← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 5671–5688 · переход к 5676.

стр. 5671

وعن ابن عباس: ما كسب من الولد، أَخرج أَبو داود عن عائشة مرفوعًا: "إنَّ أَطْيَبَ مَا يَأكُلُ الرجُلُ مِن كَسبِهِ وإنَّ ولَدَهُ مِنْ كَسبِهِ"، وروي أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخي حقًّا فأَنا أفتدي منه نفسي بمالي وولدي، وكان له ثلاثة أبناء: عتبة، ومتعب وقد أسلما يوم الفتح، وسر النبي ﷺ بإسلامهما ودعا لهما، وشهدا حنينًا والطائف، وعتيبة -بالتصغير- لم يسلم، وهو الذي قتله الأَسد ببركة دعاء النبي ﷺ وقد كان أبو لهب شديد العداوة لرسول الله، شديد التحريض عليه، شديد الصد عن دين الله. ٣ - (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ): أي: سيدخل النار لا محالة في الآخرة ويقاسي حرها، والسين لتأْكيد الوعيد والتنوين في (نَارًا) للتعظيم، أي: نارًا عظيمة ذات اشتغال وشرر وتوقد، وهي نار جهنم. ٤ - (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ): أي: وستصلى معه وتُعذب بهذه النار أيضًا امرأَته حمالة الحطب، وهي أُم جميل بنت حرب أُخت أَبي سفيان، وكانت عوراء كما جاءَ في البحر، وسُمِّيت بحمَّالة الحطب على ما أَخرج بن أبي حاتم وابن جرير عن ابن زيد؛ لأنها كانت تأْتي بأَغصان الشوك تطرحها بالليل في طريق رسول الله ﷺ وكان رسول الله يطؤها كما يطأ الحرير. وروى عن قتادة أنها كانت مع كثرة مالها وشرفها تحمل الحطب على ظهرها لشدة بخلها. وعن مجاهد أنها كانت تمشي بالنميمة ضد رسول الله ﷺ وضد دعوته، ويقال لمن يمشي بالنميمة هو يحمل الحطب بين الناس، أي: يوقد نار العداوة، ويوْرث الشر بينهم. ٥ - (فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ): وأكد -سبحانه- تبشيع عملها وتقبيح صورتها فقال: "فِي جِيدِهَا" أَي: في عنقها (حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) أي: حبل ممَّا مُسِدَ وقتل وقُوِّي من الحبال، والمراد تصويرها بصورة الحطَّابة التي تحمل الحزمة وتربطها في جيدها؛ تحقيرًا لحالها لتمتعض من ذلك ويمتعض بعلها؛ إذا كانا في منصب الثروة والجاه، ولقد أغضبها ذلك.

стр. 5672

فيذكر الآلوسي أنها لمَّا سمعت هذه السورة أنت أبا بكر ﵁ وهو مع رسول الله ﷺ في المسجد وبيدها فهر (١) فقالت: بلغني أن صاحبك هجاني: ولأَفعلن ولأَفعلن، وإن كان شاعرًا فأَنا مثله أَقول: مُذَمَّمًا أَبَيْنَا، ودينه قَلَيْنَا، وأَمره عَصَيْنَا. وأَعمى الله بصرها عن رسول الله ﷺ فروي أن أبا بكر قال لها: هل ترين معي أحدا؟ فقالت: أتهزأ بي؟! لا أدري غيرك، فسكت أبو بكر، ومضت وهي تقول: قريش تعلم أني بنت سيدها. فقال رسول الله ﷺ : "لَقَدْ حَجَبَنِي عَنْهَا مَلَائِكَةٌ فَمَا رَأَتْنِي، وَكَفَى اللهُ تَعَالَى شَرَّهَا". قال الزمخشري: يحتمل أن يكون المعنى: تكون هذه المرأة في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل حزمة الشوك، فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار، وفي جيدها حبل من مسد من سلاسل النار، كما يعذب كل مجرم بما يجانس حاله في جرمه، قال ابن المسيب: كانت في جيدها قلادة فاخرة من جوهر، وأنها قالت: واللَّاتِ والعُزَّى لأَنْفِقها على عداوة محمد، وهكذا شاركت هذه الزوجة زوجها في العداوة الضارية للرسول، وفي الإيذاء للإِسلام وأَتباعه، فشاركته عذاب جهنم وبئس المصير. والله أعلم.

