى - إِذ تعهد أَن يجمعه في صدوره، بعد فراغ جبريل ﵇ من تبليغه، وفي ذلك يقول سبحانه: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (١) وقد تضمن القرآن علوم الأَولين والآخرين، وتحدث عن الماضي والحال والاستقبال، وعن الآيات التي يستدل بها على الله، وعن أَدلة التوحيد والبعث، وأَسرار العلوم والفنون، وعن التمكين لأُمته في المشارق والمغارب، ويرحم الله البوصيري إِذ يقول:
كَفَاكَ بِالعِلْم في الأُمّي مُعْجِزة … في الجَاهِلِيَّة والتَّأدِيب في اليتم
وقد اختار الله هذه الأُمة الأُمية؛ ليكون الرسول منهم؛ لأَنهم أَهل شجاعة وهمة، قادرون على الثبات أَمام الأَهوال، ولتظهر بهم قدرة الله، حيث حوَّل جاهليتهم إِلى علم وعرفان، يفوق ما عرفه البشر من العلوم والفنون.
وكان كل رسول يبعث إِلى قومه خاصة، ولكن محمدًا الرسول الأُميّ بُعث إِلى الناس كافة، فدان لرسالته العرب والفُرس والرُّومان وغيرهم من أَهل المشارق والمغارب، فسبحان الله القادر على ما يشاء.
وقد عينت الآية الأُمة التي بعث منها، ولم تعين الأُمم الذين أُرسل إِليهم؛ ليفهم من ذلك أَن رسالته مفتوحة لا محدودة، وقد علم عموم بعثته للعالم من قوله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) (٢)، وقوله (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا .... ) (٣).
стр. 5037
والمعنى الإِجمالي للآية: هو الله الذي بعث في الأُمِّيَّين رسولًا منهم أُمِّيًّا مثلهم، يتلو عليهم آياته التي سمعها ووعاها من جبريل أَمين الوحي الإِلهي، ويُعَلِّم هؤلاءِ الأُمِّيَّن هذا الكتاب فيقرؤه عليهم فيحفظونه لصفاءِ فطرتهم وقوة حفظهم، ويكتبه الكتّاب منهم ويعلمهم السنة التي تشتمل على مختلف أَنواع الحكم الشرعية والنقلية والعقلية كأَسرار الكون ودلالتها على المكوّن ويطهرهم من عقائد الجاهلية وأَخلاقها، وعاداتها، وإِنهم كانوا من قبل بعثه فيهم لفي ضلال عن الحق بيِّن واضح.
٣ - ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾:
لفظ (وَآخَرِينَ) على لفظ الأُمِّيِّين أَو على الضمير في (يُعَلِّمُهُمْ، وَيُزَكِّيهِمْ).
والآية صريحة في أَن هؤلاءِ الآخرين من الأُميين، وأَنهم لم يلحقوا بعد بمن قبلهم في الالتقاءِ بالرسول وأَخذ العلم عنه، وسيلحقون بهم بعد نزول هذه الآية كما يفيده لفظ (لَمَّا) فإِنهم تفيد نفي ما دخلت عليه حالا، وتوقع حصوله مستقبلًا، فهي تخالف (لَمْ) في ذلك، إِذ هي تفيد النفي دون توقع حصول المنفي بعدها.
وعملًا بظاهر الآية نقول: إِنها نزلت قبل أَن يسلم جميع الأُميين العرب، فلا تزال حينئذ - بقية منهم في جاهليتهم، ولكنهم سيلحقون بمن قبلهم في الإِيمان بالرسول ﷺ في حياته، هذا ما عنَّ لنا في فهم الآية الكريمة، وهذا لا يمنع عموم رسالته المدلول عليه بما تقدم.
