وصدق الله تعالى إذ يقول: "وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا" (١).
(وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ): مانعين من العذاب.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾
المفردات:
(أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ): أُعطوا حظًا منه. والكتاب: اسم جنس لكل كتاب سماوي. والمقصود من النصيب: التوراة والإنجيل.
(وَهُم مُّعْرِضُونَ): وهم منصرفون.
(أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ): يقصدون بها أيام عبادتهم للعجل.
(وَغَرَّهُمْ): وأطمعهم.
(مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ): ما كانوا يكذبون من أن النار لن تمسهم، إلا أياما معدودات.
(وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ): وأُعطيت كل نفس جزاءَ ما عملته - من خير أو شرٍّ - وافيًا.
стр. 562
التفسير
٢٣ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾:
المعنى: الخطاب في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ) لكل من تتأَتى منه الرؤية.
والاستفهام، للتعجيب من حال الذين أُوتوا نصيبًا وحظًّا من كتب الله تعالى: التي أَنزلها على رسله. وخص اليهود منهم بالنصيب الأَوفر.
وذلك أنهم دعوا إلى كتاب الله - وهو التوراة على ما ذهب إليه ابن عباس - ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه مع النبي ﷺ .
أخرج ابن إسحاق وجماعة عنه: دخل رسول الله ﷺ ، بيت المدارس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله تعالى، فقال نُعَيْمُ بن عمرو، والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ قال: على ملة إبراهيم ودينه. قالا: فإن إبراهيم كان يهوديًا. فقال لهما رسول الله ﷺ : فَهَلُمَّا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم. فأَبيا، فأنزل الله تعالى الآية (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ … ).
فلما دُعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم، تولى فريق منهم وأعرض عما دعو إليه. وهم قوم عادتهم: الإعراض والتولي عن الحق. مع أن ما بأيديهم من الكتاب، ينبغي أن يجذبهم إلى الإقبال عليه.
والمقصود من الفريق الذي تولى منهم: علماؤُهم. فهم الذين كانوا يقولون الكلام مع الرسول ﷺ .
٢٤ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾:
المعنى: ذلك الإعراض والتولي، من الذين أُوتوا نصيبًا من الكتاب - وهم اليهود - هو بسبب أنهم قالوا: لن تصيبنا النار إلا أياما معدودات، معتقدين صحة ما يقولون، مُهَوِّنين بذلك كفرهم بالحق، وجرائمهم، ومعاصيهم على أنفسهم، زاعمين - بذلك - أنهم لا يعاقبون عليها.
стр. 563
والمراد بالأيام المعدودات: أيام عبادتهم العجل، في غيبة موسى ﵇، لتلقى ألواح التوراة. أو أنهم يريدون بمقالتهم هذه: أنهم لا يُعذبون إلا مدة قليلة، لزعمهم أنهم أبناءُ الله وأحباؤُه. وخدعهم في دينهم ما كانوا يفترونه عليه من هذا الزعم، الذي لا نصيب له من الصحة.
٢٥ - ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾:
المعنى: فكيف يصنعون وقت أن نجمعهم للحساب والجزاء على جرائمهم وأكاذيبهم، في يوم القيامة الذي لا يصح أن يشك في مجيئه أحد، وحينئذ تعطى كل نفس جزاء ما عملته من خير أو شرٍّ وافيا، وهم لا يظلمون بنقص ثواب أو زيادة عقاب: فهل يجديهم - يومئذ - ما افتروه: من أنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودات؟! "يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا" (١).
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾
المفردات:
(اللَّهُمَّ): أصله، يا الله. فحذف "يا" وعوض عنها الميم وشددت، لكونها عوضا عن حرفين. ولا تجمع الميم مع "يا" إلا شذوذا. كقول الشاعر:
إني إذا ما حَدَثٌ أَلمَّا … أقول يا اللهُمِّ يا اللهما
стр. 564
(مَالِكَ الْمُلْكِ): المُلك - بضم الميم وفتحها وكسرها - معناه: الاحتواءُ. أي الحيازة مع القدرة على التصرف. مأخوذ من: مَلَكَ الشيءَ يملكه: احتواه قادرا على حرية التصرف فيه. وهو بهذا المعنى - يطلق على: ملك الله وملك غيره. ومعنى (مَالِكَ الْمُلْكِ): صاحب السلطان والتصرف المطلق. وسيأتي لذلك مزيد بيان.
(بِيَدِكَ الْخَيْرُ): بقدرتك مَنْحُ الخير ومنعه.
(تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ): تدخله فيه، بأن يأخذ من زمن النهار فيطول.
(وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) معناه: عكس المعنى السابق.
(وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ): أي وتكوِّن الأحياءَ من المواد الأولية التي لا حياة فيها: كالهواء والماء، والغذاء والتراب.
(وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ): وتجعل الحي يموت. فتخرجه بذلك من جنس الأحياء.
التفسير
٢٦ - ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾:
لما بين الله - فيما تقدم - أن الدين عند الله الإسلام، وأن أهل الكتاب كانوا متفقين على أن يؤمنوا برسوله، حين يبعثه الله داعيًا إليه، لِمَا كانوا يجدونه في كتبهم من الدعوة إلى الإيمان به حين يبعث، ومن بيان أماراته التي تدل عليه، وأنهم ما اختلفوا - في شأنه - إلا بعد بعثته ودعوتهم إلى الإيمان به. وكان ذلك بغيًا منهم وحسدا - أتبع ذلك بيانَ أن الملك لله: يعز من يشاءُ ويذل من يشاء، ليكفوا عن حسد من أعزه الله بالنبوة، ويؤمنوا بدينه الذي هو دين مَنْ بيده الملك.
سبب النزول:
رَوَى الواحدي عن ابن عباس، وأنس بن مالك: أنه لما فتح رسول الله ﷺ مكة وعد أُمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات: من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ هم أعز وأمنع من ذلك. ألم يكف محمدا مكةُ والمدينةُ، حتى يطمع في ملك فارس والروم؟. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروى غير ذلك في سبب النزول.
стр. 565
المُلك - بضم الميم - في حق الله تعالى، هو - على ما قاله المحققون - صفة قائمة بذاته تعالى، متعلقة بما سواه، تعلق التصرف التام، المقتضى استغناء المتصرِّف وافتقار المتصرَّف فيه. ولا يصح إطلاقه - بهذا المعنى - على غير الله تعالى. وهو أخص من المِلك - بكسر الميم - فإنه صفة تقتضي الاستيلاء والتسلط على شيءٍ بطريق مشروع، وتجعله صاحب الحق في التصرف فيه، من غير نظر إلى استغناء المتصرف وافتقار المتصرف فيه. ولهذا، يصح إطلاقه على غير الله تعالى.
ومعنى الآية: قل يا محمد، ذاكرا وشاكرا لربك أن آتاك نعمة الرياسة والنبوة اللتين نزعهما عن بني إسرائيل، أهل الحقد والحسد: اللهم يا صاحب صفة التصرف التام في جميع الكون، بلا شريك ولا ممانع: تعطي السلطان والرياسة من تشاءُ، وقد تفضلت فأعطيتني السلطان والرياسة على أُمتى.
وتمنع السلطان والرياسة من تشاءُ، وقد منعتهما بني إسرائيل الذين غرهم بالله الغرور. وتعز من تشاءُ في الدنيا والآخرة، بأسباب العزة والكرامة، وقد تفضلت عليَّ بالنبوة والعلم بك وبشريعتك فأعززتني.
وتذل من تشاء وقد أذللت بني إسرائيل المتغطرسين، بتحويل النبوة عنهم إلى العرب بقدرتك الخير كله. تتصرف فيه أنت وحدك، حسب مشيئتك مَنْحًا ومنعا لا يملكه أحد سواك. إنك على كل شيء قدير. فلا يليق بأحد أن يحقد على خير قَسَمه الله لبعض عباده، فإنه مِن عطاءِ مَن له الملك، وبيده الخير. وهو على كل شيء قدير.
ومن كان كذلك، فهو الحكيم الذي يجب التسليم بما أعطى ووهب، والرضا به من أعماق النفس دون حقد أو اعتراض.
وإنما خص الخير بالذكر، تعليما لحسن الأدب، ومراعاة لسبب النزول. وإلا فالشر أيضًا بيد الله. ويدل لذلك قوله تعالى: (وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ). كما يدل عليه التعميم في قوله: (إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). كما أن في القرآن آياتٍ كثيرةٌ تدل على ذلك: كقوله تعالى: "مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ" (١).
стр. 566
واعلم أن الشر الذي يكتبه الله على عباده ليس شرًّا محضا، بل هو مشوب بخير دائمًا. ففي نقل الرياسة من إسرائيل للعرب، شرٌّ على بني إسرائيل، ولكنه خير للعرب، وخير للناس أجمعين، لأن بني إسرائيل لا يصلحون لزعامة العالم - دينيا ودنيويا - في رسالة عامة كالتي كلف بها رسول الله ﷺ ، فهم: قوم غلاة مستكبرون مغترُّون. فلو كُلف أحد منهم بمثل هذه الرسالة لكان ذلك نكبة على العالم.
وحسبك ما نعلمه من تاريخهم - في ماضيهم وحاضرهم - من الظلم والطغيان والجبروت!! فلما نقلت الرسالة منهم إلى العرب، وكلف بها سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين المنعوت بقوله تعالى: "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ" (١) - عَمَّ العالَمَ العدلُ والرحمة والبركة.
وكذلك شأن الله في كل بلاء كتبه، فإنه لحكمة إلهية، كشرب الدواء الكريه، والحجامة والفصد، وقطع العضو الذي يخشى من انتقال مرضه إلى سواه، ونحو ذلك من الأُمور المؤلمة، فإنها - مع كراهتها - تستعقب الصحة والعافية. وهي خير. كما أن الصبر عليها يورث حسن الجزاءِ. ثم إن فيها تمحيصا "لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ" (٢).
