← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

من أَحداث وعبر يستدل بها على قدرته وبالغ حكمته وواسع علمه، وكان الكفار في الجاهلية ينسبون أحداث الزمان ونوائبه وكوارثه إلى الدهر، فيقولون: هذه نائبة من نوائب الدهر، وهذا زمان بلاءٍ وعناءٍ، فأرشدهم إِلى أَن الدهر خَلْقٌ من خلقه، وأن الزمان ظرف تقع فيه الحوادث خيرها وشرها، فإِذا وقعت للمرءِ مصيبة فبما كسبت يداه، وليس الدهر فيها من سبب. ٢ - (إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ): أَي: إن كل إِنسان لفي نوع من الخسران لغلبة الأهواءِ والشهوات والرغبات والمطامع عليهم في أَعمالهم ومساعيهم، وصرف أَعمارهم في مطالبهم التي لا ينتفعون بها في الآخرة، بل ربما تَضُرُّ بهم، وتكون سبب شقائهم وعذابهم، و (أَل) في الإِنسان لشمول جميع الجنس بدليل الاستثناء الذي جاءَ بعدها: (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا) إلخ، والتنكير في (خُسْرٍ) قيل: للتعظيم، أي: في خسر عظيم، ويجوز أن يكون للتنويع، أي: نوع من الخسران غير ما يعرفه الإِنسان. ٣ - (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ): (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) استثني المولى جلَّ وعلا من جنس الإِنسان الواقع في الخسران، واستثنى سبحانه الذين آمنوا بقلوبهم إِيمانًا صادقًا خالصًا لله، وعملوا الصالحات بجوارحهم، فجمعوا بين صدق العقيدة وصدق العمل، وتجد في كتاب الله دائمًا قرن الإِيمان بالعمل الصالح؛ للإِشارة إلى أن الإِيمان بلا عمل كزرع بلا ثمر، قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا" (١) والذين آمنوا وعملوا الصالحات في تجارة لن تبور؛ لأَنَّهُم باعوا الفاني الخسيس واشتروا الباقي النفيس، واستبدلوا الباقيات الصالحات بالغاديات الرائحات، فيا لها من صفقة ما أَربحها، ومنفعة جامعة للخير ما أوضحها وأنجحها!! وهذا هو قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

стр. 5637

الصَّالِحَاتِ) بيان لتكميلهم لأَنفسهم، وقوله تعالى: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) بيان لتكميلهم لغيرهم، أَي: وَصّى بعضهم بعضا بالحق -وهو الأَمر الثابت الذذي لا سبيل لإِنكاره ولا زوال في الدارين لمحاسن آثاره، وهو الخير كله: من توحيد، وطاعة، واتباع كتبه ورسله، -جل شأْنه- وزهد في الدنيا، ورغبة في الآخرة. (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ): أَي: وأَوصى بعضهم بعضًا بالصبر على المعاصي التي تشتاق إليها النفس بحكم الطبيعة البشرية، وعلى الطاعات التي يشق عليها أداؤُها، وعلى ما يبتلي الله سبحانه به عباده من المصائب، والصبر المذكور داخل في الحق، وذكره بعده لإِبراز كمال العناية به. وفي السورة دعوة إِلى الأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأَنه يجب على الإِنسان أَن يحب لأَخيه من الخير ما يحبه لنفسه.

стр. 5638

سورة الهُمَزَة مكية، وآياتها تسع آيات مناسبتها لما قبلها: ذكر في السورة السابقة (سورة العصر) أَن جميع أَفراد الإِنسان منغمسون في الضلال والخسران إِلا من عصم الله، وفي هذه السورة (سورة الهمزة) يبين -سبحانه- أَحوال بعض الخاسرين، وصفات أَهل الضلال. مقاصد السورة: ١ - في السورة وعيد لمن اعتاد أَن يعيب الناس وجمع مالا كثيرًا وعَدَّدَهُ افتخارًا ظانًّا أَن ماله أَخلده: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ* يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ). ٢ - وفي السورة تهديد لهؤُلاء بإِلقائهم في نار موقدة تحطم أَجسامهم وقلوبهم، وتغلق عليهم أَبوابها فلا خلاص لهم منها: (كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ) إِلى آخر السورة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩))

стр. 5639

المفردات: (هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ): الهمز: الكسر، واللمز: الطعن، شاعًا في النَّيْل من أَعراض الناس. وقيل الهَمْز: الطَّعنِ في الوجه، واللَّمْز: الطعن في الخلف، وقيل: الهمّاز: الطاعن بالقول، واللماز: الطاعن بالفعل، وقيل: اللُّمَزَةُ: الطَّعَّان في الأَنساب خاصة، وقيل غير ذلك، والمراد: طَعّان غَيّاب عَيّاب، وبناءُ فُعَلَة يدل على أَن ذلك صار طبعًا وعادة ونحوهما: الضُّحكة. (وَعَدَّدَهُ): عدّه مرة بعد أُخرى، أَو جعله عُدَّةً لنوائب الدهر. (أَخْلَدَهُ): أَخلده وخلَّده بمعنى، أَي: تركه خالدًا، أَي: ماكثًا مكثًا لا يتناهى، أو مكثًا طويلًا جدًا. (كَلاَّ): ردع عن كل ما سبق. (لَيُنْبَذَنَّ): ليطرحن، والنَّبذ: الطرح مع الإهانة والتحقير. (الْحُطَمَةِ): النَّار التي تحطم كل ما يلقى فيها، أَي: تكسره. (تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ): تصل إِلى القلوب وتُحِيطُ بها، أَو يقصد بالاطلاع: المعرفة والعلم. (مُؤْصَدَةٌ): مطبقة، من: أَوصدت الباب، أي: أَغلقته. (فِي عَمَدٍ): العمد: واحدها عمود، أَو عماد. (مُمَدَّدَةٍ): صفة لِعَمَد أَي: طوال. التفسير ١ - (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ): أَي: هلاك وعذاب شديد وعقاب أَليم، وقيل: واد في جهنم أُعد وهيئ لمن دَأْبُه أَن يعيب النَّاس ويغض من أَقدارهم، وينتقص من هممهم في حضورهم أَو في غيبتهم، يفعل ذلك بالقول أَو الإِشارة، ويتكلم في أَعراضهم بما لا يليق، مما تأْباه النفوس الكبيرة،

стр. 5640

وتتباعد عنه أَصحاب الهمم العالية: وروى عن ابن عباس أَنه سئل عن الهمزَةِ اللُّمَزَةِ فقال: "هو المشَّاءُ بالنميمة، المُفَرِّق بين الجمع، المُغْري بين الإخوان. قيل: نزلت السورة في الأَخنس بن شريق، كان يلمز الناس ويغتابهم، وقيل: في أُمية ابن خلف؛ وكان يهمز النبي ويعيبه، وقيل: في الوليد بن المغيرة، كان يغتاب الرسول ويغض منه، ثم بيَّن التَّنْزِيل سبب عيبه وطعْنه في الناس فقال: ٢ - (الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ): أَي: إِن الذي دعاه إلى الحطِّ من الناس والغضِّ من أَقدارهم والزراية عليهم هو جمعه للمال وتعديده له -أي: عَدُّه مرة بعد أُخرى؛ حبًّا له، وشغفًا به، وتهالكًا عليه، وقيل: جعله أَصنافًا وأنواعًا: كعقار، ونقود، أَو جعله عُدَّةً المصائب الأَيام ومدخرًا لنوائب الدهر ونوازله، وتنكير (مَالًا) للتكثير، ويجوز أَن يكون للتحقير والتقليل باعتبار أَنه عند الله أَقل وأَحقر، ثم بين سبحانه خطأَه في ظنه فقال: ٣ - (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ): أَي: يظن ذلك العيّاب الطَّعّان أن ما عنده من المال جعله خالدًا، والمراد أن المال طوَّل أَمله ومنَّاه الأَماني البعيدة، فهو يعمل من تشييد البنيان، وغرس الأَشجار، وشق الأَنهار، ونحو ذلك، عَمَلَ من يظن أَن ماله أَبقاه حيا، والإِظهار في (مَالَهُ) في مقام الإِضمار لزيادة التقرير، ويجوز أَن يراد أَنه حسب ذلك حقيقة؛ لفرط غروره واشتغاله بالجمع والتكاثر عما أَمامه من قوارع الآخرة، أَو لزعمه أن الحياة والسلامة عن الأَمراض تدور على مراعاة الأَسباب الظاهرة، وأَن المال هو أَساس كمل شيءٍ، وأَنه هو الذي يصنع كل شيءٍ، وهذا زعم فاسد، ثم أَخذ في بيان ما أَعد لهم من العذاب الشديد فقال: ٤ - (كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ): كلَّا: ردع له عن كل ما تضمننه الجمل السابقة من الصفات القبيحة (لَيُنْبَذَنَّ) جواب قسم مقدر، والجملة استئناف مبين لعلة الردع، أي: والله ليُطْرَحَنَّ وَيُلْقَيَنَّ بسبب