وقد اختلف المفسرون في بيان المراد من هؤلاءِ الآخرين من الأُميين، فقال ابن عمر وسعيد بن جبير: هم العجم، واستشهدوا بما جاءَ في صحيح البخاري ومسلم عن أَبي هريرة قال: (كنا جلوسًا عند النبي ﷺ إِذ نزلت سورة الجمعة، فلما قرأَ (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) قال رجل: مَنْ هؤلاءِ يا رسول الله؟ فلم يراجعه النبي ﷺ حتى سأَله مرة أَو مرتين أَو ثلاثًا قال: وفينا سلمان الفارسي. قال: فوضع النبي ﷺ يده على سلمان، ثم قال: لو كان الإِيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاءِ).
стр. 5038
وقال عكرمة: هم التابعون، وقال مجاهد: هم الناس كلهم - يعني من بعد العرب الذين بُعِث فيهم محمد ﷺ ، وقال ابن زيد ومقاتل بن حيان: هم مَن دخل في الإِسلام بعد النبي ﷺ إِلى يوم القيامة.
ويرد على هذه التأويلات أَمران:
(أَحدهما) أَن الضمير في (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ) يعود على الأُميين في الآية التي قبلها وهؤلاءِ الذين ذكروا في التأويلات السابقة ليسوا أُميين، والأُميون هم العرب كما تقدم.
(وثانيهما) أَنه ﷺ لا يُعلِّم هؤلاءِ الآخرين ولا يزكيهم، وإِنما يعلمهم ويزكيهم المسلمون الذين ورثوا الكتاب والحكمة بعد رسول الله ﷺ .
ويجاب عن الأَول: بأَن الذين يتوقع منهم الإسلام بعده ﷺ أُمِّيُّون من جهة العلم النافع، فهم ما بين وثنيين وأَهل كتاب غيروه وبدلوه، فهم في حكم الأُميين، فلما أَسلموا تعلموا الكتاب والحكمة وطهرت نفوسهم، وبذلك زالت أُميتهم العلمية، على أَن غالبية الشعوب التي دخلها الإِسلام كانوا لا يقرءُون ولا يكتبون فهم أُميون باعتبار أَغلبيتهم.
ويجاب عن الثاني: بأَن إِسلام مَنْ بعده ﷺ ناشيء عما تركه فيهم من آثار رسالته من الكتاب والحكمة، فكأَنه بُعِث فيهم، ولا تغفل عما فهمناه أَولًا من نص الآية، فهو أَظهر من تلك الآراءِ التي أَجبنا على ما وجه إِليها من الاعتراضات، والله ولي التوفيق.
وفي عموم رسالته ﷺ لمن عاصروه ولمن بعدهم إِلى يوم القيامة يقول - سبحانه -: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (١).
٤ - ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾:
أَي: ذلك الذي تقدم من بعث محمد ﷺ في الأُميين وسواهم؛ ليهتدوا - ذلك - فضل الله وعطاؤه العظيم، يعطيه من يشاءُ وهو محمد ﷺ ولا يشاءُ - سبحانه - لأَحد بعده،
стр. 5039
فهو خاتم الأَنبياءِ والمرسلين، والله صاحب الإِحسان والعطاء الجزيل الذي تُحتقر نعم الدنيا بالقياس عليه.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾
المفردات:
(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ): صفة اليهود الذين كلفوا العمل بالتوراة.
(ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا): ثم لم يعملوا بها.
(أَسْفَارًا): جمع سِفر وهو الكتاب الكبير، وسمي بذلك؛ لأَنه إِذا قريءَ يسفر عن معناه.
(الَّذِينَ هَادُوا): الذين دانوا باليهودية.
(مُلاقِيكُمْ): موافيكم ومقابل لكم حيثما كنتم.
стр. 5040
التفسير:
٥ - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾:
هذه الآية مرتبطة بما قبلها، فهي تشير إِلى أَن ذلك الرسول المبعوث في الأَميين، قد نَعتَه الله هنا بما نعته به في التوراة، فقد نُعِت فيها بأَنه النبي الأُمي المبعوث إِلى أَمة أميين.
والمعنى: مثل من جاءَهم نعت الرسول في التوراة وهم اليهود وقد علموه ولم يؤْمنوا به كمثل الحمار يحمل أَسفارًا لا ينتفع بها، فليس له منها إِلا الحمل، (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ) أَي، بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا بآيات الله ولم ينتفعوا بها، فالمثل المقدر هو المخصوص بالذم (١).
