← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

(وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا): أي وامح آثار ذنوبنا بترك عقوبتنا عليها، واغفر لنا بستر القبيح، وإظهار الجميل، وتعطف علينا بكرمك وفضلك، رحمة منك. قال أبو حيان: ولم يأت في هذه الجمل الثلاث بلفظ: ربنا، لأنها نتائج الجمل التي تقدمت، فجاء: (وَاعْفُ عَنَّا) مقابل: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا). وجاءَ (وَاغْفِرْ لَنَا) مقابل: (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا). وجاء (وَارْحَمْنَا) مقابل: (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ). إلى آخر ما قال. (أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ): أي أنت مالكنا وسيدنا ومتولى أُمورنا. وإذ كنت مولانا، فانصرنا على القوم الكافرين الذين يريدون المكروه بنا، فمن كنت مولاء لا يضام. روى عن معاذ بن جبل: أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال (آمين). قال ابن عطية: هذا يظن أنه رواه عن النبي ﷺ فإن كان ذلك فكمال، وإن كان بقياس على سورة الحمد، من حيث أن هنالك دعاء وهنا دعاء، فحسن. وقال على بن أبي طالب كَرَّم الله وجهه: ما أظن أن أحدًا عقل وأدرك الإسلام، ينام حتى يقرأهما. وروى مسلم في هذا المعنى، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه". قيل: مَعْناه كفتاه من قيام الليل. كما روى عن ابن عمر. وقيل: كفتاه من شر الشيطان، فلا يكون له عليه سلطان، كما روى عن حذيفة بن اليمان. والله أعلم.

стр. 527

سورة آل عمران: مدنية وآياتها: مائتان نزلت بعد الأنفال أهم مقاصدها: ١ - بدأ الله تعالى هذه السورة بتوحيده، وذكر بعض أسمائه الحسنى، وأنه سبحانه أنزل القرآن: مصدقًا لما سبقه من الكتب السماوية. وذكر أن من آياته: المحكم؛ الذي يتمسك به المؤمنون، ومنها المتشابه الخفي، الذي يؤَوِّله الكافرون حسب أهوائهم. ٢ - ثم ذكر أن اللذائذ الدنيوية زائلة، وأن الآخرة خير وأبقى، وما فيها إنما هو للمؤمنين الذين أيقنوا أن الدين الحق: هو الإسلام. ٣ - ثم علَّم الرسول ما يقوله عند محاجة الكفار. وأبان أن أهل الكتاب بعضهم مهتد وبعضهم كافر: يقتلون الأنبياء، ويدَّعون أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا قلائل. وأمر المؤمنين أن لا يتخذوهم أولياءَ. ٤ - وأعلم أن محبته سبحانه لا تَتِمُّ إلا بمتابعة الرسول ﷺ . ٥ - وذكر قصص بعض المصطفين الأخيار: كمريم، وزكريا، ويحيى، وعيسى ﵈ وما جرى لعيسى من المعجزات، وردَّ على ما اعتقده النصارى فيه من أنه ابن الله. ٦ - وأمر النبي، أن يدعو أهل الكتاب إلى المباهلة والدعاء، بأن ينزل الله لعنته على الكافرين. ٧ - ورَدَّ على اليهود الذين قالوا: إن إبراهيم كان على ديننا. وذكر أن أَوْلَى الناس بإبراهيم: الذين اتبعوه، والنبي والمسلمون.

стр. 528

٨ - ونبه المؤمنين ألا يغتُّروا بكلام اليهود - الذين من عادتهم إلقاء الشبهات، وإظهار الإيمان في بعض الأوقات، وإصرارهم على الخيانة، وتحّريفهم التوراة. ٩ - وأبان أنه تعالى أخذ الميثاق من الأنبياء: أنهم يؤمنون بجميع الرسل، وأنه من صفة محمد كونه مصدقًا لما معهم. ١٠ - وأظهر أن من مات على الكفر لا يُقبل منه مال ولا ولد فداء له. وعلم المؤمنين كيفية الإنفاق. ١١ - وكذَّب اليهود الذين ادعوا أن كل شيء يحرمونه كان محرمًا على نوح وإبراهيم!!. ١٢ - وأمر النبي أن يحاجهم بكتابهم الناطق بصحة ما يقوله ﷺ ، وأن يدعوهم إلى اتباع دين الإسلام. ١٣ - ثم ذكر أفضلية البيت الحرام على غيره، وأن حجه واجب على المستطيع. ١٤ - وحذَّرَ فريقًا من المسلمين من استماع كلام الكافرين. وطلب إلى المسلمين جميعًا، أن يكونوا دعاة إلى الإيمان والعمل الصالح. ١٥ - وأبان أحوال الناس يوم القيامة. وبشَّرَ المؤمنين بالنصر. والكافرين بالعذاب. ١٦ - ونَهَى المؤمنين أن يتخذوا بطانة من الكفار، وحثَّهم على أن يخاطبوهم خطاب الأعداء ويعلموهم أن الله مطلع على ما في قلوبهم من: الحقد والبغض للمؤمنين … ودعا المسلمين إلى الصبر، ووعدهم بالحفظ من كيد الكافرين. ١٧ - وذَكر قصة بَدْر، ونصْرَ الله للمسلمين. ١٨ - ونهى عن أكل الربا. ١٩ - وذكر صفات أهل الجنة. ٢٠ - وأخبر أن رسالة سيدنا محمد ﷺ قد نسخَتِ الشرائع السابقة.

стр. 529

٢١ - وذكر غزوة "أُحد" وقرر أن طريق الجنة: الجهاد والعمل الصالح، وأن كثيرا من الأمم حاربت مع أنبيائها. وكرر زجر المؤمنين عن متابعة الكفار. وكرر تبشيرهم بالنصر. وذم المنهزمين الفارين. ٢٢ - وأبان للنبي ﷺ أنه رحيم بأمته وأنه لو كان سيء الأخلاق، لابتعد الناس عنه. وحثه على مشاورة أصحابه والعزم والتوكل على الله. وأبان أنه سبحانه تفضل على الخلق، برسالة سيدنا محمد ﷺ . ٢٣ - وبين حال الشهداء وفضلهم، ومنزلتهم السامية عند الله. ٢٤ - وذكر أن الشيطان وأولياءه يثبطون الهمم، وأن شأن المؤمنين الالتجاء إلى الله لينجيه منهم، وأنه سبحانه سيميز المنافقين من المخلصين. ٢٥ - ونَفَّر من البُخْلِ. وأبان أن اليهود يدعون أن الله فقير وأنهم أغنياءُ. وتوعدهم على هذا القول الفاجر. ٢٦ - وسلَّى نبيه بأنه - تعالى - سيحاسب الجميع بعد الموت، وأنه - سبحانه - يختبر عباده، وأن من صبر، فله الأجر. ٢٧ - وبيَّنَ أن اليهود كتموا ما أنزل الله. وكذَّبُوا الرسول وهم يعلمون صدقه. ٢٨ - وقرَّر أنه يَبْتَلِي المؤمنين ليمحصهم ويرفع درجاتهم، ودعاهم إلى الصبر والتقوى. ٢٩ - ودعا الناس إلى استعمال عقولهم، ليصلوا إلى معرفة الله، ووصف أصحاب العقول بالصفات الطيبة. ٣٠ - وأبان أن أعداء الله - وإن كانوا في صولة الدنيا - لا ينبغي أن يغتر المؤمنون بما نالوه، فمصيرهم إلى جهنم. وَطَيَّبَ خاطرَ المؤمنين، بأنه أعدَّ لهم الثواب والنعيم. ٣١ - وأبان أن بعض أهل الكتاب آمنوا، وطلب إلى المؤمنين الصبر والمرابطة والتقوى والتمسك بالوحدانية المطلقة والعمل الصالح رجاء الظفر بقربه تعالى.

