٧ - ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧)﴾:
ولا يتمنى الموت هؤلاءِ اليهود - لا يتمنونه - أَبدًا، إِيثارًا للحياة الدنيا على الآخرة وخوفًا من عقابهم على ما قالوه في النبي ﷺ .
وجاءَ في حديث عن النبي ﷺ قال لمَّا نزلت هذه الآية: "والذي نفس محمد بيده لو تمنوا الموت ما بقي على ظهرها يهودي إِلا مات".
٨ - ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ (١) ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾:
قل لهم أَيها الرسول: إِن الموت الذي تفرون من طلبه إِياكم فإِنه ملاقيكم عند مجيء آجالكم، ثم تردون يوم البعث إِلى الله عالم ما غاب وما حضر، فينبئكم بما كنتم تعلمون في دنياكم من المساوئ، ويجزيكم عليها أَسوأَ الجزاء.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾
المفردات:
(نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَة): دُعِيَ بالأَذن لصلاة الجمعة في يومها.
(فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ): فامضوا إِلى صلاتها التي يذكر فيها اسم الله ولا تتخلفوا عنها، وأَطلق لفظ (ذِكْرِ اللَّه) على الصلاة مجازًا؛ لأَنه أَهم مقاصدها.
стр. 5042
(وَذَرُوا الْبَيْعَ): واتركوا البيع والشراءَ حتى تُصَلُّوها.
(قُضِيَتْ الصَّلاةُ): أُدِّيت.
(وَابْتَغُوا): واطلبوا.
التفسير:
٩ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾:
المقصود من النداءِ لصلاة الجمعة الأَذان الشرعي المعهود لما فيه من قول المؤَذِّن: "حَيَّ عَلي الصَّلَاة" أَي: أَقبلوا عليها وتعالوا لأَدائها، ولفظ الجمعة بضم الميم وتسكينها، قال ابن عباس: نزل القرآن بالتثقيل - أَي: بالضم - والتخفيف أَي: تسكينها، فاقرءُوا جُمُعة - بضم الميم - وفتح ميمها جائز لغة ولكنه لم يرد قراءَة.
وكان يقال ليوم الجمعة يوم العَرُوبة - بفتح العين - واختلف في أَول من سماه يوم الجمعة، فقيل: هو كعب بن لؤي، وهو أَول من قال: أَمَّا بعد - قاله أَبو سلمة.
وقيل: أَول من سماه جمعة الأَنصار، قال ابن سيرين: جَمَّع أَهل المدينة من قبل أَن يقدم النبي ﷺ المدينة وقبل أَن تنزل (الجمعة) وهم الذين سموه يوم الجمعة، وذلك أَنهم قالوا: إِن لليهود يومًا يجتمعون فيه في كل سبعة أَيام وهو السبت، وللنصارى يوم مثل ذلك وهو الأَحد، فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل لنا يومًا نذكر الله ونصلي فيه ونستذكر - أَو كما قالوا - فقالوا: يوم السبت لليهود ويوم الأَحد للنصارى فاجعلوه يوم العَروبة، فاجتمعوا إِلى أَسعد بن زرارة (أَبو أُمامة) ﵁ فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا، فذبح لهم شاة فتغدوا وتعشوا منها لقلتهم، فهذه أَول جمعة في الإِسلام - ارجع إِلى الآلوسي وغيره. وروي أَنهم كانوا اثني عشر رجلا، وعلى أَي حال فإِنه سمي يوم الجمعة لاجتماع الناس فيه.
وأَما أَول جمعة جمّعها النبي ﷺ بأَصحابه فكانت في قباء، فقد قدم النبي ﷺ مهاجرًا حتى نزل بها، على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة
стр. 5043
خلت من شهر ربيع الأَول فأَقام بها إِلى يوم الخميس وأَسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة إِلى المدينة، فأَدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، وكان المسلمون قد بنوا مسجدا، فجمَّع النبي ﷺ بهم فيه، وخطب، وهي أَول خطبة خطبها بالمدنية، وقال فيها: "الحمد لله أَحمده وأَستعينه وأَستغفره وأَستهديه، وأُؤمن به ولا أَكفره، وأَعادي من يكفر به، وأَشهد أَن لا إله إلَا الله وحده لا شريك له، وأَشهد أَن محمدًا عبده ورسوله وأَرسله بالهدي ودين الحق والنور والموعظة والحكمة على فترة من الرسل، وقلة من العلم وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة وقرب من الأَجل، من يطع الله ورسوله فقد شكر، ومن يعض الله ورسوله فقد غوى وفرط وضل ضلالًا بعيدًا، أُوصيكم بتقوى الله فإِنه خير ما أَوصي به المسلم المسلم أَن يحضه على الآخرة .. " إلي آخر الخطبة، وهي خطبة عظيمة ومنهاج رشيد، فارجع إِليها في القرطبي في المسأَلة الثانية.
أَذان الجمعة في عهد رسول الله ﷺ وفي عهد عثمان ﵁ -
كان للرسول ﷺ أَذان واحد للجمعة، فكان إِذا جلس على المنبر أذَّن المؤذن على باب المسجد فإِذا نزل ﷺ أَقام المؤذن الصَّلَاة، وكان أَبو بكر وعمر على ذلك، حتى إِذا كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل، زاد مؤذنا آخر، فأَمر بالتأذين الأَول على داره التي تسمى زوراء، وتسمية لها باسم موضع مرتفع بسوق المدينة، فإذا جلس على المنبر أذان المؤذن الثاني، فإِذا نزل أَقام الصلاة، فلم يُعبْ ذلك.
ومن محاسن الأَذان الأَول بالزوراءِ، أَنه كان ينبه الناس إِلى ترك البيع والسعي لأَداء صلاة الجمعة وهو الآذان كذلك.
المراد من السعي وذكر الله:
المراد من السعي المشي بدون إِفراط في السرعة، وقال قتادة: أَن تسعي بقلبك وعملك.
وقد اتسع العمران في هذا الزمان، فينبغي عدم انتظار الأَذان للسعي إِلى المسجد، وأَن يبكر المصلي، ليأخذ له مكانًا فيه قبل امتلائه بالمصلين بعد أَن يكون قد اغتسل وتطيب وتزين امتثالا لقوله تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ).
стр. 5044
وذكر الله هو الصَّلاة والخطبة قبلها، والسعي إِليها عند الأَذان الأَول واجب، وقد أَوجب الله في الآية السعي إِلى الجمعة من غير شرط، وثبت شرط الوضوءِ بالقرآن والسنة في جميع الصلوات، لقوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) (١) وقال ﷺ : "لا يقبل الله صلاة بغير طهور "أَما الغسل للجمعة فهو سنة وليس فرضًا لها، قال ﷺ : "من توضأَ يوم الجمعة فيها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أَفضل" أَخرجه النسائي وأَبو داود في سننهما.
وفي صحيح مسلم عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضَّأَ يوم الجمعة فأَحسن الوضوء، ثم راح إِلى الجمعة فاستمع وأَنصت غفر الله ما بين الجمعة إِلى الجمعة وزيادة ثلاثة أَيام، ومنْ مسَّ الحصا فقد لَغَا" والمقصود بمسّ الحصا الاشتغال عن سماع الخطبة بأَي شاغل وإِن صَغُر، والمراد بكلمة (لغا) أَتى بما لا يليق بالاستماع للخطبة وأَضاع ثوابه، وقال صاحب المختار: (لغا) أَي: قال باطلا، والمراد منه في الحديث ما يشمل الكلام وغيره.
وقوله تعالى: (وَذَرُوا الْبَيْعَ) أَمر بتركه قُبَيْلَ خطبة وصلاة الجمعة، وتحريم له في وقتها، وكذلك الشراء، ولم يصرح به؛ لأَنه لا يخلو بيع من شراءٍ، فالنهي عن أَحدهما شامل لهما جميعًا، ومع كونهما محرمين عند الأَذان إِلى تمام الصلاة فإِنهما لا ينعقدان ويفسخ كلاهما، وأَجاز بعض العلماءِ البيع في الوقت المذكور، وحمل النهي على الندب، واستدل بقوله تعالى: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) أَي: أَفضل لكم من البيع، وهذا هو مذهب الشافعي، وقال الزمخشري في تفسيره: إِن عامة العلماءِ على أَن ذلك لا يؤدي إِلى فسخ البيع؛ لأَن البيع لم يحرم لعينه ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب، فهو كالصلاة في الأَرض المغصوبة: يعني أَنها تصح مع حرمتها ولا تسقط الجمعة لكونها يوم عيد، خلافًا للإِمام أَحمد فإِنه قال: إِذا اجتمع عيد وجمعة سقط فرض الجمعة لتقدم العيد عليها واشتغال الناس به عنها، واستدل على ذلك بما روي أَن عثمان ﵁ أذِن في يوم عيد لأَهل العوالي أَن يتخلفوا
стр. 5045
عن الجمعة، وقول الصحابي الواحد إذا خولف فيه لا يعتبر حجة، والأَمر بالسعي إِلى صلاة الجمعة متوجه يوم العيد كتوجهه في سائر الأَيام، وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة (سَبِّح اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) و (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) قال: وإِذَا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أَيضًا في الصلاتين. أَخرجه أَبو داود والترمذي وابن ماجه (١).