ولا شك أن الشرَّ إذا استتبع خيرا كثيرا كان تقديره مصلحة وحكمة.
٢٧ - ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾:
هذه الآية مقرِّرة لما قبلها من أن الملك لله: يعز من يشاءُ ويذل من يشاءُ، وأن بيده الخير، وأنه على كل شيء قدير. فإن من أَولج الليل في النهار والنهار في الليل، وأَخرج الحيَّ من الميت والميتَ من الحي، ورزق من شاء بغير حساب، لابد من أن يكون متصفا بالصفات الكريمة، التي اشتملت عليها الآية السابقة.
والليل لا يدخل في النهار، ولا النهار في الليل على الحقيقة. ولكنه مستعار لزيادة زمان الليل وقتما يقصر النهار، ولزيادة زمان النهار وقتما يقصر الليل.
стр. 567
ولما كانت زيادة الزمان في في كل منهما على حساب النقص في الآخر، جعل ذلك إدخالا لأحدهما في الآخر على سبيل الاستعارة.
أما إخراج الحي من الميت، فالمراد منه تكوينه من المواد الأولية التي تبني الأجساد، كالماء والهواء، وأشعة الشمس والغذاء الذي فقد الحياة بنزعه من أصله.
فمن هذه المواد الميتة تتكون المنطقة المملوءَة بالحياة. ومن النطفة يتكون الجنين الحي.
وكما أن منشأ الحيوان ما ذكر، فكذلك منشأُ النبات الحي: الماءُ والهواءُ، وأشعة الشمس والغذاء. وغذاءُ النبات تربة الأرض. وكل ذلك من قبيل الميت. وبذلك اتضح قوله تعالى: "يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ" (١).
ولا ينبغي أن يفهم أحد أن النبات ليس مقصودا من الآية، بزعمه أن النبات ليس فيه حياة. كلا .. لا ينبغي له ذلك .. فإن النبات إذا فقد أسباب الحياة ذبل وتلاشى، ولم يؤْت ثمرا ولا حَبًّا. فهو - لذلك - داخل في الآية قطعا.
وأمَّا إخراج الميت من الحي، فالمراد منه إبطال الحياة من الحي بأي سبب أراده الله. فتبطل آثارها، ويعود الجسم إلى أصله الميت، وهو الماءُ والتراب، بعد التحلل والتفاعل مع العوامل التي تنتهي به إلى ذلك.
ومعنى الآية: يطيل الله الليل في بعض فصول السنة، بإضافة جزء من النهار إليه. ويطيل النهار في بعض فصولها، بزيادة جزءٍ من زمان الليل فيه. ويخرج الحيَّ من المواد الأولية الميتة التي خلق منها، كالماء والتراب وبعض عناصر الهواءِ. ويخرج الميت منَ الحيِّ بأن يُفقده أسباب الحياة، فيموت ويعود إلى أصله. ويرزق من يشاءُ رزقه بغير حساب. أي رزقا واسعا، بغير تضييق عليه.
وكما يرزق من يشاءُ بغير حساب، يضيقه على من يشاءُ لحكمة تقتضيه. ولم يذكر ذلك في الآية لعلمه من أمثاله فيما سبق، ولأن من يملك الإعطاءَ يملك المنع.
ويرى بعض المفسرين: أن إخراج الحي من الميت، معناه: إخراج الجنين من النطفة أو الفرخ من البيضة. وأن إخراج الميت من الحي، معناه: إخراج النطفة من الحيوان أو البيضة من الدجاجة.
ولكن هذا الرأي لا يقبل إلا على سبيل التشبيه، يجعل النطفة - أو البيضة بجانب الحيوان الذي يتكون منها - كالشيء الميت، لعظم الفرق بينهما. أما على الحقيقة فلا،
стр. 568
لأن النطفة مليئة بالكائنات الحية المتحركة، كما يتبين ذلك تحت آلة التكبير - المجهر - ومثلها البيضة.
وكذا القول بأن المراد من الميت الذي يخرج من الحي: النطفة أو البيضة التي يخرجها الله من الحيوان، لا يصح أن يقبل إلا على سبيل المجاز، لما قدمناه.
وقال الحسن في معنى الآية: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، فحمل الحياة والموت على المجاز. وروى هذا التفسير عن أئمة أهل البيت.
ويمكن تفسيرها مجازًا بمعنى: يخرج الطيب من الخبيث، والخبيث من الطيب، والعالم من الجاهل، والجاهل من العالم، والذكيّ من البليد، والبليد من الذكيّ، إلى غير ذلك. ولا تغفل عما قلناه في موضوع النطفة من أن اعتبار النطفة ونموها كالبيضة ميتة، إنما هو على سبيل التشبيه بها، عند مقارنتها بالحيوان الذي يتخلق منها، وليس على سبيل الحقيقة، ففي النطفة - وما ماثلها - حياة. كما تقدم.
﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾
المفردات:
(أَوْلِيَاءَ) أصدقاء، أو أنصارا.
(مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ): متجاوزين المؤمنين إلى الكافرين.
(فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ): فليس في دين الله من شيء.
(إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً): إلا أن لِتَقُوا أنفسكم وتحفظوها مما يُتَّقى ويحذر منهم.
(الْمَصِيرُ): المرجع.
التفسير
٢٨ - ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً … ﴾ الآية.
стр. 569
سب النزول: روى عن ابن عباس، قال: كان الحجاج بن عمرو، وكهمسُ بن أبي الحقيق، وقيس بن زيد - والكل من اليهود - يباطنون نفرا من الأنصار، ليفتنوهم عن دينهم. فقال رفاعة بن المنذر، وعبد الله بن جبير، وسعيد بن خيثمة لأُولئك النفر: اجتنبوا هؤُلاء اليهود واحذروا مباطنتهم، لا يفتنوكم عن دينكم. فأَبى أُولئك النفر، إلا مباطنتهم وملازمتهم. فأنزل الله هذه الآية.
وروى الضحاك عن ابن عباس: أنها نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري. وكان بدريا نقيبا. وكان له حِلْفٌ من اليهود. فلما خرج النبي ﷺ ، يوم الأحزاب. قال عبادة: يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأَيت أن يخرجوا معي؛ فأَستظهر بهم على العدو. فأنزل الله تعالى: (لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ … ) الآية.
الربط:
بعد أن أشار الله إلى إعزاز المؤمنين، وإذلاله الكافرين، وذكر أن بيده الخير، وأنه على كل شيء قدير، وأنه يولج الليل في النهار، والنهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، والميت من الحي، ويزرق من يشاء بغير حساب، ليعلم المؤمنون أنهم يأوون من الله إلى ركن شديد - بعد أن ذكر الله تعالى ذلك - أتبعه تحذيرهم من اتخاذ الكافرين أولياءَ بعد أن أذلهم بإعلائهم عليهم، فإن الموْتور لا تخمد في نفسه جذوة الحقد على من وتَر، ولا يبغي لواتره سوى الشر، فحسبهم تأييد الله وولايته لهم.
المعنى: تقرر الآية: أن موالاة الكافر خطر على من والاه، وأنها لا تكون إلا عند الضرورة، لاتقاء ضرر يكون من ناحيته، على ألا تبلغ الموالاة درجة المباطنة بخفايا المؤمنين.
والموالاة تطلق لغة: على الحب والصداقة والمباطنة بالأسرار. وتطلق: على النصرة. وكلا المعنين تصح إرادته في الآية.
ولهذا، لا يحل للمؤمنين أن يوالوا الكافرين، بأي معنى من معاني الموالاة. ومن يفعل ذلك فليس من دين الله في شيء.
وقد ذكر ذلك صريحا في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" (١).
стр. 570
وقد تكرر النهي - عن موالاة المؤمنين للكافرين - في عديد من آي القرآن، لخطورتها على كيانهم. فهم - دائما - يتربصون بهم الدوائر، ويبغونهم الفتنة. وفي المسلمين سماعون لهم، وهم المنافقون، وضعاف النفوس.
فيمن الآيات الناهية عن موالاتهم، قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ" إلى قوله تعالى: "يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ" (١). وقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا" (٢).
فعلى المؤمنين أن يحذروا موالاتهم، حتى يأمنوا شرهم، ويكونوا بذلك أهلا لتأييد ربهم مالك الملك، وصاحب العز والسلطان.
وعليهم أن يقصروا موالاتهم على المؤمنين: لا يتجاوزونهم إلى الكافرين لغرض من الأغراض، إلا لأن يتقوا أو يحفظوا أنفسهم من ضرر شأنه أن يتقي ويُحذر .. فإذا اضطر المسلمون لموالاتهم دفاعا عن الوطن، أو المال، أو العرض، فلهم ذلك … في حدود الضرورة.
وأجاز المحققون من العلماء: الاستعانة بالكفار، بشرط الحاجة الوثوق .. أما بدونهما، فلا تجوز. واستدل لذلك، بأن النبي ﷺ ، استعان بيهود بني قينقاع ورَضَخَ لهم (٣) .. واستعان بصفوان بن أُمية في هوازن.
على أن بعضهم ذكر أن الاستعانة المنهي عنها، هي استعانة الذليل بالعزيز. أما غيرها فلا. وفي فتاوى ابن حجر: جواز القيام في المجلس لأهل الذمة. وَعَدَّ ذلك من باب البر وحسن المعاملة المأذون به في قوله تعالى: "لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (٤).
ثم ختم الله الآية بهذا التحذير الخطير، فقال:
(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ):
أي يحذركم اللهُ - أيها المؤمنون - عقابَ نفسه، إن واليتموهم في غير ما أُبيح لكم .. واعلموا أن إلى الله المرجع، فسوف يجازى كل امريء بما كسب. وفي إضافة تحذيرهم إلى نفسه وإلى ذاته العلية، إيذان ببلوغ المنهي عنه منتهى الخطورة.