стр. 5641

أَفعاله المذكورة (فِي الْحُطَمَةِ) أَي: النار التي من شأْنِهَا أَن تحطم كل ما يُلْقَى فيها -والحطْم: كسر الشيءِ كالهشم، ثم استعمل لكل كسر مُتَنَاهٍ. وقيل: الحطمة باب من أَبواب جهنم، أَو طبقة من طبقاتها، وقيل غير ذلك، ثم أَخذ - عز وعلا - يهول أَمر هذه النار ويعظم شأْنها قال: ٥ - (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ): أَي: وأَي شيءٍ أَعلمك وعرَّفك ما حقيقة هذه النار الحطمة؟! إِن هذه الحطمة، ما لا تحيط بها معرفتك، ولا يقف على حقيقتها عقلك، فلا يعلم شأْنها، ولا يقف على كنهها إِلَّا من أَعدها لمن يستحقها، فهي من الأُمور التي لا تنالها عقول الخلق، ثم فسر هذه الحطمة بعد إِبهامها فقال: ٦ - (نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ): أَي: هي نار الله المسعرة الموقدة دائمًا بأَمر الله وفي إِضافتها إِليه سبحانه ووصفها بالإِيقاد من تهويل أَمرها ما لا مزيد عليه، ثم وصفها بأَوصاف تخالف ميزان الدنيا ليؤكد مخالفتها لها فقال: ٧ - (الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ): أَي: تعلو هذه النار أَوساط القلوب وتغشاها وتقهرها وتتسلط عليها وتتمكن منها، وتخصيص الأَفئدة بالذكر لأَن الفؤاد ألطف ما في الجسد وأَشد تأَلمًا بأَذى يمسه، أَو لأَنه محل العقائد الفاسدة والنيات الخبيثة، فهو أَنسب بما تقدم من ألوان العذاب من جميع أَجزاء الجسم، أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب أنه قال في الآية: تأْكل النار كلَّ شيءٍ منه حتى تنتهي إلى فؤاده، فإِذا بلغت فؤاده أَي: ابتدأَ خلقه: (أَي: من جديد) ويجوز أن يراد بالاطلاع العلم، وكأن هذه النار تعلم وتعرف وتدرك في ما أَفئدة الناس يوم البعث؛ فتميز الطائع عن العاصي والخبيث من الطيب وتُفَرِّق بين مَنْ ارتكبوا السيئات، ومن فعلوا الصالحات، وفي وصفها بالاطلاع على الأَفئدة التي أَودعت في باطن الإِنسان، وفي أَخفى مكان منه؛ إِشارة إِلى أَنها إلى غيره أَشد وصولًا وأَكثر تغلبًا.

стр. 5642

٨ - (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ): ومن أَوصاف تلك النار أَنها عليهم مؤصدة، أَي: مطبقة مغلقة أَبوابها، ولا يخرجون منها ولا يستطيعون الخروج منها لو أَرادوا. ٩ - (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ): أَي: هم موثقون فيها مشدودون إلى عمدٍ ممددة، فلا حركة لهم فيها، ولا خلاص لهم منها، وقال بعضهم: لا مانع أَن يكون قوله تعالى: (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) صلة لمؤصدة على معنى: أن الأَبواب أَوصدت بالعمد، وسدت بها؛ تأكيدًا ليأْسهم، واستيثاقًا بعد استيثاق. والمراد بذلك: تصوير شدة إِطباق النار على هؤلاء وإِحكامها عليهم، والمبالغة في ذلك؛ ليزرع في قلوبهم اليأس والخوف، لأن المحدَّث عنهم همزوا ولمزوا خير البشر. قال الآلوسي: من تأَمل في هذه السورة ظهر له العجب العجاب من التناسب. ١ - فإنه لما بولغ في الوصف في قوله: (هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) قيل: الحطمة للتعادل؛ ليُطابِق العذابُ الذَّنْبَ. ٢ - ولَمَّا أَفاد قوله: (هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) كسر الأعراض بالطعن فيها قوبل بكسر الأَعضاءِ المدلول عليه بالحطمة. ٣ - وجيءَ بالنبذ المنبئ عن الاستحقار، في مقابلة ما ظن الهامز اللامز بنفسه من الكرامة والاستعلاء على الناس. ٤ - ولَمَّا كان منشأُ جمع المال استيلاء حبه على القلوب جيءَ في مقابله بقوله تعالى: (الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ). ٥ - ولَمَّا كان مِنْ شأْن جامع المال المحب له أن يُوصد عليه ويغلق عليه الأَبواب حرصًا عليه، قيل في مقابلة: (إِنَّها عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ) أَي: النار.

стр. 5643

سورة الفيل وهي مكية، وآياتها خمس مناسبتها لما قبلها: ذكر سبحانه في السورة السابقة (سورة الهُمَزة) أن المال والسلطان لا يغنيان من الله شيئًا، وفي هذه السورة أَقام الدليل على ذلك بذكر قصة أَصحاب الفيل، وكذلك في السورة السابقة توعد الله كل كافر بقوله تعالى: (لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ) وهنا في السورة أَتي بما يدل على إنفاذ وتحقيق ما توعد به أُولئك الكفرة. مقاصد السورة: يخبر الله سبحانه نبيه ﷺ بقصة أَصحاب الفيل الذين قصدوا بيت الله بمكة لهدمه: (أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) ويقصص عليه ما حوته هذه القصة مِنْ عِبَر دالَّة على قدرة الله وعظمته: (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ) ويذكر له كيف انتقم من هؤلاء المعتدين على حرماته: (وأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) كما يذكر له عاقبة اعتدائهم، ما آل إليه أمرهم: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَاكُولٍ). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥))

стр. 5644

المفردات: (كَيْدَهُمْ): الكيد: إرادة وقوع ضرّ بغيرك على وجه الخفاءِ، والمراد به: عزمهم على تخريب الكعبة وسعيهم على هدم البيت. (تَضْلِيلٍ): تضييع وإبطال، وأصل التضليل: مِنْ ضَلَّ عنه: إذا ضاع. (أَبَابِيلَ) أَي: جماعات متفرقة، جمع إبَّالة، وحكى الفراء إبَالة -بالتخفيف- وهي حزمة الحطب الكبيرة، شبهت بها الجماعات، شبهت بها الجماعات من الطير في تَضَامِّها، وقيل: واحده إبِّيل كسكِّين، وقال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه. (سِجِّيلٍ): طين مطبوخ متحجر، وقيل: حجارة من جهنم. (كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ): أي: كَتِبْن أَكلته الدَّوابّ وَرَاثَتْه، أَو كورق زرع أَصابته آفة فأَتلفته. التفسير ١ - (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ): (أَلَمْ تَرَ): -استفهام تعجيب- أي: أعجبت كيف فعل ربك بأَصحاب الفيل؟! وهم أَبرهة وقومه. أي: قد علمت يا محمد عِلْمًا لا يُخالطه شك فِعْل ربك بأَصحاب الفيل، ووقعت القصة عام مولد الرسول، قال السهيلي: ولد الرسول بعدها بخمسين يومًا، وكانت القصة في الحرم، والولادة في شهر ربيع الأَول، وقيل غير ذلك، ولعظم القصة كانوا يؤرخون بها؛ شأْن الأَحداث الكبيرة، والوقائع الخطيرة، فيقولون: ولد فلان، أَو مات قبل الفيل بعام أَو بعده بعامين مثلًا. وخلاصة قصة الفيل كما رواها الإِمام ابن كثير والزمخشري في الكشاف: أن أَبرهة ملك اليمن من قبل النجاشي بنى كنيسة (بصنعاء) وسماها (القُلَّيس) وأَراد أَن يصرف الحجاج إليها، فخرج رجل من كِنْدَةَ فأَحدث فيها ليلًا، وقيل: أَحَّج فيها نارًا فأَحرقتها،

стр. 5645

فحلف أبرهة ليهدمن الكعبة، فخرج ومعه فيل، وكان قويًّا عظيمًا، وقيل: كان معه أكثر من فيل، فلمَّا بلغ (المُغَمّس) وهو موضع في طريق الطائف بالقرب من مكة خرج عليه عبد المطلب وعرض عليه ثالث أموال تهامة ليرجع فأبى، وعبَّأَ جيشه وقَدَّم الفيل، وكانوا كلما وجهوه إلى الحرام برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى اليمن أَو غيرها من الجهات هرول، فأَرسل الله طيرًا سودًا، وقيل خضرًا، وقيل بيضًا، مع كل طائر حجر في منقاره، وحجران في رجليه، فكان الحجر يقع على رأْس الرجل فيخرج من دبره، ففروا فهلكوا في كل طريق ومنهل، ومرض أَبرهة فتساقطت أَناملة وأعضاؤه، وما مات حتى انصدع صدره. والمعنى: إنك رأَيت آثار فِعْلِ الله بأَهل الحبشة الذين قصدوا هدم البيت، وسمعت الأخبار به متواترة، ققامت لك مقام المشاهدة. قال الآلوسي: وتعليق الرؤية بكيفية فعل الله لا بفعله بأَن يقال: أَلم تر ما فعل ربك … إلخ؛ لتهويل الحادثة والإِيذان بوقوعها على كيفية خارقة وهيئة عجبية دالة على عظم قدرة الله تعالى، وكمال علمه وحكمته، وشرف رسوله ﷺ فإِن ذلك -كما قال غير واحد- كان من الإِرهاصات، بمولد الرسول ﷺ ، قال إبراهيم ابن المنذر شيخ البخاري: لا يشك في ذلك أحد من العلماءِ وعليه أَكثرهم، وعن عكرمة: أَن من أَصابته الحجارة جَدَرَتْهُ، هو أَول جُدَريٍّ ظهر، أي: بأَرض العرب، فعن يعقوب ابن عتبة أنه حدَّث أَنه أَول ما رؤيت الحصبة والجدري كان بأَرض العرب في ذلك العام. ٢ - (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ): بيان إجمالي لما فعل الله بهم، والهمزة للتقرير، كأَنه قيل: قد جعل الله كيدهم في هدم الكعبة وتخريبها في تضييع وإِبطال؛ بأَن دَمَّرهم أَشنع تدمير، وأَهلكهم على أَفظع صورة، فضيع تدبيرهم وخيب سعيهم، ولم ينالوا قصدهم، ثم فصَّل تدبيره في إِبطال كيد أُولئك القوم فقال:

стр. 5646

٣ - (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ): أَي: وسلط الله عليهم من جنوده فِرَقًا من الطير، أتتهم جماعات مسرعة متتابعة، وأَحاطت بهم من كل جهة، وجاءَت هذه الطير -على ما روي عن جمع- من جهة البحر، وعن عكرمة: كأَن وجوهها مثل وجوه السباع، لم تُر قبل ذلك ولا بعده. ٤ - (تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ): صفة أُخرى كقوله: (طيرًا) وعبر بالمضارع في (تَرْمِيهِمْ) لحكاية الحال، واستحضار تلك الصورة الغربية. والمعنى: تقذفهم بحجارة من سجيل، أَي: من طين مطبوخ متحجر، وقيل: هو عربي من السِّجل بالكسر وهو الدلو الكبيرة ومعنى كون الحجارة من الدلو: أنها متتابعة كثيرة كالماءَ الذي يصب من الدلو، وقيل: من الإسْجال، بمعنى الإرسال، وقيل: من سجين، أي: من جهنم (آلوسي وكشاف بتصرف) وقيل: هو لبس بعربي بل هو منقول من غير العربية، واختلف في حجم تلك الطير، وكذلك في حجم تلك الحجارة، روي أن الطير في الجسم كالخطاطيف، والحجارة منها ما هو كالمحصة، أَو أَصغر أَو أَكبر. قال الشيخ محمد عبده - رحمة الله -: فهذا الطاغية الذي أراد أن يهدم البيت أرسل الله عليه ما يوصل إليه مادة الجدري أَو الحصبة، فأَهلكته وأَهلكت قومه قبل أن يدخل مكة، وهي نعمة من الله غمر بها أَهل حرمه مع وثنيتهم حفظًا لبيته؛ حتى يرسل إليه رسوله الذي يحميه بقوة دينه، وهي نقمة من الله حلت بأعدائه أَصحاب الفيل الذين أرادوا الاعتداء على البيت. ٥ - (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ): أَي: فجعلهم كورق زرع أَصابته آفة فأَتلفته، وذهب غير واحد إلى أن المعنى: فجعلهم كَتِبْن أَكلته الدواب وراثته، والمراد: كَرَوْثٍ إلَّا أنه لم يذكره بهذا اللفظ لهجنته، فجاءَ على نظام الآداب القرآنية، فشبه تَقَطُّعَ أَوصالهم بتفرَق أَجزاءِ الرَّوْث، ففيه إظهار تشويه حالهم؛ حيث جعلهم مبتذلين ضائعين، لا حافظ لهم، ولا يلتفت إِليهم أَحد، ولا يدفنهم.

стр. 5647

سورة قريش وهي مكية، وآياتها أربع مناسبتها لما قبلها: إن كلًّا منهما تضمن ذكر نعمة من نعم الله على أَهل مكة؛ فالأُولى (سورة الفيل) تضمنت إهلاك عدوهم الذي جاءَ ليهدم بيتهم وهو أَساس مجدهم، والثانية (سورة قريش) ذكرت نعمة أُخرى، وهي اجتماع أَمرهم والتئام شملهم ليتمكنوا من القيام برحلتي الشتاءِ والصيف، ولشدة الصلة بين السورتين كان أُبي بن كعب ﵁ يعتبرهما سورة واحدة. مقاصد السورة: ١ - في هذه السورة الكريمة يبين الله فضله على قريش ويَمُنُّ عليهم بأَنه حمى البيت من الأَعداءِ، وجعلهم عُمَّاره وأَهل جيرته، وبهذا اكتسبوا عزًّا ومجدًا، وهو الأَمن، فهم يمضون إلى مزاولة تجارتهم بين الشام واليمن، دون أَن يعترض طريقهم أَحد، وهم بهذا ضمنوا -إلى نعمة الأَمن- نعمة الغنى واليسار: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)). ٢ - وهذه كلها نعم توجب عليهم عبادة ربهم الذي أَطعمهم من جوع وآمنهم من خوف: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ).

стр. 5648

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)) المفردات: (لإِيلافِ) إيلاف: مصدر أَلِفْتُ الشيءَ إلْفًا وَإلافًا، وآلَفْتُهُ إيلافًا: إذا لزمته وعكفت عليه من الأُنس به، وقال الراغب: الإيلاف: اجتماعٌ من التئامٍ، وقال الهروي: عهود بينهم وبين الملوك. (قُرَيْشٍ): ولد النضر بن كنانة، وهو أَصح الأَقوال، وهو في الأَصل تصغير (قُرْشٍ) بفتح القاف اسم لدابة في البحر أَقوى من كل دابة، وقال الفراءُ: هو من التَّقَرُّش، بمعنى التكسب؛ سموا بذلك لاشتغالهم بالتجارة، وقيل: من التقرش بمعنى التجمع. (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ): فليوحدوه بالعبادة ولا يشركوا معه غيره. التفسير ١ - (لإِيلافِ قُرَيْشٍ): متصل بقوله: (فَلْيَعْبُدُوا) واللام للتعليل. أَمرهم أَن يعبدوه لإيلافهم الرحلتين، والمعنى: أَن نعم الله لا تحصى فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه النعمة الجليلة، وهذا رأَى الخليل، وقال الكسائي والفرَّاءُ: المعنى: اعجبوا لإِيلاف قريش (بدليل السياق) كأَنه قيل: اعجبوا لإِيلاف قريش رحلة الشتاءِ والصيف وتركهم عبادة الله الذي أَعزهم

стр. 5649

ورزقهم وآمنهم؛ فلهذا أُمروا بعبادة ربهم المنعم عليهم بالرزق والأَمن، وقال الأَخفش: (لإِيلافِ قُرَيْشٍ) متعلق بآخر السورة التي قبلها، أي: فجعلهم كعصف مأْكول لإيلاف قريش، والقرآن كله كالسورة الواحده. والمعنى: أهلك الله من قصدهم من الحبشة، ولم يسلطهم عليهم؛ ليتسامع الناس بذلك فيتهييوهم زيادة تهيب، ويحترموهم فضل احترام، حتى ينتظم لهم الأَمن في رحلتيهم، فلا يجترئ أَحد عليهم. ٢ - (إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ): أي: فلتعبد قريش ربها شكرًا له على أَنه جعلهم قومًا تجارًا لهم رحلتان: رحلة إلى اليمن شتاءٍ لجلب الأَعطار والأَفاويه، ورحلة في الصيف إلى الشام لجلب الأَقوات إِلى بلادهم، ولقد كان العرب يحترمونهم في أَسفارهم لأنهم جيران بيت الله وولاة الكعبة، فيذهبون آمنين ويرجعون سالمين، على كثرة ما كان بين العرب من السلب والنهب والغارات التي لا تنقطع، ولهذا ألفت قريش الأَسفار، وتعلقت بالرحيل طلبًا للرزق، وهذا الإجلال الذي ملك نفوس العرب للبيت الحرام ولجيرانه، إنما هو من تسخير رب البيت سبحانه ولقد حفظ الله حرمته فرد الحبشة عنه حين أَرادوا هدمه وأَهلكهم، قبل أَن ينقضوا منه حجرًا ولو نزلت مكانة البيت عند العرب ومكانة أهله وجيرانه، واستطالت الأَيدي عليهم لنفروا من تلك الرحلات وأَعرضوا عن هذه الأَسفار فقلت وسائل الكسب بينهم لأن أرضهم صحراءُ قاحلة وليسوا مهرة في الصناعات، فكانت تضيق عليهم مسالك الأَرزاق، وتنقطع عنهم ينابيع الخيرات. ٣ - (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ): أي: فليخصوا العبادة لرب هذا البيت الذي مكنهم مكن القيام بهاتين الرحلتين، ولا يشركوا به غيره، ويفردوه بالتعظيم والإجلال، وهذا البيت هو الكعبة التي حميت من

стр. 5650

أصحاب الفيل. وعن عمر ﵁ أنه صلَّى بالناس بمكة عند الكعبة، فلما قرأ (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) جعل يومئ بإصبعه إِليها وهو في الصلاة بين يدي الله . ثم وصف رب هذا البيت بقوله: ٤ - (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ): أي: رب البيت هو الذي أطعهم من جوع بأَن وسع لهم الرزق ومهد لهم سبيله، بسبب هاتين الرحلتين اللتين تمكنوا منها بسبب كونهم من جيران بيته، وأهل حرمه وقيل: أراد بالجوع: القحط الذي أكلوا فيه الجيف والعظام، فأغاثهم الله بعد ذلك وأمدهم برزقه. (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) أي: وآمنهم من خوف عظيم شديد الهول، وهو خوف أصحاب الفيل، أو خوف التخطف في بلدهم ورحلاتهم.