стр. 5673

سورة الإخلاص وهي مكية، وآياتها أربع وسميت بذلك لما فيها من التوحيد، ولذا سميت أيضا سورة الأساس، وسورة (قل هو الله أحد) وسورة التوحيد، وسورة الإيمان، ولها غير ذلك أسماء كثيرة مناسبتها لما قبلها: قيل: -وهو الأولى-: إنها متصلة بسورة (قل يا أيها الكافرون) في المعنى فهما بمنزلة كلمة التوحيد في النفي والإثبات، ولهذا تسميان بالمقشقشتين، وقرن بينهما في القراءة في صلوات كثيرة، إلَّا أنه فصل بينهما بسورتين: (سورة النصر، وسورة المسد)، لما تقدم في موضعه، من أَن سورة النصر قرنت بسورة (الكافرون) لأَن سورة (الكافرون) تضمنت اختلاف دين الرسول ودين قريش، وسورة النصر تضمنت أن دينه ﵊ هو الغالب، وهو السائد والمنصور، وسورة المسد قرنت بسورة النصر، لأن سورة النصر تضمنت أن ثواب الطاعة حصول النصر والغلبة والاستعلاء في الدنيا، وسورة المسد بينت أن عاقبة العاصي الخسران في الدنيا فلهذا تلتها. مقاصد السورة: السورة تضمنت نفى الشرك بجميع أنواعه، فقد نفى الله عن نفسه أنواع الكثرة والتعدد بقوله تعالى: (اللهُ أحَدٌ) ونفى عن نفسه جميع أنواع الاحتياج بقوله: (اللهُ الصَّمَدُ) ونفى عن نفسه المجانسة والمشابهة بقوله: (لَمْ يَلِدْ) ونفى عن نفسه الحدوث والأولية بقوله: (ولم يُولَدْ) ونفى عن نفسه الأنداد والأشباه بقوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) والسورة الكريمة تعلن التوحيد الخالص. سبب نزول السورة: قال الإمام أحمد: إن المشركين قالوا للنبي ﷺ : انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى: "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" وعن ابن عباس قالت قريش: يا محمد صف لنا ربك الذي تدعونا إليه، فنزلت، وعنه أيضًا أن السائل اليهود.

стр. 5674

بعض ما جاء في فضلها: روى مبارك عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله، أني أُحب هذه السورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) قال: "إنَّ حُبَّكَ إيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ" وأخرج البخاري وأبو داود والنسائي عن أَبي سعيد أن رجلًا سمع رجلًا يقرأُ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) يردّدها فلمَّا أصبح جاءَ إلى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : "وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ" ولقد جاءَ أنها تعدل ثلث القرآن في عدة أخبار، واختلف في المراد بذلك، فقيل: المراد أنها باعتبار معناها ثلث من القرآن المجزء إلى ثلاثه، لا أَن ثواب قراءَتها ثلث ثواب القرآن، وإلى هذا ذهب جماعة، لكن اختلفوا في بيان ذلك، فقيل: إن القرآن يشتمل على: قصص، وأحكام وعقائد، كلها ممَّا يتعلق بالعقائد؛ فكانت ثلث القرآن بذلك الاعتبار، وقيل غير ذلك، قال الآلوسي: ويؤيد اعتبار الأَجزاء القصص، والأحكام، والعقائد دون الثواب ما في صحيح مسلم عن قتادة عن أَبي الدرداء أَن رسول الله ﷺ قال: "أَيَعجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ كُلَّ يَوم ثُلُث القُرْآنِ؟ " قالوا: نعم، فقال: "إنَّ اللهَ جَزَّأَ القُرْآنَ ثُلاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثُلُثُ القرآنِ". وقيل: المراد: تعدل ثلث القرآن ثوابًا لظواهر الأحاديث الواردة في ذلك، قال الآلوسي: والذي أَختاره أن يقال: لا مانع من أن يخص الله سبحانه بعض العبادات التي ليس فيها كبير مشقة بثواب أكثر من ثواب ما هو من جنسها وأَشق منها بأَضعاف مضعفة، وهو سبحانه لا حجر عليه ولا يتناهى جوده وكرمه، فلا يبعد أن يتفضل -جل وعلا- على قارئ القرآن بكل حرف عشر حسنات، ويزيد على ذلك أضعافًا مضاعفة - لقارئ الإخلاص، بحيث يعدل ثوابه ثواب قارئ ثلث منه غير مشتمل على تلك السورة، وتُفَوِّض حكمة التخصيص إلى علمه سبحانه، وكذا يقال في أمثالها، وهذا مراد من جعل ذلك من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، والأحاديث الصحيحه الواردة فيها تكفي في فضلها.

