← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1151

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عامر

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (739 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقَدّمة التحقيق إنَّ الحمدَ للهِ؛ نَحْمَدُهُ ونَسْتَعينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا وسيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ، ومَن يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ. وأشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشْهَدُ أن مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ. • الكتبُ كثيرٌ جدًّا، لكنَّ أكثرَها لا يَلْبَثُ أنْ يَنْدَثِرَ كعشبٍ ربيعيٍّ عاجَلَتْهُ شمسُ الصَّيفِ المحرقةِ فتَرَكَتْهُ غثاءً أحوى، وتَبْقى كلمةٌ طيِّبةٌ كشجرةٍ طيِّبةٍ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السَّماءِ تُؤْتي أُكُلَها كلَّ حينٍ بإذنِ ربِّها. وهذهِ كلمةٌ طيِّبةٌ كشجرةٍ طيِّبةٍ ما زالَ المسلمونَ يَجْتَنونَ مِن ثمارِها قرنا بعدَ قرنٍ، وذلك في تقديري لأسبابٍ كثيرةٍ: أهمُّها: شخصيَّةُ مصنِّفِها وشهادةُ الأئمَّةِ لهُ بالإتقانِ في العلمِ والإمامةِ في الدِّينِ والاعتدالِ والزُّهدِ والإخلاصِ وصدقِ النِّيَّةِ. والثَّاني: حسنُ اختيارِهِ لموضوعِ كتابِهِ لِيَكونَ عامَّ النَّفعِ لا يَسْتَغْني عنهُ عامِّيٌّ ولا متعلِّمٌ. والثَّالثُ: وضوحُ رؤيتِهِ وحسنُ تنظيمِهِ لموضوعِهِ وعرضُهُ لهُ مباشرةً بلغةٍ علميَّةٍ رصينةٍ متوسِّطةٍ بينَ ركّةِ الضعفاءِ وتقعُّرِ المتفيهقينَ بألفاظِهِمُ الوحشيَّةِ أو أساليبِهِمُ الرُّومنسيَّةِ الموغلةِ في التَّصويرِ والتَّخييلِ. والرَّابعُ: توسُّطُهُ بينَ الطُّولِ المملِّ المستغرقِ في التَّفاصيلِ التي لا طائلَ تحتَها، والقصرِ المخلِّ الذي لا يَفِي الموضوعَ حقَّهُ ولا يُشْبِعُ حاجةَ القارئ للاطِّلاعِ. • في سبيلِ الوصولِ إلى متنٍ مشرقٍ يَلِيقُ بهذا الكتابِ الفذِّ اعْتَمَدْتُ على واحدةٍ من أجودِ مطبوعاتِ الكتابِ وثلاثةٍ من الأُصولِ الحطِّيَّةِ قَدَّمَها الأخُ المفضالُ سَعْدُ بنُ عَبْدِ اللهِ السَّعْدانُ أعْظَمَ اللهُ جزاءَهُ على تطوُّعِهِ المتكرِّرِ بمثلِ هذهِ الفضيلةِ لا يُريدُ لها جزاءً ولا شكورًا. وهذا وصفٌ مختصرٌ لتلكَ الأُصولِ:

стр. 2

* أوَّلًا: الأصلُ الخطِّيُّ المعتمدُ (خ) ١) هوَ نسخةٌ خطِّيَّةٌ نفيسةٌ محفوظةٌ في قسمِ المخطوطاتِ في جامعةِ الإمامِ مُحَمَّدِ بن سُعودٍ برقم ٤٢٧١ ف مصوَّرةٌ عن أصلٍ محفوظٍ في مكتبةِ شستربتي بالرَّقمِ نفسِه. ٢) عددُ صفحاتِها ٢٧٩، في كلِّ صفحةٍ ٢٣ سطرًا، في كلِّ سطرٍ ١٥ كلمةً تقريبًا. ٣) الخطُّ جميلٌ مضبوطٌ ضبطًا حسنًا بعلاماتِ التَّرقيمِ، واسْتُعْمِلَ القلمُ الأحمرُ في رؤوسِ الفقراتِ الرَّئيسةِ، وخُطَّ خطٌّ واضحٌ فوقَ الفقراتِ الجديدةِ غالبًا، وجاءَ الشِّعرُ واضحًا مفصولًا عن سائرِ الكلام. ٤) في حواشي النُّسخةِ تصويباتٌ لما وَقَعَ في المتنِ مِن الأخطاءِ واستدراكاتٌ للسَّقطِ، لكنَّ غالبَ هذهِ الحواشي مستفادٌ مِن النُّسخةِ الأُمِّ أو نسخٍ أُخرى للكتابِ، فإنْ شَكَّ النَّاسخُ في لفظةٍ ما؛ أشارَ في الحاشيةِ إلى ما يَراهُ صوابًا بقولِهِ: "لَعَلَّها كذا"، ممَّا يَشْهَدُ لأمانتِهِ في التَّحمُّلِ والأداءِ. نعم؛ قد تَجِدُ في الحاشيةِ بينَ فينةٍ وأُخرى تعليقًا للنَّاسخِ أو المقابلِ، لكنَّهُ واضحٌ مفصولٌ عن المتنِ بصورةٍ لا لبسَ فيها. ٥) وقد جاءَ اسمُ النَّاسخِ ومكانُ النَّسخِ وتاريخُهُ صريحًا في قولِهِ آخرَ المخطوطِ: "آخرُها، أحْسَنَ اللهُ خاتمتَها، وكانَ الفراغُ منها على يدِ أفقرِ عبادِ اللهِ وأحوجِهِم إلى رحمتِهِ النَّادمِ على ما كانَ مِن كسبِهِ إلْياسَ بن خَضرِ بن مُحَمَّدٍ الدَّاعي لمالكِهِ وكاتبِهِ بطولِ البقاءِ وعلوِّ الدَّرجاتِ والارتقاءِ، وهوَ الشَّيخُ الإمامُ علاءُ الدِّينِ عليُّ بنُ سُلَيْمانَ المِرْداوِيُّ أمْتَعَ اللهُ بطولِ بقائِهِ وأعادَ علينا وعلى المسلمينَ مِن بركاتِهِ غَفَرَ اللهُ لهُ ولوالديهِ ولكاتبِ هذهِ الأسطرِ ولجميعِ المسلمينَ والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وذلكَ في اليومِ الثَّاني والعشرينَ مِن شهرِ اللهِ المحرَّمِ مِن شهورِ سنةِ خمسينَ وثمانِ مئةٍ بالمدرسةِ الموسومةِ بالشَّيخِ أبي عمر … " إلخ. ٦) والاستدراكاتُ الكثيرةُ في حواشي المخطوطِ ناطقةٌ بأنَّهُ قوبِلَ على أكثرَ مِن نسخةٍ خطِّيَّةٍ، بل جاءَ هذا صريحًا في قولِهِ: "بلغ مقابلةً حَسنةً صحيحةً على نسختينِ، وذلكَ برباطِ العبَّاسِ عمِّ نبيِّنا مُحَمَّد ﷺ ورَضِيَ عنهُ، وذلك بمَكَّةَ المشرَّفةِ، على يدِ كاتبِها، إلَّا الصَّفحةَ الأخيرةَ؛ فإنَّ كاتبَها المسمَّى فيها، قالَ ذلكَ وكَتَبَ عَلِيُّ بنُ سُلَيْمانَ