стр. 530

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)﴾ المفردات: (الم): سبق الحديث عنها في أول سورة البقرة. (الْقَيُّومُ): القائم بذاته، أو عظيم القيام على تدبير خلقه. (الْفُرْقَانَ): القرآن، أو جميع الكتب السماوية، لأنها تفرق بين الحقِّ والباطل. (ذُو انتِقَامٍ): ذو عقوبة شديدة لمن عصاه. لا يقدر على العقاب بمثلها أحد. التفسير ١ - ﴿الم﴾: ٢ - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: سبب النزول: نزلت في وفد نجران، حين قدموا إلى المدينة على رسول الله ﷺ ، يحاجونه في شأن عيسى بن مريم. روى ابن جرير، عن الربيع عن أنس، قال: "إن النصارى أَتَوْا رسول الله ﷺ فخاصموه في عيسى بن مريم، وقالوا له: من أبوه؟، وقالوا على الله الكذب والبهتان. فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه

стр. 531

وسلم -: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء: يَكْلؤُه ويحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى، قال: فهل عيسى يملك من ذلك شيئًا؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السما؟ قالوا: بلى، قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّمَ؟ قالوا: لا، قال ألستم تعلمون أن ربنا صَوَّر عيسى في الرحم كيف شاءَ، وأن ربنا لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب، ولا يحدث الحدث؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غُذِّيَ كما يغذي الصبي، ثم كان يأكل الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟ قالوا: بلى، قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فعرفوا، ثم أبوا إلا جحودًا .. فأنزل الله: (الم. اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ): المعنى: ذهب بعض المفسرين: إلى أن (الم) وأمثالها، من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. وقال آخرون: إنها أسماء حروف هجائية: ترمز إلى تحدي العرب بأن القرآن مؤلف من كلمات ذات حروف كهذه، فأتوا بمثله إن صح زعمكم أن محمدا افتراه، فإذا عجزتم، فمحمد مثلكم لا يستطيع أن يأتي بمثله، فيجب الإيمان بأنه من عند الله تعالى [ارجع إلى ما قيل فيها في صدر سورة البقرة]: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ): (اللهُ): هو الإله، المنفرد بالأُلوهية، المستحق وحده للعبادة، فالأُولوهية مقصورة عليه، ثابتة له، منفية عن غيره، وبذلك نفى الشريك كما تزعم النصارى في عيسى، وكما تزعم اليهود في عُزَيْر، فإن اعتقاد البنوة شرك. كما نَفَى أن يكون هناك إله غيره، كما يزعم المشركون. كما أن الآية تنفي أن يكون الكون بغير إله خالق، كما يقول الدهريون.

стр. 532

(الْحَيُّ): المراد بالحي: الدائم الحياة، الذي لا يموت أبدًا. (الْقَيُّومُ): الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه. والوصفان، كالدليل على استحقاق الله للتفرد بالأُولوهية. ٣، ٤ - ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ (٣) مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ … ﴾ الآيتان. أي نزل عليك القرآن. وعبر عنه بالكتاب، للإيذان بأنه هو الكتاب المتميز، الذي ينصرف إليه هذا الاسم عند الإطلاق (١)، أو للإشارة إلى أنه مشتمل على ما فيه غيره من الكتب السماوية من المقاصد المشتركة بين الأديان فكأنه جنس الكتب السماوية (٢). وعبر في جانب القرآن بالتنزيل، وفي جانب التوراة والإنجيل بالإنزال - كما سيجيء - لأن التنزيل للتكثير، والله نزل القرآن مفرقًا حسب الوقائع شاملًا لجميع شئون الحياة، فكان معنى التكثير حاصلا فيه. وأما التوراة والإنجيل فإنه - تعالى - عالج فيهما بعض شئون الحياة. ومعنى تنزيل القرآن على الرسول بالحق، أنه - تعالى - نزله عليه ملتبسًا بالحق في جميع صوره: من توحيد لله وتنزيهه عن الصاحب والولد، وإخباره عن أحوال الأُمم السابقة مع رسلهم، وشهادته بنبوة محمد ﷺ وإخباره بأن أهل الكتاب يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل بأوصافه المميزه له، وما جاء به من العبادات والمعاملات والأخلاق، وأحوال الآخرة، فكل هذه الصور من الحق، جاء بها القرآن العظيم. وكما نزله الله على رسوله بأنواع الحق التي ذكرناها، فقد نزله مصدقًا لما بين يديه، أي لما سبقه من الكتب السماوية التي أنزلها الله على رسله قبل محمد ﷺ أي موافقًا لها فيما اشتملت عليه من العقائد، وأُصول الأحكام. فكل ما يوجد في التوراة والإنجيل مخالفًا لما جاء فيه - كجعلهم لله صاحبة أو ولدًا أو غير ذلك، من العقائد وأُصول الأحكام - فهو من تحريف أهل الكتاب، وهو مردود على أصحابه.

стр. 533

فالغرض من هذين الوصفين، رد ما عليه أهل الكتاب، وإيذان بأن ما هم عليه، إنما هو مخالف للحق، ولما جاء في التوراة والإنجيل النازلين من عند الله - تعالى - وبيان أن الحق - الموافق لسائر الكتب السماوية - هو ما جاء في القرآن المجيد. ولذا عقبه بقوله: (وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ (٣) مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ): أي فأنزل التوراة والإنجيل من قبل القرآن، لأجل هداية الناس حين أنزلهما على موسى وعيسى، فلم يكن فيهما شيء من الضلال، الذي يشتملان عليه الآن. (وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ): أي وأنزل القرآن بعدهما: فارقًا بين الحق الذي كانت عليه الكتب السماوية، وبين الباطل الذي عليه أهل الكتابين الآن، وسائر أصحاب الملل والنحل. فقد بين الحق في أمر عُزَيْر وعيسى، ونفى أنهما وَلَدَان لله. وأحل الحلال، وحرَّم الحرام، وفرض الفرائض، وشرع الشرائع، وسنّ الأخلاق الرفيعة، وأوجب توحيد الله في العبادة، ونفى عنه الشركاء، وأخبر عن يوم القيامة الذي تجزى فيه كل نفس ما عملت من خير أو شر، وأقام الأدلة على ثبوته. فمن استحب العمى على الهدى - بعد هذا الفرقان - فأُولئك هم الظالمون. "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ" (١). أخرج ابن جرير، عن محمد بن جعفر بن الزبير: أنه - أي القرآن - الفاصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى ﵇ وغيره. وأيد هذا، بأن صدر السورة نزلت في محاجة النصارى للنبي ﷺ في أمر أخيه عيسى. ولما ذكر الله ما يتعلق بمعرفة الإله، وتقرير النبوة، أتبعه الوعيد للكافرين المعرضين عن هذا الحق فقال:

стр. 534

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ): المراد بالكافرين: النصارى الذين نزل صدر السورة بسببهم، أو كل كافر، فيدخل هؤلاء فيهم دخولاً أوليًا. والمراد بآيات الله: الكتب المنزلة على الرسل، أو ما يعمها وغيرها. كالآيات الكونية والمعجزات، وإضافة الآيات إلى اسم الله - تعالى - تهويل لفظاعة تكذيبها، وتأكيد لاستحقاقهم العذاب، وتنكير (عَذَابٌ) لتعظيم أمره. أي أنه عظيم لا يُقَدَّر قدره. (وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ): العزيز: الغالب الذي لا يُغلب. والانتقام: العقوبة. وكلمة (عَزِيزٌ): للإشارة إلى القدرة التامة على العقاب. والجملة سيقت لتقرير الوعيد السابق عليها. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ المفردات: (لَا يَخْفَى): لا يغيب. (يُصَوِّرُكُمْ): يخلقكم على ما يشاء من صورة. (الْأَرْحَامِ): جمع رحم. وهي مكان الحمل. مشتق من الرحمة.

стр. 535

التفسير ٥ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾: إن الله واسع العلم، لا يخفى عليه شيءٌ كائن في الأرض ولا في السماء، لعلمه بما يقع في العالم من كُلِيٍّ أو جُزْئِيٍّ، فهو العالم بما كان وما يكون، وهو مطلع على كُفْر مَنْ كَفَرَ بآيات الله، وإيمان من آمن بها. وهو مجازيهم عليه، والمسيحيون يؤمنون بألوهية عيسى غافلين عن أنه بشر محدود المعرفة فكيف يكون إلها؟ وعبر عن علمه - تعالى - بذلك، إيذانًا بأن علمه - سبحانه - بالكائنات - ولو كانت في أقصى غايات الخفاء - ليس من شأنه أن يكون فيه شائبة خفاء بوجه من الوجوه، بل هو في غاية الوضوح والجلاء. ٦ - ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ … ﴾ الآية. أي يخلقكم على الصورة التي يريدوها. والآيتان رَدٌّ على نصارى نجران في دعواهم أُلوهية عيسى. ووجه الرد: أن الإله هو الذي لا يخفى عليه شيٌ ما: في الأرض ولا في السماء. وعيسى - كخلق الله - يخفى عليه ما لم يُعْلِمْهُ اللهُ إياه. فلا يصلح أن يكون إلها. والله هو الذي يصور الخلق في الأرحام كيف يشاءُ. وعيسى لا يقدر على ذلك. بل صَوَّره الله في رحم أمه كسائر خلقه فهو مخلوق لا خالق. ومن كان كذلك - لا يصلح أن يكون إلها. كما أن الآية الثانية كالدليل على أن الله لا يخفى شيءٌ في الأرض ولا في السماء. فإن من صور الأجنة في الأرحام، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، فمفهوم هذه الجملة كالنتيجة لما قبلها. فكأنه قيل: ومن كان لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء - وجب أن ينفرد بالألوهية، فلا يشاركه فيها وَلَدٌ أوْ غيره. وأن يكون هو العزيز الذي يغلِب ولا يُغلَب، الحكيم في صنعه وتدبيره.