стр. 5675

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)) المفردات: (أَحَدٌ): واحد لا شريك له، ولا يوصف به إلا الله لخلوص هذا الاسم الشريف له تعالى. (الصَّمَدُ): هو وحده السيد المقصود في الحوائج على الدوام. (كُفُوًا): مكافئًا ومماثلًا ونظيرًا. التفسير ١ - (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ): المشهور أن (هُوَ) ضمير الشأن، والسر في تصدير الآية الكريمة به بعد قوله: (قُلْ) هو التنبيه من أول الأَمر على فخامة مضمونها، مع ما فيه من زيادة التحقيق والتقرير، فإن الضمير لا يفهم من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر جليل، فيبقى الذهن مترقبًا لما يفسره ويزيل إبهامه، فيتمكن عند وروده له فضل تمكن. والمعنى: قل يا محمد لمن سأَلك عن صفة ربك، أو لمن قال لك: انسب لنا ربك: الله هو الواحد لا شريك له منزه عن التركيب والتعدد.

стр. 5676

٢ - (اللَّهُ الصَّمَدُ): قال ابن الأَنباري: لا خلاف بين أَهل اللغة في أَن (الصمد) هو السيد الذي ليس فوقه أحَد، الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وفي أُمورهم، وعن أَبي هريرة: هو المستغني عن كل أحد، المحتاجُ إليه كلُّ أَحد. قال الآلوسي: والمعول عليه تفسيرًا: أن الصمد السيد الذي يصمد إليه الخلق في الحوائج، ويقصدونه في المطالب، وتفسيره بغير ذلك أما راجع لذلك، أو لا تساعد عليه اللغة. أهـ. وبهذه العقيدة الصافية من الشوائب، وبهذا التوحيد الخالص، أَبطل الإسلام عقيدة مشركي العرب الذين يتخذون الشفعاءَ والوسطاءَ من الأوثان تقربًا إلى الله، وهو عقيدة غيرهم من أهل الأديان الأُخرى الذين يعتقدون بأن لرؤسائهم منزلة عند ربهم ينالون به التوسط لغيرهم لدى ربهم في نيل مآربهم، وحرّر الإسلام الإنسان لأَول مرة في تاريخ البشرية من نير العبودية لغير الله وحده. وقال الرمخشري: (الصَّمَدُ) (فَعَل) بمعنى (مفعول) من صمد إليه: إذا قصده. ٣ - (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ): (لَمْ يَلِدْ) أي: تنزه ربنا أَن يكون له ولد، لأن الولادة تقتضي انفصال مادة منه سبحانه، وذلك يقتضي التركيب النافي للأحدية، ولأن الولد من جنس أبيه، وهو تعالى لا يجانسه أحد لأنه سبحانه واجب الوجود، والاقتصار على الماضي دون أن يقال: لن يلد؛ لوروده ردًّا على من قال: إن الملائكة بنات الله، أو المسيح ابن الله. (وَلَمْ يُولَدْ) وكذلك نفي المولودية عنه سبحانه لاقتضائها المادة، فيلزم التركيب المنافي للغنى المطلق، والأُحدية الحقيقة، أو لاقتضائها سبق العدم، أو لاقتضائها المجانسة المستحيلة على واجب الوجود، وقدّم نفي الولادة لأنه الأهم؛ لأن طائفة من الكفار توهموا

стр. 5677

خلافه فهو رَدّ على النصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، وعلى اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله. ٤ - (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ): أي: ولم يكافئه ولم يماثله ولم يشاكله أحد. قال الآلوسي: وهذه السورة الجليلة قد انطوت مع تقارب أَقطارها على أَشتات المعارف الإلهية، والعقائد الإسلامية، ولذا جاءَ فيها ما جاءَ من الأَخبار، وورد ما ورد من الآثار، ثم ذكر بعض هذه المعارف، وكذا فعل الزمخشري فليرجع إليهم من أراد.