стр. 3

المِرْداوِيُّ الحنبليُّ عَفا اللهُ عنهُ وعن ولدِهِ، وذلكَ في أيَّامٍ آخرُها نهارُ السَّبتِ خامسَ عشرَ جمادى الآخرةِ سنةَ سبعٍ وخمسينَ وثمانِ مئةٍ". * ثانيًا: الأصل الخطِّيُّ المساعد (م) ١) هو نسخةٌ خطِّيَّةٌ محفوظة في قسمِ المخطوطاتِ في جامعةِ الإمامِ مُحَمَّدِ بن سُعودٍ برقم ٤٨٨٦ ف مصوَّرةٌ عن أصلٍ محفوظٍ في مكتبةِ شسشربتي بالرَّقمِ نفسِهِ. ٢) تَقَعُ هذهِ النُّسخةُ في ٣١٤ صفحةً، في كلِّ صفحةٍ ١٧ سطرًا، في كلِّ سطرٍ ١٢ كلمةً تقريبًا. وقد سَقَطَتِ الصَّفحاتُ العشرُ الأُولى منها. ٣) الخطُّ مقروءةٌ مضبوطٌ بعلاماتِ التَّرقيمِ، وهاهُنا خطٌّ واضحٌ فوقَ رأْسِ كلِّ فقرةٍ، واسْتُعْمِلَ القلمُ الأحمرُ لتمييزِ العناوينِ، ومُيِّزَ الشِّعرُ عن سائرِ الكلامِ. ومعَ ذلكَ فروحُ العجلةِ واضحةٌ في هذهِ النُّسخةِ، فالسَّقطُ فيها متكرَّرٌ، يَتَراوَحُ بينَ كلمةٍ وسطرٍ وفقرةٍ وصفحاتٍ عدَّةٍ، ولم يُسْتَدْرَكْ في الحواشي إلَّا أشياءُ يسيرةٌ جدًّا مِن السَّقطِ والتَّحريفِ، ممَّا يُرَجِّحُ أنَّها لم تَحْظَ بالمقابلةِ والعنايةِ اللائقينِ خلافًا للنُّسخةِ الأُولى. ٤) وجاءَ في آخرِها: "آخرُهُ، تَمَّ وكَمَلَ وكانَ الفراغُ مِن الكتابِ المباركِ في سابعَ عشرَ رمضانَ المعظَّمِ على يدِ العبدِ الفقيرِ إلى اللهِ تَعالى مُحَمَّدِ بن مُحَمَّدٍ الجَمَّاعِيلِيُّ غَفَرَ اللهُ لهُ ولوالديهِ ولجميعِ المسلمينَ آمينَ. وكانَ في سنةِ خمسٍ وتسعِ مئةٍ والحمدُ للهِ وحدَهُ". * ثالثًا: الأصل الخطِّيُّ المساعدُ (ن) ١) هوَ نسخةٌ خطَيَّةٌ محفوظةٌ في قسمِ المخطوطاتِ بجامعةِ مُحَمَّدِ بن سُعودٍ برقم ٥٠٥٠ ف مصوَّرةٌ عن أصلٍ محفوظٍ في مكتبةِ شستربتي بالرَّقمِ نفسِهِ. ٢) تَقَعُ هذه النُّسخةُ في ٢٦٢ صفحةً، في كلِّ صفحةٍ ١٧ سطرًا، في كلِّ سطرٍ ١١ كلمةً تقريبًا. وقد سَقَطَتِ الصَّفحاتُ العشرُ الأُولى منها. ٣) الخطُّ واضحٌ غيرُ جميلٍ، مضبوطٌ بعلاماتِ التَّرقيمِ، واسْتُعْمِلَ القلمُ الأحمرُ في رؤوسِ الفقراتِ والموضوعاتِ، وأُشيرَ إلى الشِّعرِ بلفظةِ "شعر". ٤) هذه النُّسخةُ جيِّدةٌ في الجملةِ تَشي بدقَّةِ النَّاسخِ وتحرِّيهِ، لكنَّ الخرومَ فيها