стр. 536

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ المفردات: (مُّحْكَمَاتٌ): واضحة الدلالة على معانيها. (مُتَشَابِهَاتٌ): محتملات لعدة معان لا يتضح مقصودها، فاشتبه أمرها على الناس. (زَيْغٌ): ميل عن الحق إلى الباطل. (ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ): طلبًا لها. (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ): الثابتون فيه. (الْأَلْبَابِ): العقول الخالصة. التفسير ٧ - ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ … ﴾ الآية. بعد أن بين الله: أن القرآن نزَّله الله مصدقًا للكتب السماوية التي سبقته، وأنه فارقٌ بين الحق والباطل، وتوَعَّد مَن كَفر به، وأكد الوعيد بذكر أنه لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء - عاد إلى الحديث عنه في هذه الآية، على ما سنشرحه.

стр. 537

والمعنى: الله الذي تقدم بيان صفاته الجليلة، هو الذي أنزل عليك - يا محمد - القرآن فيه آيات محكمات: أي واضحة الدلالة على معانيها. وقد وصف الله هذه الآيات المحكمات بأنها: أُم الكتاب. أي مرجع أحكامه، وأصل معانيه. وسنوضح ذلك في الكلام على المتشابهات. (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ): أي وفيه آيات أُخرى متشابهات، أي غير واضحة الدلالة على معانيها بنفسها. فهذه ترجع - في أحكامها ومعانيها - إلى ما تقرر في المحكمات التي جعلت أصلا ومرجعًا لأحكام القرآن ومعانيه المتشابهة. فأطلق عليها: أُم الكتاب، من أجل ذلك. فكما أن الولد يرجع إلى منبته وأصله وهي أُمه - فكذلك المتشابهات، ترجع إلى المحكمات، فهي أصلها وأُمها ومآلها. ومن ذلك قوله تعالى: "لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ" (١)، وقوله: "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ" (٢)، فتُحمل الأولى على معنى: لا تحيط به الأبصار، وتُحمل الثانية على معنى أنها تنظر إليه من غير إحاطة .. برَدِّها إلى المحكم وهو قوله تعالى: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" (٣)، فإنها تقتضي أن النظر إليه - سبحانه - لا يصح أن يكون فيه إحاطة به، حتى لا يماثل مخلوقاته في ذلك، وليتفق هذا التأويل مع نفي إدراكه الذي اشتملت عليه الآية الأولى. وهكذا كل ما يكون متشابهًا في القرآن، يحمل على محكمه. قال الزمخشري: فإن قلت: فَهَلَّا كان القرآن كله محكمًا؟ قلت: لو كان كله محكمًا لتعلق الناس به، لسهولة مأخذه، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال. ولو فعلوا ذلك، لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به (٤). ولما في التشابه من الابتلاء، والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه، ولما في تقادح العلماء وإتعاب القرائح - في استخراج معانيه ورده إلى المحكم - من الفوائد الجليلة، والعلوم الجمة، ونيل الدرجات عند الله. ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في

стр. 538

كلام الله، ولا اختلاف فيه - إذا رأي فيه ما يناقض ظاهره - وأَهمَّهُ طلبُ ما يوفقُ بينه ويجريه على سَنَن واحد، ففَكَّر وراجع نفسه وغيره، وففتح الله عليه، وتبين مطابقة المتشابه للمحكم - ازداد طمأنينة إلى معتقده، وقوة في إيمانه … اهـ والله أعلم. (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ): لَمَّا بين الله أن في الكتاب: محكمًا ومتشابهًا، فرَّع على ذلك موقف أهل الزيغ من المتشابه. وأهل الزيغ: هم المائلون عن الحق إلى الأهواء الباطلة، فيدخل فيهم نصارى نجران، الذين نزل صدر الصورة بسببهم. (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ): أي فيتعلقون بذلك المتشابه وحده، ولا ينظرون إلى المحكم ليردوه إليه، بل يأخذون بأحد الاحتمالات الباطلة التي توافق أغراضهم الفاسدة، ومذاهبهم الباطلة، إلحادًا وكفرًا. (ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأوِيلِهِ): أي طلب فتنة الناس عن دينهم؛ بالتشكيك في كونه من عند الله، بزعم تناقضه، وطلب تأويله إلى معان توافق مذاهبهم المبتدعة في الدين، ليحدثوا فِرَقا تشق وحدة المسلمين، كتلك الفرق التي ظهرت، مثل النصيرية والقاديانية والبهائية. والذين يتبعون المتشابه فريقان: فريق من الكفار صرحاء مجاهرون، يريدون هدم الدِّين بزعمهم تناقضه (١)، وفريق منافقون ملحدون منحرفون عن جماعة المسلمين. (وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ): أي وما يعمل تأويل المتشابه - حسبما ينبغي له - إلا الله. ولذا أَوَّله وفسَّره بآياته المحكمات، التي (هُنَّ أَمُّ الْكِتَابِ)، ومرجع المتشابه فيه.

стр. 539

(وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا): يحتمل أن يكون الكلام قد تمَّ، عند قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) وابتداء كلامًا جديدًا بقوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) والمعنى عليه: أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله. أما الراسخون في العلم، فلا يزيغون كما زاغ أهل الفتنة، بل يقولون آمنا بالمتشابه، فكل من المتشابه والمحكم صادر من عند ربنا، فهم بذلك يمسكون عن تأويله، مفوضين العلم بمعناه إلى من أنزله - سبحانه - ويحتمل أن يكون: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) معطوفًا على لفظ الجلالة في قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) والمعنى عليه: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم أيضًا. فهم يعلمون تأويله برده إلى المحكم الذي هو أُمُّ للمتشابه. ومع حسن تأويلهم له طبقًا للمحكم فهم يقولون: آمنا به: كل - من المتشابه ومن المحكم - من عند ربنا. ويشهد لصحة هذا الرأي أمران: أحدهما أن الله - تعالى - ما أنزل القرآن إلا لِيُعْمَلَ به. فلا ينبغي أن يكون فيه ألغاز ومعميات لا يمكن فهمها وإدراكها. فمتشابهه يجب أن يرد إلى محكمه .. كما قال الله في الآيات المحكمات: (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ): أي مرجعه عند الاشتباه. وثانيهما: في أن الله تعالى أثنى على الراسخين بقوله: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) ففي وصفهم بأنهم أصحاب العقول الخالصة المتذكرة، دليل على أنهم استعملوها في كشف المتشابهات والتذكر بها. والراسخون في العلم: هم الثابتون في العلم الشرعي، الذين استناروا بمشكاة الكتاب والسنة، ومنّ الله عليهم بالفقه في الدين. روى الشيخان وأحمد عن النبي ﷺ "مَنْ يُرِدِ اللهُ به خيرا يفقهه في الدين".

стр. 540

(وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ): أي وما يتدبر القرآن فلا يزيغ في تفسير المتشابه منه، إلا الراسخون في العلم، الذين قالوا: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) فهم أصحاب العقول الخالصة من الركون إلى الأهواء الزائفة. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ المفردات: (لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا): لَا تُمِلْهَا عن الحق. (مِن لَّدُنكَ): من عندك. (لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ): ليوم لا يصح أن يشك فيه، وهو يوم القيامة. التفسير ٨ - ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا … ﴾ الآية. يحتمل أن يكون هذا من تمام كلام الراسخين، ويحتمل أن يكون تعليمًا من الله لهم، أي: قولوا ذلك وادعوا به، لأن القلوب تتقلب. والمعنى: لا تُمِلْ قلوبنا - يا ربنا - عن نهج الحق بتأويل المتشابه تأويلاً لا ترتضيه، كما أزغت قلوب أولئك. أو: لا تَفتِنَّا ولَا تَبْلُنَا ببلايا تَزيغ فيها قلوبُنا. (وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً): الرحمة المطلوبة لهم: إمَّا الإحسان والإنعام مطلقًا، وإمَّا الإحسان بالتوفيق للثبات على الحق، كما يُشْعِر به ما قبله. والمعنى على الثاني: وهب لنا من عندك توفيقًا وثباتًا على الحق: رحمة منك وفضلا.