المعنى الإجمالي للآية: يا أيها الذين آمنوا وكنتم من المقيمين في بلد الجمعة المكلفين بالصلاة: إِذا سمعتم أذان الجمعة فعليكم أَن تمضوا إِلى مكان أَدائها وعليكم السكينة والوقار، وأَن تستمعوا إِلى خطبة الجمعة، وتصلوا صلاتها في جماعة وأَنتم متوضئون، فإِنه لا صلاة من غير وضوءٍ، وعليكم أَن تمتنعوا عن البيع والشراءِ ابتداءً من الأَذان الأَول على الأَقل؛ لتتفرغوا لسماع خطبتها وأدائها مع الجماعة، فإِن البيع والشراء حينئذ حرام، ويقول بعض العلماءِ: إِنهما باطلان؛ ذلكم خير لكم في دينكم، ففي ذلك غفران لذنوبكم ومثوبة من الله لكم، إِن كنتم تميزون بين الخير والشر والنفع والضر.
١٠ - ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾:
فإذا فرغتم من صلاة الجمعة فمباح لكم أَن تنتشروا في الأَرض للتجارة والتصرف في حوائجكم ونحو ذلك واطلبوا من رزق الله بسعيكم، واذكروا الله ذكرًا كثيرًا في جميع الأَحوال، واشكروه على توفيقكم لأَداءِ الفرائض؛ لكي تفلحوا وتفوزوا في دنياكم وأخراكم.
ويقول القرطبي: كان عراك بن مالك إِذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: "اللهم إِني قد أَجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أَمرتني، فارزقني من فضلك وأَنت خير الرازقين".
стр. 5046
١١ - ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾
سبب نزول هذه الآية
أَخرج الإِمام مسلم عن جابر بن عبد الله أَن النبي ﷺ كان يخطب قائمًا يوم الجمعة، فجاءَت عير من الشام فانفتل الناس إِليها حتى لم يبق إِلا اثنا عشر رجلا - في رواية: أَنا فيهم - فأَنزلت هذه الآية التي في الجمعة (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) وفي رواية: فيهم أَبو بكر وعمر ﵄.
وقد ذكر الكلبي وغيره أن الذي قدم بالعير دحية بن خليفة الكلبي من الشام عن مجاعة وغلاء سعر وكان معه جميع ما يحتاج الناس إِليه من بُرٍّ ودقيق وغيرهما، فنزل عند أَحجار الزيت (١) وضرب بالطبل؛ ليؤذن الناس يقدومه، فخرج الناس إِلا اثني عشر رجلا، وقيل: ثمانية رجال، وقيل أَربعون رجلا، وقيل: غير ذلك، وكانت هذه التجارة لعبد الرحمن ابن عوف، وذكر الزمخشري أَنه ﷺ قال: "والَّذي نفسي بيده لو خرجوا جميعًا لأَضرم الله عليهم الوادي نارًا" كما جاءَ في القرطبي.
والمراد من اللهو نفس التجارة، فاعتبر خروجهم لتلقيها لهوًا تهجينًا له، لما فيه من الإِعراض عنه ﷺ ولهذا رجع الضمير مؤَنثًا في قوله: (إِلَيْهَا) - رجع - إِلى التجارة، ولم يذكر ليرجع إِلى اللهو؛ لأَنه لم يقصد لذاته بل لتقبيح خروجهم للتجارة أَثناءَ الخطبة لمشاهدة ما جاءَ فيها أَو للشراءِ منها لهوا، فإِن رزقهم منها مكتوب عند الله تعالى، فلا وجه لتركهم سماع الخطبة والانصراف إليها.
стр. 5047
وقيل: إِن المعنى: وإِذا رأوا تجارة انفضوا إِليها أَو لهوا انفضوا إِليه، فحذف لدلالة ما قلبه عليه، كما قال الشاعر:
نحن بما عندنا وأَنت بما … عندك راض والرأي مختلف
أَي: نحن بما عندنا راضون وأَنت بما عندك راض.
وقال جابر بن عبد الله: كانت الجواري إِذا نُكِحْن - أَي: تزوجن - يمرون بالمزامير والطبل فانفضوا إِليها فنزلت، وإِنما ردَّ الكناية (١) إِلى التجارة؛ لأَنها أَهم، أَو لأَن الخروج إِليها حينئذ إِذا كان مذمومًا فهو للَّهو أَكثر ذما.
العدد الذي به تصح الجمعة
قال الحسن: تنعقد الجمعة باثنين، وقال الليث وأَبو يوسف: تنعقد بثلاثة، وقال أَبو حنيفة: تنعقد بأَربعة، وقال ربيعة: باثني عشر رجلا، وقال الشافعي: بأَربعين رجلا، ولعل هؤلاءِ استند كل منهم إِلى إِحدي الروايات فيمن بقى مع الرسول بعد خروج من خرج لمشاهدة التجارة التي جاءَ بها دحية من الشام.
وفي حاضري الصلاة بعد خروج من خرج منهم، وفي البلد الذي تقام فيه الجمعة وغير ذلك بحث واسع النطاق، فمن أَراده فليرجع إِليه في القرطبي والآلوسي وغيرها من الموسوعات.
هل حضور الحاكم شرط في صحة الجمعة؟
في ذلك خلاف بين الأئمة، ففريق يقول بصحتها بغير إِذن الحاكم أَو حضوره، وقال أَبو حنيفة: منْ شرطها الإِمام أَو خليفته، ودليل الرأي الأَول أَن الوليد بن عقبة والي الكوفة أَبطأَ يومًا، فصلى ابن مسعود بالناس من غير إِذنه، وأَن عليًّا صلى الجمعة يوم حُوصِر عثمان ولم ينقل أَنه استأذنه، إِلى غير ذلك من الأَدلة، وفي ذلك يقول الإِمام مالك: إِن الله فرائض في أَرضه لا يُضَيِّعُهَا - ولِيهَا وال أَو لم يَليِها.
стр. 5048
القيام شرط في الخطبة
دلَّ قوله تعالى: (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) على أَن القيام شرط في أَداء خطبة الجمعة، وجاءَ في صحيح مسلم عن جابر أَن رسول الله ﷺ كان يخطب قائمًا ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، فمن نَبَّأَك أَنه كان يخطب جالسًا فقد كذب إلخ وعلى هذا الرأي جمهور الفقهاءِ.
وقال أَبو حنيفة: ليس القيام بشرط فيها، وهذا مخالف لظاهر النص (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) أَو الحديث الصحيح الذي مر ذكره.
أَحكام مختلفة
لا تصح الجمعة من غير خطبة، وهو قول الجمهور، وقال الحسن: هي مستحبة، وبه قال ابن الماجشون وسعيد بن جبير، ويرد هذا الرأي ظاهر قوله تعالى: (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا).
ومن السنة أَن يتكيءَ الخطيب على قوس أَو عصا، ففي سنن ابن ماجة بسنده (أَن رسول الله ﷺ كان إِذا خطب في الحرب خطب على قوس، وإِذا خطب في الجمعة خطب على عصا).
ويسلم الخطيب على الناس إِذا صعد على المنبر عند الشافعي وغيره، روى ابن ماجه بسنده (أَن النبي ﷺ كان إِذا صعد المنبر سلَّم).
ويجب في الخطبة أن تكون على طهارة عند الجمهور، وللشافعي قولان (أَحدهما) الوجوب في المذهب الجديد، ولم يشترط في المذهب القديم، وهو رأَي أَبي حنيفة.
стр. 5049
أَركان الخطبة:
الحنفية قالوا: للخطبة ركن واحد وهو مطلق الذكر الشامل للقليل والكثير، فتكفي تسبيحة أَو تحميدة أَو تهليلة، وإِن كره الاقتصار على ذلك.
والشافعية قالوا: أَركانها خمسة: الحمد لله: والصلاة على النبي ﷺ ، والوصية بالتقوى، وقراءة آية في إِحدي الخطبتين والأُولى أَولى، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات في الثانية.
والمالكية قالوا: لها ركن واحد وهو أَن تكون مشتملة على تحذير أو تبشير.
والحنابلة قالوا: كقول الشافعية فيما عدا الدعاء للمؤمنين والمؤمنات.
والسكوت للخطبة واجب على من سمعها ومن لم يسمعها؛ ليتمكن المصلي من الانتفاع بما جاءَ فيها، ومن تكلم حينئذ فقد لغا وأَتى بالباطل، ولا تفسد صلاته.
وفي الصحيح عن أَبي هريرة أَن النبي ﷺ قال: "إِذا قلت لصاحبك أَنصت يوم الجمعة فقد لَغْوتَ" يعني أَن الصمت مطلوب من جميع المصلين أَثناء الخطبة، من غير حاجة إِلى من ينبههم، ومن دخل المسجد يوم الجمعة والإِمام يخطب فلا يصلي، وهذا مذهب مالك، وبه قال ابن شهاب، وجاءَ في الموطأَ أَن خروج الإِمام من حجرته للخطبة يقطع صلاة المصلي، وكلامه يقطع الكلام، وقال الشافعي وغيره: لمن دخل المسجد والإِمام يخطب أَن يصلي ركعتين خفيفتين تحية المسجد قبل أَن يجلس، وحجتهم في ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر عن النبي ﷺ : "إذا جاءَ أَحدكم يوم الجمعة والإِمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما" أَي: يخفف في أَدائهما.