стр. 571
﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾
المفردات:
(مُحْضَرًا): يُحْضِرُه ملائكة الله في الصحف.
(أَمَدًا بَعِيدًا): غاية أو مسافة بعيدة.
التفسير
٢٩ - ﴿قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾:
هذه الآية - والتي تليها - واضحتا الارتباط بالآية التي قبلهما، فإنهما مثلها: في تحذير المؤمنين من موالاة الكافرين، وإن كان التحذير فيهما أشمل وأوسع، لعمومه لجميع المنهيات.
والمعنى: قل يا محمد، للمؤمنين: إن تُسِرُّوا ما في نفوسكم من الضمائر المنهي عنها، التي من جملتها ولاية الكفار، أو تظهروه - يعلمه الله فيؤَاخذكم به عند مصيركم إليه، ويعلم ما في السموات وما في الأرض، فوق علمه بما في صدوركم.
(وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ):
ومن كان كذلك، فهو قادر على عقابكم، فلا تجسروا على عصيانه وموالاة أعدائه.
٣٠ - ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا … ﴾ الآية
المعنى: واذكر لهم - يا محمد - يوم تجد كل نفس من نفوس المكلفين، ما عملته من خير
стр. 572
- وإن قل - محضرا أمامها في صحائفها، لتنعم به، "فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ" (١).
وتجد كل نفس أيضا: ما عملته من سوءٍ وشرٍّ في الدنيا، محضرًا يوم القيامة في صحائفها لتساءَ به، وتتمنى حين تراه لو أن بينها وبين ذلك اليوم - أو بينها وبين ما عملته من سوءٍ - أمدًا بعيدًا. والأمد: الغاية والمنتهى. أي تود لو أن بينها وبين يوم القيامة - أو بينها وبين عملها السيء - غاية ونهاية بعيدة.
وذهب بعض العلماء، إلى أن المراد به: المسافة البعيدة. واستظهر ذلك حملا لهذه الآية على قوله تعالى: "يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ … " (٢).
ثم ختم الله الآية، مكررًا ما سبق من التحذير، وواصفًا نفسه الكريمة بالرأفة، فقال:
(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ):
أي ويخوفكم الله من نفسه إن خالفتم ما كلفكم به. والله عظيم الرحمة بالعباد، حين نهاهم عن موالاة الكافرين، وحذرهم من عقابه إذا خالفوا أمره، فإنَّ بُعدَهم عن موالاة الكافرين، فيه السلامة لهم، وتحذيرهم من عقابه تعالى، يدفعهم إلى طلب رضاه، واجتناب سخطه .. وكل ذلك رأفة بهم، ورحمة بالغة نافعة لهم.
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾
التفسير
٣١ - ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾:
سبب النزول والربط:
قال القرطبي: رُوي: أن المسلمين قالوا: يا رسول الله، والله إنا لنُحِبُّ ربنا .. فأنزل الله "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ".
стр. 573
وقال محمد بن جعفر بن الزبير: "نزلت في نصارى نجران. وذلك أنهم قالوا: إنما نعظم المسيح ونعبده، حبًا لله تعالى وتعظيمًا له. فأنزل هذه الآية ردًا عليهم" رواه محمد بن إسحق.
وسياق الآيات من قبل، يرجع الأول. فقد نُهيَ فيها المؤمنون عن اتخاذ الكافرين أولياءَ، وتوالي تحذيرهم بعد ذلك من المخالفة، حتى اتصل الكلام هنا بحضهم على اتباع رسول الله وطاعته: فيما يأمرهم به وينهاهم عنه.
وسواءٌ كان السبب هذا أو ذاك، فالآية صالحة لخطاب الجميع.
والمعنى: قل يا محمد: لِمَنْ يدعي حُبَّ الله: إن كنتم تحبون الله كما تقولون، فاتبعوني فيما بلَّغتكم عن الله تعالى، وبَرْهِنُوا - بهذا الاتباع - على صدق محبَّتكم لله تعالى، فإن المحبة ليست ادعاء، ولكنها اتباع لما يرضى المحبُوب. فمن أَحبَّ اللهَ فلْيتبع حبيبه ومصطفاه، ولْيتأدب بِمَا دعا إليه من فضائل وآداب. وإلا فهو كاذب في دعواه.
وثمرة هذا الاتباع، لا غاية وراءها لكم وهي حبُّ الله، وغفران ما عسى أن تقترفوه من ذنوب .. ولا شيءَ أسمى من ذلك تطمح إليه قلوب المحبين.
وليس الفضل في أن تقول: إني أُحب. ولكن الفضل في أن تفعل ما تكون به محبوبًا عند حبيبك.
وقد ختم الله الآية، بما اتصف به دائمًا، من صفتي الغفران والرحمة فقال: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ):
ولا يتمتع ببركة هذين الوصفين، إلا من لازم اتباع الرسول فيا أمر به ونهى عنه.
قال ابن كثير: هذه الآية، حاكمة على كل من ادّعى محبة الله - وليس هو على الطريقة المحمدية - بأنه كاذب في دعواه، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله، وأفعاله، وأحواله. كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لِيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" اهـ.
وقال الحسن البصري: زعم قوم: أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ):
والحسن البصري: من كبارة أساتذة التصوف. وهو إذ يقول ذلك، يعلمنا ألا نحفل بمن يزعم أنه من المتصوفة المحبين ربهم، وهو في وادٍ واتباع الرسول في وادٍ آخر. فلا ولاية
стр. 574
ولا حب لله، إلا باتباع كتاب الله وسنة رسوله، عملا بهذه الآية وبقوله تعالى: "وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ" (١).
وأعلى درجات الحب لله: أن يحبه تعالى لذاته، ويتفانى في طاعته .. أما حبه لثوابه، لدرجته نازلة عن هذه المنزلة.
وإذا كافأَ الله عبدًا بحبه، عُرِف ذلك من حب عباده له.
ففي صحيح مسلم: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ إِذَا أَحبَّ عبدًا دعا جِبريلَ فقالَ: إِنِّي أَحِبُّ فلانًا فأَحبَّهُ. قال: فَيُحِبُّهُ جِبريلُ. ثم ينادِي في السماءِ فيقولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فلانًا فأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّماءِ. قال: ثمَّ يوضَعُ له القَبولُ في الأرض. وِإذا أَبْغَضَ عبدًا دعا جبريلَ فيقولُ: إِني أُبْغِضُ فلانًا فأَبْغِضْه. قال: فيُبْغِضُهُ جِبريلُ. ثم يُنادي في أَهْلِ السَّماءِ: إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلانًا فأَبْغِضُوهُ. قالَ: فيُبْغضُونَهُ، ثَمَّ تُوضَعُ لَهُ البَغْضَاءُ فِي الأَرضِ".
٣٢ - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾:
المعنى: قل لهم يا محمد، أطيعوا الله والرسول في جميع الأوامر والنواهي، فإن أعرضوا عن ذلك، فإن الله يبغضهم ولا يحبهم، لتوليهم وإعراضهم عن طاعة الله ورسوله.
وإطلاق وصف الكافرين على المعرضين عن طاعة الله ورسوله - لأن من تولى وأعرض بقلبه، فهو نافر من شرع الله كاره له. فيكون بذلك كافرا، والعياذ بالله تعالى.
أما لو كان تَولِّيه وإعراضه مجرد ترك لما أُمر به، اتباعا لشهواته - مع اعتقاده أن ذلك حرام، وأنه مذنب فيما يفعل، ومقصر في حقه تعالى - فإن الكفر بالنسبة له كفر للنعمة، وعدم قيام بشكرها. أو هو من باب التنفير من المعصية. وفي كلتا الحالتين، يكون تارك الاتباع محروما من حب الله تعالى، لأن الله سبحانه لا يحب من عصاه بكفر أو فجور.
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾
стр. 575
المفردات:
(اصْطَفَى): اختار.
(وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ): المراد بالآل فيهما: من كان من ذريتهم من الأنبياء. وسيأتي شرح ذلك.
(ذُرِّيَّةً): الذرية النَّسْل. يطلق على الواحد وغيره.
التفسير
٣٣ - ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾:
قال الآلوسي: قال شيخ الإسلام ﵀ في وجه المناسبة: لما بيّن الله سبحانه: أن الدين عند الله الإسلام. وأن اختلاف أهل الكتابين إنما هو للبغي والحسد .. وأن الفوز برضوانه ومغفرته ورحمته، منوط باتباع الرسول ﷺ شرع في تحقيق رسالته، وأنه من أهل بيت النبوة القديمة، ممهدا إلى ذلك: بذكر جلالة أقدار الرسل، ومنتهيا إلى تنزيه ساحته، عما هم عليه من اليهودية والنصرانية المبدلتين. وأن الأُمم - قاطبة - مأمورون بالإيمان بمن هو مصدِّق لرسالات الرسل، تحقيقا لوجوب الإيمان بالرسول وطاعته .. اهـ. ملخصا.
الشرح: ذكر الله، أنه اصطفى طائفة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وبدأ بآدم أبي البشر الأول. وثنى بنوح الأب الثاني لهم بعد الطوفان. وعقبه بآل إبراهيم أبي الأنبياء وواسطة عقدهم محمد ﷺ ، وذكر آل عمران - مع دخولهم في آل إبراهيم - اعتناءً بأمر عيسى الذي اختلفوا في شأنه.
والمراد بآل إبراهيم: ذريته من الأنبياء، والمراد بعمران: والد مريم، وهو ابن ماثان. وآله: ابنته مريم وابنها عيسى، ﵉.
وقيل: عمران هنا، هو عمران بن يصهر أبو موسى. وآله: هم موسى وهارون.
والظاهر الأول، فإن السورة تسمى: سورة آل عمران. ولم تشرح قصة عيسى ومريم في سورة أبسط من شروحها هنا .. أما قصة موسى وهارون فلم يذكر منها هنا شيءٌ.