стр. 541

(إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ): أي كثير الهبات والعطايا، وهذا تعليل للسؤال، أو لإعطاء المسئول، أي أنك - أنت وحدك - الوهاب لكل موهوب. وفيه دلالة على أن الهُدَى بتوفيق الله، والضلال بعدم الإعانه منه، لتقصير العبد في سلوك سبيله، وأنه متفضل بما ينعم به على عباده، من غير أن يجب عليه شيء. ٩ - ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ … ﴾ الآية. أي: أنت يا ربنا، جامع المهتدين والزائغين، لحسابهم وجزائهم في يوم لا ينبغي أي يُرتاب في وقوعه ووقوع ما فيه من الحشر والنشر والجزاء. ومقصود الراسخين في العلم من هذا الدعاء، عرض افتقارهم إلى الرحمة، وأنها المقصد الأسنى عندهم، وتأكيد إظهار ما هم عليه من كمال الطمأنينة وقوة اليقين بأحوال الآخرة، لمزيد من الرغبة في استنزال الإجابة. (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ): هو كلام الله بعد أن تم كلام الراسخين عند قولهم (لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ) كأن القوم لما قالوا: (إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ) صدقهم الله في ذلك، وأَيَّد كلامهم بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ). وقيل: هو من كلام الراسخين. والمعنى على هذا: إنك لا تخلف وعدك للمسلمين والكافرين بالثواب والعقاب، أو وعدك بمجيء يوم لا ريب فيه. فهذه الجملة تعليل لمضمون الجملة السابقة المؤكدة لانتفاء الريب في مجيئه. وإظهار الاسم الجليل - الله - لإبراز كمال التعظيم والإجلال. وللإشعار بعلة الحكم، فإن الأُولوهية منافية للإخلاف في الوعد. والتأكيد بإِنَّ، وإظهار لفظ الجلالة بدلا من الضمير: يفيد - إلى ما سبق - تأكيد نفي الريب، كما يفيد تأكيد قيام الساعة تأكيدًا حاسمًا.

стр. 542

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)﴾ المفردات: (وَقُودُ النَّارِ): وقود النار - بالفتح - ما توقد به. وبالضم: الاشتعال. (كَدَأبِ): الدأب، العادة. (الْمِهَادُ): الفراش. التفسير ١٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا … ﴾ الآية. المراد بالذين كفروا بجميع الكافرين. وفي جملتهم وفد نجران. الذين نزل صدر السورة بسببهم. والمعنى: إن الذين كفروا جميعًا، لا تنفعهم - في يوم لا ريب فيه - أموالهم التي أعدوها ليبذلوها في جلب المنافع ودفع الأذى، ولا أولادهم الذين بهم يتناصرون، وعليهم في دفع الخطوب المدلهمة يعتمدون. فكل ذلك لا يغني عنهم من الله وعذابه شيئا من الإغناء .. أو لن تغني عنهم بدل رحمة الله وطاعته.

стр. 543

(وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ): أي وأولئك المتصفون بالكفر، حطب النار التي تشتعل بهم، لكفرهم. وفي الآية: إشارة إلى أن الكفار أَلْهَتْهُم أموالهم وأولادهم عن الله، والنظر فيما ينبغي له، حتى كأنهم يعتقدون أنها تغنيهم عن رحمة الله وطاعته، وتدفع عنهم عذابه. ١١ - ﴿كَدَأبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ … ﴾ الآية. المعنى: لن تغني عن هؤلاء الكفار أموالهم ولا أولادهم، شأنهم في هذا، شأن آل فرعون، حيث لم يُغن عنهم ما ملكون من أموال طائلة، وما أنجبوه من أبناء عديدين، فأُغرفوا وأُدخلوا نارا، بسبب كفرهم. فكما نزل بما تقدم العذاب المعجل بالاستئصال، فكذلك ينزل بكم أيها الكفار بمحمد ﷺ من القتل والسبي والإجلاء وغنيمة الأموال. وكما دخلوا النار لكفرهم، فستدخلونها أنتم لذلك. وفي ذلك يقول الله تعالى بعد هذه الآية: "قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ". والمراد بمن قبلهم: الأُمم الكافرة التي كذبت الرسل، ثم فسر ذلك فقال: (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا): الآيات: المعجزات والبراهين التي أُيد بها الرسل، أو الأدلة على وجود الله ووحدانيته، أو هما معًا. (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ): استعمل الأخذ؛ لأن من ينزل به العقاب، يصير كالمأخوذ المأسور، الذي لا يقدر على التخلص. والمعنى: فأخذهم الله وعاقبهم، ولم يجدوا من بأس الله محيصًا، وذلك بسبب ذنوبهم التي أصرُّوا عليها ولم يقلعوا عنها. (وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ): أي لمن كفر، وهذا تذييل مقرر لمضمون ما قبله من الأخذ للجميع، وتكمله له.

стр. 544

١٢ - ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: سبب النزول: أخرج ابن جرير، وابن إسحاق، والبيهقي، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ لما أصاب ما أصاب من "بدر" ورجع إلى المدينة - جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا، فقالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أن قَتَلتَ نفرا من قريش: كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك - والله - لو قاتلتنا، لعرفْتَ أنا نحن الناس، وأنك لم تكن مثلنا .. فأنزل الله: (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ) إلى قوله: (لِأُولِي الْأَبْصَارِ). وحكم الآية يعم جميع الكافرين، وإن نزلت بسبب اليهود، فسيغلب المؤمنون الكفار جميعا، ويُنْصرون عليهم، كما قال تعالى: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ" (١)، وقال: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ" (٢). المعنى: قل يا محمد، لهؤلاء الكفار: ستغلبون - ألبتة - عن قريب، وستحشرون - بعد موتكم ثم بعثكم - إلى جهنم: مستقركم الدائم وبئس الفراش: جهنم، التي مهدتموها لأنفسكم بذنوبكم وآثامكم. والتعبير عن جهنم بالمهاد، للتهكم بهم. فإن المهاد هو الفراش الذي يمهد ليستراح عليه، ولا مهاد ولا راحة في السعير. وقد تحقق وعيد الله لهم بأنهم سيغلبون، ذلك بقتل يهود بني قريظة، وإجلاء بني النضير، وفتح خيبر، وضرب الجزية على من عداهم .. فكان الإخبار عن ذلك - قبل وقوعه ثم تحققه بعد ذلك - معجزة للرسول. وفي الآية دليل على حصول البعث بعد الموت، وحصول الحشر والنشر، وأن مرد الكافرين إلى النار. فكما تحقق الوعيد الأول، يتحقق الوعيد الثاني يوم الحساب.

стр. 545

﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾ المفردات: (آيَةٌ): الآية هنا، العبرة والعظة. (فِئَةٌ): الفئة، الطائفة من الناس. (الْأَبْصَارِ): البصائر والعقول. التفسير ١٣ - ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا … ﴾ الآية. الخطاب لليهود الذين اغتروا بأنفسهم، أي قد كان لكم - أيها اليهود - علامة عظيمة دالة على تحقق ما توعدتكم به، وهو أنكم ستُغلبون قريبًا، وهذه العلامة والآية: في جماعتين التقتا في القتال: يوم بدر، وهم جيش رسول الله وأصحابه وجيش مشركي مكة. ولا شك أن في غلبة المسلمين - للكفار مع كثرتهم وعظيم عدتهم - آية بينة على صدق وعيد الله لهؤلاء الكافرين، ووعده بنصر المؤمنين. مع العلم بأن المشركين خرجوا مستعدين للقتال أتم استعداد. بعكس المسلمين. (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ): أي فئة مؤمنة في أعلى درجات الإيمان: تجاهد في سبيل الله لإعلاء كلمته. وهم أصحاب "بدر".

стр. 546

(وَأُخْرَى كَافِرَةٌ): أي وفئة أخرى كافرة. والمراد بها: كفار قريش. ولم توصف هذه الفئة بما يقابل صفة الأولى بأن يقال: إنهم يقاتلون في سبيل الشيطان؛ إسقاطًا عن درجة الاعتبار، وإيذانا بأنهم لم يتصدوا للقتال حسب استعدادهم، لما اعتراهم من الرعب والهيبة. (يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ): الرَّاءُون: المشركون، والمرئيون: المؤمنون. والمعنى: أن المشركين كانوا يرون المؤمنين مِثْلَيْ عدد المشركين، أو مثلى عدد المسلمين. والمراد من الرؤية: الظن والحسبان. وقد كثَّر الله المسلمين في أعين المشركين - مع قلتهم - ليهابوهم، فيحترزوا عن قتالهم، أو أن الله أنزل الملائكة حتى صار عدد المسلمين كثيرًا في نظر المشركين، فكانوا يرونهم مثلين (رَأيَ الْعَيْنِ): أي رؤية ظاهرة لا لبس فيها. روى محمد بن الفرات، عن سعيد بن أوس، أنه قال: أسر المشركون رجلا من المسلمين فسألوه: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر. قال: ما كنا نراكم إلا تُضْعِفُون علينا - وأرادوا أنهم كانوا ألفا وتسعمائة وهو المراد من (يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ). وقد يقال: إن هذه الآية تناقض آية الأنفال التي تقول: "وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِم" (١). فإن تلك الآية تقتضي أن كلا من الفريقين قُلِّل في أعين الآخر، وهذه الآية تقتضي أن المسلمين ضاعفهم الله في أعين الكافرين؟ والحق ألا تناقض بينهما، إذ المراد بآية الأنفال "وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ" أيها المؤمنون "إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا" إنما كانت هذه الرؤية قبل الالتحام لتقدموا عليهم "وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهم" ليقدموا عليكم. ولا يجبنوا عن القتال، فلما التحم الفريقان، أرى الله المشركين المسلمين مثلين، فكثر عدد المسلمين في أعين الكفار، ليهابوهم وتتزلزل أقدامهم، فيفشلوا وينهزموا، وكان عدد المسلمين الحقيقي في بدر، ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وعددُ المشركين الحقيقي تسعمائة وخمسين رجلا.