стр. 5050
سورة المنافقون
مدنية وآياتها إحدي عشرة آية
صلتها بما قبلها:
جاءَت هذه السورة بعد سورة الجمعة التي ذكر فيها المؤمنون؛ لأَنها تحكي أَحوال المنافقين الذين هم أَعداء المؤمنين، أَخرج سعيد بن منصور والطبراني في الأَوسط بسند حسن عن أَبي هريرة قال (كان رسول الله ﷺ يقرأَ في صلاة الجمعة سورة الجمعة فيحرض بها المؤمنين، وفي الثانية سورة المنافقون فيقرع بها المنافقين).
وقال أَبو حيان في مجيئها بعدها: لما كان سبب الانفضاض عن سماع الخطبة ربما كان حاصلًا من المنافقين، واتبعهم ناس كثير من المؤمنين في ذلك لسرورهم بالعير التي قدمت بالمِيرَة، إِذ كان الوقت وقت مجاعة، جاءَ ذكر المنافقين وما هم عليه من كراهة أَهل الإِيمان، وأَتبع قبائح أفعالهم بقبائح أَقوالهم.
مقاصد السورة:
اشتملت سورة (المُنافِقُونَ) على تكذيبهم في دعوى الإِيمان، وفي أَيْمَانِهم التي أَيدوا بها زعم إِيمَانهم، وما هم إِلا كافرون في الحقيقة صادون عن سبيل الله، وبينت أَنهم آمنوا ثم كفروا مُصِرِّين على كفرهم فطبع الله على قلوبهم وأَغلقها عن قبول الحق.
وبينت أَن مظهرهم يخالف مخبرهم، فإِن رأَيتهم أَعجبتك أَجسامهم وحسبت أَنهم أَهل نجدة وهمة وصدق، ولكنهم في الحقيقة جبناء يحسبون كل صيحة عليهم، فيجزعون لها، وبينت أَنهم هم العدو وحذرت الرسول ﷺ منهم، وبينت أَنهم لا يهمهم ما يثار ضدهم من ربهم من النفاق، فهم إِذا قيل لهم: تعالوا يستغفر لكم رسول الله ﷺ لووا رءوسهم واستكبروا، وذكرت أَن الله - تعالى - لن يغفر لهم نفاقهم، سواء استغفر لهم الرسول أَو لم يستغفر لهم، وبينت أَنهم الذين يقولون: (لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ حَتَّي يَنفَضُّوا) وأَنهم هم الذين يقولون: (لَئِن رَجَعْنا إِلَي الْمديِنَةِ لَيُخْرِجَنَّ
стр. 5051
الأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) وخُتمت السورة بنهي المؤمنين عن أَن تلهيهم أَموالهم وأَولادهم عن ذكر الله، وتحريضهم على أَن ينفقوا في سبيل الخير مما رزقهم الله، وأَن يعجلوا بذلك قبل أَن تأتيهم آجالهم فيندموا على عدم العمل لأَنفسهم قبل أَن يجيء أَجلهم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)﴾
المفردات:
(الْمُنَافِقُونَ): هم الذين كانوا يظهرون الإِيمان ويخفون الكفر منذ عهد رسول الله ﷺ .
(اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً): اتخذوها سترة لنفاقهم.
(فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ): فختم عليها بالكفر.
التفسير
١ - ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾:
стр. 5052
سبب نزولها كما رواه البخاري بسنده عن زيد بن أَرقم قال: كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن أبَيّ بن سلول يقول: "لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا" وقال: "لئن رجعنا إِلى المدينة ليخرجن الأَعز منها الأَذل" فذكرت ذلك لعمي، فذكره عمي لرسول الله ﷺ فأَرسل رسول الله ﷺ إِلى عبد الله بن أُبي وأَصحابه، فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله ﷺ وكذبني، فأَصابني همٌّ لم يصبني مثله فجلست في بيتي فأَنزل الله (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ) إِلى قوله (هُمُ الّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ) إِلى قوله (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) فأَرسل إِليَّ رسول الله ﷺ ثم قال: "إِن الله قد صدقك" أَخرجه الترمذي وقال: هذا حديث صحيح وقد رواه الترمذي عن زيد بن أَرقم برواية أُخرى، ومما جاءَ فيها أَنهم كانوا في إِحدي الغزوات، واختلف الأَنصار مع المنافقين لمنعهم الماءَ عن الأَنصار، فقال ابن أَبي ما قاله وهذه الرواية طويلة ومفصلة، وقد ذكرها القرطبي، فمن شاءَ قراءَتها فليرجع إِلى القرطبي وسواه، وحسب القاريء ما رواه البخاري ووافقه فيه الترمذي، وهو ما تقدم ذكره.
ويؤَخذ من ذلك أَن النفاق في الدين أَو في غيره مذموم، وقد جاءَ في الصحيحين عن أَبي هريرة أَن النبي ﷺ قال: "آيةُ المنافق ثلاث: إِذا حَدَّث كذَب، وإِذا وعَدَ أَخلَف، وإِذا ائتُمِن خَان" وعن عبد الله بن عمْرو أَن النبي ﷺ قال: "أَربعٌ مَن كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خَصلَةٌ منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعَهَا إذا ائتمن خان، وإِذا حدثَ كذب، وإِذا عاهدَ غدر، وإِذا خاصَم فَجرَ".
قال الحسن: إِنما هذا القول عن النبي ﷺ على سبيل الإِنذار للمسلمين، والتحذير لهم أَن يعتادوا هذه الخصال، شفقا أَن تفضي بهم إِلى النفاق، وليس المعنى أَن مَنْ بدرت منه هذه الخصال من غير اختيار واعتياد أَنه منافق.
ونحن نقول: إِن المقصود مما جاءَ في هذين الحديثين، أَن لا يتصفوا بهذه الصفات أَو بعضها، فإِنها شيمة المنافقين وسجاياهم، وهي لا تليق بالمؤمنين ولا بأَخلاقهم الرفيعة، فمن اتصف بهذه الخصال أَو ببعضها فهو منافق من جهة الخلق لا من جهة العقيدة ولهذا قال ﷺ "الْمُؤْمِنُ إِذَا حَدَّثَ صَدَقَ وَإِذَا وَعَدَ أَنْجَزَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ وَفَّى".
стр. 5053
ومعني الآية: إِذا جاءَكَ المُنَافقون - أَيها النبي - قالوا نعترف بأَنك رسول الله وتشهد بذلك، يريدون يشهادتهم هذه نفي النفاق عنهم، ودفعًا للشبه التي تحوم حولهم، والله يعلم إِنك لرسول الله كما قالوا بأَلسنتهم، والله يشهد إِن المنافقين لكاذبون في ادعاء إِيمانهم، وكاذبون في أَن شهادتهم بأَلسنة توافق ما انطوت عليه قلوبهم.
وقال الفراء: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ بضمائرهم، فالتكذيب راجع إِلى الضمائر.
وهذا يدل على أَن الإِيمان تصديق بالقلب، وعلى أَن الكلام الحقيقي هو كلام القلب، ومن قال شيئًا واعتقد خلافه فهو كاذب: أهـ.
وتلخيصًا لما قيل فيه نقول: إِن قولهم نشهد إِنك لرسول الله صادق من جهة الواقع وكاذب بالنسبة لما في قلوبهم التي لا تشهد بذلك، فهم بشهادتهم هذه يكذبون على قلوبهم التي لا تشهد بذلك لكفرهم.
٢ - ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢)﴾:
هذه الآية استئناف مبين لعادتهم في نفي الشبه عن أَنفسهم، حتى لا يؤاخذوا بقول أو عمل ضد المؤمنين ومن ذلك شهادتهم بأَنهم لم يقولوا ما نسب إِليهم، فالشهادة منهم في حكم اليمين، وقد أَفادت الآية أَن المنافقين اتخذوا أَيمانهم الكاذبة سترة ووقاية عما يتوجه إِليهم من المؤاخذة بالقتل أو السبي أَو غير ذلك قال قتادة: كلما ظهر عليهم ما يوجب مؤاخذتهم حلفوا كاذبين عصمة لأَموالهم ودمائهم، وقال الآلوسي: ويجوز أَن يراد بأَيمانهم شهادتهم السابقة والشهادة وأَفعال العلم واليقين أَجرتها العرب مجرى القسم، وتلقتها بما يتلقى به القسم، ويؤكد بها الكلام كما يؤكد به، فلهذا يطلق عليها اليمين، ونحن نقول: إِن الكلام السابق أَعم وأَشمل، فتدخل فيه الشهادة كسائر الأَيمان، فإِنهم لم يتخذوا الشهادة الكاذبة وحدها سترة لهم، بل جميع أَيمانهم.
стр. 5054
والمعنى الإِجمالي للآية: اتخذ المنافقون أَيمانهم الكاذبة سترة ووقاية لهم من العقاب الذي يقتضيه ما نسب إِليهم، فصدوا من أَراد الدخول في الإِسلام أَو فعل الطاعة مطلقًا أَو أَعرضوا (١) عن الإِيمان الذي هو السبيل إِلى الله، إِنهم قبح ما كانوا يعلمون من النفاق وآثاره.