стр. 5678

سورة الفلق وهي مكية، وآياتها خمس آيات هذه السورة والتي بعدها نزلتا معًا كما في الدلائل للبيهقي، فلذا قرنتا واشتركتا في التسمية بالمعوذتين، ومن الافتتاح بقل أَعوذ، ولقد ورد في فضلهما أَخبار كثيرة، أَخرج مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم أَن رسول الله ﷺ قال: "أُنْزِلَتْ عَليَّ اللَّيْلَةَ آيَاتٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهُنَّ قَطُّ: "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ". مناسبة السورة لما قبلها: لَمَّا شرح الله -سبحانه- أَمر الأُلوهية في السورة التي قبلها (قَلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) جيءَ بهذه السورة (سورة الفلق) بعدها لتكون شرحًا لما يستعاذ منه بالله الأَحد -سبحانه- من أَنواع الشر. مقاصد السورة: في هذه السورة طلب الله من نبيه أَن يلجأَ إِليه فهو رب الفلق، وأَن يلوذ به من شر ما خلق (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ). كما طلب إِليه أَن يتحصن به من شر الليل إِذا أَقبل بظلامه وبما فيه من مخاوف، ومن شر من يسعى بين الناس بالفساد والإِفساد، ويحل ما بينهم من عقد وصلات، ويصيبهم بالضرر، ومن شر حاسد يتمنى زوال ما يسبغ الله على عباده من نعمة: (وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ).

стр. 5679

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)) المفردات: (أَعُوذُ): أَلتجئ وأَعتصم. (الْفَلَقِ): (فَعَل) بمعنى (مفعول) كقَصَصٍ بمعنى (مقصوص) من فَلَق: شَقَّ وفَرَّق، وهو يعم جميع الموجودات الممكنة، وخص عرفا بالصبح؛ لأَن الليل يفلق عنه. ويقال في المثل: هو أَبين من فَلَق الصبح. (غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ) أَي: الليل إِذا دخل ظلامه، أَو القمر إِذا غاب. (النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ): النساء السواحر ينفثن في عقد الخيط حين يسحرن، والنَّفَّاثات جمع نَفَّاثة، والنقث: النفخ مع ريق، وقيل بدونه. (حَاسِدٍ): هو الذي يتمنى زوال النعمة عن غيره. التفسير ١ - (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ): أَي: قل يا محمد: أَعوذ وأَلوذ برب الفلق، أَي: برب المخلوقات، ومبدع الكائنات، أَو قل: أَعتصم برب الصبح الذي ينجلي الليل عنه، وعن ابن عباس: الفلق: الخلق،

стр. 5680

وأَخرج العوفي عنه أَنه فسره بالصبح، وعليه فتعليق العياذ باسم الرب المضاف إِلى الفلق المنبئ عن النور عقيب الظلمة، والسعة بعد الضيق هو عدةٌ كريمة بإِعاذة العائذ ممَّا يتعوذ، وإِنجائه منه، وتقوية لرجائه بذكر بعض نظائره، ومزيد ترغيب له في الجد والاعتناءِ بقرع باب الالتجاءِ إِليه . وقيل: إِن تخصيص الفلق بالذكر لأَنه أُنموذج من يوم القيامة، لأَن من الناس من يغدو فيلقى وينال خيرًا، ومنهم من يجد ما يضره ويكرهه. وفي رواية عن ابن عباس وجماعة مِن الصحابة والتابعين أَن الفلق: جُبٌّ في جهنم، أَو وادٍ فيها. ٢ - (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ): أَي: من شر الذي خلقه من الثقلين وغيرهما، وقال بعض الأَفاضل، هو عام لكل شر في الدنيا والآخرة، وشر الإِنس والجن والشياطين، وشر السباع والهوام، وشر النار، وشر الذنوب والهوس، وشر النفس، وشر العمل. ٣ - (وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ): في هذا تخصيص لبعض الشرور بالذكر مع اندراجه فيما قبل، لزيادة مساس الحاجة إِلى الاستعاذة منه؛ لكثرة وقوعه، ولأَن تعيين المستعاذ منه أَدل على الاعتناءِ بالاستعاذة، والغاسق إِذا وقب، أَي: الليل إِذا اعتكر سواده وعم ظلامُه كُلّ شيءٍ، من قوله تعالى: "إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ" (١)، والتقييد بهذا الوقت لأَن حدوث الشرفية أَكثر، والتحرز منه أَصعب وأَعسر، ومن أَمثالهم (الليل أَخفى للويل) وقولهم: أَغدر من ليل، إِذ أَنه ستار يختفي في ظلامه المجرمون والعابثون بالأَمن، وهو عَوْنٌ لأَعدائك عليك، وتفسير الغاسق إذا وقب ذكر هو المأْثور عن ابن عباس ومجاهد، وقيل معناه: القمر إِذا امتلأَ نورًا، على أَن الغسق: الامتلاءُ، وَوُقُوبُه: دخْوُلُه في الكسوف واسوداده، أَو دخوله في المحاق