стр. 4

متكرِّرةٌ جدًّا تتَراوَحُ بينَ صفحةٍ واحدةٍ وصفحاتٍ عدَّةٍ. ٥) وجاءَ في آخرِها: "تَمَّ الكتابُ بحمدِ اللهِ تَعالى وعونِهِ، وكانَ الفراغُ مِن نسخِهِ يومَ الخميس المباركِ تاسعَ عشرَ ذي القعدةِ مِن سنةِ اثنتينِ وستِّينَ وثمانِ مئةٍ"، ثمَّ جاءتْ بعدَ ذَلكَ إضافاتٌ بغيرِ خطِّ النَّاسخِ لمادَّةٍ لا علاقةَ لها بالكتابِ. * رابعًا: الأصلُ المطبوعُ (ط) ١) طبعةٌ جيِّدةٌ مِن إصدارِ دارِ ابن كثيرٍ بتحقيقِ ياسين مُحَمَّد السَّوَّاس في ٦٨٠ ص. ٢) بَذَلَ المحقِّقُ جَزاهُ اللهُ خيرًا جهدًا كبيرًا في خدمةِ متنِ الكتابِ، فقابَلَ واحدةً مِن أفضلِ طبعاتِهِ على أربعِ نسخٍ خطِّيَّةٍ، ولكنَّهُ للأسفِ جَعَلَ المطبوعَ أصلًا بَنى عليهِ عملَهُ، ولو عَكَسَ لَكانَ خيرًا للكتابِ، ولا سيَّما أن بعضَ نسخِهِ نفيسٌ يَصلُحُ أنْ يُعْتَمَدَ أصلًا وحدَهُ! ثمَّ وَثَّقَ عملَهُ بإثباتِ فروقِ النَّسخِ في الحواشي، ولكنَّهُ بالَغَ في ذلك إلى حدٍّ بعيدٍ فأوْرَثَ الكتابَ سيلًا من حواشي فروقٍ لا ضرورةَ لها! وكذلكَ أوْدَعَ كل زيادةٍ وَقَفَ عليها في نسخةِ ما في المتنِ، فأوْرَثَ المتنَ ركَّةً أحيانًا وضَمَّ إليهِ جملةً غيرَ قليلةٍ مِن زياداتِ النُّسَّاخِ وتعليقاتِهِم! ٣) ضَبَطَ متنَ "اللطائف" بعلاماتِ التَّرقيمِ ضبطًا ممتازًا نادرَ الخطأ. ولكنَّهُ قَصَّرَ في علاماتِ الوقفِ وتقسيم الفقراتِ، فجاءَ توزيعُهُ للفقراتِ في غيرِ محلِّهِ أحيانًا، وزادَ النَّاشرُ فدَقَّ الكتابَ دقًّا توخِّيًا للاختصارِ، فجاءَ المتنُ مضغوطًا كمخطوطاتِ الأقدمينَ، وزادَ ضغطُ الحواشي على كثرتِها الطِّينَ بِلَّةً، فلا تكادُ تَصِلُ إلى حاجتِكَ منها إلَّا بعدَ جهدٍ عسيرٍ. وهذهِ قضيَّةٌ شائكةٌ، النَّاسُ فيها بينَ مفرطٍ ومفرِّطٍ، والقارئ المعاصرُ أحوجُ شيءٍ إلى التَّوسُّطِ بينَ هذا وذاكَ، فالمتنُ الأنيقُ حسنُ التَرتيبِ يَجْعَلُهُ يُقْبِلُ على قراءةِ الكتابِ منشرحَ الصَّدرِ، والحاشيةُ البيِّنةُ السَّهلةُ المنالِ تُقَرِّبُهُ إلى غايتِهِ وتُيَسِّرُ له أعظمَ المنفعةِ دونَ أنْ يُصْبِحَ صدرُهُ ضيِّقًا حرجًا كأنَّه يَصَّعَّدُ في السَّماءِ. ٤) ثمَ عُنِي عنايةً طيِّبةً بتخريجِ النُّصوصِ القرآنيّةِ وضبطِها ضبطًا كاملًا. ولكنَّه قَصَّرَ في العنايةِ بالنُّصوصِ الحديثيَّةِ: فتَوَسَّعَ في تخريجِ حديثِ الصَّحيحينِ أو أحدِهِما معَ أنَّهُ محلُّ اختصارٍ! واقْتَصَرَ في تخريجِ غيرِهِ على العزوِ لـ "مسند أحمد" أو "السُّنن" أو