٣ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)﴾:
ذلك الذي حدث من المنافقين ضد الإِسلام والمسلمين، حاصل بسبب أَنهم آمنوا باللِّسَان ثم ظهر كفرهم بالقلب وتبين بما علم من قولهم: إِن كان ما يقوله محمد حقًّا فنحن حمير وقولهم في غزوة تبوك: أَيطمع هذا الرجل أَن تفتح له قصور كسرى وقيصر وغير ذلك، وأَصروا على النفاق، فختم الله على قلوبهم وأَغلقها على الكفر، فهم لا يفقهون عظمة الإِسلام وآثاره الجليلة في الدنيا والآخرة، فلذلك نافقوا وضلوا عن سواء السبيل، والله أَعلم.
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾
المفردات:
(تُعْجِبُكَ): تروقك وتحسن في عينك.
(قَاتَلَهُمْ اللَّهُ): لعنهم وطردهم من رحمته.
(أَنَّى يُؤْفَكُونَ): كيف يصرفون عن الحق إِلى الباطل.
стр. 5055
التفسير:
٤ - ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ .. ﴾ الآية.
بعد أَن بين الله في الآيات السابقة أَن المنافقين لكاذبون؛ لأَنهم يقولون بأَلسنتهم ما ليس في قلوبهم حيث يضمرون الكفر ويظهرون الإِسلام، وأَنهم اتخذوا الحلف والقسم وقاية من قتل وسبي المسلمين لهم جزاءَ ما يظهر منهم، وهم مع ذلك قد منعوا غيرهم من الدخول في الإسلام ونفروهم منه وأَنهم قد بلغت أَفعالهم درجةً كبيرة من الإِساءَة يتعجب منها، وأَنهم انقلبوا ونكسوا على رءُوسهم فكفروا بعد إِيمان بعد ذلك أَبان الله بعض صفاتهم الخلقية والخلقية فقال: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) أَي: وإِذا نظرت إِلى هؤلاءِ المنافقين راقك منظرهم، واستحسنت هيأَتهم، وأَخذتك فصاحة أَلسنتهم وبلاغة حديثهم، وكان عبد الله بن أَبيّ رأس المنافقين في المدنية رجلًا جسيما صبيحًا فصيحا ذلق اللسان وقوم من المنافقين في مثل صفته، وكانوا يحضرون مجلس رسول الله ﷺ فيستندون فيه، ولهم جهارة المنظر وفصاحة الأَلسن فكان النبي ﵊ ومن حضر يعجبون بأَجسامهم ويسمعون إِلى كلامهم.
وفي قوله تعالى: (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) ما يدل على أَنهم في حقيقة أَمرهم لا ينتفع بهم، والشأَن فيهم أَنهم ببسط أَجسامهم وذرابة أَلسنتهم أَهل لأَن يذودوا عن الإِسلام، ويدافعوا عنه في ساحة الوغى وميادين القتال مع قدرتهم على بيان ما أَنزل الله على رسوله تبليغا لغيرهم ودعوة لسواهم إِلى الإِسلام، ولكنهم لما نافقوا كانوا كالخشب المسندة التي لا تؤدي وظيفتها وما تصلح له من عمل في سقف أَو جدار أَو باب أَو نافذة إِلى غير ذلك من مظان الانتفاع ثم هي فوق ذلك عبء على سواها؛ لأَنها تلقي بثقلها على ما تستند إِليه، وهم بذلك لا يسمعون ولا يعقلون أَشباح بلا أرواح وأَجسام بلا أَحلام (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) أَي: يظنون كل صوت عال واقع عليهم وضارٌّ بهم لجبنهم وهلعهم وللرعب والخوف الذي تمكن من قلوبهم فإِذا نادي مناد بصوت في العسكر إِبان الحرب أَو انقلتت دابة أَو أُنشد وطلب شيء قد ضاع من صاحبه ظنوا ذلك إِيقاعًا، وإِنزالًا للنكال بهم، وقيل: كانوا على
стр. 5056
وجل وخوف من أَن ينزل الله فيهم ما يهتك أَستارهم ويكشف نفاقهم ويبيح دماءَهم وأَموالهم لكفرهم ونفاقهم.
(هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) أَي: هم وحدهم الذين تناهوا في العدواة وبلغوا فيها مبلغًا كبيرًا فخذ حذرك منهم، ولا تغتر ولا تنخدع بإسلام ظاهرهم؛ لأَن أَعدى الأَعداء العدو المداجي (١) الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداءُ الدويّ. (قَاتَلَهُمْ اللَّهُ) هذا دعاءٌ عليهم بالطرد واللعن والإِبعاد من رحمته - تعالى - وهو أَيضا تعليم للمؤمنين أَن يدعوا عليهم بمثل ذلك شريطة أَلا يكون اللعن لكافر أَو منافق بذاته خشية أَن يكون ممن كتب الله لهم الإِيمان وختم به حياتهم (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) هذا تعجيب من جهلهم وسفاهتهم أَي: كيف يُصرفون عن الحق مع معرفتهم له وتحقيقهم منه وقال ابن عباس: (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) أَني يكذبون.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦)﴾
المفردات:
(يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ): يطلب لكم من الله الصفح عما بدر منكم من العصيان وفحش القول.
(لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ): أَمالوها تكبرًا وإِعراضًا أَو حركوها استهزاءً.
стр. 5057
(يَصُدُّونَ): يعرضون متكبرين، أو يمنعون سواهم.
(الْفَاسِقِينَ): الخارجين عن طاعة الله البالغين في الفسق غايته.
التفسير:
٥ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ … ﴾ الآية:
لَمَّا أَقسم رأس النفاق عبد الله بن أَبيّ بن سلول أَنه ما دعا قومه إِلى منع الإِنفاق على فقراءِ المسلمين حتى ينصرفوا عن رسول الله ﷺ ويرتدوا إِلى الكفر، وأَنه ما قال عند رجوعه إِلى المدينة: ليخرجنَّ الأَعز منها الأَذل، وقصد بالأَعز نفسه ومن على شاكلته من المنافقين، وعنى بالأَذل رسول الله ﵊ والمسلمين، وقال الحاضرون: يا رسول الله شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام عسى أَن يكون قَدْ وَهِمَ، وأَن رسول الله ﷺ قال لزيد بن أَرقم استيثاقا من كلامه (لَعلَّكَ غضبت عليه)؟ قال: لا قال: (فلعله أَخطأَ سمعك؟) قال لا قال: (فلعله شبه عليك)؟؟ قال لا فلما نزلت (إِذَا جَاءِكَ الْمُنَاِفقُونَ) لحق رسول الله ﷺ زيدًا من خلفه فعرك أَذنه قال: (وفت أُذنك يا غلام إِن الله صدقك وكذب المنافقين) قيل لعبد الله بن أَبي بن سلول: لقد نزلت فيك آي شداد فاذهب إِلى رسول الله ﷺ يستغفر لك فلوى رأسه ثم قال: أَمرتموني أَن أُومن فآمنت وأمرتموني أَن أَزكي مالي فزكيت فما بقي إِلَّا أَن أَسجد لمحمد فنزلت: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ … ) الآية:
والمعنى: وإِذا قيل لهذا المنافق وأَضرابه كالجد بن قيس، ومعتب بن قشير تعالوا وأَقبلوا تائبين متعذرين عما بدر منكم من سيء القول وسفيه الحديث - يطلب لكم رسول الله ﷺ من ربه - جلت قدرته - أَن يصفح ويعفو عنكم أَبوا وأَمالوا رءُوسهم إِعراضًا واستكبارًا أَو حركوه استهزاءً وسخرية (وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ) أَي: وأَبصرت منهم أَو علمت من أَمرهم إِعراضًا عن اتباعك ومنعًا وإِبعاد لسواهم عن ذلك، وختمت الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) للإِشعار بأَنهم لم يكرههم غيرهم ولم يجبرهم سواهم على ما فيه من كفر ونفاق وصدّ وإِعراض وإِنما كان حالهم وشأنهم أَنهم في أَنفه وعناد واستكبار.
стр. 5058
٦ - ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ … ﴾ الآية:
أَي: ما دام هذا شأنهم وحالهم فإِن استغفارك لهم وعدمه يستونان؛ لأَنهم لا يرغبون فيه ولا يلتفتون إِليه ولا يعتدون به أَو لأَن الله لا يغفر لهم (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) أَي لأَنه - سبحانه - لا يمنح هدايته وتوفيقه للقوم المغالين في الغش الخارجين عن دائرة الطاعة المنهمكين في أَنواع القبائح المتردين في حمأَة النفاق والشرك وهؤلاءِ قد بلغوا الغاية في ذلك وتربعوا على ذروتها وركبوا سنامها لذلك سبق في علم الله أَنهم يموتون فساقًا؛ لأَنهم اختاروا الفسق.
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾
المفردات:
(يَنْفَضُّوا): يتفرقوا ويتركوا الرسول.
(لا يَفْقَهُونَ): لا يفهمون ولا يفطنون.