стр. 547

(وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ): والله يقوي بنصره وبعونه من يشاء من عباده. فالنصر والظفر، إنما يحصلان بتأييد الله ونصره، لا بكثرة العدد، ولا بقوة الشوكة، ولا بقوة السلاح: وقد تقف بعض العقبات في طريق النصر، ولكن العاقبة دائمًا للمتقين. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الْأَبْصَارِ): الإشارة إلى ما ذكر من رؤية القليل كثيرًا، المستتبعة لغلبة القليل وعديم العدة على الكثير وافر العتاد والسلاح. والعبرة: الاعتبار والاتعاظ، وأُولوا الأبصار: أصحاب البصائر أي العقول كما يقال لفلان بَصَرٌ بهذا الأمر، أي علم ومعرفة. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ المفردات: (حُبُّ الشَّهَوَاتِ): حب المشتهيات للنفس. (الْمُقَنطَرَةِ): المجمعة أو المضَعَّفة. (الْمُسَوَّمَةِ): الراعية في المرعى. مأخوذ من: سوَّم خيله، إذا أرسلها في المرعى، أو المطهمة الحسان. (وَالْأَنْعَامِ): الإبل والبقر، والغنم والمعز. (وَالْحَرْثِ): مصدر مراد به: المزروع.

стр. 548

التفسير ١٤ - ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ … ﴾ الآية. بعد أن توعد الله الكافرين بالهزيمة من المؤمنين، وآذنهم بوجوب الاعتبار بما أصاب المشركين يوم بدر، بسبب كفرهم - مع كثرة ووفرة عدتهم من المؤمنين مع قلتهم وضعف استعدادهم أتبعه التنفير من زينة الدنيا الفانية - إذا صرفت عن الله - والحثَّ على العمل للآخرة، فإنها خير وأبقى. فذكر الله - سبحانه - هذه الآية الكريمة. والمزَيِّن لحب الشهوات، هو الله تعالى كما روى عن عمر بن الخطاب. والمراد من تزيين الله حب المشتهيات الدنيوية: أن جعلها حسناء، ترغب فيها النفوس لحسنها، وتميل لحيازتها والتمتع بها. ولذا، أحب الرجال النساء ليتزوجوهن، وأحبوا البنين ليعاونوهم ويرثوهم، وأحبوا المال لأَنَّ به قضاءَ المصالح، وأحبوا الخيل والأنعام للزينة وحمل المتاع وغير ذلك. ولولا أن الله أعطى هذه الحياة الدنيا: أسباب الحسن والجمال وجعلها أساسًا للمنافع - لما تزينت ولما تحسنت لهم، ولأعرضوا عنها، كما يعرضون عما ليس فيه جمال ولا منفعة، كالحيوانات الضارة، أو ضئيلة النفع. وكما زيَّنها وحسَّنها لهم، حذرهم من فتنتها، والركون إليها، والاغترار بها. كما يشير إليه آخر الآية، وكقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (١). وغير ذلك. وقيل المزيِّن: الشيطان. وتزيينه حب الشهوات: حضه على الرغبة في ارتكاب المحرمات منها. ويؤيد هذا قوله تعالى: "وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ" (٢). وقيل غير ذلك:

стр. 549

والشهوات: جمع شهوة وهي: توقان النفس إلى الشيء. وفي تسميته المشتهيات بهذا الاسم فائدتان: إحداهما: أنه جعل الأعيان التي ذكرها شهوات، مبالغة في كونها مشتهاة، محروصا على الاستمتاع بها. وثانيهما: أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهدة على نفسه بالبهيمية. فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير عنها. ولقد عدد الله هنا سبعة أنواع من المشتهيات إذ قال: (مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ). والمراد من النساء ما يشمل الإماء، وقدَّمهن على الكل، لأن التمتع بهن أكثر، والاستئناس بهن أتم. (وَالْبَنِينَ): أي الأولاد الذكور. وخصهم لأن حب الولد الذكر، أكثر من حب الأنثى. ووجه التمتع بهم: السرور والتكاثر بهم، إذ هم المعدون للدفاع. وثنى البنين، لأنهم من ثمرات النساء. وقيل: المراد بالبنين الأولاد مطلقا. والتذكير للتغليب. (وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ): القناطير جمع قنطار، ويطلق أحيانا على المال الكثير بغير عدد، وهو المراد هنا. كما أخرجه ابن جرير عن الضَّحَّاك. وقد يستعمل في مقدار كثير معين من المال. كما أخرجه أحمد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "القنطار اثنا عشر ألف أُوقية" كما يستعمل في وزن محدود، وهو مائة رطل. ففي القاموس: القنطار مائة رطل من ذهب أو فضة. ووصف القناطير بالمقنطرة، للمبالغة .. فمن عادة العرب: أن يصفوا الشيء بما يشتق منه للمبالغة، كظل ظليل.

стр. 550

وقيل معناه: المحصَّنة. من قَنْطَرتُ الشيء. إذا عقدته وأحكمته. وإنما كان الذهب والفضة محبوبين، لأنهما سبب للحصول على كل محبوب. (وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ): المسوَّمة: بمعنى الراعية. ووصفت الخيل بذلك، لأنها إذا رعت ازدادت حسنا. وقيلَ: المسومة، بمعنى المطهمة الحسان. مأخوذة من السيما وهي الحسن. أو هي المعلمة ذات الغرة والتحجيل. من السمة وهي العلامة. (وَالْأَنْعَامِ): هي: الإبل والبقر والغنم والمعز. (وَالْحَرْثِ): أي الزرع من حبوب وبقل وتمر. (ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا): الإشارة إلى ما ذكر من الأصناف التي زُيَّن للناس حبها. والمتاع: ما يتمتع به في الدنيا زمنًا قليلا، لأن الآجال مهما طالت فهي قصيرة. (وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ): المآب: المرجع، وإضافة حسن إلى المآب من إضافة الصفة إلى موصوفها، أي المآب الحسن وهو الجنة. وليس المراد من الآية الكريمة الصرف عن التمتع بزينة الحياة الدنيا، فإن التمتع بها حلال، كما قال - تعالى - في سورة الأعراف: "قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١) أي خالصة من العقاب عليها يوم القيامة. ولكن المراد: ألا يشتغل المؤمنون بها عن الله تعالى، ولا يغتَرُّوا بمفاتنها، وأن يجعلوها وسيلة لحسن المآب، بصرفها في طاعة الله ومرضاته، إلى جانب تمتعهم الحلال بها.