والمراد من العالمين الذين اختارهم وفضلهم عليهم: عالمو زمانهم. وقد فضلهم الله عليهم، بما آتاهم من النبوة والكتاب في معظمهم. وفي مريم: يحملها وولادتها من غير مماسة بشر، مع طهارتها وانقطاعها لعبادة ربها، وإمدادها في مصلاها برزق الله في غير أوانه، واختيارها لتكون أُمًّا لعيسى: الذي شاءَ له مولاه أن يكون بغير أب.
стр. 576
٣٤ - ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾:
المعنى: اصطفى الله آل إبراهيم وآل عمران. حال كونهم ذرية بعضها من بعض في النسب، فالمتأخرون منهم سلالة المتقدمين.
وقال قتادة في معناها: بعضها من بعض في النية والعمل الصالح، والإخلاص والتوحيد.
وقد أثبتت الدراسات الحديثة، آثار الوراثة في التكوين الخلقي، والعقلي، والجسماني.
وإلى هذا أشار الحديث الشريف "تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُم، فأَنكِحُوا الأَكْفاءَ وانكحوا إليهم" رواه ابن ماجة والحاكم والبيهقي.
ويختم الله الآية بقوله: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ليشير بذلك، إلى أنه اختارهم واصطفاهم، لصلاحيتهم وأهليتهم التامة للاختبار: في أقوالهم التي يسمعها، وأفعالهم ونياتهم التي يعلمها، فإنه سميع بكل قول، عليم بكل حال وفعل ونية.
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾
المفردات:
(نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي): أوجبت على نفسي: أن يكون ما في بطني لك، لخدمة بيتك.
(مُحَرَّرًا): خالصا.
(أُعِيذُهَا بِكَ): أُجيرها بك.
(الرَّجِيمِ): المطرود.
стр. 577
٣٥ - ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
امرأة عمران، هي: حَنَّةُ بنت فاقُوذا، كما رواه إسحق بن بشر، عن ابن عباس والحاكم، عن أبي هريرة، وهي جدة عيسى ﵇ لأُمه.
وكانت هذه السيدة عاقرًا لا تلد. وكانوا أهل بيت من الله بمكان. فتحركت نفسها يومًا لأن تكون أُمًا. فلاذت بربها ودعته - بضراعة - أن يهب لها ولدا، ونذرت إن حقق الله أُمنيتها: أن تجعل ولدها محرَّرًا: أي خالصًا للعبادة وخدمة بيت المقدس، عتيقا من سوى ذلك. وكان ذلك جائزا في شريعتهم. وكان على أولادهم أن يطيعوهم فيما نذروا.
وكانت خدمة البيت والإقامة فيه للعبادة، قاصرة على الغلمان. فلما تحقق حملها، قال لها زوجها: أرأيت إن كان ما في بطنك أُنثى - والأُنثى عورة - فكيف تصنعين؟. فقالت عند ذلك (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ): تريد بهذه الضراعة: التماس الولد الذكر، لعدم قبول الأُنثى في خدمة البيت. فكأنها تقول: رب إني نذرت ما في بطني، فاجعله ذكرا، لأستطيع تحقيق نذري.
وجعله بعض الأئمِة تأكيدا لنذرها، وإخراجا له عن صورة التعليق، إلى هيئة التنجيز.
ومعنى (نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي): نذرته لأجلك. وهي تريد بذلك: أنها نذرته لخدمة بيته وعبادته فيه. وتقصد بقولها: (مُحَرَّرًا) أنها ستخلصه لذلك، فلا تصرفه في حوائجها. مأخوذ من التحرر. وهو: التخليص من الشوائب.
وختمت ضراعتها بقولها: (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وهو تعليل لاستدعاء القبول، أي إنك السميع بكل المسموعات فتسمع دعائي، العليم بكل المعلومات، فتعلم نيتي وإخلاصي فَتَفَضَّلْ من أجل ذلك بقبول التماسي.
٣٦ - ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى … ﴾ الآية.
ضمير الغائبة في (وَضَعَتْهَا) عائد على ما في بطنها، وتأنيثه باعتبار الواقع.
والمعنى فلما وضعت أُنثى - على خلاف ما كانت تأمله - قالت متحسرة حزينة على فوات
стр. 578
رجائها، رب إني وضعتها أُنثى. قالت ذلك وهي لا تعلم بمكانة ما وضعته، والله وحده الذي يعلم بشأنها، وما علق بها من عظائم الأُمور ودقائق الأسرار. وقالت في تحسرها: وليس الذكر كالأُنثى في خدمة المسجد الأقصى، فإنها مقصورة على الغلمان دون الإناث فكأنها تقول: فماذا أصنع في نذري يا رب؟ ثم عطف على ذلك قولها:
(وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ):
دل هذا الكلام: على أنها - لما وضعتها - قالت ما تقدم. وأطلقت عليها اسم مريم في اليوم الذي وضعتها فيه. وهي السنّة في شريعتنا أيضا.
فقد أخرج الشيخان، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "وُلِدَ لِيَ الليلةَ ولدُ سمّيته باسم أبي إبراهيمَ" وأخرجا أيضا، عن أنس بن مالك: "أنه ذهب بأخيه حين ولدته أُمه إلى رسول الله ﷺ ، فحنَّكه وسماه عبد الله".
لم تشأ أُم مريم أن ترجع في نذرها حَمْلها لخدمة البيت وبعادة الله فيه، بعد أن تحقق أنه أُنثى.
وكان أول شيء اتجهت إليه - في هذا الصدد - أن تسميها بالاسم المناسب لما أرادته في نذرها وهو مريم. فإن معناه: العابدة، في لغتها. وعقَّبت ذلك بضراعتها إلى الله: أن يعصمها ويحفظها وذريتها من الشيطان الرجيم، المطرود من رحمة الله. بحيث يكونون - جميعًا - في مرضاة الله وعبادته.
هذا، وقد قال بعض المتأخرين من المفسرين: إن مريم معرب مارية بمعنى جارية.
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾
стр. 579
المفردات:
(فَتَقَبَّلَهَا): أي قبل مريم - في النذر - مكان الذكر.
(وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا): وربَّاها تربية طيبة .. حيث نشأت في طاعة الله.
(وَكَفَّلَهَا زَكَرِيا): أي جعله كافلا وضامنا لها.
(الْمِحْرَابَ): غرفة عالية، بنيت لها، أو هو المسجد.
(أَنَّى لَكِ هَذَا): من أَيْنَ لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاقنا؟
التفسير
٣٧ - ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا … ﴾ الآية.
قلنا: إن أُم مريم، مضت في نذرها مع وليدتها الأُنثى، مخالفة بذلك مألوف قومها: من أن خادم بيت المقدس يكون من الذكران.
وهنا، تصريح الآية: أنه تعالى، تفضل فقبل منها مريم قبولاً حسنًا، وفاءً بنذرها، لما تعلقت به مشيئته من أُمور عظيمة، ترتبط بوليدتها الأُنثى.
والقبول الحسن منه تعالى: أنه اختصها - دون سواها - بإقامتها مُقَام الذكر في خدمة بيت المقدس.
وكما تقبل الله مريم في خدمة البيت لأَمر يعلمه، أنبتها ورباها تربية حسنة، إذ نشأت على طاعة الله تعالى.
وقد ساعد على ذلك: أنه تعالى، جعل زكريا ﵇ كافلا لها؛ لتقتبس منه العلوم والمعارف، ولتمضِيَ على سنته من الصلاح والتقوى. وكان زَوْجَ أُختها، كما ورد في الصحيح "فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة" ويحيى: ابن زكريا ﵉.
وهكذا تهيأَت لها البيئة الصالحة، كما تهيأَت لها الوراثة الصالحة. فكانت سيّدة نساءِ العالمين.
وذكر ابن اسحق وابن جرير: أن زكريا، كان متزوجا خالة مريم. ويجمع بينهما، بأن خالة الأُم لولدها. والسبب في كفالته لها: أن أباها كان متوفيا. أو أن السَّنةَ كانت جدباء ذكر ذلك ابن اسحق.
стр. 580
(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ):
كان زكريا يأتي مريم بطعامها، بمقتضى كفالته لها. ولكنه كان - حين يأتيها - يجد عندها رزقا جميلا، وطعاما وفيرا. فيعجب لذلك، ويقول لها: من أين لك هذا؟! يقول لها ذلك متعجبا من وجود رزق عندها، ولا كافل لها سواه. فتجيبه قائلة: (هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ) رزقا واسعا (بِغَيْرِ حِسَابٍ). ويحتمل أن تكون جملة (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) من كلام الله تعالى، وليس من كلامها، سيقت: للإيذان بأنه لا ينبغي أن تعجب من هذا الرزق، فإن الله يرزق من يشاءُ بغير حساب.
والمحراب الذي كانت فيه، قيل: إنه غرفة بنيت لها في بيت المقدس، لا يصعد إليها إلا بسلم. وقيل: إنه ذات المسجد، وكانت مساجدهم تسمى: محاريب.
والحق، أن المحراب لغة: يطلق على الغرفة، وهي الحجرة العالية. وعلى صدر البيت وأكرم مواضعه. وإطلاقه على المسجد - أو على مكان الإمام فيه - لرفعة شأنه.
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾
стр. 581
المفردات:
(هُنَالِكَ): أي في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب، أو في هذا الوقت الذي رأي فيه من الكرامات ما رأى، على غير المألوف. وهنالك: يشار به إلى المكان والزمان.
(مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ): المراد بكلمة الله، عيسى ﵇، حيث جاءَ بقوله تعالى: (كُنْ) من غير توسط أب.
(وَحَصُورًا): الحصور، الذي لا يباشر النساء. أو هو الذي يمنع نفسه من المعاصي.
(بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ): أدركتني الشيخوخة.
(وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ): عقيم لا تلد، من العَقْر وهو القطع، لقطع أولادها.
(أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ): أي لا تقدر على كلامهم من غير آفة.
(إِلَّا رَمْزًا): إلا إشارة.
(بِالْعَشِيِّ): هو من الزوال إلى الغروب. وقيل: من العصر إلى ذهاب صدر الليل.
(وَالْإِبْكَارِ): أي وقت الإبكار وهو من الفجر إلى الضحى.
التفسير
٣٨ - ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾:
هذه قصة مستقلة. سيقت في أثناء قصة مريم، لأنها - مع ارتباطها بها - مقررة لها، بما فيها من عجيب قدرة الله مثلها.
والمعنى: أن زكريا، لما وجد عند مريم رزقًا عظيمًا، وتحقق أنه من عند الله تعالى: لا يأتيها به أحد من الناس - قال في نفسه: إن الذي جاءَ مريم بذلك الرزق، لَقَادِرٌ على أن يصلح لي زوجتي، ويرزقني منها ذرية .. فعند ذلك، قام في المحراب وابتهل إلى الله تعالى قائلا: رب هب لي من عندك ذرية طيبة مباركة صالحة، إنك كثير الإجابة لمن يدعوك.
وهنالك: وإن كان يشار به إلى المكان البعيد، إلا أنه قد يستعمل بمعنى: في تلك الحال مجازا، كما تقول: من هنالك، قلنا: كذا. أي في تلك الحال كذا. ومن هذه الجهة، قلت: كذا. ذكره الزجاج.
وقد علل زكريا طلبه بقوله: (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ): وأصله بمعنى: كثير السمع للدعاء، ولكنه أُريد منه هنا مجازا: إنك كثير الإجابة لمن يدعوك. فهذا هو الأكثر مناسبة للتعليل.
٣٩ - ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾:
стр. 582
أكرم الله زكريا فَأجاب دعاءَه، وبعث إليه بالملائكة يبشرونه بذلك، فنادوه - وهو قائم يصلي في المسجد - أن الله تعالى يبشرك بولد ذَكَر سماه الله يحيى: مصدقًا بعيسى ﵇، الذي سُمِّيَ كلمة الله، لأنه خلقه بقوله: (كُنْ) فكان. ومعنى تصديقه به: إيمانه بأنه رسول الله. وهو بذلك، يكون أول من آمن به. ويحيى أكبر من عيسى.
فهذه البشارة كانت قبل أن تحمل مريم بعيسى، أو - على الأقل - قبل أن تلده. وذكر هذا التصديق، لتسفيه رأي اليهود في عيسى ﵇.
وقال أبو عبيدة: المراد بالكلمة هنا، الكتاب أو الوحي.
وقد وصف الله يحيى على لسان ملائكته المبشرين، بأنه سيكون سيدًا. والسيد: من يسود قومه. ثم أُطْلِق على كل فائق في الدين أو الدنيا. كما قاله بعض المحققين.
ويمكن أن يجتمع فيه الأمران: الرياسة في قومه، والتفوق في الدين. فإنه نبي الله، ومن الصالحين. كما سيأتي نَعْتُه بذلك.
ووصفته الملائكة أيضًا بأنه حصور .. وفسره ابن عباس: بأنه الذي لا يأتي النساء مع القدرة على ذلك. ولعل هذا، لأن انهماكه في العبادة، شغله عنهن.
والمدح بذلك، كناية عن مدحه باشتغاله بالعبادة عن متع الحياة الدنيا. وليس معناه أن ذلك في أفضل من الزواج مع الاشتغال بالعبادة. فإن الزواج من سنن الله في الأنبياء. ومن سننه في الجنس البشري، ليبقى خليفة عن الله تعالى في عمارة أرضه. وقد كان - على سنة يحيى - في ذلك - عيسى، ﵉.
وفَسَّر الحصورَ بعضُ المفسرين: لأنه المبالغ في الحصر النفس، وحبسها عن المعاصي والشهوات، وكان ضمن بشارة الملائكة لزكريا عن ولده يحيى: أنه سيكون نبيًّا ناشئًا من الأُصول الصالحين، أو معدودًا في عدادهم.
والمراد من الصلاح: ما فوق الصلاح الذي لابد منه في منصب النبوة، بأن يكون في أقصى مراتبه، حتى يكون للوصف به بعد النبوة فائدة.
وتأنيث الفعل (قَالَتْ) عند إسناده إلى الملائكة، لجواز ذلك عند إسناده إلى الجماعة.
فالملائكة ليسوا إناثا. ولهذا رَدَّ اللهُ على المشركين حين ادعوا ذلك فقال: "وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ" (١). وقد
стр. 583
جاء تذكير الفعل معهم بتأويل الجمع، كقوله تعالى: "وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ" (١).
ويحيى هذا، هو المسمى عند المسيحيين: يوحنا المعمدان.
٤٠ - ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾:
لَمَّا بشرته الملائكة بذلك، وتحقق من البشارة، تعجب من وقوع ذلك مع وجود الموانع، فقال: يا رب، من أين يكون لي غلام، وقد أدركتني الشيخوخة - فقد كانت سِنُّهُ - على ما روى عن ابن عباس - مائة وعشرين سنة - وامرأتي عاقر لا تلد! وقد كانت هي الأُخرى متقدمة في السن، إذ بلغت ثمان وتسعين سنة، على ما روى عن ابن عباس.
وإنما خاطب بذلك ربه ولم يخاطب الملائكة الذين بشروه، مبالغة في التضرع إلى الله تعالى. وحينئذ أجابه المولى قائلا: (كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) أي: الله يفعل ما يشاءُ، مثل ذلك من الأفعال الخارقة للعادة، الخارجة عن القياس.
٤١ - ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا … ﴾ الآية.
قال زكريا - لما سمع هذا الجواب الحاسم من الله رب العالمين - اجعل لي علامة أستدل بها على حمل امرأتي. قال الله له: علامتك، ألا تقدر على مكالمة الناس، ثلاثة أيام متوالية من غير آفة.
وتقييد عدم الكلام بالناس، مؤْذن بأَنه كان غير محبوس عن ذكر الله تعالى. وكان حديثه مع الناس - في هذه المدة - رمزًا. كما قال تعالى: (إِلَّا رَمْزًا) والرمز: الإشارة باليد أو الرأس أو نحوهما.
ثم أمره الله أن يذكر سبحانه، في وقت لا يحتبس فيه لسانه عن الناس، فقال:
(وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) يعني: واذكر ربك ذكرا كثيرا، ونزهه عما لا يليق به: في وقت العشي - من الزوال إلى الغروب - أو من العصر إلى أَن يذهب صدر الليل، واصنع مثل ذلك في وقت الإبكار - من الفجر إلى الضحى.
والمراد من العشي والإبكار. جميع الأوقات. والذكر: يتناول ما كان باللسان والقلب.
стр. 584
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾
المفردات:
(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ): اختارك لخدمة بيته لصلاحك.
(وَطَهَّرَكِ): من الأدناس أو طهرك بالإيمان عن الكفر، وبالطاعة عن العصيان.
(وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ): اختارك عليهن: بأن تكوني أُمًّا لعيسى من غير أب. وجعلك وإياه آية للعالمين. ولم يكن ذلك لأحد من النساء.
(اقْنُتِي لِرَبِّكِ): دومي على طاعته.
(وَاسْجُدِي): واخضعي.
(وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ): وصلى مع المصلين.
(وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ): وما كنت عند المتنازعين في كفالتها، حين يلقون أقلامهم التي يكتبون بها التوراة، أو سِهَامَهُمْ عند الاقتراع على كفالتها في طفولتها.
(وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ): أي إذ يتنازعون في ذلك.
التفسير
٤٢ - ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ … ﴾ الآية.
стр. 585
هذا عود إلى قصدة السيدة مريم ﵍ بعد أَنْ توسطتها قصة ولادة يحيى لزكريا، بعد أن بلغ من الكبر عتيًّا، من زوجته المسنة العاقر - للتشويق إلى باقي قصتها، ولتقرير ما فيها من عجائب صنع الله، المخالفة للنواميس المألوفة، ولتقرير اصطفاء مريم.
والملائكة هنا، كالملائكة في قصة زكريا، يجوز أن يكونوا جماعة، أو أن يكون المراد منهم الجنس الصادق بواحد. والمقصود به جبريل، لأنه هو الذي يبلغ رسالات الله إلى المصطفين من خلقه عادة.
والمعنى: واذكر يا محمد، من شواهد اصطفاه الله لأُولئك الكرام، وقت قول الملائكة: يا مريم، إن الله اختارك لخدمة بيته، ولم يكن يخدمه قبلك إلا الرجال. وطهرك من الأدناس: حسِّية كانت أو خُلُقية أو اعتقادية. واختارك على نساء العالمين، ليهب لك عيسى من غير أب، فكنت فريدة في ذلك بين نساء العالمين، لطهرك وفضلك!
وظاهر النص: يقتضي أن كلام الملائكة لها، كان مشافهة. ويجوز أن يكون إلهامًا.
٤٣ - ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾:
المعنى: وقالت الملائكة لمريم - بعد أن أخبروها بعلوِّ درجاتها وكمال قُرْبها إلى الله - يا مريم: دومي على طاعة ربك الذي رباك بنعمه، واخضعي له، وصَلِّي مع المصلين. وقد أمرها الله بذلك، حتى لا يحدث لها فتورٌ أو غفلة، بعد ما علمت مكانتها عند الله تعالى.
وإذا كان الله يذكِّر مريم بذلك - وهي من جلالة الشأن على ما وصف الله - فالأجدر بمن هم دونها: أن يعلموا أن الله تعالى لا يغفل عن حقوقه لديهم؛ ليشمروا عن ساعد الجد، حتى لا يفوتهم ركب النجاة.