стр. 5059
التفسير:
٧ - ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا … ﴾ الآية:
أَي: هؤُلاءِ الذين أَخبرك الله عنهم - يا محمد - أَنه لن يغفر لهم، ولن يصفح عنهم هم أُولئك الآثمون في قولهم المدعون أَن الأرزاق بأَيديهم، وأَن المنة لهم على فقراءِ المسلمين بالإِنفاق عليهم وأَنهم لو كفوا أَيديهم عن إِعطائهم جاعوا وتفرقوا عن رسول الله ﷺ وهم في زعمهم هذا واهمون، فما هذا هو شأن المسلمين؛ إِنهم بايعوا الرسول ﵊ على بذل النفس والنفيس بأَن لهم الجنة فكيف بهم يتفرقون عنه لعرض من أَعراض الدنيا؟ فضلًا على أَنه - سبحانه - رازقهم وقائم بأَسبابهم جميعا، فإِن خزائن السموات والأَرض ومفاتيح الرزق والمطر والنبات لله وحده لا شريك له فيها يعطيها من يشاءُ ويمنعها عمن يشاء لا مكره له ولا معقب لحكمه (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ) أَي: ولكن هؤلاء لا يفهمون ولا يفطنون لذلك فيهذون بما يزين لهم الشيطان وما تطوع لهم أَنفسهم من مختلف القول وسقط الكلام.
٨ - ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾:
أَي: يقول عبد الله بن أُبي رأس النفاق ومن معه عند العودة من غزوة بني المصطلق: والله لئن عدنا إِلى المدينة - لا يكون فيها مقام ولا مأوى لأُولئك المهاجرين الذين ضممناهم وآويناهم وأَطعمناهم فتطاولوا علينا ونالوا منا وهم في غربة وفقر وليس لهم ما يمنعهم منا فلنخرجنهم من ديارنا فنحن الأَعز وهم الأذل.
(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) أَي: ولله الغلبة والقوة ولمن أَعزه الله وأَيده من رسوله ومن المؤمنين، وعزهم كان بنصرته - تعالى - إِيَّاهم وإِظهار دينهم على سائر الأَديان.
(وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) ولو علموا ذلك ما قالوا مقالتهم هذه. قال صاحب الكشاف في قوله تعالى (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) وهم الأَخصاءُ بذلك كما أَن المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين، وعن الحسن بن علي ﵄ أَن رجلًا قال له: إن الناس يزعمون أَن فيك تيها (كبرا) فقال: ليس بتيه ولكنه عزة، فإِن هذا العز الذي لا ذل معه والغنى الذي لا فقر معه وتلا هذه الآية. قال بعض العارفين
стр. 5060
في تحقيق هذا المعنى: العزة غير الكبر، ولا يحل للمؤمن أَن يذل نفسه؛ فالعزة معرفة الإِنسان بحقيقة نفسه وإِكرامه عن أَن يضعها لأَمور عاجلة دنيوية، كما أَن الكبر جهل الإِنسان بنفسه وإنزالها فوق منزلتها، فالعزة تشبه الكبر من حيث الصورة وتختلف من حيث الحقيقة كاشتباه التواضع بالضعة، والتواضع محمود، والضعة مذمومة، والكبر مذموم والعزة محمودة.
فإِن قيل: قال تعالى في الآية الأُولى: (لا يَفْقَهُونَ) وفي الآية الأُخرى: (لا يَعْلَمُونَ) فما الحكمة فيه؟ فنقول: ليعلم بالأَول (لا يَفْقَهُونَ) قلة كياستهم وفهمهم، وبالثاني (لا يَعْلَمُونَ) كثرة حماقتهم وجهلهم. (١)
قيل: عند العودة من غزوة بني المصطفي أَراد عبد الله بن أُبي بن سلول أَن يدخل المدينة فاعترضه ابنه حباب وهو عبد الله بن (٢) عبد الله بن أُبي - وكان مخلصا فقال لوالده: وراءَك لا تدخلها حتى تقول: رسول الله الأَعز وأَنا الأَذَل فلم يزل حبيسا في يده حتى أَمره رسول الله ﷺ بتخليته، وروي أَنه قال لوالده: لئن لم تُقِر لله ولرسوله بالعزة لأَضربن عنقك فقال: ويحك أَفاعل أَنت؟ قال: نعم فلما رأَى منه الجد قال: أَشهد أَن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين فقال رسول الله ﷺ لابنه: (جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرا).
стр. 5061
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾
المفردات:
(لا تُلْهِكُمْ): لا يشغلكم الاهتمام بها.
(لَوْلا): هلا والمراد بها هنا التمني.
التفسير:
٩ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ … ﴾ الآية.
حذر الله المؤمنين أَن يتخلقُوا بأَخلاق المنافقين فنهاهم بقوله - سبحانه -: (لا تُلْهِكُمْ أموالكم) أَي: لا تشغلكم أَمولكم بالسعي في تدبير أَمرها والتهالك على طلب النماءِ فيها بالتجارة أَو العمل على زيادة غلتها، والتلذذ بها والاستمتاع بمنافعها. (وَلا أَوْلادُكُمْ) وذلك بفرط السرور بهم، وشدة الشفقة عليهم والقيام بما يصلحهم في أَمر معاشهم في حياتكم وبعد مماتكم وقد عرفتم - أَيها المؤمنون - قدر منفعة الأَموال والأَولاد في جنب ما عند الله لا يشغلكم ذلك (عن ذِكْرِ اللهِ) وأَداءِ ما طلبه رب العزة، منكم، ولتعلموا أَن لكلٍّ حقًّا، والمؤمن الكيس من يؤدي كل ذي حق حقه دون حيف أَو تفريط. (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ)
стр. 5062
أَي: اللَّهو بها عن ذكر الله (فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ) أَي: فهؤلاء هم الذين أَوغلوا في الضياع وتناهوا في الخسران حتى كأَنه لا خسران إِلا فيهم وذلك لأَنهم باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني.
١٠ - ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾:
بعد أَن نهى الله المؤمنين عن التلهي والاغترار بالمال والولد أَمرهم - جل شأنه - أن يتحلوا ويتزينوا بالطاعة وذلك بإِنفاق بعض ما أَفاءَ الله عليهم ورزقهم به في سبيله - سبحانه - فكان الأَمر - كما يقولون - التخلية قبل التحلية أَي: التبري والتطهر من الذنب أَولًا ثم فعل الطاعات بعد ذلك على نقاءِ قلب وطهارة سريرة؛ ليكون ذلك أَرجى في القبول لدى الله، أَي: ابذلوا وأَعطوا من أَموالكم قبل أَن يشارف أَحدكم الموت ويرى دلائله وأَماراته فيكون منه أَن يتمنى أَن يرجيء الله أَجله ويؤخر حيْنَهُ إِلى أَمد قريب وأَجل قصير كي يتصدق، ويكون من الصالحين الأَتقياء.
وعن ابن عباس: تصدقوا قبل أَن ينزل عليكم سلطان الموت فلا تقبل توبة ولا ينفع عمل.
١١ - ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾:
ولكن أَنَّى له ذلك وكيف يتحقق ما يتمناه والله العلي القدير يقول: ﴿وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١).
أَي: ولن يمهل الله نفسًا حان أَجلها وانتهى الزمان الذي حدد الله لها من أَول العمر - إلى آخره.
стр. 5063
(وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) أَي: عالم ببواطن أُموركم أَو خبير بمعنى مخبر أَي: يخبركم وينبئكم بما تعملونه ويجازيكم عليه.
قال الفخر الرازي: فقوله: (لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ) تنبيه على الذكر قبل الموت، (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ) تنبيه على الشكر لذلك، وقوله تعالى: (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) أَي: لو رُدّ إِلى الدنيا ما زكى ولا حج ويكون ذلك كقوله: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ) (١).
стр. 5064
سورة التغابن
هذه السورة الكريمة مدنية وآياتها ثماني عشرة آية
وسميت بهذا الاسم لورود كلمة التغابن في الآية التاسعة منها
مناسبتها لما قبلها:
أَن الله - سبحانه - ذكر في السورة التي قبلها حال المنافقين، وكذبهم في أَيمانهم واستكبارهم على الله ورسوله، وتهديدهم المؤمنين بمنع الإِنفاق عليهم وإِخراجهم من المدينة وفي سورتنا هذه قسَّم الناس إِلى مؤمن وكافر، وأَيضًا فقد جاءَ في سورة (الْمُنَافِقُونَ) قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ) وذكر هنا قوله تعالى -: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) فجاءَت هذه الآية الأَخيرة كالتعليل للآية السابقة؛ فالمناسبة بين السورتين والارتباط بينهما واضح وبيِّن.
بعض مقاصد هذه السورة:
١ - أَكدت أَنه جل شأَنه - هو صاحب الملك، وأَنه وحده المستحق للحمد.
٢ - وجاءَت مبينة آثار عظمة الله وقدرته في خلقه.
٣ - وقسمت الإِنسان إِلى مؤمن بربه وكافر به.
٤ - ولفتت نظر الكافرين إِلى مصير أَمثالهم من الأمم السابقة، وما حل بهم في الدنيا من الوبال والدمار، وأَنهم في الآخرة سيلقون جزاء عملهم في النار خالدين فيها، كل ذلك بسبب كفرهم وعنادهم.
٥ - وأَمرت بطاعة الله ورسوله وبينت أَن الرسول ليس عليه تبعة أَعمالهم (فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ).
٦ - وحذرت من طاعة بعض الأَزواج والأَولاد لعداوتهم حيث يحولون بينهم وبين عمل الخير، وقد يدفعونهم إِلى الشر والباطل مع بيان أَن الصفح والعفو والغفران عنهم أَولى وأَفضل (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
стр. 5065
٧ - وأَمرت السورة الكريمة بالتقوى جهد الطاقة، والبذل في سبيل الله إِذ أَنه وقاية من الشح والحرص: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾
المفردات:
(يُسَبِّحُ): يقدس وينزه.