وقد ختم الله الآية بقوله: (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أَي: لا يهدي اليهود الظالمين الذين وضعوا التكذيب في موضع التصديق وأَصروا على ذلك.
٦ - ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦)﴾:
قل أَيها الرسول: يأيها الذين دانوا باليهودية إِن زعمتم أَنكم أَحباء لله دون غيركم من الناس، فاطلبوا من الله أَن يميتكم وينقلكم من دار البلية إِلى دار الكرامة إِن كنتم صادقين فيما زعمتموه من أَنكم مختصون بحب الله، فإِن من أَيقن أَنه من أَهل الجنة، أَحب أَن يتخلص إِليها من دار المحن والأَكدار.
وقد أَمر الرسول ﷺ أَن يقول لهم ذلك إِظهارًا لكذبهم، وإِنهم كانوا يقولون: نحن أَبناء الله وأَحباؤُه، ويزعمون أَنه لا يدخل الجنة إِلا من كان هودًا، إِلى غير ذلك من سائر دعاواهم الكاذبة.
стр. 5041
٧ - ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧)﴾:
ولا يتمنى الموت هؤلاءِ اليهود - لا يتمنونه - أَبدًا، إِيثارًا للحياة الدنيا على الآخرة وخوفًا من عقابهم على ما قالوه في النبي ﷺ .
وجاءَ في حديث عن النبي ﷺ قال لمَّا نزلت هذه الآية: "والذي نفس محمد بيده لو تمنوا الموت ما بقي على ظهرها يهودي إِلا مات".
٨ - ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ (١) ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾:
قل لهم أَيها الرسول: إِن الموت الذي تفرون من طلبه إِياكم فإِنه ملاقيكم عند مجيء آجالكم، ثم تردون يوم البعث إِلى الله عالم ما غاب وما حضر، فينبئكم بما كنتم تعلمون في دنياكم من المساوئ، ويجزيكم عليها أَسوأَ الجزاء.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾
المفردات:
(نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَة): دُعِيَ بالأَذن لصلاة الجمعة في يومها.
(فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ): فامضوا إِلى صلاتها التي يذكر فيها اسم الله ولا تتخلفوا عنها، وأَطلق لفظ (ذِكْرِ اللَّه) على الصلاة مجازًا؛ لأَنه أَهم مقاصدها.
стр. 5042
(وَذَرُوا الْبَيْعَ): واتركوا البيع والشراءَ حتى تُصَلُّوها.
(قُضِيَتْ الصَّلاةُ): أُدِّيت.
(وَابْتَغُوا): واطلبوا.
التفسير:
٩ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾:
المقصود من النداءِ لصلاة الجمعة الأَذان الشرعي المعهود لما فيه من قول المؤَذِّن: "حَيَّ عَلي الصَّلَاة" أَي: أَقبلوا عليها وتعالوا لأَدائها، ولفظ الجمعة بضم الميم وتسكينها، قال ابن عباس: نزل القرآن بالتثقيل - أَي: بالضم - والتخفيف أَي: تسكينها، فاقرءُوا جُمُعة - بضم الميم - وفتح ميمها جائز لغة ولكنه لم يرد قراءَة.
وكان يقال ليوم الجمعة يوم العَرُوبة - بفتح العين - واختلف في أَول من سماه يوم الجمعة، فقيل: هو كعب بن لؤي، وهو أَول من قال: أَمَّا بعد - قاله أَبو سلمة.
وقيل: أَول من سماه جمعة الأَنصار، قال ابن سيرين: جَمَّع أَهل المدينة من قبل أَن يقدم النبي ﷺ المدينة وقبل أَن تنزل (الجمعة) وهم الذين سموه يوم الجمعة، وذلك أَنهم قالوا: إِن لليهود يومًا يجتمعون فيه في كل سبعة أَيام وهو السبت، وللنصارى يوم مثل ذلك وهو الأَحد، فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل لنا يومًا نذكر الله ونصلي فيه ونستذكر - أَو كما قالوا - فقالوا: يوم السبت لليهود ويوم الأَحد للنصارى فاجعلوه يوم العَروبة، فاجتمعوا إِلى أَسعد بن زرارة (أَبو أُمامة) ﵁ فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا، فذبح لهم شاة فتغدوا وتعشوا منها لقلتهم، فهذه أَول جمعة في الإِسلام - ارجع إِلى الآلوسي وغيره. وروي أَنهم كانوا اثني عشر رجلا، وعلى أَي حال فإِنه سمي يوم الجمعة لاجتماع الناس فيه.