стр. 5

"التَّرغيب والتَرهيب" أو "مجمع الزَّوائد"! وأعْرَضَ غالبًا عن رواياتِ الحديثِ المختلفةِ والزِّياداتِ التي أكْثَرَ المصنِّفُ مِن إلحاقِها بمتونها الأصليَّةِ معَ ضعفِ كثيرٍ منها! وأغْفَلَ جملةً غيرَ قليلةٍ مِن النُّصوصِ! وأمَّا الحكمُ على النَّصِّ الحديثيِّ الذي هوَ غايةُ مبتغى القارئ؛ فالتَّقصيرُ فيهِ أوضحُ وأبلغُ! ٥) لم تَنَلِ القضايا الفقهيَّةُ والسُّلوكيَّةُ التي طُرِحَتْ في الكتابِ والمذاهبُ المختلفةُ فيها أدنى تحريرٍ وبيانٍ، معَ أنَّها غايةٌ في الأهمِّيَّةِ بالنِّسبةِ لطالبِ العلمِ المعاصرِ، بخلافِ السَّابقينَ الذينَ كانوا يَتَلَقَّوْنَ الكتبَ في مجالسِ العلمِ ويَعْتَمِدونَ على الأشياخِ في تحريرِ ما يَلْتَبِسُ فيها. ٦) وشهادتي أن المحقِّقَ بَذَلَ جهدًا طيِّبًا في خدمةِ متنِ هذهِ الطَّبعةِ وجهدًا مشكورًا في تخريجِها "حسبَ الطَّاقةِ" كما ذَكَرَ، ممَّا يَدُلُّ على تواضعِهِ ووقوفِهِ عندَ ما يَعْلَمُ وبعدِهِ عن التَّشبُّعِ والادِّعاءِ. فأينَ هذا ممَّن سَطا على جهدِ غيرِهِ في المتنِ والحواشي، ثمَّ بَهْرَجَ مقدِّمةَ كتابِهِ بصورِ مخطوطاتٍ ما رَجَعَ إليها في قليلٍ ولا كثيرٍ، ثمَّ خاضَ في حديثِ النَّبِيِّ ﷺ تصحيحًا وتضعيفًا بغيرِ علم ولا تقوى؟! وأينَ طبعتُهُ مِن طبعاتِ تجَّارٍ اسْتَنْزَفوا هذا الكتابَ وغيرَهُ ورَوَّجوا بالغلافِ الفاخرِ والورقِ النَّاصعِ والحبرِ الملوَّنِ لعجائبَ يَنْدى لها الجبينُ ممهورةٍ بتواقيعِ أدعياءِ التَّحقيقِ والتَّخريجِ ولا تحقيقَ ولا تخريجَ؟! • أمَّا عن هذهِ الطَّبعةِ؛ فرجائي أنَّني أعْذَرْتُ نفسي أمامَ ربِّي وأمامَ القارئ الكريمِ بما بَذَلْتُهُ مِن الجهدِ والوقتِ في إنجازِها على هذهِ الصُّورةِ التي تَراها: ١) فكانَتْ سلامةُ المتنِ ويسرُهُ محطَّ نظري، فالمتنُ غايةُ الكتابِ التي ما وراءَها غايةٌ، والقارئُ إنَّما قَصَدَ أصلًا "لطائف ابن رَجَب" لا الشُّروحَ والتَّعليقاتِ. وقد نَظَرْتُ في مخطوطاتِ الكتابِ فرَأيْتُ النُّسخةَ الخطِّيَّةَ (خ) كاملةً دقيقةً قُوبِلَتْ على نسختينِ خطِّيَّتينِ فأتَّخَذْتُها أصلًا وعَمِلْتُ جاهدًا لأجْعَلَ متنَ هذهِ الطبعةِ صورةً صادقةً عنها، فأثْبَتُّ ما وَجَدْتُهُ فيها صحيحًا راجحًا أو حسنًا صالحًا ولو كانَ مخالفًا للأصلينِ المساعدينِ (م) و (ن)، وأمَّا ما وَجَدْتُهُ ضعيفًا مرجوحًا - وهوَ قليلٌ - فاسْتَغْنَيْتُ عنهُ بما في الأصلينِ المساعدينِ (م) و (ن) أو الأصلِ المطبوعِ (ط) وأشَرْتُ