стр. 5681

في آخر الشهر، والمنجمون يعدونه نحسًا، ولذلك لا تشتغل السحرة بالسحر المورث للمرض إِلَّا في ذلك الوقت، قيل: وهو المناسب لسبب النزول، واستدل على تفسيره بالقمر -بما أَخرجه الإِمام أَحمد والترمذي والحاكم وصححه وغيرهم عن عائشة قالت: نظر رسول الله ﷺ يومًا إِلى القمر لما طلع، فقال: (يا عائشةُ: استعيذي بالله تعالى من شَر هَذَا؛ فَإِنَّ هَذَا الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ"، وقيل: الغاسق إذا وقب: الحية إِذا لدغت، وقيل: هو كل شر يعتري الإِنسان، والشر يوصف بالظلمة والسواد، ووقوبه: هجومه ووقوعه. ٤ - (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ): أَي: ومن شر السواحر اللاتي يَعْقدْن عقدًا وينفثن عليها، والنفث: النفخ مع ريق، قاله الزمخشري، وقيل: هو شبه النفخ يكون في الرّقية ولا ريق معه، ورجح ابن القيم رأْي الزمخشري. روى البخاري وغيره أَن رسول الله سحر، قيل: والذي سحره لبيد بن الأَعصم وبناته، فمرض النبي ﷺ فنزل جبريل بالمعوذتين، وأَخبره بموضع السحر، وبمن سحره، وبم سحره، فأَرسل ﷺ عليًّا والزبير وعمارًا فنزحوا ماءَ البئر وهو كنقاعة الحناءِ، ثم رفعوا راعوثة (١) البئر فأَخرجوا أَسنان المشط ومعها وتر قد عقد فيه إِحدى عشرة عقدة مغرزة بالإِبر، فجاءُوا بها النبي ﷺ فجعل يقرأ المعوذتين عليها، فكان كلما قرأَ آية انحلت عقدة، ووجد ﵊ خفة، حتى انحلت العقدة الأخيرة عند تمام السورتين فقام النبي ﷺ كأَنما نشط من عقال. (آلوسي). ونقل الماتُرِيدِي عن أَبي بكر الأَصم أَنه قال: إِن حديث السحر المروي هنا متروك، لما يلزمه من صدق قول الكفرة: إِنه ﵊ مسحور، وهو مخالف لنص القرآن الكريم، وقال الإِمام المارزي: قد أَنكر ذلك الحديثَ المبتدعةُ لأَنه يحط من منصب

стр. 5682

النبوة ويشكك فيها، وأَن تجويزه يمنع الثقة بالشرع، وأُجيب بأَن الحديث صحيح وغير معارض لنص، ولا يلزم عليه حط منصب النبوة والتشكيك فيها؛ لأَن الكفار أَرادوا بمسحور أَنه مجنون، وحاشاه، أَو مرادهم أَن السحر أَثر فيه وأَن ما يأْتيه من الوحي تخيلات السحر، وهو كذب أَيضًا؛ لأَن الله عصمه فيما يتعلق بالرسالة، وقال القاضي عياض: قد جاءَت روايات حديث عائشة مبينة أَن السحر إِنما تسلط على جسده الشريف وظواهر جوارحه لا على عقله وقلبه واعتقاده. وأَنكر بعضهم أَصل السحر -ونفى حقيقته، وأَضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها. ومذهب أَهل السنة وعلماءِ الأُمة على إثباته وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأَشياءِ؛ لدلالة الكتاب والسنة على ذلك ولا يستنكره العقل. قال الزمخشري: ومعنى الاستعاذة (شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) أَن يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر، ومن إِثمهن في ذلك، وأَن يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن. ويجوز أَن يراد بالنفاثات: النساءُ الكيّادات من قوله تعالى: "إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ" (١) تشبيهًا لكيدهن بالسحر والنفث في العقد، أَو اللاتي يَفْتِنَّ الرجال بتعرضهن لهم وعرض محاسنهن عليهم. وقيل: المراد من النفاثات في العقد: من يمشي بين الناس بالنميمة ليقطعوا روابط المحبة ويبدوا شمل المودة، وقد شبه عملهم بالنفث وشبهت رابطة الوداد بالعقدة، والعرب تسمى الارتباط الوثيق بين شيئين عقدة، كما سمي الارتباط بين الزوجين (عقدة النكاح) (أهـ: كشاف). ٥ - (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ): أَي: ونستعيذ بك ربنا من شر حاسد إِذا حسد، أي: إِذا أَظهر ما في نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه بترتيب مقدمات الشر ومبادئ الإِضرار بالمحسود قولًا وفعلًا، ومن ذلك