وأَما أَول جمعة جمّعها النبي ﷺ بأَصحابه فكانت في قباء، فقد قدم النبي ﷺ مهاجرًا حتى نزل بها، على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة
стр. 5043
خلت من شهر ربيع الأَول فأَقام بها إِلى يوم الخميس وأَسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة إِلى المدينة، فأَدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، وكان المسلمون قد بنوا مسجدا، فجمَّع النبي ﷺ بهم فيه، وخطب، وهي أَول خطبة خطبها بالمدنية، وقال فيها: "الحمد لله أَحمده وأَستعينه وأَستغفره وأَستهديه، وأُؤمن به ولا أَكفره، وأَعادي من يكفر به، وأَشهد أَن لا إله إلَا الله وحده لا شريك له، وأَشهد أَن محمدًا عبده ورسوله وأَرسله بالهدي ودين الحق والنور والموعظة والحكمة على فترة من الرسل، وقلة من العلم وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة وقرب من الأَجل، من يطع الله ورسوله فقد شكر، ومن يعض الله ورسوله فقد غوى وفرط وضل ضلالًا بعيدًا، أُوصيكم بتقوى الله فإِنه خير ما أَوصي به المسلم المسلم أَن يحضه على الآخرة .. " إلي آخر الخطبة، وهي خطبة عظيمة ومنهاج رشيد، فارجع إِليها في القرطبي في المسأَلة الثانية.
أَذان الجمعة في عهد رسول الله ﷺ وفي عهد عثمان ﵁ -
كان للرسول ﷺ أَذان واحد للجمعة، فكان إِذا جلس على المنبر أذَّن المؤذن على باب المسجد فإِذا نزل ﷺ أَقام المؤذن الصَّلَاة، وكان أَبو بكر وعمر على ذلك، حتى إِذا كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل، زاد مؤذنا آخر، فأَمر بالتأذين الأَول على داره التي تسمى زوراء، وتسمية لها باسم موضع مرتفع بسوق المدينة، فإذا جلس على المنبر أذان المؤذن الثاني، فإِذا نزل أَقام الصلاة، فلم يُعبْ ذلك.
ومن محاسن الأَذان الأَول بالزوراءِ، أَنه كان ينبه الناس إِلى ترك البيع والسعي لأَداء صلاة الجمعة وهو الآذان كذلك.
المراد من السعي وذكر الله:
المراد من السعي المشي بدون إِفراط في السرعة، وقال قتادة: أَن تسعي بقلبك وعملك.
وقد اتسع العمران في هذا الزمان، فينبغي عدم انتظار الأَذان للسعي إِلى المسجد، وأَن يبكر المصلي، ليأخذ له مكانًا فيه قبل امتلائه بالمصلين بعد أَن يكون قد اغتسل وتطيب وتزين امتثالا لقوله تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ).
стр. 5044
وذكر الله هو الصَّلاة والخطبة قبلها، والسعي إِليها عند الأَذان الأَول واجب، وقد أَوجب الله في الآية السعي إِلى الجمعة من غير شرط، وثبت شرط الوضوءِ بالقرآن والسنة في جميع الصلوات، لقوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) (١) وقال ﷺ : "لا يقبل الله صلاة بغير طهور "أَما الغسل للجمعة فهو سنة وليس فرضًا لها، قال ﷺ : "من توضأَ يوم الجمعة فيها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أَفضل" أَخرجه النسائي وأَبو داود في سننهما.