(وَصَوَّرَكُمْ): وخلقكم وبرأكم على صور وهيئات شتى يتميز بها كل واحد عن سواه.
(الْمَصِيرُ): المرجع والمآل.
(ذَاتِ الصُّدُورِ): ما انطوى واستتر فيها.
التفسير
١ - ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾:
أَي: ينزه الله تعالى - ويقدسه كل مخلوقاته عمَّا لا يليق به من كل نقص لا يتفق
стр. 5066
وجلاله تنزيهًا مستمرًّا يتجدد كلما نظروا في بديع صنعه وعظيم فعله، وله لا لغيره - جلت قدرته - الملك قديمًا بلا ابتداء وأَبدًا بلا انتهاء فهو - سبحانه - المبدئ لكل شيء القائم به المهيمن عليه، أَما ملك غير فهو حادث وطاريء ومنتقل لا يدوم وهو في الحقيقة عطاءُ الله وفضله وتسليط منه واستخلاف.
وهو - تعالت عظمته - وحده المستحق للحمد؛ لأَنه هو المعطي لأُصول النعم وفروعها، أَما حمد غيره - تبارك ربنا وتعالى - فلجريان إِنعامه على يديه، وهو - سبحانه - قدير مقتدر على كل شيء دق أَو عظم فليس بعض الأمور أَيسر عليه من غيره؛ فالكل في قبضته ووفق إِرادته لا يعجزه أَمر عن أَمر ولا يشغله شأن عن شأن.
والتسبيح والتقديس يكون بهيآت المخلوقات وأَشكالها البديعة التي تدل على كمال تصويره وعظيم خلقه - سبحانه - أَو بلسانهم ونطقهم: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (١).
٢ - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾:
هذا بيان لبعض آثار قدرته الشاملة الغامرة، أَي: هو الذي أَوجدكم كما شاءَ على فطرة سليمة وطريقة سوية مستقيمة يشير إِلى ذلك قوله ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة فأَبواه يهودانه أَو ينصرانه أَو يمجسانه).
(فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) أَي: فبعضكم مختار للكفر بالله وبنعمة ومقبل على الإِلحاد راض به وذلك يكون منه انتقاضا وخروجا وتمردا على الفطرة التي فطره الله عليها، وبعضكم مختار للإِيمان به - سبحانه - ينشرح به صدره ويطمئن قلبه وهذا من المؤمن استجابة لفطرة الله وخلقته وإِذعانا لمشيئته.
وفي الحق إِن كلًّا من كفر الكافر وإِيمان المؤمن بإِرادته - جل شأنه - فلا مكره له إِذ هو الخالق والموجد لكل شيءٍ، وقال تعالى: (ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
стр. 5067
فَاعْبُدُوهُ) (١) ولكونه - جلت قدرته - عليمًا بما خلق فقد كتب على كلٍّ ما تختار، وتميل إِليه نفسه إِذ هو أَحكم الحاكمين (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (٢) فلا يكره أَحدًا على أَمر ويعاقبه عليه (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أَي: وهو - سبحانه - بأَعمال خلقه عليم علمًا تامًّا محيطًا لا يعتريه قصور ولا تشوبه شائبة من نقص؛ بل يجازي كلًّا بما يناسب ما قدّم في دنياه إِن خيرًا فخير وإِن شرًا فشر، وقدم الكافر على المؤمن لكثرة الكافرين وقلة المؤمنين قال تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (٣).
٣ - ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾:
أَي: أَوجد السموات والأَرض جميعا بما فيهن ما ظهر لنا وبدا وما بطن وخفي، خلقها بالحكمة العظيمة والغرض الصحيح المتضمن للمصالح الدينية والدنيوية.
(وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) أَي: برأَكم وأَخراجكم في أَحسن تقويم وأَجمل تركيب وشكلكم على صور شتى يتميز بها كل مخلوق عمن سواه، وأودع فيكم القوى والقدر والمشاعر الظاهرة والباطنة التي تتعلق وتناط بها جميع الكمالات البارزة والكامنة، وزينكم بخلال وصفات جميل مصنوعاته، وخصكم بخلاصة خصائص مبدعاته، وجعلكم أَنموذج جميع مخلوقاته في هذه النشأة، [وقد ذكر بعض المحققين: أَن الإِنسان جامع بين العالم العلوي والسفلي وذلك لروحه التي هي من عالم المجردات، وبدنه الذي هو من عالم الماديات].
وخص بعضهم الصورة بالشكل المدرك بالعين فكل ما يشاهد من الصور الإِنسانية حسن، ولكنَّ الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب.
فلا نحطاط بعضها ونزوله عن مراتبٍ ما فوقها انحاطًا بينًا، وإِضافتها إِلى الموفي عليها
стр. 5068
والأَفضل منها قد لا تستلمح، وإِلا فهي داخلة في حيز الحسن غير خارجة عن حدّه أَلا ترى أَنك قد تعجب بصورة وتستملحها ولا ترى الدنيا بها، ثم ترى أَملح منها وأَعلى في مراتب الحسن، فينبو عن الأُولي طرفك وبصرك وتستثقل النظر إِليها بعد افتتانك بها وتهالكك عليها.
قالت الحكماءُ: شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان (١):
قال القرطبي: فإِن قيل: كيف أَحسن صورهم؟ قيل له: جعلهم أَحسن الحيوان كله وأَبهاه صورة بدليل أَن الإِنسان لا يتمنى أَن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومن حسن صورته أَنه خلق منتصبًا غير منكب.
(وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) أَي: إِليه وحده لا إِلى غيره استقلالا أَو اشتراكًا يكون مرجعكم ومآلكم فاصرفوا ووجهوا ما حباكم ربكم من النعم وآثركم به إِلى ما خلقت تلك النعم له كما أَمركم بذلك ولا تتخذوها عونًا على معصية الله حتى لا تتعرضوا لعذابه في الآخرة، وحتى لا يزيل الله حسنكم ويمحو جمال صوركم.
٤ - ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾:
أَي: يعلم - سبحانه - كل ما في السموات والأَرض من الأَمور الكلية والجزئية الجلية الواضحة والخفية المكنونة يعلمها - عزت قدرته - علمًا تامًّا محيطًا في كل أَطوارها وأَحوالها ولا يعزب عنه مثقال ذرة فيهما ولا في غيرهما مما استأثر الله بعلمه ولم يُطلع عليه أَحدًا من خلقه، كما يعلم - تعالى - ما يشتمل عليه كونه مما نراه من أَجرام ومجرات وغيرها وما بداخل الإِنسان نفسه وقد عجز عن إِدراك كنهه والوقوف على حقيقته، ويعلم ما يسر به الإِنسان إِلى غيره ويناجيه به (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) (٢) ويعلم ويحيط
стр. 5069
بما يعلنه أَي إِنسان قبل أَن يفضي ويلعنه كما علمه بعد أَن أَبانه وأَظهره (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)
أَي: بما يتردد وتنطوي عليه الصدور وما تتحدث به النفوس وما هو مضمر ومخزون في طيات القلوب.
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾
المفردات:
(وَبَالَ): عقوبة ونكال.
التفسير
٥ - ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥)﴾:
الخطاب هنا لأَهل مكة والاستفهام في قوله تعالى: (أَلَمْ يَاتِكُمْ) للتقرير أَي: أَنه - ولا شك - قد أَتاكم خبر وشأن من كان قبلكم من الأُمم التي كذبت برسلها كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم فكانت عاقبة أَمرهم ونهاية حالهم أَنهم نالوا ضررًا ثقيلًا وخيمًا من غير مهلة ولا إِرجاء جزاء ما أَحدثوه من أَمر هائل وجناية عظيمة، وهو كفرهم الذي أَصروا عليه، وكان عقابهم في الدنيا الصيحة والرجفة والخسف والإِغراق وغير ذلك قال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١).
стр. 5070
ولهم في الآخرة مع هذا الخزي والنكال عذاب عظيم الإِيلام لهم شديد الوقع عليهم.
٦ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ … ﴾ الخ.
أَي: هذا العذاب والتنكيل الذي ذاقوه ونالوه في الدنيا وما سيلقَونه وينزل بهم في الآخرة بسبب أَنه كانت تأتيهم رسلنا إِليهم بالمعجزات الباهرات والدلائل الواضحات (فَقَالُوا). مستهزئين بأَنبيائهم ساخرين منهم أَو متعجبين منكرين: (أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا) أَي: أَيرشدنا ويدلنا بشر من جنسنا، أَنكروا أَن يكون الرسول بشرًا ولم ينكروا أَن يكون الإِله حجرًا (فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا) أَي: فأَسرعوا وبادروا إِلى الكفر دون تدبر ولا رويَّة وأَعرضوا وأَوغلوا في البعد عن التأَمل والتفكر فيما جاءَهم به الرسل من الآيات البينات (وَاسْتَغْنَى اللَّهُ) أَي: أَظهر الله غناهم عن إيمانهم وعن طاعتهم حيث لم يلجئهم إِلى ذلك ولم يضطرهم إليه مع قدرته - سبحانه - على ذلك بل أَهلكهم وقطع دابرهم واستأَصل شأفتهم (وَاللَّهُ غَنِيٌّ) أَزلًا وأَبدًا غير محتاج إِلى أَحد من خلقه فضلا عن إِيمانهم وطاعتهم فهو - سبحانه - قائم بذاته وقائم بأَسباب مخلوقاته وهو القاهر فوق عباده (حميد) أَي: يحمده ويثني عليه كل مخلوق بلسان حاله أَو مقاله (ففي كل شيء له آية تدل على أَنَّهُ الواحد) أَو هو - سبحانه - حقيق بالحمد مستحق له وإِن لم يحمده - جل شأنه - حامد.