стр. 5651

سورة الماعون وهي مكية، وآياتها سبع آيات مناسبتها لما قبلها: لَمَّا ذكر في السورة السابقة (سورة قريش) أَنه (أَطْعَمَهم من جُوعٍ) ذم هنا في (سورة الماعون) من لم يحضُّ على طعام المسكين، ولما قال تعالى في السورة السابقة: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) ذم هنا من سها عن صلاته التي يتوجه فيها إلى هذا البيت. مقاصد السورة: ١ - تحدثت السورة الكريمة عن المكذب بالدين، وأن من أوصافه أَنه يهين اليتيم ويزجره، وأنه لا يحض بقول أَو فعل على إطعام المسكين: (أَرأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ). ٢ - ثم ذكرت السورة فريقًا آخر شيبهًا بهذا المكذب بالدين، وهم الذين عن صلاتهم ساهون وغافلون لا يؤدونها، والذين هم مراءُون بأَعمالهم، وهم مع ذلك يبخلون بالمعونة عمن يحتاج إليها، ولا يساعدون غيرهم فيما جرت به العادة أَن يساعد بعضهم بعضًا فيه، وتوعدت هؤلاء بالويل والهلاك: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ … ) إلى آخر السورة.

стр. 5652

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)) المفردات: (أَرَأَيْتَ): أَعَلِمْتَ؟ (يُكَذِّبُ بِالدِّينِ): يجحد الجزاءَ والبعث، وينكر القرآن. (يَدُعُّ الْيَتِيمَ): يدفعه دفعًا عنيفًا ويزجره زجرًا قبيحًا. (وَلا يَحُضُّ): ولا يحث على إطعام المسكين ولا يدعو الناس إلى ذلك. (سَاهُونَ): غافلون عنها غير مبالين بها، أو تاركون لها. (يُرَاءُونَ): قال الزمخشري: المراءَاة: هي مفاعلة من الإراءَة، لأَن الرَّائِي يُرِي الناسَ عملَه، وهم يُرُونَه الثناءَ عليه والإعجاب به. والمعنى: يظهرون للناس أعمالهم ليثنوا عليهم. (الْمَاعُونَ): المعروف والمعونة والخير. التفسير ١ - (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ): استفهام بالهمزة، أُريد به تشويق السامع إلى تعرّف المكذب لأَنَّ ذلك مِمَّا يجب على المُتَدَين معرفته ليحترز عنه وعن فعله، وفيه أيضًا تعجيب منه، والخطاب في (أَرَأَيْتَ) لرسول الله ﷺ أَو لكل من يصلح له الخطاب.

стр. 5653

والمعنى: هل عرفت وعلمت الذي يكذب بالجزاءِ والبعث؟ أَو بالإسلام وتعاليمه من هو؟ ٢ - (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ): الفاءُ للسببية، وما بعدها مسبب عن التشويق الذي يدل عليه الكلام السابق. والمعنى: إن أَردت أَن تعرفه فهذه صفاته: فذلك الذي يكذب بالدين، هو الذي يدعُّ اليتيم، أي: يدفعه ويزجره، مع إظهار الجفوة والاحتقار له والتَّعالي عليه. ٣ - (وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ): أي: ولا يحث نفسه ولا غيره، ولا يبعث أَحدًا من أَهله وغيرهم من الموسرين ويحثه على طعام المسكين، أي: على بذل طعام المسكين، وهو ما يتناوله من الغذاء، والمسكين: هو الفقير المحتاج الذي لا شيءَ له يقوم بأَوده وكفايته، والتعبير بـ (طعام المسكين) للإشعار بأَن المسكين كأَنه مالك للطعام الذي يقدم له، كما في قوله تعالى: "وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ" (١) فهو بيان لشدة الاستحقاق، وفيه إشارة للنهي عن المنّ. قال الزمخشري: جعل عَلَمَ (وأَمارة) التكذيب بالجزاءِ منع المعروف، والإقدام على إيذاء الضعيف، يعني: لو أنه آمن بالجزاءِ وأَيقن بالوعيد لخشي الله تعالى وعقابه، ولم يقدم على ذلك، فحين أَقدم عليه عُلِم أنه مكذب، فما أشده من كلام، وما أبلغه في التحذير من المعصية؛ وأنها جدبيرة بأَن يستدل بها على ضعف الإيمان. وفيه إِشارة إلى أن الإنسان إذا عجز عن مساعدة المسكين كان عليه أن يحث غيره من القادرين على ذلك ويدعوه إلى فعل الخير. ٤، ٥ - (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ): ثم وصل به قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) كأنه قيل: فإِذا كان الأمر كذلك وكان دَعِّ اليتيم ودفعه وعدم الحض على طعام المسكين بهذه المثابة فويل، أي: هلاك وعذاب، أو واد في جهنم للمصلين (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ) أَي: الذين يسهون عن الصلاة،

стр. 5654

قلة مبالاة بها حتى تفوتهم أَو يخرج وقتها، أو لا يصلِّونها كما صلاها رسول الله ﷺ والسلف، ولكن ينقرونها نقرًا من غير خشوع ولا إخبات، ولا اجتناب لما يكره فيها من مثل العبث باللحية والثياب وكثرة التشاؤب والالتفات، لا يدري الواحد منهم كم صلى من الركعات، التي انصرف عنها، ولا ما قال من السور. ٦، ٧ - (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ): (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ) أي: يقصدون الرياءَ بأَعمالهم، ويعملون حيث يرون الناس ويرونهم طلبًا للثناء عليهم، ولا يكون الرجل مرائيًا بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة؛ فمن حق الفرائض الإعلان بها وتشهيرها لقوله ﷺ : "وَلا غمَّةَ فِي فَرَائِضِ اللهِ" لأَنها أَعلام الإسلام، وشعائر الدين وتاركها يستحق المقت والذم، فوجب إماطة التهمة بالإظهار، وإن كان تطوعًا فحقه أن يخفى؛ لأَنه ممَّا لا يلام بتركه، ولا تهمة فيه، فإن أَظهره للاقتداء به كان جميلًا وإنما الرياءُ أن يقصد بالإظهار أن تراه الأَعين؛ فيثني عليه بالصلاح. (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ): قيل معناه: ويمنعون الزكاة عن مستحقيها من الفقراء والمساكين وباقي الأصناف التي تستحق الزكاة، ولا ترق قلوبهم للجياع والمحتاجين، وعن ابن مسعود: (الْمَاعُونَ): ما يتعاور بين الناس في العادة من الفأْس والقدر والدلو. وعن عكرمة: رأْس الماعون: زكاة المال، وأَدناها: الدلو، وهذا يشمل كل الأَقوال؛ لأَن المراد ترك المعاونة بمال أَو منفعة، ولذا قال ابن كعب: الماعون: المعروف. والمعنى: أَن هؤلاء الذين سهوا عن الصلاة التي هي عماد الدين، والفارق بين الإيمان والكفر، والذين راءُوا بها والرياءُ شعبة من الشرك، والذين منعوا الزكاة التي هي شقيقة الصلاة وقنطرة الإسلام أَولى وأجدر بهم أَن يطلق عليهم أَنهم مكذبون بيوم الدين لأَنهم نسوا عاقبة أَفعالهم التي سيعاقبون عليها يوم القيامة.

стр. 5655

سورة الكوثر وهي مكية، وآياتها ثلاث آيات مناسبتها لما قبلها: قال الإمام: هذه السورة كالمقابلة للسورة التي قبلها (سورة الماعون) لأن الله سبحانه وصف المنافقين في السورة السابقة بأَربعة أُمور: ١ - البخل. ٢ - وترك الصلاة. ٣ - والرياء. ٤ - منع المعاونة، وذكر الله في هذه السورة في مقابلة البخل (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) وفي مقابلة ترك الصلاة (فَصَلِّ) أي: دم على الصلاة. وفي مقابلة الرياءِ (لِرَبِّكَ) أي: لرضا ربك لا لرضا الناس. وفي مقابلة منع الماعون (وانْحَرْ) وأَراد به سبحانه التصدق بلحوم الأضاحي. مقاصد السورة: ١ - في هذه السورة امتنَّ الله على عبده ورسوله ﷺ بأَنه أَعطاه الكوثر، وهو الخير العظيم في الدنيا والآخرة: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ). ٢ - وطلب منه شكرًا على هذه النعمة أن يديم الصلاة خاصة لوجهه، وأَن ينحر من طيبات أَمواله شكرًا للمنعم المتفضل: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ). ٣ - وختمت السورة بهذه البشارة العظيمة: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) أي: إن عدوك ومبغضك هو المقطوع الذكر ليس له أثر صالح، أَما أنت فسيبقى ذكرك في العالمين.