وفي صحيح مسلم عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضَّأَ يوم الجمعة فأَحسن الوضوء، ثم راح إِلى الجمعة فاستمع وأَنصت غفر الله ما بين الجمعة إِلى الجمعة وزيادة ثلاثة أَيام، ومنْ مسَّ الحصا فقد لَغَا" والمقصود بمسّ الحصا الاشتغال عن سماع الخطبة بأَي شاغل وإِن صَغُر، والمراد بكلمة (لغا) أَتى بما لا يليق بالاستماع للخطبة وأَضاع ثوابه، وقال صاحب المختار: (لغا) أَي: قال باطلا، والمراد منه في الحديث ما يشمل الكلام وغيره.
وقوله تعالى: (وَذَرُوا الْبَيْعَ) أَمر بتركه قُبَيْلَ خطبة وصلاة الجمعة، وتحريم له في وقتها، وكذلك الشراء، ولم يصرح به؛ لأَنه لا يخلو بيع من شراءٍ، فالنهي عن أَحدهما شامل لهما جميعًا، ومع كونهما محرمين عند الأَذان إِلى تمام الصلاة فإِنهما لا ينعقدان ويفسخ كلاهما، وأَجاز بعض العلماءِ البيع في الوقت المذكور، وحمل النهي على الندب، واستدل بقوله تعالى: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) أَي: أَفضل لكم من البيع، وهذا هو مذهب الشافعي، وقال الزمخشري في تفسيره: إِن عامة العلماءِ على أَن ذلك لا يؤدي إِلى فسخ البيع؛ لأَن البيع لم يحرم لعينه ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب، فهو كالصلاة في الأَرض المغصوبة: يعني أَنها تصح مع حرمتها ولا تسقط الجمعة لكونها يوم عيد، خلافًا للإِمام أَحمد فإِنه قال: إِذا اجتمع عيد وجمعة سقط فرض الجمعة لتقدم العيد عليها واشتغال الناس به عنها، واستدل على ذلك بما روي أَن عثمان ﵁ أذِن في يوم عيد لأَهل العوالي أَن يتخلفوا
стр. 5045
عن الجمعة، وقول الصحابي الواحد إذا خولف فيه لا يعتبر حجة، والأَمر بالسعي إِلى صلاة الجمعة متوجه يوم العيد كتوجهه في سائر الأَيام، وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة (سَبِّح اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) و (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) قال: وإِذَا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أَيضًا في الصلاتين. أَخرجه أَبو داود والترمذي وابن ماجه (١).
المعنى الإجمالي للآية: يا أيها الذين آمنوا وكنتم من المقيمين في بلد الجمعة المكلفين بالصلاة: إِذا سمعتم أذان الجمعة فعليكم أَن تمضوا إِلى مكان أَدائها وعليكم السكينة والوقار، وأَن تستمعوا إِلى خطبة الجمعة، وتصلوا صلاتها في جماعة وأَنتم متوضئون، فإِنه لا صلاة من غير وضوءٍ، وعليكم أَن تمتنعوا عن البيع والشراءِ ابتداءً من الأَذان الأَول على الأَقل؛ لتتفرغوا لسماع خطبتها وأدائها مع الجماعة، فإِن البيع والشراء حينئذ حرام، ويقول بعض العلماءِ: إِنهما باطلان؛ ذلكم خير لكم في دينكم، ففي ذلك غفران لذنوبكم ومثوبة من الله لكم، إِن كنتم تميزون بين الخير والشر والنفع والضر.
١٠ - ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾:
فإذا فرغتم من صلاة الجمعة فمباح لكم أَن تنتشروا في الأَرض للتجارة والتصرف في حوائجكم ونحو ذلك واطلبوا من رزق الله بسعيكم، واذكروا الله ذكرًا كثيرًا في جميع الأَحوال، واشكروه على توفيقكم لأَداءِ الفرائض؛ لكي تفلحوا وتفوزوا في دنياكم وأخراكم.
ويقول القرطبي: كان عراك بن مالك إِذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: "اللهم إِني قد أَجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أَمرتني، فارزقني من فضلك وأَنت خير الرازقين".