стр. 5683

ما قيل: النظر إِلى المحسود وتوجيه نفسه الخبيثة نحوه على وجه الغضب، فإِن نفس الحاسد حينئذ تتكيف بكيفية خبيثة ربما تؤثر في المحسود، بحسب ضعفه وقوة نفس الحاسد، تؤثر شرًّا ربما يصل إِلى حد الإِهلاك، ورب حاسد يؤذي بنظره مثل ما تؤدي بعض الحيات بنظرهن، وذكروا أَن الحاسد والعائن -من يصيب الناس وتؤذيهم بالنظر إِليهم- يشتركان في أن كلًّا منهما تتكيف نفسه وتتوجه نحو من تريد أَذاه، إلا أَن العائن تتكيف نفسه عند مقابلة العين للمحسود والمعانية له، والحاسد يحصل حسده في الغيبة والحضور، وأَيضًا قد يعِين أَي: (يصيب بعينيه) من لا يقصد حسده من إِنسان أَو حيوان أَو زرع. والحسد: هو تمني زوال النعمة عن الغير، والحاسد ممقوت عند الله وعند عباده، آتٍ بابًا من الكبائر، ويطلق الحسد على الغبطة مجازًا، وكان ذلك شائعًا في العرف الأَول: وهي تمني أَن يكون له مثل ما لأَخيه من النعمة من غير تمني زوالها من غيره، وهذا لا بأْس به إِذا كان في الخير، ومن ذلك ما صح من قوله ﷺ : "لا حسد إِلاَّ في اثنتين: رجل آتاه الله مَالًا وَسَلَّطَهُ عَلى هَلَكَتِهِ فِي الحَق، ورَجُلٍ آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ فهُوَ يَقضِي بِهَا ويُعَلِّمُهَا لِلنَّاسِ" وإِنما خص هؤلاء الثلاثة: الغاسق، والنفاثات، والحاسد بالنص على الاستعاذة منهن -مع أَن قوله تعالى: (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) يشملهم- لأَن كلًّا منهم يَخْفَى أَمرُه ويعظم ضررُه ويلحق الشر بالإِنسان من حيث لا يعلم، كأَنما يغتال به، ولذا قالوا: شر العُدَاةِ: المُدَاجِي الذي يكيدك من حيث لا تشعر.

стр. 5684

سورة الناس وهي مكية، وآياتها ست وتسمى مع ما قبلها -كما أشرنا إليه قبل-بالمعوذتين- بكسر الواو مناسبتها لما قبلها: قيل: هذه السورة والتي قبلها (الفلق) نزلنا معًا ولذلك قرنتا، مع ما اشتركتا فيه من التسمية بالمعوذتين، ومن الافتتاح بـ (قُلْ أَعُوذُ). مقاصد السورة: في السورة الكريمة أَمر من الله لنبيه أَن يلجأَ إليه ويستعيذ به؛ فهو خير من يُلجأُ إليه ويُستعاذ به: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ) ولذا فهو يستعين به لدفع شر عظيم، يخفى على الناس إِدراكه، لأَنه يجيئهم من طريق شهواتهم وأَهوائهم مستترًا عن العيون أَو ظاهرًا لها، مُخْفيًا وسوسته بالمكر والخديعة (مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاس* الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)) المفردات: (بِرَبِّ النَّاسِ): بمربيهم ومدبر أحوالهم. (إِلَهِ النَّاسِ): معبودهم الحق.