٤٤ - ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ … ﴾ الآية.
المعنى: ذلك الذي تقدم من أخبار الغيب، ذات الوقائع الدقيقة المفصلة، نعلمك بها عن طريق الوحي. وقد سبقت عهدك بقرون عديدة: ما كنت تعلمها أنت ولا قومك. ولولاه لما وصل إلى علمك.
وصدق الله إذ يقول: "وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ" (١).
كما أنه لم يُعرف عنك مجالسة أهل الكتاب حتى تعرفه منهم.
стр. 586
ثم أَعلمه الله بغيب آخر فقال:
(وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ):
الأصل في الكفالة أن تكون للوالد، فلا يقوم غيره بها إلا عند فقده، أو عند الضيق، كما كفل النبي ﷺ عليًّا. وكفل العباس جعفرًا، عن أبي طالب والدهما، لكثرة عياله وشدة الحال عليه. وخصام بني إسرائيل على كفالة مريم، لا يكون إلا لواحد من هذين السببين.
وقد دلت الآية: على أن بني إسرائيل تنازعوا: أيهم يكفل مريم ويقوم بتربيتها؟ ودلت الأخبار: على أن القراء منهم تنافسوا - مع زوج خالتها زكريا - في كفالتها. فكان زكريا يريدها، لأن خالتها معه، ولأنه كان رئيس الأحبار. ويرى أنه أحق بها لذلك.
وكان كل واحد من القراء يريدها، لأنها ابنة عالمهم. فاقترحوا حلًّا لهذه المشكلة أن يقترعوا. وكانت وسيلتهم إلى القرعة أقلامهم، كما قال القرآن الكريم.
واختلف في هذه الأقلام فقيل: إنها الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة. وقيل: هي سهام جعل منها سهم معين لمن يأخذه.
وطريقة الاقتراع لم يَرِدْ بها خبر صحيح. ولعلهم وضعوا الأقلام في كيس أو نحوه. فإن كانت أقلام الكتابة، كان إخراج أي قلم منها يدل على صاحبه، وعلى أنه هو الذي يكفل مريم. وإن كانت السهام، كان السهم المعين لمريم، إذا أخذه أي واحد منهم يكون هو الكفيل. وكانت هذه القرعة سبيلا إلى فوز زكريا ﵇ بكفالتها.
وفي هذه الآية دليل على أن القرعة سبيل مشروع لتمييز الحقوق.
والاستهام (١) ورد في القرآن في موضعين: هذا الموضع، وقوله تعالى: "فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ" (٢).
وكان ﷺ "إذا أراد سَفرًا أقرع بين نسائه" (٣) وقال ﷺ : "لَوْ يعْلَم النَّاس مَا فِي النِّداء والصَّفِّ الأَوَّل ثمَّ لم يجدوا إلَّا أن يستهموا عليه لاستهموا" (٤).
وإنباءُ القرآن بما وقع في كفالة مريم من نزاع وخصام، ولجوء المتنازعين إلى القرعة، دليل على نبوته ﷺ ، لأن ذلك لا يُعلم إلا عن طريق الوحي.
стр. 587
ولذا، أشار الله إلى هذه المعجزة بقوله:
(وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ):
أي ما كنت عندهم في الحالين، حتى تعلم أمرها. وإنما أعلمك الله بوحيه.
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾
المفردات:
(يُبَشِّرُكِ): التبشير، الإخبار بالبشارة وهي الخبر السَّار. وأُطلق عليه ذلك، لظهور أثره على البشرة.
(وَجِيهًا): صاحب جاهٍ وشرفٍ.
(فِي الْمَهْدِ): المهد هنا، فراش الطفل الرضيع.
(وَكَهْلًا): الكهل، مَنْ وَخَطَهُ الشيب في جلال ووقار. وهو بين حالي الغلومة والشيخوخة. ومنه: اكتهلت الروضة إذا عمَّها النُّوَّار. وقيل: من جاوز ثلاثين إلى إحدى وخمسين سنة.
(وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ): المسّ هنا، كناية عن الجماع.
التفسير
٤٥ - ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾:
стр. 588
هذه الآية - وما يليها من آيات - تحكي قصة عيسى بن مريم ﵉. والمراد بالملائكة هنا: الجنس. والمقصود منه جبريل ﵇، على المشهور. والقول من الملائكة لمريم، كان مشافهة. كما رواه ابن أبي حاتم عن قتادة.
وإطلاق لفظ: (كلمة) على عيسى ﵇، لأنه لم يجر على نسق البشر. إذ خلق بغير أب .. متأثرا بقوله تعالى في شأنه: (كُن) كما قال تعالى: "إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ" (١). وبما أن (كُنْ) كلمة، فلذا سُمِّيَ: (كلمة).
والمسيح: لقب لعيسى ﵇. وهو من الألقاب ذات الشرف. كالفارق لعمر. وهو لقب عبري. ومعناه: القائم على عبادة الله. ومع كونه لقبا، فقد صرحت الآية بأنه اسم له. والألقاب إذا اشتهرت، صارت أسماء.
ووجاهته في الدنيا: شرفه وقدره العظيم، بقبول دعائه: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وغير ذلك، مما أكرمه الله به.
وقيل: وجاهته فيها: براءَته من العيوب التي افتراها عليه اليهود.
أما وجاهته في الآخرة: فهي بقبول شفاعته، وعلو درجته، وظهور كذب اليهود فيما افتروه عليه، وعقابهم على ما افتروه.
والمراد من كونه (مِنَ الْمُقَرَّبِينَ): أنه ممن علت مكانتهم عند الله تعالى وعند الناس.
وخلاصة المعنى: اذكر يا محمد، حين قالت الملائكة لمريم - يا مريم: إن الله يخبرك بخبر يسرك. هو: أنه سيمن عليك بغلاف اسمه المسيح عيسى بن مريم: ذا جاه وشرف في الدنيا، بما يظهره الله على يديه من المعجزات، وبما اتصف به من الصلاح والتقوى. وذا جاه في الآخرة: بقبول شفاعته، وظهور صدقه وعلو درجته. ومن المقربين إلى الله والناس، المحبوبين لديهم.
стр. 589
وبما أن الولد عادة يُنسب إلى أبيه، فإضافة عيسى بالبنوة إلى أُمه، فيه إشعار لها - حين البشارة - بأنه سيكون بغير أب … قبل التصريح لها بذلك. وسيأتي بعد.
٤٦ - ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾:
وبشرتها الملائكة أيضا: بأن ولدها عيسى ﵇، سيكون ذا شأن عظيم، وذلك أنه يكلم الناس وهو طفل يلازم فراش الطفولة، مثلما يكلمهم وهو رجل ذو جلال ووقات. فكلامه في الحالتين، كلام رصين، مفيد نافع، ينفي الريب ويزيل الشكوك، ويحق الحق.
ومن كلامه في طفولته. أنه قال لقومه، حين أشارت أُمه إليه ليدافع عن عرضها: "إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نِبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا" (١). وذلك حين جاءَت به قومها تحمله، بعد أن وضعته فلما رأَوْا ذلك: "قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا" (٢).
أما كلامه في كهولته، فهو كلام الوحي والرسالة.
وكما بَشَّرتها الملائكة بوجاهة ولدها في الدنيا والآخرة، وأنه سيكلم الناس في المهد وكهلا، بَشَّرتها أيضا: بأنه سيكون في عداد الكاملين في الصلاح والتقوى.
٤٧ - ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾:
قالت السيدة مريم - متعجبة من تبشيرها بالولد وهي غير متزوجة - يا إلهي. مِنْ أين يكون لي ولد ولم يتصل بي بشر، والعادة جارية على خلاف ذلك؟ قال الله تعالى - بلسان الملائكة وتبليغهم، ردًّا على استغرابها - الله يفعل ما يشاءُ، ولو خالف القياس، بدون معاناة ولا صعوبة.
ولا يحتاج تحقيق المراد إلى قوله تعالى (كُنْ) بل يكفي أن يريده الله، فيتحقق في الحين الذي أراده سبحانه فيه. والأمر بكُن محمول - عند الأكثرين - على أنه تمثيل لتأثير قدرته تعالى في مراده: بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور به، من غير امتناع ولا توقف.
وأجاز بعضهم: أن يكون ذلك على الحقيقة، بأن يتعلق كلام الله النفسي: الذي هو بمعنى: كن، على ما أراد الله تكوينه، فيكون ويحدث.
стр. 590
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾
المفردات:
(الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ): الأكمه؛ من ولد أعمى. والأبرص: من بجلده بقع بيضاء تخالف لون سائره.
التفسير
٤٨ - ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾:
في جملة ما بشرت به الملائكة مريم، عن ولدها عيسى المنتظر: أن الله تعالى: يعلمه الكتاب. والمراد به: الكتابة بالقلم. كما قاله ابن عباس وابن جريج.
أو هو بعض الكتب الإلهية التي أنزلها الله على أنبيائه، سوى التوراة والإنجيل اللذين سيذكران بعد. وهذا رأي أبي علي الجبائي. والأول أظهر.
وكما يعلمه الكتاب، يعلمه الحكمة. وهي إصابة الحق في القول والعمل، ويعلمه التوراة التي أنزلها موسى من قبله، والإنجيل الذي سينزله الله عليه. وقد كان ﵇، يحفظ هذا وذاك.
стр. 591
وتعليمه ما تقدم: صالح لأن يكون موهبة إلهية، وأن يكون بمعلم.
روى أنه لما ترعرع أسلمته أُمه إلى المعلم. ولكن لا ندري ماذا علمه المعلم. ولعله علمه ما تضمنته الآية من الكتابة والتوراة. أما الإنجيل، فقد أنزله الله عليه.
٤٩ - ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ … ﴾ الآية.