стр. 551

﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾ المفردات: (أَؤُنَبِّئُكُم): الهمزة للاستفهام. والمراد منه: التنبيه والتشويق إلى ما ينبئهم به. والإنباء: الإخبار. فكأنه يقول: إني مخبركم بخبر يسترعى انتباهكم وشوقكم إلى سماعه، فاستمعوا إليه. (وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ): وزوجات مطهرات من الأدناس: حسية ومعنوية. (وَالْقَانِتِينَ): والمطيعين لله، الخاضعين له، المقرِّين بعبوديتهم له. (بِالْأَسْحَارِ): الأسحار جمع سحر. هو آخر الليل قبيل الفجر. (وَرِضْوَانٌ): الرضوان: الرضا العظيم. التفسير ١٥ - ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ … ﴾ الآية. لما ذكر الله في الآية السابقة، أنه قد زَيَّن للناس مشتهيات الدنيا من النساء والبنين، والكثير من الذهب والفضة، والخيل الحسان المطهمة، والأنعام والزرع، ونبَّهَهُم إلى أنها

стр. 552

متاع الحياة الدنيا، وأن لديه (حُسْنُ الْمَآبِ) - أتبع ذلك بيان حسن المآب، وأنه خير من هذا المتاع الذي يغتر به قصارُ النظر، وأن الذي يحظى به هم: المتقون. فقال جَلَّ ثناؤُه: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم … ) الآية. والمعنى: قل يا محمد، لهؤلاء الذين يُخدعون بزنية الحياة وما فيها من جمال وحسن، فيحبون مشتهياتها ولذاتها: هل أُخبركم بخير من ذلكم الذي تحبونه، وتميلون إليه من متاع الحياة الدنيا؟ ثم أجابهم عن هذا الاستفهام المشوق ومعناه: للذين اتَّقَوْا عقاب ربهم فخافوه ولم يعصوه، وأعرضوا عما سواه فلم يُفتنوا به، وكانوا بذلك في وقاية من غضبه وعذابه. لِهؤلاء: بساتين عظيمة الحسن، تجري من تحتها الأنهار، فيتضاعف بذلك حسنها، ويكمل به التمتع بمباهجها وقطوفها، وهي -لهم حال كونهم خالدين فيها- لا يبرحونها، ولهم مع ذلك زوجات مطهرات من الأدناس الحسية والخُلُقية، فلا يرون فيهن ما يتوهم من عوارض تغض عن جمالهن وطهرهن، وبذلك تكتمل البهجة النفسية، ولهم -فوق ذلك- رضا عظيم صادر من الله ينعمون به، وهم يتقلبون في هذه العطايا فلا يسخط عليهم بعد ذلك أبدًا. وهذا الرضا أكبر من تلك النعم .. كما صرح به في قوله تعالى: "وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ" (١). والله خبير بجميع العباد، يعلم أعمالهم وأقوالهم وخواطرهم النفسية، فيثيب المحسن فضلا وكرمًا، ويعاقب المسيء عدلا لا يشوبه حيف. والتعبير عن الجنات بأنها (عِندَ رَبِّهِمْ): للإشارة إلى علو رتبتها، وسمو شرفها، وفي التعريض لعنوان الربوبية - مع الإضافة إلى ضمير المتقين - تلطف بهم، وتشريف وتكريم لهم. وقد بدأ الله - سبحانه - في هذه الآية بذكر الجزاء المقرر وهو الجنات، ثم ثنَّى بذكر ما يحصل به الأُنس التَّام وهو الأزواج المطهرة، ثم ذكر ما هو أعظم وأفخم وهو رضا الله الذي يسعى إليه الحبيب الواله .. نسأله تعالى ألا يحرمنا رضاه.

стр. 553

١٦ - ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: المعنى: هؤلاء المتقون الذين ينعمون بهذا النعيم، هم الذين يقولون - بإخلاص ويقين - ربنا إننا صدقنا بالذي أنزلته على رسولك محمد وسائر من سبقه من الرسل، فاغفر لنا - ببركة هذا اليقين الثابت - ذنوبنا: صغائرها وكبائرها، واحفظنا من عذاب النار التي لا طوْق لأحد بقليلها، فكيف يطيق سعيرها! ١٧ - ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾: هذه الأوصاف الكريمة، هي بقية أوصاف المتقين، الذين وعدوا بالجنات وما فيها من نعيم مقيم. والمعنى: الصابرين على مشاق الطاعات والنوائب، وعن مغريات المعاصي من مُتَع الحياة الدنيا. والصادقين في إيمانهم وأقوالهم وأفعالهم. والخاضعين المطيعين لتكاليف ربهم. والمنفقين لأموالهم: في حقوق الله تعالى وحقوق ذويهم، وفي أنواع البر التي ندبهم الله ورسوله إليها. والمستغفرين ربهم في أواخر الليل والناس نيام. فهم ينهضون من لذيذ المنام، وينتزعون أنفسهم من فراش الراحة والغفلة، ويطلبون غفران ربهم لما عسى أن يكون قد فَرَط منهم من ذنوب. وهم قائمون في محاريبهم، أو جالسون بين يدي مولاهم، إيثارًا لطاعة ربهم على هوى نفوسهم. وقد جاء في فضل الطاعة في الأسحار آثار عديدة: منها ما رواه النسائي بسند صحيح، عن النبي ﷺ : "إن الله سبحانه يُمهل حتى يمضيَ شطرُ الليل الأول، ثم يأمر مناديًا فيقول: هل مِنْ دَاعٍ يستجاب له؟ هل من مستغفر يُغْفَرُ له؟ هل من سائل يُعطَى؟ ". وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: "مِنْ كُلِّ اللِّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رسول الله ﷺ ، من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحَر".

стр. 554

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ المفردات: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ): أي بَيَّنَ لعباده ذلك بالأدلة الواضحة. فكأن ذلك منه شهادة وأي شهادة. أما شهادة الملائكة وأُولي العلم فهي: إقرارهم بذلك. (قَائِمًا بِالْقِسْطِ): أي قائمًا بالعدل في تدبير الكون .. التفسير ١٨ - ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ … ﴾ الآية. لما ذكر الله في الآية السابقة أن الذين استحقوا حسن المآب هم الذين قالوا: ربَّنا إننا آمنا أتبع ذلك ببيان ما آمنوا به، وهو توحيد الله الذي شهدت به آياته القرآنية والكونية، وأقرت به الملائكة وأُولو العلم. المعنى: هذه الشهادة موجهة إلى أهل نجران، الذين جادلوا رسول الله ﷺ ، في أمر عيسى ﵇، ونزل بسببهم صدر هذه السورة. وإلى هذا يميل محمد بن جعفر بن الزُّبَيْر. وشهادة الله، المراد بها هنا: تقرير وحدانيته تعالى؛ بما أقامه من الأدلة في الأنفس والآفاق، وبما جاءَ في الكتب السماوية من البراهين، كقوله تعالى في القرآن: "لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا" (١) وبما أثبته فيها من عبارات التوحيد كقوله: "قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ" (٢). وقوله تعالى: "فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" (٣). وكما شهد بأنه لا إله إلا هو، فقد شهد بذلك الملائكة الذين "لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" (٤). وكذلك أصحاب العلم والفكر السديد من الأنبياء والمرسلين، ومن آمن بهم، وكل من فكر في آيات الله الكونية فآمن به. هؤُلاء - جميعًا -

стр. 555

شهدوا لله بالوحدانية، حال كونه قائمًا بالقسط والعدل في تدبيره للكون، فَبِعَدْلِهِ قامت السموات والأرض. والعدل هنا، هو: الحكمة في التدبير، الذي استقامت به أُمور الكون .. ويختم الله هذه الآية فيقول: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): فيؤَكد - بهذه الخاتمة - وحدانيته ويقررها، ويضيف إليها وصف العزة - وهي الغلبة والقهر - وكذا وصف الحكمة - وهي فعل ما به صلاح الكون - ولولا أنه واحد عزيز حكيم، لما وُجد هذا الكون، ولما تم له هذا الكمال. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾ المفردات: (بَغْيًا بَيْنَهُمْ): ظلمًا قائمًا فيهم، وحسدًا موجودًا في بيئتهم. (فَإِنْ حَاجُّوكَ): أي جادلوك. (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ): أخلصت ذاتي ونفسي له تعالى. (وَالْأُمِّيِّينَ): المراد بهم؛ من لا يكتبون من مشركي العرب من غير الكتابيين، لشيوع الأُمية فيهم.

стр. 556

التفسير ١٩ - ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ … ﴾ الآية. المعنى: إن المِلَّةَ المرضية عند الله - هي الإسلام .. فلا يُقبل من أحد دينٌ غيره "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ" (١). فليس لأَحد من أهل الكتاب أن يتمسك بملته بعد ما أنزل الله دستوره القرآن ناسخًا لما قبله من الأديان والشرائع، كما أنه ليس للمشركين أن يتمسكوا بشركهم: "إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" (٢) فلا يرضاه الله لأَحد دينًا. وكما أن الإسلام هو دين هذه الأُمة الذي رضيه الله لها، فهو دين جميع الأنبياء والمرسلين وأُممهم من قبل محمد، فهو دين الله دائمًا في جميع الأزمان، لاشتماله على توحيده تعالى وتنزيهه عن الصاحبة والولد، واحتوائه على أُصول الشرائع المشتركة بينهما .. أما الفروع، فإنها مختلفة، تبعًا لاختلاف الأُمم. قال تعالى: "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا" (٣)، فإن ما يصلح منها لأُمة، لا يصلح لأُمة أخرى. فالصيام مشروع في جميع الأديان، ولكن كيفيته تختلف باختلاف الأُمم. والميراث مشروع في جميع الشرائع، ولكن كيفيته تختلف باختلاف الأُمم. وهكذا الأمر بالنسبة لباقي الأحكام. وبالجملة، فالأمر كما قال ﷺ : "الأنبياء إخوة لعلات (٤) أُمهاتهم شتى، ودينهم واحد" والمعنى: أنهم إخوة في الدين، وإن تفرقت الأُمهات. ولعله يقصد الأُمهات: الأُمم التي بعثوا فيها. ويدل لذلك قوله تعالى: "شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ" (٥). (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ): المعنى: كان أهل الكتاب مجمعين - فيما بينهم - على الإسلام إذا جاءَهم رسوله الموعود به في كتبهم. وكان فريق منهم - وهم اليهود - يعادون مشركي المدينة .. وكانت تتحدث بينهم حروب،