وفي تذييل الآية الكريمة، بهذه الفقرة ما يشير إِلى أَنه - تعالى - لم يطرأ عليه الاستغناء عن خلقه بل هو - جل شأنه - قديم الغنى أَبدي الاستغناء عنهم حيث كان، ولم يكن شيء معه.
أَي: ادّعى هؤلاءِ الكفار دون دليل، وقالوا من غير حجة ولا برهان أَنهم لن يبعثوا من قبورهم ولن تكون لهم حياة أُخري بعد موتهم، وقد حكى القرآن الكريم قولهم فقال تعالى: (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (١) فقولهم باطل وإِدعاؤُهم كذب وافتراء وقد جاءَ في الأَثر (زعموا مطية الكذب) وقال شريح: لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا و (بَلَى) حرف جواب إِثبات لما بعد (لَنْ) أَي: ليس الأَمر كما زعمتم وأَقسم بربي لتخرجن قبوركم أَحياءَ ولتنشرن، ثم بعد البعث والنشور ينبئكم الله ويخبركم بما كنتم تعلمون وذلك الإِخبار إِما عن طريق الملائكة من الله أَو بما ترونه مسطورًا في كتبكم التي تأخذونها بشمائلكم ومن وراءِ ظهوركم، وتقولون عند ذلك: (يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا) (٢) ولتحاسبن وتجزون بأَعمالكم (وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) أَي: وأَمر كذلك الذي يحدث يوم القيامةِ من البعث والجزاء هين على الله؛ لتحقيق قدرته - سبحانه - على ذلك؛ فلا يصرفه عنه صارف ولا يحول دونه حائل.
٨ - ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾:
بعد أَن تبين لكم واستقر في نفوسكم ووعته قلوبكم - وإِن كنتم تجحدونه عنادًا واستكبارا - أَن ما أَتى به الرسول ﷺ وما يخبر به صدق وحق لا مرية فيه. فأَولى بكم وأَجدر أَن تسارعوا وتبادروا بالإِيمان بالله - ربًّا وبمحمد ﵊ رسولًا، وبالقرآن الذي أَنزلناه كتابًا هاديًا ومرشدًا وسراجًا منيرًا وفي تسمية القرآن نورًا ما يوميء ويوحي بأَن الكافر به قد عمي قلبه، وختم الله على سمعه وبصره وصار كالأَنعام بل هو أَضل، وسمي بذلك أَيضا؛ لأَنه بإِعجاز بين بنفسه مبين لغيره كما أَن النور كذلك (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) أَي وهو - جلت قدرته - بالذي تعلمونه من بواطن أَموركم مهما بالغتم في إِخفائه وأَعملتم الحيل في ستره هو - سبحانه - علم به علمًا كاملا تامًّا لا تخفى عليه خافية، وقيل: خبير بمعنى مخبر أَي: يخبركم وينبئكم بما حدث منكم في الدنيا ويحاسبكم عليه وعلى هذا يكون كالتأكيد لقوله تعالى في الآية السابقة: (ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ).
стр. 5073
٩ - ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ … ﴾ الآية.
المراد بيوم الجمع يوم القيامة، وهو ظرف والعامل فيه قوله (لَتُنَبَّؤُنَّ) أَي: والله لتنبؤن وتخبرن بما عملتم يوم يجمع الله فيه الأَولين والآخرين؛ ليحاسب كلًّا على ما قدم من خير أَو شر (ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) أَي يوم القيامة هو يوم التغابن على الحقيقة؛ لأَنه لا يستدرك أَبدًا أَما تغابن الدنيا فهو زائل وإِن جل وعظم، وتغابن السعداء يوم القيامة على الزيادة في الإِحسان وتغابن الكفار يظهر بترك الإِيمان قال النبي ﷺ : "ما من أَحد يموت إِلا ندم، قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟ قال: إِن كان محسنًا ندم أَن لا يكون ازداد، وإِن كان مسيئا ندم أَن لا يكون نزع" رواه الترمذي عن أَبي هريرة (١).
وقيل التغابن ليس على الحقيقة؛ أَخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أَنهم قالوا يوم غبن فيه أَهلُ الجنة أَهلَ النار فالتفاعل فيه ليس على ظاهره كما في التواضع والتحامل لوقوعه من جانب واحد اختير للمبالغة وهو أَمر واضح إِذ ليس هناك غبن ولا بخس ولا نقص من جانب أَهل النار لأَهل الجنة، وقال بعضهم: يوم غبن فيه بعض الناس بعضًا بنزول السعداءِ منازل الأَشقياءِ لو كانوا سعداء وبالعكس ففي الصحيح عن رسول الله ﷺ (ما من عبد يدخل الجنة إِلا أُري مقعده من النار لو أَساءَ ليزداد شكرًا وما من عبد يدخل الناَر إِلا أُري مقعدة من الجنة لو أَحسن ليزداد حسرة) وهو مستعار من تغابن القوم في التجارة إِذا غلب ونقص بعضهم بعضًا، وفيه تهكم بالأَشقياءِ لأَنهم لا يغلبون ولا يغبنون السعداء بنزولهم منازل الأَشقياء في النار (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) هذا وعد من الله لمن يؤمن به - سبحانه - وتنطق جوارحهم بالعمل الصالح والكلم الطيب بأن الله يغفر ذنوبهم ويمحو زلاتهم ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأَنهار مخلدين
стр. 5074
وباقينَ فيها أَبدًا لا ينفكون عنها ولا يزايلونها، وبأَن لهم - قوله الحق، بأَن ما سيلقونه في الآخرة من النعيم في الجنة هو الفوز والظفر العظيم والغُنْم العميم الذي لا فوز ولا مغنم وراءَه إِذ فيه النجاة من النار وهي أَعظم المهلكات.
هذا مع الظفر بالجنة وهي أَجل الرغبات ومنتهى السعادات قال تعالى: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) (١).
وهذا الجزء من الآية الكريمة يفتح باب الرجاءِ أَمام الكافرين حيث يبين لهم أَن رحمة الله عظيمة رحيبة تتسع وتشمل كل من يقبل عليه سبحانه مؤْمنًا به وقد قرن إِيمانه وبرهن عليه بالعمل الطيب والفعل الحسن.
١٠ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾:
بعد أَن بين جزاءَ المؤمنين الصالحين أَتبعه بمآل الكافرين المكذبين؛ ليكون الناس على بصيرة من أَمرهم؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، وحتى لا تكون لهم على الله حُجة، أَي: والذين جحدوا وأَنكروا وجود الله المتفرد بالوحدانية والذي ليس كمثله شيءٌ، وكذبوا رسوله فيما جاءَ به من عند ربه من آيات واضحات ومعجزات باهرات أُولئك الذين تلازمهم النَّار وتصاحبهم لا يجدون عنها فكاكا ولا منها مخرجًا ولا مخلصًا.
(وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أَي: وقبح وساءَ المرجع: والمآل مصيرهم ونهاية أمرهم وأَي: مرجع أَشد سوءا من أَن تكون الجحيم هي المأوى؟
стр. 5075
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾
التفسير:
١١ - ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾:
قيل في سبب نزول هذه الآية الكريمة: إِن الكفار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقًّا لصانهم الله من مصائب الدنيا، فبين الله - تعالى - أَن ما أَصاب من مصيبة في نفس أَو مال أَو قول أَو فعل يقتضي همًّا أَو يوجب عقابًا عاجلا أَو آجلا فبعلم الله وقضائه.
(وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) أَي: ومن يصدق ويعلم أَنه لا مصيبة إِلا بإِذن الله وإرادته يثبت قلبه على الإِيمان ويقول عند نزول المصيبة: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) وقال ابن عباس: هو أَن يجعل الله في قلبه اليقين؛ ليعلم أَن ما أَصابه لم يكن ليخطئه، وما أَخطأَه لم يكن ليصيبه، وقال الكلبي: هو إِذا ابتلي صبر، وإِذا أَنعم عليه شكر، وإِذا ظلم غفر (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أَي فهو - سبحانه - بكل شيءٍ عظم وظهر أَو خفي ودق محيط وعالم علمًا تامًّا فلا يخفى عليه تسليم من أَذعن ورضي وانقاد لأَمره - تعالى - ولا سخط ولا كراهة من غضب وتمرد على قضائه وقدره.