أي: ويجعله رسولا إلى بني إسرائيل، يخبرهم: أني قد جئتكم ببرهان من ربكم على نبوتي. هو أني أُنشيء لكم من الطين تمثالا كهيئة الطيب وشكله، فأنفخ فيه فيكون بعد النفخ طيرا بأمر الله الذي جعل ذلك معجزة وبرهانا على أنه أرسلني إليكم. فإن مثل ذلك لا يقدر عليه البشر، لأنه مما اختص الله به، فإذا أمكن الله بعض عباده من ذلك، فذلك يعتبر تأييدا من الله له في دعوى الرسالة.
والتعبير بقوله: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) للإيذان بخصوص بعثته إليهم.
أما الرسالة العام، فهي لمحمد ﷺ : لا يشركه فيها أحد سواه.
قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا … " (١).
وقد انقسمت بنو إسرائيل فيه إلى فرقتين: فرقة ترميه بأفحش ما رمت به أُمة نبيَّها، وهم الأكثرون من اليهود. وأُخرى تصدقه في مواعظه وإرشاداته. وتقول: إنه لم يخالف التوراة، بل قررها ودعا الناس إليها، وإنه من المستجيبين لموسى ﵇، ومن بني إسرائيل فرقة أخرى تسمي الأتقياء ينفون رسالته ونبوته، ويقولون: إن سائر اليهود ظلموه: حيث كذبوه أولا، ولم يعرفوا مدعاه. وقتلوه آخرا ولم يعرفوا مرماه ومغزاه.
وهذه الفرقة تسمى: العنانية. أصحاب عنان بن داود رأس الجالوت.
ذكر ذلك الآلوسي ناقلا عن بعض المصادر المشهورة ولم يسمه.
(وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ):
وأشفي الأكمه الذي ولدته أُمه أعمى، فيصير بصيرا. وأشفي مَنْ بجلده برص. وهو بياض يخالف لون سائر الجلد. وهاتان العلتان أعجزتا الأطباءَ. ولهذا أراهم الله المعجزة على يد عيسى من جنس الطب. كما أرى قوم موسى المعجزة بالعصا واليد البيضاء، حيث كان
стр. 592
الغالب عليهم السحر. وأرى العرب معجزة القرآن. حيث كان الغالب عليهم في عصر الرسول: الفصاحة والبلاغة.
والاقتصار على هذين المرضين، لا ينفي قدرته على شفاء غيرهما بإذن الله. وكما كان يقدر على شفاء المرضى، كان يحي الموتى بإذن الله.
وفي كل هذه المعجزات كان يلجأ إلى الله ويدعوه، فيحقق الله دعاءَه. دون ممارسة الوسائل الطبية. (وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ): وأُخبركم بما تأكلونه في بيوتكم ولم أُشاهده، وما تدخرونه للمستقبل من مال وطعام لا سبيل لي إلى علمه.
والمراد: الإخبار بهذين النوعين بخصوصهما. وقيل: المراد أنه يخبرهم بالمغيبات.
واقتصر على هذين الأمرين، لحضورهما لديهم. فلا يبقى لهم شبهة. ولا شك أن صدقه فيما أخبر به شاهد على صدقه في دعواه الرسالة إليهم.
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ):
هذه الجملة من كلام عيسى حكاها الله تعالى، أو من كلام الله، سبقت للتوبيخ.
والمعنى: إن في ذلك لعلامة لكم على صحة رسالة عيسى، أو أن رسالة محمد الذي أخبر بما لم يعاصره، من غير معالجة أسباب توصله إلى علمه، كما يفعل المنجمون.
أما ما يفعله علماءُ الفلك، من الإخبار عن بعض المغيبات، فناشيء عن قوانين وضوابط، لولاها لما عرفوا ما أخبروا به .. فلا يقال: إنهم أخبروا بالمغيبات.
على أن ما يخبرون به لا يصل إلى درجة العلم المقابل للظن. بل أقصى ما يحصل به هو الظن الغالب -وقد يخطئون- وبينه وبين علم الغيب بَوْنٌ بعيد، بخلاف ما يخبر به المرسلون، فهو من باب العلم الذي لا شك فيه، لأنه إخبار عن الله تعالى. ولذا لا يقع فيه خطأ.
وأما التنبؤ في شئون التجارة والحروب والحظوظ ونحو ذلك، فهو إهدار لكرامة العقل، ومخالف للشرع.
ثم ختم الآية بقوله تعالى: (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ):
أي: إن كنتم مريدين الإيمان أو موفقين إليه: فذلك الذي تقدم آية لكم تعينكم على تحقيقه.
стр. 593
٥٠ - ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ … ﴾ الآية.
أي: جئتكم بآية من ربكم، ومصدقا لما تقدمني من التوراة النازلة على موسى: مؤمنا بما جاءَ فيها، وأنها نازلة من عند الله تعالى. وجئتكم لأُحل لكم بعض الذي حُرِّم عليكم.
واختلف العلماءُ في المراد من قوله: (وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ):
فمنهم من قال: المراد منه: أن عيسى ﵇، أَحَلَّ لهم بعض ما حرم الله عليهم في التوراة، تخفيفا عليهم.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع أنه قال: "كان الذي جاء به عيسى ألْيَسَ مما جاء به موسى ﵇".
ومنهم من قال: المراد منه: أنه أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه فأخطأوا، فكشف لهم من ذلك ما كان مغطى .. لقوله تعالى: "وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ" (١).
(وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ):
وَحَّدَ الآية - مع أنها من آيات عديدة - لأنها جنس واحد في الدلالة على رسالته. وقد جاءت هذه الجملة في آخر كلامه - مع أنها جاءَت في أوله - لتكون كنتيجة لِسَرْد هذه المعجزات التي تقدمت؛ وليرتب عليها قوله لهم:
(فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ):
وكأنه يقول لهم: وإذا كنت قد جئتكم بهذه الآيات والمعجزات، فاتقوا الله وخافوه، وأطيعون فيما آمركم به عنه . فإن ذلك يجب عليكم، عند ظهور الحق فيما أدعوكم إليه.
٥١ - ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾:
بعد أن أمرهم بتقوى الله وطاعته، علل ذلك بقوله: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ):
يعني ومن كان كذلك، وجب أن يُتَّقَى ويُطَاعَ رسولُه فيما كلفهم به من تكاليفه تعالى.
ورتب على ذلك: ما هو تفسير للتقوى والطاعة، وما هو فرع وأثر لربوبيته تعالى، فقال: (فَاعْبُدُوهُ):
أي: اجعلوا عبادتكم له وحده، لأنه ربكم دون سواه.
стр. 594
وأرشدهم إلى استقامة هذا المنهج فقال:
(هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ): فإنه يجمع بين الاعتقاد السليم، والعمل القويم.
قال تعالى:
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾
المفردات:
(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ): أصل الإحساس، الإدراك بإحدى الحواس. ويستعار للعلم بلا شبهة. أي: فلما علم منهم المداومة على الكفر علما لا شبهة فيه.
(مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ): أي من أنصاري متجها إلى الله؟ وحاصل المعنى: من ينصرني حال كوني متجها إلى الله ملتجئا إليه؟ والأنصار: جمع نصير. وهو من يؤَيدك وينصرك.
(الْحَوَارِيُّونَ): جمع حواري. وهو الصَّفِيُّ والناصر. يقال: فلا حواريُّ فلان، أي خاصته من أصحابه وناصره.
التفسير
٥٢ - ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ … ﴾ الآية.
بعد أن بين الله في الآيات السابقة، ما يؤَكد رسالة عيسى ﵇، ويدعو إلى تصديقه والإيمان بنبوته، عقَّبها بتلك الآيات التي أوضح فيها: كفر بني إسرائيل ومكرهم به، وإنجاء الله له من مكرهم، ووقوف أهل الحق معه، وسائر قَصصِه الحق الذي زيفه أهل الكتاب. فقال جل ثناؤُه:
(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ … ) الآية.
стр. 595
والمعنى: فلما استيقن عيسى مداومتهم على الكفر، وعدم استجابتهم لدعوته، اتجه إلى من خلصت نيتهم من قومه، مخاطبا لهم بقوله: من ينصرني ويؤيدني وأنا متجه إلى الله داعيا لدينه، لا يصرفه عن ذلك صارف ولا يمنعه مانع؟ فاستجاب لندائه ﵇، صفوته وخاصته من قومه .. وقد حكى الله استجابتهم بقوله:
(قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ):
أي: قال المخلصون له من قومه: نحن أنصار دين الله: ننضم معك في نصرته، وفي تبليغ دعوته، وتوضيح رسالتك، لأننا آمنا بالله. ومن يؤمن به سبحانه، فعليه أن ينصر دينه. واشهد علينا يا رسول الله، بأننا منقادون لما يريده الله منا. ثم توجهوا إلى الله مؤكدين ما خطبوا به عيسى ﵇، فقالوا:
٥٣ - ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾:
المعنى: أَكَّد الحواريون إيمانهم الذي أشهدوا عليه عيسى - متجهين به إلى ربهم - قائلين: ربنا آمنا بما أنزلته على جميع رسلك، واتبعنا الرسول ﵇، فاكتبنا عندك - ببركة هذا الإيمان - مع الشاهدين من جميع الأُمم: بصدق الأنبياء والمرسلين. ولا تجعلنا من المعاندين المكابرين، الذين ينكرون الحق مع وضوح دليله.
وعن ابن عباس معناه: واكتبنا مع أُمة محمد ﷺ ، الشاهدين للرسل بالتبليغ.
ثم حكى الله تدبير بني إسرائيل اغتيال عيسى وإحباط الله لكيدهم فقال:
٥٤ - ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾:
المعنى: قال ابن عباس في تفسيرها: لما أراد مَلِكُ بني إسرائيل قتل عيسى ﵇، دخل - أي عيسى - خوخة فيها كوة، فرفعه جبريل ﵇، من الكوة إلى السماء. فقال الملك لرجل خبيث منهم: ادخل عليه فاقتله. فدخل الخوخة، فألقى الله عليه شبه عيسى ﵇، فخرج إلى أصحابه يخبرهم أنه ليس في البيت. فقتلوه وصلبوه، ظنا منهم أنه عيسى.