стр. 5656

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) المفردات: (الْكَوْثَرَ): فوعل من الكثرة -صيغة مبالغة، أي: الشيءُ الكثير كثرة مفرطة، والكوثر: قيل: هو نهر في الجنة، وقيل: هو الخير الكثير في الدنيا والآخرة، والنهر في الجنة بعض هذا الخير، وقيل: النبوة، وقيل غير ذلك. (فَصَلِّ) أي: قدم على الصلاة. (لِرَبِّكَ) أي: خالصة له وابتغاءَ مرضاته وحده. (وَانْحَرْ) أي: اذبح الأُضحية، وقيل غير ذلك. (شَانِئَكَ) أي: مبغضك وكارهك. (الأَبْتَرُ): الذي ليس له عقب، وليس له ذكر حسن، وأَصل البتر في اللغة: القطع، وشاع في قطع الذنب، وقيل لمن لا عقب له: (أَبْتَرُ) على التشبيه. التفسير ١ - (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ): أي: إِنا منحناك وأَوليناك يا محمد الخير الكثير الدائم الذي لا ينقطع في الدنيا ولا في الآخرة، وأكثر المفسرين على أن الكوثر نهر في الجنة، لما رواه الإمام أَحمد ومسلم وغيرهما

стр. 5657

أن النبي ﷺ قال: "هَلْ تَدْرُونَ مَا الكَوْثَرُ؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هُوَ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ اللهِ فِي الجَنَّةِ". وعن ابن عباس أَنه فسر الكوثر بالخير الكثير، فقال سعيد بن جبير: إن ناسًا يقولون: هو نهر في الجنة، فقال: هو من الخير الكثير. والحق ما قال ابن عباس؛ لأَنه يشمل كل ما جاءَ من روايات وأَقوال بلغت أَكثر من ستة وعشرين قولًا، وكلها ترجع إلى ما ذكر في تفسيره بالخير الكثير، وكأن ما جاء في الروايات أَمثلة لهذا الخير الكثير، كقولهم: المراد بهم النبوة، أو القرآن، وقيل: أولاده، وقيل: علماءُ أُمته، قال الآلوسي: وفي التعبير بالماضي في (أَعْطَيْنَاكَ) قيل: إشارة إلى تحقيق الوقوع، وقيل: إشارة إلى تعظيم الإعطاءِ وأنه أَمر مرعى لم يترك إلى أن يُفعل بعد، وقيل: إشارة إلى بشارة أُخرى، كأنه قيل: إنا هيأْنا لك أَسباب سعادتك قبل دخولك في الوجود فكيف نهمل أَمرك بعد وجودك وانشغالك بالعبودية؟! ٢ - (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ): الفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها (فَصَلِّ) قيل: المراد بالصلاة التي أُمر بها في الآية جنس الصلاة، وقيل: الصلاة المفروضة، وقيل: صلاة العيد بناءً على قول من قال: إن السورة مدنية، وكذلك قوله: (وَانْحَر) قيل: المراد بالنحر نحر البُدْنِ للأُضحية، وقيل: وانحر، أي: استقبل القبلة بنحرك، وإليه ذهب الفراءُ، وقيل: اجعل صلاتك لله لا لغيره، واجعل ذبحك باسم الله لا باسم غيره كما يفعل المشركون .. وقيل غير ذلك. قال الزمخشري: والمعنى: أعطيتك ما لا غاية لكثرته من خير الدارين الذي لم يُعْطَه أَحَدٌ غيرك، فاجتمعت لك الفضيلتان: إصابة أَشرف عطاءٍ وأوفره من أَكرم مُعْطٍ وأعظم مُنْعِم، فاعبد ربك الذي أعزك بإعطائه وشرفك وصانك وجعلك أشرف قومك الذين يعبدون غير الله، وانحر لوجهه واسمه إذا نحرت، فخالفهم في النحر فإنهم يقدمونه للأوثان، وبعد أَن بَشَّر الله رسوله بأَعظم البشارة، وطالبه بشكره على ذلك، وكان من تمام نعمته على نبيه أن يصبح عدوه مقهورًا ذليلًا، قال:

стр. 5658

٣ - (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ): أي: إن مبغضك وعدوك -كائنا من كان- هو الأَبتر الذي لا عقب له، لا يبقى له نسل ولا حُسْنُ ذكر، لا أنت يا محمد، لأَن كل من يولد من المؤمنين إلى يوم القيامة فهم أولادك وأعقابك، وذكرك مرفوع إلى آخر الدهر، يُبدأُ بذكر الله ويثني بذكرك، فمثلك لا يقال له أبتر وإنما الأَبتر شانئك ومبغضك في الدنيا والآخرة، وإذا ذكر ذكر باللعن، قيل: مات القاسم، وهو أول ميت من ولده بمكة، ثم مات عبد الله، وقال العاص بن وائل السهمي: قد انقطع نسله، فهو أَبتر، فأَنزل الله تعالى: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) وقيل: نزلت في أبي جهل، وقيل: في عقبة بن أَبي معيط، والجمهور على أنها نزلت في العاص بن وائل، وأيًّا ما كان فلا ريب في ظهور عموم الحكم، وهذه السورة الكريمة على قصرها وإيجازها قد اشتملت على ما يدل على عظيم إعجازها، وقد أَطال الإمام فيها الكلام، وذكر أن قوله تعالى: (وَانْحَرْ) متضمن الإخبار بالغيب -وهو سعة ذات يده ﷺ وأمته، وقيل مثله في ذلك: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) والله أعلم.

стр. 5659

سورة الكافرون وهي مكية، وآياتها ست آيات وتسمى المُقَشْقِشَة، أي: المُبَرِّئة من الشرك والنفاق - وسورة العبادة، وسورة الإخلاص. مناسبتها لما قبلها: في السورة السابقة (سورة الكوثر) أمر الله رسوله بالشكر على نعمة الكثيرة وذلك بإخلاص العبادة له، وفي هذه السورة (الكافرون) التصريح بما أُشير له فيما سلف وهو الأَمر بإخلاص العبادة لله . مقاصد السورة: ١ - في هذه السورة الكريمة أمر الله رسوله أن يقطع أطماع الكافرين في مساومتهم له في عقيدته للاختلاف التام بينه وبينهم في المعبود وفي طريقة العبادة: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ). ٢ - فلكم -أيها الكافرون- دينكم الذي قلدتم فيه آباءَكم ورضيتموه لأنفسكم وهو الشرك، ولي ديني الذي ارتضاه الله لي وهو دين الحق والتوحيد: (وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ) إلى آخر السورة. بعض فضائلها: قيل: يُسَنُّ قراءَتها من سورة (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) في ركعتي سنة الفجر، وفي الركعتين بعد المغرب، وجاءَ في بعض الروايات أنها تعدل ربع القرآن؛ لأنه مقاصد القرآن: ١ - صفاته تعالى. ٢ - والنُّبوَّات. ٣ - والأحكام. ٤ - والمواعظ، وهي مشتملة على الأساس الأَول وهو التوحيد، ولذا عدلت ربع القرآن، وقيل غير ذلك. والله أعلم.

стр. 5660

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)) المفردات: (الْكَافِرُونَ): المراد بهم كفرة من قريش مخصوصون قد علم الله أنهم لا يؤمنون، واللفظ يشمل كل كافر. (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) أي: لا أَعبد الذي تعبدونه من دون الله: من الأَصنام والأَنداد. (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ): ولا أنتم عابدون الذي أَعبده وهو الله وحده. (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ): لكم شرككم وكفركم وستجازون عليه، ولى توحيدي، وإخلاصي وسأُجَازى عليه. التفسير ١ - (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ): قال جمهور المفسرين: المراد بهم كفرة مخصوصون من قريش قد علم الله أنهم لا يؤمنون أَبدًا، أَخرج (١) ابن جرير أن رسول الله ﷺ لقي الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأَسود بن عبد المطلب، وأمية بن خلف فقالوا: يا محمد؛ هلم فلتعبد ما نعبد، ونعبد

стр. 5661

ما تعبد، ونشترك نحن وأَنت في أَمرنا كله، فإن كان الذي نحن عليه أصحَّ من الذي أنت عليه كنتَ أخذتَ منه حظًّا، وإن كان الذي أنت عليه أصَحَّ من الذي نحن عليه كما قد أَخذنا من حظًّا، فأنزل الله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) إلى آخره حتى انقضت السورة، وفي رواية أن رهطًا من عتاة قريش قالوا له ﷺ : هلم فاتبع ديننا، ونتبع دينك، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فقال ﵊: "مَعَاذَ اللهِ أَنْ أُشْرِكَ بِاللهِ سُبْحَانَهُ غَيْرَهُ" فقالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك، فنزلت، فغدا رسول الله ﷺ إلى المسجد الحرام، وفيه الملأُ من قريش، فقام ﵊ فقرأَها عليهم، فَأَيسُوا، ولعل نداءَهم بـ (يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) للمبالغة في طلب إقبالهم؛ لئلا يفوتهم شيءٌ ممَّا يلقى عليهم، وفي ندائه ﵊ بذلك في ناديهم ومكان قوتهم دليل على عدم اكتراثه ﵊ بهم؛ إذ المعنى: قل يا محمد للكافرين: يا أيها الكافرون. ٢ - ٥ - (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)): الظاهر أن فيه تكرارًا للتأْكيد، فالجملة الثالثة المنفية (وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ) على ما في البحر تأْكيد للأُولى: (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) على وجه أبلغ؛ لا سمية المؤكّدة، والرابعة: (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) توكيد للثانية: (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) وهو الذي اختاره الطيبي، وذهب إليه الفراءُ، وقال: إن القرآن نزل بلغة العرب، ومن عادتهم تكرير الكلام للتأكيد والإفهام، فيقول المجيب: بلى بلى والمتنع: لا لا، وعليه قوله تعالى: "كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) " (١) وهو كثير نظمًا ونشرًا، وفائدة التوكيد هنا قطع أطماع الكافرين، وتحقيق أَنهم باقون على الكفر أَبدًا، والرسول باق على عبادة ربه أبدًا.