стр. 557

فيقولون: اللهم افتح علينا، وانصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان. ويقولون لأعدائهم المشركين: قد أَظلَّ زمانُ نَبِيٍّ يخرج بتصديق ما قلنا، فنقتلكم معه قتل عادٍ وإِرَم. وكان هذا حالهم قبل بعثة النبي ﷺ ، ودعائه الناس إلى الإسلام: الذي جاءَ به مصححا للأخطاء المتعمدة التي اقترفوها في دينهم، كدعواهم بُنُوَّةَ عُزير وعيسى، لله تعالى .. فحسدوه ﷺ ، لأنه من ولد إسماعيل، وليس من ولد إسحاق ﵉. واختلفوا في أمر الإسلام: فمنهم من آمن به كعبد الله بن سلام، وزيد بن سعنة، من أحبار اليهود وغيرهما. ومنهم من كفر به وهم أكثرهم. وكان كفرهم هذا من بعد ما جاءَهم العلم اليقيني بأنه الحق، إذ أتاهم على وفق أوصافه ونعوته في كتابهم. وكان هذا أقبح القبح منهم. وإن الجحود - بعد العلم - أشنع من الكفر عن غفلة أَو جهالة. وكان اختلافهم فيه - بعد ما أتاهم العلم - إلا بغيا وحسدا فاشيا بينهم، لا لشبهة تقتضيه .. وصدق الله إذ يقول: "أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (١). (وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ): ختم الله الآية بهذا الوعيد. والمعنى: ومن يجحد آيات الله - الشاهدة بأن الإسلام هو الدين عند الله فلا يؤمن به - يعاقبه الله عن قريب، فإنه سريع الحساب ومن كان سريع الحساب، كان سريع العقاب، قريب الجزاء. وقد نفذ الله وعيده فيهم، فقُتلوا، وأُخرجوا من ديارهم حول المدينة … وما ينتظرهم من الجزاءِ في الآخرة أعظم. ٢٠ - ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ … ﴾ الآية.

стр. 558

المعنى: فإن جادلك أهل الكتاب، أو جميع الناس في الدين بعد ما جاءَهم العلم به، وظهرت لهم براهينه، فقل لهم: أسلمت وجهي لله، أي أخلصت ذاتي ونفسي له، ومَنْ آمن معي أخلصوا له أنفسهم كذلك. وإطلاق الوجه على الذات كلها، لأنه ترجمان النفس، وعليه تظهر آثارها، وهو من إطلاق اسم الجزءِ على الكلِّ لأَهميته. والمراد من الآية: أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ ، أن يقول لأهل الكتاب ذلك، ليعلموا أنه ليس مسئولا عن انحرافهم وكفرهم، وأن تبعة ذلك عليهم وحدهم، وأنه سائر في طريق عبادة الله وحده هو وأتباعه، دون اكتراث بضلالهم، لأن المحاجة والجدل معهم - لا فائدة فيهما، بعد ما جاءَهم العلم بأن ما عليه هو الحق. (وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ): المعنى: وقل يا محمد - لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وللأُميين - وهم مشركو العرب: الذين عُرفوا بهذا الوصف، لعدم معرفة سوادهم الأعظم القراءَة والكتابة - قل لهم - بعد ما أعلمتهم بترك المحاجة معهم وبإسلام وجهك وتابعيك لله تعالى - هل أَجْدَى معكم هذا وأسلمتم متبعين لي كما فعل المؤمنون، فإنه قد جاءَكم من الآيات ما يقتضي الإسلام، أَو أَنتم لا تزالون مصرين على العناد والكفر؟. وهذا كما تقول - إذا لَخَّصْتَ لسائل مسأَلة بعد ما بينتها له بسعة وإفاضة - هل فهمت ما قلته لك؟ وذلك على نظام قوله تعالى: "فَهَلْ أَنتمُ مُّنتَهُونَ" (١) بعد تفصيل الصوارف عن تعاطي ما حرم الله تعالى. وفي ذلك توبيخ واتهام لهم بالبلادة وجمود القريحة. فإن أسلموا متأثرين بذلك، فقد اهتدوا إلى الحق بإسلامهم، وخرجوا مما كانوا فيه من ضلال. وإن أعرضوا عن الإسلام فلا يضرك إعراضهم، فما عليك إلا تبليغهم، وقد فعلت، فخلصت بذلك من التبعية. (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ):

стр. 559

عليم بأحوالهم، فلا تخفى عليه أعمالهم، فيجزي من أسلم بإسلامه، ويعاقب من تولى وأعرض بتوليه وإعراضه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)﴾ المفردات: (يَأمُرُونَ بِالْقِسْطِ): القسط، العدل. (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ): التبشير هنا، بمعنى الإنذار. استعمل فيه، على سبيل التهكم. (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ): بطلت أعمالهم الحسنة، فضاع ثوابها. التفسير ٢١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: بعد ما توعد الله الكافرين بسرعة الحساب وأليم العقاب. وبعد أن بين لرسوله أنه ليس عليه سوى البلاغ، فإن أسلموا قُبل منهم، وإن أعرضوا أعرض عنهم وترك محاجتهم وأسلم وجهه مع من تبعه إلى ربه - أتبع ذلك بيان العقوبة التي يستحقها الكافرون بآيات الله، القاتلون للأنبياء ولمن يأمر بالعدل من الناس. المعنى: المراد من الذين يكفرون بآيات الله، كل من جحد براهينه تعالى، وحججه، فلم يؤمن بما أنزله على رسله. ويدخل فيهم: أهل الكتاب المعاصرون للنبي من اليهود والنصارى، الذين كفروا بما أنزله الله على رسوله محمد ﷺ ، ووصفهم بأنهم قتلوا

стр. 560

الأنبياءَ بغير حق، مع أن قاتليهم هم آباؤهم، لأن فعل الآباء، ينسب إلى الأبناء إذا كانوا موافقين عليه أو لم ينكروه. أَو أنهم وصفوا بذلك، للإيذان بأن هذا شأنهم، وأنه متغلغل في دمهم، وأنهم لو وجدوا أنبياءَهم لقتلوهم، كما فعل آباؤهم. ووصف قتلهم الأنبياء بأنه بغير حق، ليسَ للتقييد، بل للإيذان بأنه - دائِمًا - يكون بغير حق. فإن الأنبياء لا يرتكبون ما يوجبه أصلا، إذ هم معصومون من المعاصي مطلقا، فضلا عن عصمتهم عما يقتضي أن يقتلوا به. والذين يأمرون بالقسط من الناس، هم أهل الحق من بينهم: الذين كانوا يأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر. ولما كان هذا لا يرضيهم؛ لتأصل العصيان في نفوسهم - قتلوهم كما قتلوا أنبياءَهم، ليستريحوا من وعظهم وتذكيرهم ولومهم، وليخلُوَا لهم جو الفحشاء والمنكر. روى ابن جرير عن أبي عبيدة بن الجراح، قال: "قلت يا رسول الله: أي الناس أشد عذابًا يوم القيامة؟. قال: رجلٌ قتل نبيًّا، أو رجلًا أمر بالمعروف ونهي عن المنكر" ثم قرأ الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ … ). وتبشيرهم بعذاب أليم: إخبارهم بعذاب شديد الإيلام. ولما كان الإخبار بوعيد مؤلم يسمى إنذارًا، والإخبار بوعد سار يسمى تبشيرا، فإطلاق التبشير على ما هو إنذار، من باب التهكم والسخرية بأُولئك المجرمين الذين لا يعقلون. وخلاصة المعنى: إن الذين ينكرون آيات الله تعالى، فيكفرون بما يجب الإيمان به، ويقتلون أنبياءَهم بغير جريمة تقتضي القتل - والأنبياء معصومون من كل جريمة تقتضيه - ويقتلون الواعظين المذكّرين الذين يأمرونهم بالعدل من صفوة الناس، فأنذرهم - يا محمد - بعذاب شديد الإيلام. ٢٢ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾: المعنى: أُولئك الموصوفون بالكفر، وقتل الأنبياء ومن يأمر بالقسط من الناس - هم الذين بطلت في الدنيا أعمالهم الصالحة: كالصدقة وصلة الرحم، فلم تستتبع آثارها المرجوة، حيث لم تحقن بها دماؤهم، ولم تحفظ بها أموالهم، ولم يستحقوا بها مدحا ولا ثناءً، ولم يكن لها حظ الاعتبار في الآخرة.