وقد جاء في إنجيل "برنابا" ما يصدق هذا المروي عن ابن عباس. وزاد على ذلك: أن هذا
стр. 596
الخبيث هو يهوذا. وكان من الحواريين المنافقين. وهو الذي دلَّهم على مكانه. وذلك أن عيسى جمع الحواريين تلك الليلة. وأوصاهم وقال: ليكفرن بي أحدكم. فذهب يهوذا إلى ملك اليهود وأخبره بمكانه، ومكان حوارييه. فلما توجه إليه الملك برجاله ودخلوا عليه البيت، لم يجدوه، فقد رفعه الله إليه. وألقى شبه عيسى على يهوذا. فأمر الملك بقتله.
فقال له: أنا يهوذا. فقال الملك: إن كنت يهوذا فأين عيسى؟ فقال يهوذا: إن كنت عيسى فأين يهوذا؟ فلم يعبأ الملك بهذه المعارضة، وصلبه لشبهه بعيسى.
ومن العجيب أن النصارى لا يعترفون بهذا الإنجيل، مع أنه وجد بمكتبه باب روما، وترجم إلى اللغة الإيطالية، ثم إلى الإنجليزية، وغيرها من لغات العالم. ولم يوجد بالعربية إلا بعد ترجمته من الإنجليزية أخيرا!!
بل من الأعجب أن النصارى لا يعترفون بهذا الإنجيل لمجرد مخالفته لا هو عليه من الأناجيل الأُخرى .. وليس ما عندهم من تلك الأناجيل ما هو أولى بالتصديق منه، لأنها ليس فيها ما يرجحها عليه، بل إن العكس هو الصحيح.
هذا هو مكر بني إسرائيل بعيسى، وإكرام الله له بإنجائه من مكرهم، وعقابه المنافق بقتله، بعد إلقاء شبه عيسى عليه!!
والمكر لغة: هو تدبير خفي، يقصد به إضرار لمن يُمكر به، ولا يطلق على الله إلا بأسلوب المشاكلة المعروف في علم المعاني. وهو التعبير عن الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته.
وقد أُطلق هنا على إنجاء الله لعيسى. وانتقامه من المنافق، لوقوعه في صحبة مكرهم. هكذا قالت طائفة من العلماء.
وقال غير واحد: المكر هو التدبير المحكم. وهو ليس بممتنع على الله تعالى؛ وفي الحديث الشريف: "رَبِّ أَعِنَّي ولَا تُعِنْ عَلَيَّ … وامكُرْ لي ولا تمكر علي (١) ".
ثم ختم الله الآية بقوله: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ):
أي أقواهم، وأشدهم مكرا. أو أنه أحسنهم مكرا، لبعد تدبيره عن الظلم.
стр. 597
ثم فصل هذا التدبير المحكم بقوله:
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾
المفردات:
(مُتَوَفِّيكَ): أي مستوفيك وآخذك إليَّ. مأخوذ من قولهم: توفيت ديني على فلان. أي استوفيته وأخذته. ويعتبر قوله عقبه (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ): تفسيرا له.
(وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا): أي مطهرك منهم بإبعادك عنهم بالرفع، فقد دنَّسهم الكفر.
(وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ): بتصديق ما جئت به. ومنه: أنه يأتي من بعدك نبي اسمه أحمد: يجب الإيمان به.
(فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا): بذلك.
(إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ): ومن لم يؤمن منهم بمحمد. فقد كفر بعيسى. فتسلب منه هذه الأفضلية.
стр. 598
(مِنَ الْآيَاتِ): من الحجج الدالة على صدقك.
(وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ): والقرآن المحكم المتقن. أو المنصف بالحكمة.
التفسير
٥٥ - ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا … ﴾ الآية.
اختلف المفسرون في المراد من التوفي هنا.
فمن العلماء من قال: إنه على حقيقته المعروفة. وإنه مرتبط بالآية السابقة.
والمعنى: ومكر اليهود بعيسى يريدون قتله. ومكر الله فأحبط تدبيرهم. والله خَيْرُ الحاكمين. فقد قال الله لعيسى: إني متوفيك حين يأتي أجلك. ولن أسلطهم عليك ليقتلوك. وقد حقق الله وعده إذ ألقى شبهه على يهوذا فقتلوه، وأنجى عيسى ورفعه إليه. وسيبقى إلى آخر الزمان ليبلغ شريعة محمد ﷺ للناس. ثم يتوفاه بعد ذلك. كما ورد في السنة الصحيحة على ما سنبينه.
فالآية على هذا كناية عن عصمته من الأعداء، مشفوعة بالبشارة برفعته.
وقال آخرون: معناه: إني مستوفيك، أي آخذك من الأرض. مأخوذ من قول العرب: توفيت ما لي على فلان، أي أخذته. وعلى هذا يكون قوله: (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) تفسيرا للتَّوفي.
ونقل الحافظ ابن كثير، عن ابن عباس (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) أي مميتك.
ولكن هذا النقل معارض بما سنذكره من الأحاديث الدالة على بقائه إلى آخر الزمان، وبقوله تعالى: "وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ" (١). وهذا الوعد لم يتحقق إلى الآن، فإن اليهود - وأكثر الناس - لم يؤمنوا به. وذلك يدل على أنه لا يزال حيًا. وسيظل كذلك. حتى يؤمن به جميع الناس قبل موته، تحقيقًا لوعد الله تعالى. وسيكون ذلك آخر الزمان.
كما أنه معارض بما صح نقله عن ابن عباس من أنه رفع من غير وفاة.
وعلى هذا يكون قوله تعالى: (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) مرادا منه: رافعك حيًّا بدون وفاة ..
стр. 599
ويشهد له - ولنزوله آخر الزمان - ما رواه الإمام مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "وَاللهِ، لينزلنّ ابن مريم حكما عادلا فليكسرَنَّ الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولَتُترَكَنَّ القلاص (١)، فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناءُ والتباغض والتحاسد، ولَيُدْعَوُنَّ إلى المال فلا يقبله أحد".
ولا ينزل عيسى بشرع جديد ينسخ شريعتنا، بل ينزل مجددا لما درس منها، ومتَّبعا لها، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "كيف أنتم إذا أُنزل فيكم ابن مريم وإمامُكم منكم"!
وبما أنه سينزل آخر الزمان، فلابد أنه يبقى حيا إلى حين ينزل ويبلغ شرع الرسول محمد ﷺ ، إذ لو مات قبل ذلك، لكان نزوله هذا بعثا له في الدنيا. ولا بعث إلا في الآخرة. كما دل عليه الكتاب والسنة.
والمراد من قوله: (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أنه تعالى، يبعده عنهم بالرفع، حتى لا يبقى بين من دنسوا أنفسهم بالكفر، تنزيها له عن دنسهم. أو أنه يُبْعِد أَيديَهُم عنه، فلا تمسه بأذى .. فهم أنجاس لكفرهم.
ويصح أن يكون هذا وعدا من الله له، بأنه - في آخر الزمان - يزيل من طريقه الكافرين، فلا يستطيعون صده عن الهدى كما كانوا يفعلون قبل رفعه.
(وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ):
لا يقال للأُمة: إنها اتبعت رسولها إلا إذا كانت تنفذ ما جاءَ به: اعتقادا وقولا وعملا.
والنصارى - بعد أن رفع الله عيسى - انقسموا فرقا وشيعا: فمنهم من آمن به، على أنه عبد الله ورسوله وابن أَمَتِهِ. ومنهم من غلا فيه فيجعله ابن الله. ومنهم من قالوا: هو الله. وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة.
стр. 600
وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن، ورد على من عدا الفرقة الأُولى، التي تعتبر متبعة لرسولها، في تنزيه الله عن الصاحبة والولد والشريك.
وهذه هي العقيدة السليمة التي جاءَ بها المرسلون جميعا.
وكل من دان بها، فهو تابع لرسوله. كما هو تابع لجميع المرسلين وأصحابهم هم المؤمنون. ومن عداهم فهم كافرون.
وقد وعد الله - في هذه الآية - أنه جاعل من اتبع عيسى ﵇، فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، أي أنهم يكونون أعلى منهم.
والعلو المقصود من الآية: يحتمل أن يكون علوًّا في الدرجة والمنزلة عنده تعالى. فالمتبعون له - في حكم الله وقضائه - في أعلى الدرجات إلى يوم القيامة. ولا مكانة ولا منزلة عنده - جلَّ وعلا - لِمَنْ لم يتبع عيسى: بأن كفر به، أو آمن به ولكنه جعله إلها أو ابن الله. تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا.
ويحتمل أن يكون العلو بمعنى الغلبة والقهر. وذلك إما بالحجة والبرهان - ولا شك أن أهل الحق منهم، أقوى حجة على أهل الباطل منهم ومن غيرهم، كاليهود والمشركين - وإما بالقتل والأسر. وقد حدث ذلك بعد رفع عيسى.
وفي ذلك يقول الله تعالى: "قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ" (١). ولعله حدث في أوقات أُخرى مثل ذلك.
وقد انقرض المؤمنون المتبعون لما جاءَ به عيسى ﵇. وأصبح جميع النصارى قبل بعثة النبي محمد ﷺ ، يؤَلهون عيسى. ويقولون: هو ابن الله. أو هو الله. أو هو ثالث ثلاثة.
وعلى أي حال كانت عقيدة النصارى في عيسى، فإنهم - منذ البعثة المحمدية - لا يعتبرون متبعين لعيسى ﵇، إن كفروا بمحمد ﷺ .