стр. 5662

والذي عليه الجمهور: أنه لا تكرار فيه، ولكنهم اختلفوا في بيان ذلك وتوجيهه، فقال الزمخشري: (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) أُريد بالنفي في الآيتين النفي في المستقبل، فمعنى (لا أَعْبُدُ): نفى العبادة في المستقبل، لأن (لا) لا تدخل إلَّا على مضارع في معنى الاستقبال، والمعنى: لا أَعبد في المستقبل ما تطلبونه منى من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون فيه، أي: في المستقبل ما أطلب منكم من عباده إلهي. فمعنى (وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ) أي: وما كنت عابدًا فيما سلف ما بعدتم فيه، يعني لم تعْهَد منى عباده صنم في الجاهلية، فكيف تُرجَى منى في الإسلام. ٦ - (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ): أي: وما عبدتم في وقت مضى ما أَنا على عبادته، فالآيتان الأخيرتان للنفي في الماضي، ولقد ذكر الآلوسي آراءً كثيرة في هذا الموضوع فليرجع إليه من أراد. ٧ - (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ): (لَكُمْ دِينُكُمْ) هو من عند الأكثرين تقرير لقوله تعالى: (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ)، وقوله تعالى: (وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ) كما أن قوله تعالى: (وَلِيَ دِينِ) عندهم تقرير لقوله تعالى: (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ). ومعنى (لَكُمْ دِينُكُمْ): إن دينكم -وهو الإشراك- مقصور على الحصول لكم لا يتجاوزه إلى الحصول إلىّ كما تطمعون في، فلا تعلقوا به آمالكم الكاذبة. ومعنى (وَلِيَ دِينِ): إن ديني الذي هو التوحيد مقصور على الحصول إليّ، لا تجاوزه إلى الحصول لكم أيضًا، لأن الله قد ختم على قلوبكم لسواء استعدادكم، أو لأنكم علقتموها بالمحال الذي هو عبادتى لآهلكتكم، أَو استلامى لهم، ويجوز أن يكون هذا تقريرا لقوله: (وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ) وقيل: المراد به المتاركة، أَي: لكم دينكم -وهو كفركم وشرككم- ولى ديني، أي: لي توحيدي -على معنى أنى نبي مبعوث لكم لأَدعوكم إلى لحق والنجاة، فإذا لم تقبلوا منى ولم تتبعونى فدعونى ولا تدعونى إلى الشرك وإليه ذهب الزمخشري (انظر الكشاف).

стр. 5663

سورة النصر وهي مدنية، وآياتها ثلاث آيات مناسبتها لما قبلها: إنه لَمَّا ذكر في السورة (الكافرون) اختلاف دين الرسول الذي يدعو إليه، ودين الكفار الذي يعكفون عليه، أشار في هذه السورة (سورة النصر) إلى أن دينهم سيضمحل ويزول، وأن الدين الذي يدعو إليه الرسول -وهو الإسلام- سيغلب عليه، ويكون هو دين الأعظم. مقاصد السورة: طلبت هذه السورة من رسول الله ﷺ أنه إذا جاء نصر الله وفتح مكة، ورأى الناس يدخلون في دين الله جماعات -أن يسبح بحمده شكرًا له، وينزهه عمَّا لا يليق، ويستغفره لنفسه وللمؤمنين؛ لأن سبحانه هو الذي يقبل توبة التائبين: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ .... ) إلى آخر السورة. ولقد حدث الفتح كما أخبر لله، وذلك من علامات نبوته ﷺ . قال الآلوسي: سورة النصر، وتسمى سورة (إِذَا جَاءَ) وعن ابن مسعود أنها تسمى (سورة التوديع) لما فيها من الإيماء إلى قرب وفاته ﷺ وتوديعه الدنيا وما فيها، وجاءَ في عدة روايات عن ابن عباس وغيره أنه ﷺ لما نزلت دعا إليه فاطمة ﵂ وقال: "إنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إِليَّ نَفْسِي" فبكت، ثم ضحكت، فقيل لها، فقالت: أخبرني أنه قد نعيت إليه نفسه فبكيت، ثم أَخبرني بأَنكِ أَوَّلُ أَهلي لحوقًا بي فضحكتُ، وقد فهم ذلك منها عمر ﵁ وكان ﵊ بعدها يفعل فعل مُوَدِّع.

стр. 5664

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)) المفردات: (نَصْرُ اللَّهِ): عونه لك على أعدائك، يقال: نصره على عدوه، أي: أعانه عليه. (الْفَتْحُ): الفصل بينه وبين أَعدائه، وإِعزاز دينه، والمراد به -على الأَرجح-: فتح مكة. (أَفْوَاجًا): جمع فوج، وهو -على ما قال الراغب: جماعه المارة المسرعة، ويراد به مطلق الجماعة. التفسير ١ - (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ): (إِذَا): ظرف للزمن المستقبل، والإعلام بذلك من أَعلام النبوة، روي أَنها نزلت في أيام التشريق بمِنًى في حجة الوداع. والمعنى: إذا تحقق نصر الله والفتح لك وللمؤمنين، وإذا تأكد نصر الله لدين الحق وانهزام أَهل الشرك، وفتح الله بينك وبين قومك بجعل الغلبة لك عليهم، وإعزازك أَمرك، وإعلاء كلمتك، قال الزمخشري، والفرق بين النصر والفتح: أن النصر الإغاثة والإظهار على العدو، ومنه نَصَرَ الغيثُ الأَرض: إذا أَغاثها وأَعانها على إخراج نباتها، والفتح: فتح البلد، والفصل بينك وبين الأَعداءِ.

стр. 5665

والأكثرون على أن المراد بالنصر صلح الحديبية، وكان في آخر سنة ست، والمراد بالفتح: فتح مكة، روي ذلك عن مجاهد وغيره، وصححه الجمهور وكان في السنة الثامنة وكان المسلمون في هذه الغزوة عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وطوائف العرب، وقيل: كانوا اثني عشر أَلفًا، قال ابن كثير: المراد بالفتح هنا فتح مكة قولًا واحدًا؛ فإذا أَحياء العرب كانت تقول: إن ظهر على قومه فهو نبي، فلمَّا فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجًا، وأَقبلوا على الإسلام من كل حدب وصوب، ولم تمض سنتان حتى ملئت جزيرة العرب إيمانًا، وقيل: المراد جنس نصر الله لرسوله وللؤمنين وجنس الفتح، فيعم ما كان في أمر مكة -زادها الله تعالى شرفًا- وغيره، وفتح بلاد الشرك. ٢ - (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا): أي: ورأَيت العرب وغيرهم يدخلون في الإسلام وهو دين الله الذي لا دين غيره جماعات جماعات لا أفرادًا كما كان في بدءِ الدعوة. قال الآلوسي: والمراد بدخول الناس في دينه تعالى أفواجًا -أَي: جماعات كثيرة: إسلامهم بكثرة من غير قتال، وقد كان ذلك بين فتح مكة وموته ﵊ وكانوا قبل الفتح يدخلون فيه واحدًا واحدًا واثنين اثنين، أخرج البخاري عن عمرو ابن سلمة قال: لَمَّا كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله ﷺ وكانت الأحياءُ تتلوم (١) بإسلامها فتح مكة، فيقولون: دعوه وقومه، فإن ظهر عليهم فهو نبي، وقال عكرمة ومقاتل: المراد بالناس: أهل اليمن وفد منهم سبعمائة رجل أسلموا، واحتجوا بما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال: بينما رسول الله في المدينة إذ قال: "اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ؛ جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ؛ وَجَاءَ أَهْلُ اليَمَن" قيل: يا رسول الله وما أهل اليمن؟ قال: "قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهُمْ لَيِّنَةٌ طَاعَتُهُمْ، وَالإِيمَانُ يمَانٍ، وَالْفِقْهُ يمَانٍ، وَالْحكمَةُ يَمَانِيَّةٌ). وَرَوَى مثل هذا البخاري ومسلم والترمذي، وقيل: إن ذلك لأن أهل مكة -وفيهم بعث النبي ومنهم المهاجرون- يمانيون، وكذلك أهل المدينة ومنهم الأنصار.