стр. 561

وصدق الله تعالى إذ يقول: "وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا" (١). (وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ): مانعين من العذاب. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾ المفردات: (أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ): أُعطوا حظًا منه. والكتاب: اسم جنس لكل كتاب سماوي. والمقصود من النصيب: التوراة والإنجيل. (وَهُم مُّعْرِضُونَ): وهم منصرفون. (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ): يقصدون بها أيام عبادتهم للعجل. (وَغَرَّهُمْ): وأطمعهم. (مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ): ما كانوا يكذبون من أن النار لن تمسهم، إلا أياما معدودات. (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ): وأُعطيت كل نفس جزاءَ ما عملته - من خير أو شرٍّ - وافيًا.

стр. 562

التفسير ٢٣ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾: المعنى: الخطاب في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ) لكل من تتأَتى منه الرؤية. والاستفهام، للتعجيب من حال الذين أُوتوا نصيبًا وحظًّا من كتب الله تعالى: التي أَنزلها على رسله. وخص اليهود منهم بالنصيب الأَوفر. وذلك أنهم دعوا إلى كتاب الله - وهو التوراة على ما ذهب إليه ابن عباس - ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه مع النبي ﷺ . أخرج ابن إسحاق وجماعة عنه: دخل رسول الله ﷺ ، بيت المدارس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله تعالى، فقال نُعَيْمُ بن عمرو، والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ قال: على ملة إبراهيم ودينه. قالا: فإن إبراهيم كان يهوديًا. فقال لهما رسول الله ﷺ : فَهَلُمَّا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم. فأَبيا، فأنزل الله تعالى الآية (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ … ). فلما دُعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم، تولى فريق منهم وأعرض عما دعو إليه. وهم قوم عادتهم: الإعراض والتولي عن الحق. مع أن ما بأيديهم من الكتاب، ينبغي أن يجذبهم إلى الإقبال عليه. والمقصود من الفريق الذي تولى منهم: علماؤُهم. فهم الذين كانوا يقولون الكلام مع الرسول ﷺ . ٢٤ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: المعنى: ذلك الإعراض والتولي، من الذين أُوتوا نصيبًا من الكتاب - وهم اليهود - هو بسبب أنهم قالوا: لن تصيبنا النار إلا أياما معدودات، معتقدين صحة ما يقولون، مُهَوِّنين بذلك كفرهم بالحق، وجرائمهم، ومعاصيهم على أنفسهم، زاعمين - بذلك - أنهم لا يعاقبون عليها.

стр. 563

والمراد بالأيام المعدودات: أيام عبادتهم العجل، في غيبة موسى ﵇، لتلقى ألواح التوراة. أو أنهم يريدون بمقالتهم هذه: أنهم لا يُعذبون إلا مدة قليلة، لزعمهم أنهم أبناءُ الله وأحباؤُه. وخدعهم في دينهم ما كانوا يفترونه عليه من هذا الزعم، الذي لا نصيب له من الصحة. ٢٥ - ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: المعنى: فكيف يصنعون وقت أن نجمعهم للحساب والجزاء على جرائمهم وأكاذيبهم، في يوم القيامة الذي لا يصح أن يشك في مجيئه أحد، وحينئذ تعطى كل نفس جزاء ما عملته من خير أو شرٍّ وافيا، وهم لا يظلمون بنقص ثواب أو زيادة عقاب: فهل يجديهم - يومئذ - ما افتروه: من أنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودات؟! "يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا" (١). ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ المفردات: (اللَّهُمَّ): أصله، يا الله. فحذف "يا" وعوض عنها الميم وشددت، لكونها عوضا عن حرفين. ولا تجمع الميم مع "يا" إلا شذوذا. كقول الشاعر: إني إذا ما حَدَثٌ أَلمَّا … أقول يا اللهُمِّ يا اللهما

стр. 564

(مَالِكَ الْمُلْكِ): المُلك - بضم الميم وفتحها وكسرها - معناه: الاحتواءُ. أي الحيازة مع القدرة على التصرف. مأخوذ من: مَلَكَ الشيءَ يملكه: احتواه قادرا على حرية التصرف فيه. وهو بهذا المعنى - يطلق على: ملك الله وملك غيره. ومعنى (مَالِكَ الْمُلْكِ): صاحب السلطان والتصرف المطلق. وسيأتي لذلك مزيد بيان. (بِيَدِكَ الْخَيْرُ): بقدرتك مَنْحُ الخير ومنعه. (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ): تدخله فيه، بأن يأخذ من زمن النهار فيطول. (وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) معناه: عكس المعنى السابق. (وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ): أي وتكوِّن الأحياءَ من المواد الأولية التي لا حياة فيها: كالهواء والماء، والغذاء والتراب. (وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ): وتجعل الحي يموت. فتخرجه بذلك من جنس الأحياء. التفسير ٢٦ - ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: لما بين الله - فيما تقدم - أن الدين عند الله الإسلام، وأن أهل الكتاب كانوا متفقين على أن يؤمنوا برسوله، حين يبعثه الله داعيًا إليه، لِمَا كانوا يجدونه في كتبهم من الدعوة إلى الإيمان به حين يبعث، ومن بيان أماراته التي تدل عليه، وأنهم ما اختلفوا - في شأنه - إلا بعد بعثته ودعوتهم إلى الإيمان به. وكان ذلك بغيًا منهم وحسدا - أتبع ذلك بيانَ أن الملك لله: يعز من يشاءُ ويذل من يشاء، ليكفوا عن حسد من أعزه الله بالنبوة، ويؤمنوا بدينه الذي هو دين مَنْ بيده الملك. سبب النزول: رَوَى الواحدي عن ابن عباس، وأنس بن مالك: أنه لما فتح رسول الله ﷺ مكة وعد أُمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات: من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ هم أعز وأمنع من ذلك. ألم يكف محمدا مكةُ والمدينةُ، حتى يطمع في ملك فارس والروم؟. فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى غير ذلك في سبب النزول.

стр. 565

المُلك - بضم الميم - في حق الله تعالى، هو - على ما قاله المحققون - صفة قائمة بذاته تعالى، متعلقة بما سواه، تعلق التصرف التام، المقتضى استغناء المتصرِّف وافتقار المتصرَّف فيه. ولا يصح إطلاقه - بهذا المعنى - على غير الله تعالى. وهو أخص من المِلك - بكسر الميم - فإنه صفة تقتضي الاستيلاء والتسلط على شيءٍ بطريق مشروع، وتجعله صاحب الحق في التصرف فيه، من غير نظر إلى استغناء المتصرف وافتقار المتصرف فيه. ولهذا، يصح إطلاقه على غير الله تعالى. ومعنى الآية: قل يا محمد، ذاكرا وشاكرا لربك أن آتاك نعمة الرياسة والنبوة اللتين نزعهما عن بني إسرائيل، أهل الحقد والحسد: اللهم يا صاحب صفة التصرف التام في جميع الكون، بلا شريك ولا ممانع: تعطي السلطان والرياسة من تشاءُ، وقد تفضلت فأعطيتني السلطان والرياسة على أُمتى. وتمنع السلطان والرياسة من تشاءُ، وقد منعتهما بني إسرائيل الذين غرهم بالله الغرور. وتعز من تشاءُ في الدنيا والآخرة، بأسباب العزة والكرامة، وقد تفضلت عليَّ بالنبوة والعلم بك وبشريعتك فأعززتني. وتذل من تشاء وقد أذللت بني إسرائيل المتغطرسين، بتحويل النبوة عنهم إلى العرب بقدرتك الخير كله. تتصرف فيه أنت وحدك، حسب مشيئتك مَنْحًا ومنعا لا يملكه أحد سواك. إنك على كل شيء قدير. فلا يليق بأحد أن يحقد على خير قَسَمه الله لبعض عباده، فإنه مِن عطاءِ مَن له الملك، وبيده الخير. وهو على كل شيء قدير. ومن كان كذلك، فهو الحكيم الذي يجب التسليم بما أعطى ووهب، والرضا به من أعماق النفس دون حقد أو اعتراض. وإنما خص الخير بالذكر، تعليما لحسن الأدب، ومراعاة لسبب النزول. وإلا فالشر أيضًا بيد الله. ويدل لذلك قوله تعالى: (وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ). كما يدل عليه التعميم في قوله: (إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). كما أن في القرآن آياتٍ كثيرةٌ تدل على ذلك: كقوله تعالى: "مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ" (١).
следующие страницы →