١٢ - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢)﴾:
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) أي: انقادوا لما طلبه ربكم منكم فأتمروا بأَمره وانتهوا عما نهاكم عنه وأَطيعوا رسوله ﷺ فخذوا ما آتاكم به من عند الله واتقوا ما خوفكم
стр. 5076
منه احذروا أَن تخالفوا عن أَمره أَو أَن تتركوا سبيله ونهجه (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ): أَي: فإِن أَعرضتم وأَدبرتم وتركم الإصغاءَ له والائتمار بأَمره فليس هذا بضارِّ الرسول شيئًا؛ فلا تناله تبعة إِعراضكم، ولا ينقص ذلك من منزلته وجزائه لدى ربه، إذ هو غير مكلف بهدايتكم ولا هو مسيطر عليكم ولا يملك إِسعادكم، وإِنما ضرر التولي والإِعراض عائد وراجع عليكم فليس على رسولنا الذي اصطفيناه واخترناه إلا أَن يرشدكم ويدلكم على الصراط المستقيم وذلك بأَن يبلغكم رسالتنا تبليغًا بينًا واضحًا ولا يكتم منها شيئًا وهو ﷺ قد بلَّغ الرسالة وأَدى الأَمانة فجزاه الله عن أُمته خيرا.
١٣ - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾:
(اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ) أَي الله وحده هو الإله الذي لا معبود بحق سواه وكل ما خلاه باطل ومعبوداتكم كلها مخلوقة ومربوبة له - سبحانه - ولا تضر ولا تنفع (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أَي: وعلى الله وحده دون غيره لا استقلالا ولا اشتراكًا، يعتمد ويلتجيءُ المؤمنون في جميع شئونهم: لأَنه - تعالى - هو وحده القادر على عونهم والقيوم بأمورهم كلها، وليس لغيره من أَربابكم وآلهتكم المزعومة ولا لسواها شيءٌ من ذلك.
قال الصاوي: وهو تحريض وحث النبي ﷺ على التوكل على الله والالتجاءِ إِليه، وفيه تعليم للأُمة ذلك بأَن يلتجئوا إِلى الله ويثقوا بنصره وتأييده.
وفي هذه الآية إِيماء إِلى أَن من لم يتوكل على الله فليس بمؤمن.
стр. 5077
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾
المفردات:
(فَاحْذَرُوهُمْ): فكونوا منهم على حذر ولا تطيعوهم.
(تَعْفُوا): تتركوا العقوبة.
(تَصْفَحُوا): تعرضوا عن التعبير والتأنيب.
(تَغْفِرُوا): تستروا ذنوبهم وإِساءاتهم.
(فِتْنَة): ابتلاء واختبار.
(وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ): ومن يكن في وقاية وحفظ من البخل والحرص.
(إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا): إِن تبذلوا أَموالكم ابتغاءَ وجه الله.
(شَكُورٌ): عظيم الفضل والإِحسان بإِعطاءِ الجزيل على القليل.
стр. 5078
التفسير
١٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾:
أَخرج الترمذي والحاكم وصححاه وابن جرير عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في قوم من أَهل مكة أَسلموا وأَرادوا أَن يأتوا النبي ﷺ فأَبى أَزواجهم وأَولادهم أَن يدعُوهم فلما أَتوا رسول الله ﵊ فرأَوا الناس قد فقهوا في دينهم هَمُّوا أَن يعاقبوهم فأَنزل الله الآية وفي رواية أُخرى عنه أَنه قال: "كان الرجل يريد الهجرة فيحبسه امرأَته وولده فيقول: أَما والله لئن جمع الله بيني وبينكم في دار الهجرة لأَفعلن ولأَفعلن فجمع الله بينهم في دار الهجرة فأَنزل الله - تعالى - الآية.
وهذا وإِن كان سبب نزول تلك الآية فالعبرة بعموم لفظها لا بخصوص سببها؛ فتشمل كل زوج وولد يلحق الضرر بزوجه أَو بوالده، وهذا ولا نزال نسمع ونرى من الأَزواج أَزواجًا يعادين بعولتهن ويخاصمنهم، ويجلبن عليهم الشر والضرر، ومن الأَولاد أولادا يعادون آباءَهم ويعقونهم ويجرعونهم الغصص والأَذى، وكما أَن الرجل يكون له ولده وزوجة عدوًا كذلك المرأة يكون لها زوجها وولدها عدوًا بهذا المعنى بعينه وقيل: إِن عدواتهم من حيث أَنهم قد تحملهم مودتهم والحرص عليهم على السعي في اكتساب الحرام وارتكاب الآثام لمنفعة الأَزواج والأَولاد إِلى ذلك قوله ﷺ : (يأتي زمان على أُمتي يكون فيه هلاك الرجل على يد زوجه وولده يعيرانه بالفقر فيركب مراكب السوء فيهلك (فَاحْذَرُوهُمْ) أَي: كونُوا منهم على حذر ولا تأمنوا غوائلهم وشرورهم (وَإِنْ تَعْفُوا) عن ذنوبهم وتتجاوزوا عن سيئاتهم التي تقبل العفو بأَن تكون متصلة ومتعلقة بأُمور الدنيا كإضاعة المال ونحوه، أَو مرتبطة بأُمور الدين كالعقوق وسوء العشرة وترك مأمور به أَو فعل منهي عنه ولكن أَعقبتها التوبة والعفو يكون بترك العقوبة (وَتَصْفَحُوا) أَي: تعرضوا عن هذه الخطايا بترك التعيير بها والتأنيب والتثريب عليها (وَتَغْفِرُوا) أَي: تستروها بإِخفائها وتغطيتها تمهيدًا لنسيانها حتى لا يؤدي التذكير بها إلى العودة إِليها والتمادي فيها (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
стр. 5079
رَحِيمٌ) المراد أَنه يعاملكم بمثل ما عاملتم ويتفضل عليكم فإنه عظيم الغفران واسع الرحمة، واستدل بعضهم بهذه الآية على أَنه لا ينبغي للرجل أَن يحقد على زوجة وولده إِذا أَلحقوا به ضررًا أَو جنوْا معه جناية وأَن لا يدعو عليهم.
١٥ - ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾:
(إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ): أَي: ما أَموالكم ولا أَولادكم إِلا بلاء واختبار لكم قد يحملكم ويدفعكم إِلى كسب المحرم ومنع حق الله، يوقعكم في الإِثم والشدائد والمصائب الدنيوية فلا تطيعوهم في معصية الله.
وقال ابن مسعود: لا يقولن أَحدكم اللهم اعصمني من الفتنة فإِنه ليس أَحد منكم يرجع إِلى مال وأَهل وولد إِلا وهو مشتمل على فتنة ولكن ليقل: اللهم إِني أَعوذ بك من مضلات الفتن، وقال الحسن في قوله تعالى: (إِن مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ) أَدخل من للتبعيض؛ لأَن كلهم ليسوا أعداء ولم يذكر من في قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ)؛ لأَنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما.
روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريدة عن أَبيه قال: (رأَيت النبي ﷺ يخطب فجاءَ الحسن والحسين ﵄ وعليهما قميصان أَحمران يمشيان ويعثران فنزل النبي ﷺ فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال: "صدق الله" (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) نظرت إِلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أَصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما ثم أَخذ في خطبته).
وقدمت الأَموال في الآية الكريمة؛ لأَنها أَعظم فتنة قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لِيَطْغَي أَن رَآهُ اسْتَغْنَى) (١). وأَخرج الإِمام أَحمد وغيره وصححه الحاكم عن كعب بن فياض قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إِن لكل أُمة فتنة وإِن فتنة أَمتي المال) (وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) أَي: وعند الله في الدنيا والآخرة ثواب جزيل وعطاء عظيم لمن آثر محبة الله
стр. 5080
ومرضاته على محبة الأَموال والأَولاد، وقدم طاعة الله على السعي والكد فيما يعود على أَولاده بالجاه والمال بوجه يخرج بهم عن مرضاة ربهم.
وقيل: المراد من الأَجر العظيم هو الجنة فهي نهاية الأَرب وغاية الطلب ولا أَجر أَعظم منها وفي الصحيحين عن أَبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (إِن الله يقول لأَهل الجنة يا أَهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أَحدًا من خلقك؟ فيقول: أَلا أَعطيكم أَفضل من ذلك قالوا: يا رب وأَي شيء أَفضل من ذلك؟ فيقول: أُحل عليكم رضواني فلا أَسخط عليكم بعده أَبدًا).
١٦ - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾:
(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أَي: ابذلوا في تقواه - جل شأنه - جهدكم وطاقتكم ولا تدخروا منها شيئًا؛ فإِن ما عند الله خير وأَبقى.
أَخرج ابن أَبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت (اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ) اشتد على القوم العمل فقامُوا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم فأَنزل الله - تخفيفًا على المسلمين - (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) فنسخت الآية الأَولى، وعن مجاهد المراد أَن يطاع - سبحانه - فلا يعصى، قال الآلوسي، والكثير على أَن هذا هو المراد في الآية.
(وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لأَنْفُسِكُمْ) أَي: اسمعوا كلام الله ورسوله سماع تدبر وتفكر وأَطيعوا أَوامر واجتنبوا نواهية وابذلوا في وجوه البر التي أَمركم - سبحانه أَن تنفقوا فيها إِنفاقا خالصًا لوجهه - تعالى - دون رياء أَو سمعه، وافْعلُوا كل عمل طيب يكن ذلك خيرًا لكم وأَنفع بكم (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ): أَي: والذين جعلهم الله في وقاية وحفظ من بخل النفس وحرصها فأُولئك هم في فوز كبيرٍ وفلاح عظيم حتى كأَنهم وحدهم هم الذين ظفروا بذلك ونالوه.