стр. 5666

والظاهر أنه ثناء على أَهل اليمن؛ لإسراعهم إلى الإيمان وقبولهم له بسهولة ويسر، ويشمل الأنصار وغيرهم، والظاهر أيضًا أن الخطاب في (وَرَأَيْتَ) للنبي ﷺ وقيل: الخطاب عام لكل مؤمن. ٣ - (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا): أي: إذا تم لك ما ذكر فاشكر المنعم (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) أي: فنزهه تعالى بكل ذكر يدل على التنزيه، حامدًا له - جل وعلا - زيادة في عبادته والثناء عليه سبحانه لزيادة إنعامه عليك، فالتسبيح: التنزيه، لا التلفظ بكلمة (سبحان). والمعنى: اجمع بين تسبيحه تعالى -وهو تنزيهه عمَّا لا يليق من النقائض- وتحميده وهو إثبات ما يليق به من المحامد له لعظم ما أنعم سبحانه به عليك صلوات الله وسلامه عليك. (وَاسْتَغْفِرْهُ) أي: واطلب منه أن يغفر لك ولأُمتك، روي في مسند أحمد وصحيح مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر في آخر أمره من قوله: سبحان الله وبحمده، أَستغفر الله وأتوب إليه، ويجوز أن يراد بالتسبيح: التعجب، أي: فتعجب لتيسير الله تعالى لما لم يخطر ببالك وبال أحد من أن يغلب أحدٌ على أهل الحرام، واحمده على ذلك، وقيل: المراد بالتسبيح الصلاة، لاشتماله عليها، ونقل ابن الجوزى ذلك عن ابن عباس، وقد روي أنه ﷺ لما دخل مكة صلى في بيت أُم هانئ ثمانى ركعات، وهي سُنَّة واستغفاره ﷺ لأنه كان دائمًا في التَّرقي إذا ترقى إلى مرتبة استغفر لما قبلها. وقيل: لتعليم أُمته، وقيل: استغفاره لأُمته، أي: واستغفره لأُمتك. قال الآلوسي: وأَنت تعلم أن كل أَحد مقصر على القيام بحقوق الله تعالى كما ينبغي، وعن أَدائها على الوجه اللائق بجلاله، وإنما يؤديها على ما يعرف، والعارف يعرف أن قدر الله أعلى وأجل من ذلك، فهو يستحي من عمله، ويرى أنه مقصر، وكلما كان الشخص بالله تعالى أَعرف كان له أَخوف، وبرؤية تقصيره أبصر، فيمكن أن يكون استغفاره ﵊ لما يعرف من عظيم قدر الله وعظمته، فيرى أن عبادته وإن كانت أجل من عبادة جميع العابدين فهي دون ما يليق بهذا الجلال

стр. 5667

وتلك العظمة التي هي وراء ما يخطر بالبال، فيستحي ويهرع إلى الاستغفار، وقد صح أنه ﵊ كان يستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة، وتقديم التسبيح ثم الحمد على الاستغفار قيل: على طريقة النزول من الخالق إلى الخلق، كما قيل: ما رأيت شيئًا إلَّا وجدت الله قبله؛ لأن جميع الأشياء مرايا تجليه ﷻ وذلك لأن في التسبيح والتحميد توجهًا بالذات لجلال الخالق وكماله، وفي الاستغفار توجهًا بالذات لحال العبد وتقصيراته، ويجوز أن يكون تأْخير الاستغفار عنهما لما هو مقرر من مشروعية تعقيب العبادة بالاستغفار، وقيل: في تقديمها عليه تعليم أدب الدعاء، وهو ألَّا يسأَل فجأَة من غير تقديم الثناء على المسئول منه (إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) أي: إنه سبحانه منذ خلق المكلفين تواب، أي: كثير القبول لتوبة عباده، فليكن المستغفر التائب متوقعا للقبول، فالجملة في موضع التعليل لما قبلها، واختيار: (تَوَّابًا) على (غَفَّارًا) مع أنه الذي يستدعيه ظاهرًا قوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرْهُ) للتنبيه -كما قال بعض الأَجلة- على أن الاستغفار إنما ينفع إذا كان مع التوبة؛ لأَن المطلوب طلب وقاية شر الذنب الماضي بالدعاء والندم عليه، ووقاية شر الذنب المتوقع بالعزم على الإقلاع منه، وهذا هو الذي يمنع الإصرار والله أعلم.

стр. 5668

سورة المسد وهي مكية، وآياتها خمس آيات وتسمى سورة (تبت) مناسبتها لما قبلها: إن الله ذكر في السورة السابقة (سورة النصر) أن ثواب الطاعة هو حصول النصر والاستعلاء في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، وهنا في سورة المسد ذكر أن عاقبة العاصي الخسار في الدنيا والعقاب في الآخرة، وسورة النصر من آخر ما نزل بالمدينة، و (سورة تبت) من أول ما نزل بمكة، وهذا يدل على أن ترتيب السور على ما جاء في المصحف الشريف بأمر الله . مقاصد السورة: ١ - بُدئت السورة الكريمة بالإِخبار بهلاك أبي لهب، وعدم إغناء شيء عنه من ماله أو ولده أو جاهه، وتوعدته بأنه سيلقى في الآخرة نارًا ذات لهب (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ). ٢ - ثم ذكر السورة أن زوجته ستكون معه في النار، وخصها الله بنوع من العذاب. وهو ما يكون حول عنقها من حبل تجذب منه في النار، وتعرف به يوم القيامة؛ لما كانت عليه من إيذاء للرسول وأصحابه، ومحاربة لدعوته، وهكذا شاركت زوجها في الكيد لدين الله والصد عن سبيله في الدنيا، فشاركته في عذاب جهنم يوم القيامة. (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ).

стр. 5669

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)) المفردات: (تَبَّتْ): خسرت وخابت وهلكت، ومنه قولهم: أَشَابَّةٌ أَم تَابَّةٌ؟ يريدون: أَم هالكة؟ وقال الشهاب: إن مادة (التَّباب) تدور على القطع، وهو مؤد إلى الهلاك ولذا فسر به، وقال الراغب: التباب: الاستمرار في الخسران. وجملة (تَبَّتْ) دعاء عليه. (وَتَبَّ) أي: وقد هلك وخسر (والجملة خبر عنه). (سَيَصْلَى نَارًا): سيدخل نارًا لا محالة في الآخرة ويقاسي حرها. (ذَاتَ لَهَبٍ) أي: ذات شرر وإحراق شديد، ولهب النار: ما يسطع منها عند اشتعالها وشدة توقدها. (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ): امرأَته هي أُم جميل بنت حرب أُخت أَبي سفيان، وكانت تحمل حزمة من الشوك فنتشرها بالليل في طريق رسول الله، وقيل: كانت تمشي بين الناس بالنميمة. (فِي جِيدِهَا): في عُنقها. (مِنْ مَسَدٍ): المسد: ما فُتِل من الحبال فَتْلًا شديدًا من ليف أَو جلد أَو غيرهما.

стр. 5670

التفسير ١ - (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ): أي: هلكت وخسرت يدا أبي لهب، والمراد كله وجملته، وعبّر عن ذلك باليدين لأَن أكثر الأَفعال تزاول بهما، وهذه الجملة دعاء عليه. وقوله تعالى: (وَتَبَّ) أي: قد أَجاب الله ذلك الدعاءَ وحققه بالفعل، وقد هلك وخسر، وهذا كقولهم: أَهلكه الله وقد هلك. (وأبو لَهَب): هو عبد العزى بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ وكان شديد العداوة له وللإسلام، أخرج الإمام أحمد والشيخان والترمذي عن ابن عباس: لما نزلت "وأنذر عشيرتك الأقربين" صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي "يا بني فهر، يا بني عدي: لبطون قريش" حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطيع أَن يخرج أَرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال الرسول: "أَرأَيتكم لو أخبرتكم أَن خيلًا بالوادي تريد أن تُغِيرَ عليكم أَكنتم مُصَدقيَّ؟ قالوا: نعم؛ ما جربنا عليك إلَّا صدقًا، فقال: "إِني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" فقال أبو لهب: تَبًّا لك سائر الأيام أَلهذا جمعتنا؟ فنزلت، ويروى أنه مع ذلك القول أخذ بيده حجرًا ليرمي به رسول الله ﷺ . ومن هذا يعلم وجه إيثار التباب على الهلاك ونحوه ممَّا تقدم؛ لإيغاله في عداوة رسول الله ﷺ ، وإسناده إلى يديه، والتعبير بالماضي في الموضعين لتحقق الوقوع، قال الزمخشري: وذكر أبو لهب بكنيته -والأَصل في الكنية التكريم- قيل: لاشتهاره بها، وقد أُريد بها تشهيره بدعوة السوءِ وأن تبقى سمة له، وذكرهُ بكنية أَوفق بذلك، أَو لكراهة اسمه القبيح (عبد العزى)، أو لجعله كناية عن الجهنمي، كما يقال: أبو الخير، أبو الشر. ٢ - (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ): (ما) استفهام في معنى الإنكار، أو ناقية، والمعنى: لم ينفعه ماله وما كسب بماله من الأَرباح والمنافع والوجاهة والأَتباع، أو ما نفعه ماله الذي أَورثه عن أَبيه والذي كسبه بنفسه