стр. 5685

(الْوَسْوَاسِ): قال الزمخشري: اسم مصدر بمعنى الوسوسة، والمصدر بالكسر، والوسوسة صوت الحُلِيّ، والهمس الخفي، ثم استعمل في الخطرة المؤذية، وأُريد به هنا الشيطان؛ سمي بفعله مبالغة كأَنه نفس الوسوسة. (الْخَنَّاسِ): صيغة مبالغة، أَو نسبة، أي: الذي عادته أن يخنس ويتوارى ويتأَخر إذا ذكر الله، من الخنوس: وهو الرجوع والاختفاء. التفسير ١ - (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ): أمر الله رسوله ﷺ أن يستعين برب الناس ومالك أُمورهم ومربيهم بإفاضة ما يصلحهم، ودفعه ما يضرهم. ٢ - (مَلِكِ النَّاسِ): عطف بيان جيءَ به لبيان أن تربيته تعالى إيَّاهم ليست بطريقة تربية سائر المُلَّاك لما تحت أيديهم من مماليكهم، بل بطريق الملك الكامل، والتصرف الكلي والسلطان القاهر، وكذا قوله تعالى: ٣ - (إِلَهِ النَّاسِ): فإنه لبيان أن ملكه - تعالى- ليس بمجرد الاستيلاءِ عليهم، والقيام بتدبير أُمورهم، والتولي لترتيب مبادئ حفظهم وحمايتهم كما هو قصارى أمر الملوك، بل هو بطريق المعبودية المؤسسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكامل فيهم: إحياءَ وإماتة، وإيجادًا وإعدامًا، وذكر القاضي أن في النظم الجليل إشعارًا بمراتب الناظر المتوجه لمعرفة خالقه: فإنه يَعْلَم أَولًا بما يَرَى عليه من النعم الظاهرة والباطنة أن له ربًّا. ثم يتغلغل في النظر حتى يتحقق أنه سبحانه غنى عن الكل، وذَاتُ كل شيءٍ له، ومصارف أَمره منه، فهو الملك الحق. ثم يستدل بهذا النظر على أَنه المستحق للعبادة لا غيره.

стр. 5686

وإنما قال: رب الناس، ملك الناس، إِله الناس، وهو رب كل شيءٍ ومَلِك كل شيءٍ وإله كل شيءٍ؛ لأن الناس هم الذين أَخطأُوا في صفاته وضلُّوا فيها عن الطريق السَّوِيِّ، فجعلوا لهم أربابًا ينسبون إليها بعض النعم ويلجأُون إليها في دفع النقم، ولم يكتف بإظهار المضاف إليه الذي هو الناس مرة واحدة، بل كرر لمزيد الكشف والإيضاح والتقرير والتشريف بالإضافة. وقيل: لا تكرار؛ فإنه يجوز أن يراد بالعام بعض أفراده، (فالناس) الأول بمعنى الأَجِنَّةِ والأَطفال المحتاجين للتربية، و (الناس) الثاني: المراد بهم الكهول والشبان لأنهم المحتاجون إلى من يسوسهم، و (الناس) الثالث: الشيوخ المتعبدون المتوجهون إلى . ٤ - (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ): بيان للمستعاذ منه، أي: ألجأْ إليك رب الناس وملكهم وإلههم ومعبودهم أن تنجينا وتحفظنا من شر الشيطان الموسوس للناس، الكثير الخنوس والاختفاءِ؛ لأنه يأْتي من ناحية الباطل فلا يستطيع مقاومة الحق إذا صدمه، ولكنه يذهب بالنفس إلى أسوأ مصير إذا انجرَّت مع وسوسته، وانساقت معه إلى تحقيق ما خطر بالبال. والمراد الاستعاذة من جميع شروره على البدن والنفس، وعُدَّ من شره -كما ورد في صحيح البخاري- أَنه يعقد على قافية رأس العبد إذا هو نام ثلاث عقد، مراده بذلك منعه من اليقظة للعبادة، وبعضهم عد منه التخبّط، إذِ الحق عند أهل السنة؛ أَن التخبط قد يكون من مسّ الشيطان، والخناس: المتواري المختفي المتأخر، إذا ذكر الله أَمسك عن الوسوسة إلى أن تسنح له فرصة أُخرى، أخرج الحاكم وصححه، وابن المنذر وغيره: عن ابن عباس قال: "مَا مِنْ مَولُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى قَلْبِهِ الْوَسْوَاسُ، فَإِذَا عَقَلَ فَذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ، فَإِذَا غَفِلَ وَسْوَسَ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الوَسْوَاسَ الخَنَّاسَ". ولقد وصف الله هذا الوسواس الخناس بقوله. ٥ - (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ): أي: الذي يلقى خفية في صدور الناس ما يصرفهم عن سبيل الحق والخير والرشاد، ويدعوها إلى الشر والفساد، قيل: أُريد بصدور الناس: قلوبهم، وإنما جعلت الوسوسة