стр. 5671

وعن ابن عباس: ما كسب من الولد، أَخرج أَبو داود عن عائشة مرفوعًا: "إنَّ أَطْيَبَ مَا يَأكُلُ الرجُلُ مِن كَسبِهِ وإنَّ ولَدَهُ مِنْ كَسبِهِ"، وروي أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخي حقًّا فأَنا أفتدي منه نفسي بمالي وولدي، وكان له ثلاثة أبناء: عتبة، ومتعب وقد أسلما يوم الفتح، وسر النبي ﷺ بإسلامهما ودعا لهما، وشهدا حنينًا والطائف، وعتيبة -بالتصغير- لم يسلم، وهو الذي قتله الأَسد ببركة دعاء النبي ﷺ وقد كان أبو لهب شديد العداوة لرسول الله، شديد التحريض عليه، شديد الصد عن دين الله. ٣ - (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ): أي: سيدخل النار لا محالة في الآخرة ويقاسي حرها، والسين لتأْكيد الوعيد والتنوين في (نَارًا) للتعظيم، أي: نارًا عظيمة ذات اشتغال وشرر وتوقد، وهي نار جهنم. ٤ - (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ): أي: وستصلى معه وتُعذب بهذه النار أيضًا امرأَته حمالة الحطب، وهي أُم جميل بنت حرب أُخت أَبي سفيان، وكانت عوراء كما جاءَ في البحر، وسُمِّيت بحمَّالة الحطب على ما أَخرج بن أبي حاتم وابن جرير عن ابن زيد؛ لأنها كانت تأْتي بأَغصان الشوك تطرحها بالليل في طريق رسول الله ﷺ وكان رسول الله يطؤها كما يطأ الحرير. وروى عن قتادة أنها كانت مع كثرة مالها وشرفها تحمل الحطب على ظهرها لشدة بخلها. وعن مجاهد أنها كانت تمشي بالنميمة ضد رسول الله ﷺ وضد دعوته، ويقال لمن يمشي بالنميمة هو يحمل الحطب بين الناس، أي: يوقد نار العداوة، ويوْرث الشر بينهم. ٥ - (فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ): وأكد -سبحانه- تبشيع عملها وتقبيح صورتها فقال: "فِي جِيدِهَا" أَي: في عنقها (حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) أي: حبل ممَّا مُسِدَ وقتل وقُوِّي من الحبال، والمراد تصويرها بصورة الحطَّابة التي تحمل الحزمة وتربطها في جيدها؛ تحقيرًا لحالها لتمتعض من ذلك ويمتعض بعلها؛ إذا كانا في منصب الثروة والجاه، ولقد أغضبها ذلك.

стр. 5672

فيذكر الآلوسي أنها لمَّا سمعت هذه السورة أنت أبا بكر ﵁ وهو مع رسول الله ﷺ في المسجد وبيدها فهر (١) فقالت: بلغني أن صاحبك هجاني: ولأَفعلن ولأَفعلن، وإن كان شاعرًا فأَنا مثله أَقول: مُذَمَّمًا أَبَيْنَا، ودينه قَلَيْنَا، وأَمره عَصَيْنَا. وأَعمى الله بصرها عن رسول الله ﷺ فروي أن أبا بكر قال لها: هل ترين معي أحدا؟ فقالت: أتهزأ بي؟! لا أدري غيرك، فسكت أبو بكر، ومضت وهي تقول: قريش تعلم أني بنت سيدها. فقال رسول الله ﷺ : "لَقَدْ حَجَبَنِي عَنْهَا مَلَائِكَةٌ فَمَا رَأَتْنِي، وَكَفَى اللهُ تَعَالَى شَرَّهَا". قال الزمخشري: يحتمل أن يكون المعنى: تكون هذه المرأة في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل حزمة الشوك، فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار، وفي جيدها حبل من مسد من سلاسل النار، كما يعذب كل مجرم بما يجانس حاله في جرمه، قال ابن المسيب: كانت في جيدها قلادة فاخرة من جوهر، وأنها قالت: واللَّاتِ والعُزَّى لأَنْفِقها على عداوة محمد، وهكذا شاركت هذه الزوجة زوجها في العداوة الضارية للرسول، وفي الإيذاء للإِسلام وأَتباعه، فشاركته عذاب جهنم وبئس المصير. والله أعلم.

стр. 5673

سورة الإخلاص وهي مكية، وآياتها أربع وسميت بذلك لما فيها من التوحيد، ولذا سميت أيضا سورة الأساس، وسورة (قل هو الله أحد) وسورة التوحيد، وسورة الإيمان، ولها غير ذلك أسماء كثيرة مناسبتها لما قبلها: قيل: -وهو الأولى-: إنها متصلة بسورة (قل يا أيها الكافرون) في المعنى فهما بمنزلة كلمة التوحيد في النفي والإثبات، ولهذا تسميان بالمقشقشتين، وقرن بينهما في القراءة في صلوات كثيرة، إلَّا أنه فصل بينهما بسورتين: (سورة النصر، وسورة المسد)، لما تقدم في موضعه، من أَن سورة النصر قرنت بسورة (الكافرون) لأَن سورة (الكافرون) تضمنت اختلاف دين الرسول ودين قريش، وسورة النصر تضمنت أن دينه ﵊ هو الغالب، وهو السائد والمنصور، وسورة المسد قرنت بسورة النصر، لأن سورة النصر تضمنت أن ثواب الطاعة حصول النصر والغلبة والاستعلاء في الدنيا، وسورة المسد بينت أن عاقبة العاصي الخسران في الدنيا فلهذا تلتها. مقاصد السورة: السورة تضمنت نفى الشرك بجميع أنواعه، فقد نفى الله عن نفسه أنواع الكثرة والتعدد بقوله تعالى: (اللهُ أحَدٌ) ونفى عن نفسه جميع أنواع الاحتياج بقوله: (اللهُ الصَّمَدُ) ونفى عن نفسه المجانسة والمشابهة بقوله: (لَمْ يَلِدْ) ونفى عن نفسه الحدوث والأولية بقوله: (ولم يُولَدْ) ونفى عن نفسه الأنداد والأشباه بقوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) والسورة الكريمة تعلن التوحيد الخالص. سبب نزول السورة: قال الإمام أحمد: إن المشركين قالوا للنبي ﷺ : انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى: "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" وعن ابن عباس قالت قريش: يا محمد صف لنا ربك الذي تدعونا إليه، فنزلت، وعنه أيضًا أن السائل اليهود.

стр. 5674

بعض ما جاء في فضلها: روى مبارك عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله، أني أُحب هذه السورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) قال: "إنَّ حُبَّكَ إيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ" وأخرج البخاري وأبو داود والنسائي عن أَبي سعيد أن رجلًا سمع رجلًا يقرأُ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) يردّدها فلمَّا أصبح جاءَ إلى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : "وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ" ولقد جاءَ أنها تعدل ثلث القرآن في عدة أخبار، واختلف في المراد بذلك، فقيل: المراد أنها باعتبار معناها ثلث من القرآن المجزء إلى ثلاثه، لا أَن ثواب قراءَتها ثلث ثواب القرآن، وإلى هذا ذهب جماعة، لكن اختلفوا في بيان ذلك، فقيل: إن القرآن يشتمل على: قصص، وأحكام وعقائد، كلها ممَّا يتعلق بالعقائد؛ فكانت ثلث القرآن بذلك الاعتبار، وقيل غير ذلك، قال الآلوسي: ويؤيد اعتبار الأَجزاء القصص، والأحكام، والعقائد دون الثواب ما في صحيح مسلم عن قتادة عن أَبي الدرداء أَن رسول الله ﷺ قال: "أَيَعجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ كُلَّ يَوم ثُلُث القُرْآنِ؟ " قالوا: نعم، فقال: "إنَّ اللهَ جَزَّأَ القُرْآنَ ثُلاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثُلُثُ القرآنِ". وقيل: المراد: تعدل ثلث القرآن ثوابًا لظواهر الأحاديث الواردة في ذلك، قال الآلوسي: والذي أَختاره أن يقال: لا مانع من أن يخص الله سبحانه بعض العبادات التي ليس فيها كبير مشقة بثواب أكثر من ثواب ما هو من جنسها وأَشق منها بأَضعاف مضعفة، وهو سبحانه لا حجر عليه ولا يتناهى جوده وكرمه، فلا يبعد أن يتفضل -جل وعلا- على قارئ القرآن بكل حرف عشر حسنات، ويزيد على ذلك أضعافًا مضاعفة - لقارئ الإخلاص، بحيث يعدل ثوابه ثواب قارئ ثلث منه غير مشتمل على تلك السورة، وتُفَوِّض حكمة التخصيص إلى علمه سبحانه، وكذا يقال في أمثالها، وهذا مراد من جعل ذلك من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، والأحاديث الصحيحه الواردة فيها تكفي في فضلها.

стр. 5675

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)) المفردات: (أَحَدٌ): واحد لا شريك له، ولا يوصف به إلا الله لخلوص هذا الاسم الشريف له تعالى. (الصَّمَدُ): هو وحده السيد المقصود في الحوائج على الدوام. (كُفُوًا): مكافئًا ومماثلًا ونظيرًا. التفسير ١ - (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ): المشهور أن (هُوَ) ضمير الشأن، والسر في تصدير الآية الكريمة به بعد قوله: (قُلْ) هو التنبيه من أول الأَمر على فخامة مضمونها، مع ما فيه من زيادة التحقيق والتقرير، فإن الضمير لا يفهم من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر جليل، فيبقى الذهن مترقبًا لما يفسره ويزيل إبهامه، فيتمكن عند وروده له فضل تمكن. والمعنى: قل يا محمد لمن سأَلك عن صفة ربك، أو لمن قال لك: انسب لنا ربك: الله هو الواحد لا شريك له منزه عن التركيب والتعدد.
следующие страницы →