стр. 5687

في الصدور، لأَنه عهد في كلام العرب أَن الخواطر في القلب، والقلب ممَّا حواه الصدر عندهم، أَلا تراهم يقولون: إِن الشك يحوك في صدرك ويجيش في صدري، وما الشك إِلاَّ في نفسه وعقله وقبله. قال بعضهم: إِن الشيطان يدخل الصدر، فيُلقى منه ما يريد إِلقاءَه إِلى القلب، ويوصله إِليه ولا مانع عقلًا من دخوله في جوف الإِنسان، وقد ورد السمع به فوجب قبوله، والإِيمان به، ومن ذلك قوله ﷺ : (إِنَّ الَّشيْطَانَ لَيَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّم) ومن الناس من حمل ذلك على التمثيل. ٦ - (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ): هذه الآية الكريمة بيان للذي يُوسْوِس، على أَن الموسوس نوعان: إِنسي وجني كما قال تعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا" (١). وعن أبي ذر ﵁ أَن رسول الله ﷺ قال له: (يَا أَبَا ذَرٍّ: تَعَوَّذْ باللهِ مِنْ شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَالْجِنِّ) رواه الإِمام أحمد من حديث طويل، أَو (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) يتصل بـ (يوسوس) و (مِنْ) لابتداءِ الغاية، أَي: يوسوس الْمُوَسْوِسُ في صدور الْمُوَسْوِسُ إِليهم من جهة الجن أَنهم ينفعون أَو يضرون، ومن جهة الناس: أَن المنجمين والكهان يعلمون الغيب. وقد بدئت السورة بطلب الاستعاذة برب الناس، ومن كان ربهم فهو القادر على دفع إِغواءِ الشيطان ووسوسته، وقد أرشد في هذه السورة إِلى الاستعانة به - تعالى شأْنه - كما أُرشد إِليها في الفاتحة، للإِشارة إِلى أَن ملاك الأَمر كله: هو التوجه إِلى الله وحده والإِخلاص له في القول والعمل والالتجاءِ إِليه فيما لا قدرة لنا على دفعه. والله أَعلم.

стр. 5688

والحمد لله في البدءِ والختام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أُنزل عليه القرآن والله نسأَل أَن يجعل خير أَعمالنا خواتيمها، وخير أَيامنا يوم لقائه، وأَن يرفع مقته وغضبه عنا، وأَلاَّ يؤاخذنا إِن نسينا أَو أَخطأْنا، وأَن يغفر لنا ولإِخواننا من أَعضاءِ لجنة التفسير الذين سبقونا إِلى رحمته ورضوانه، ولجميع المسلمين، كما نسأَله -سبحانه- أَن يوفقنا للعمل بالقرآن، وأَن يرحمنا به، وأَن يجعله لنا إِمامًا ونورًا وهدى ورحمة، وأَن يذكرنا منه ما نسينا، ويعلمنا منه ما جهلنا، ويرزقنا تلاوته آناء الليل وأَطراف النهار، وأَن يجعله حجة لنا وشفيعًا يوم الدين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إِلاَّ من أَتى الله بقلب سليم، والله أَعلم وأَكرم وأَعظم. وكان الفراغ من إتمام هذا العمل الجليل في يوم الأَربعاء السادس من جمادي الأُولى سنة اثنتَي عشرة وأَربعمائة وأَلف من الهجرة النبوية المباركة، الموافق الثالث عشر من شهر نوفمبر سنة إِحدى وتسعين وتسعمائة وأَلف من الميلاد وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أَعضاءُ لجنة التفسير السيد مصطفى شريف … عبد المهيمن محمد سليمان الفقي إبراهيم السيد السويركي