стр. 6

إلى ذلكَ في الحاشيةِ، وما كانَ في (خ) مِن زيادةٍ على بقيَّةِ الأُصولِ فأثْبَتُّها دونَ إشارةٍ، وما كانَ في (م) أو (ن) مِن زيادةٍ حسنةٍ مناسبةٍ؛ فأثْبَتُّها بينَ حاصرتينِ []، وما كانَ مِن زيادةٍ منِّي أو مِن (ط) فأشَرْتُ إليهِ في الحاشيةِ. وبهذا أكونُ قد نَقَلْتُ لطالبِ العلمِ ما في الأصلِ الخطِّيِّ (خ) بصورةٍ أمينةٍ إنْ شاءَ اللهُ، وقَدَّمْتُ لهُ متنًا أقربَ ما يَكونُ إلى الصُّورةِ التي تَرَكَهُ عليها المصنِّفُ، ونَفَعْتُهُ بفوائدِ الأصلينِ المساعدينِ (م) و (ن) والأصلِ المطبوعِ (ط) دونَ أنْ أُرْهِقَهُ بسيلٍ مِن حواشي الفروقِ التي لا يَنْتَفعُ بها المدقِّقُ المختصُّ لأنَّهُ لا يَكادُ يَشْتَفي بغيرِ رؤيةِ المخطوطِ ولا حاجةَ للأغلبيَّةِ السَّاحقةِ مِن القرَّاءِ بها. ٢) ثمَّ عُنِيتُ عنايةً بالغةً بعلاماتِ الوقفِ، وذلكَ لِما أراهُ مِن أهمَيَّةِ هذا العنصرِ وضرورةِ تنظيمِهِ لإعانةِ القارئ على الوقوفِ على تفاصيلِ المادَّةِ وتحصيلِ أكبرِ قدرٍ ممكنٍ مِن الفائدةِ. ٣) ثمَّ عنايةً فوقَ ذلكَ بضبطِ النَّصِّ بعلاماتِ التَّرقيمِ، ولم أقْتَصِرْ على آيةٍ ولا حديثٍ ولا أثرٍ ولا متنٍ، ولكنَّني عَمَّمْتُهُ على جميعِ النَّصِّ بالقدرِ الكافي لفهمِهِ. ٤) ثمَّ عُنيتُ بتقسيمِ النُّصوصِ إلى أفكارٍ رئيسةٍ وفرعيَّةٍ وفقراتٍ وَسَمْتُها بـ • أو • أو - أو رقَّمْتُها بأرقامٍ بين حاصرتينِ []؛ لِيَتَنَفَّسَ القارئُ عندَ انتهاءِ كلِّ فكرةٍ ويَسْتَرْجِعَ ما مَرَّ معَهُ فيها ويَصِلَ بينَها وبينَ أخواتِها لِيُكَوِّنَ فكرةً عامَّةً عن الموضوعِ. ٥) وانْتَفَعْتُ في أغلبِ الأحيانِ بما أوْدَعَهُ الأخُ السَوَّاسُ مِن تخريجِ الآياتِ لدقَّتِهِ وراجَعْتُ كثيرًا منها عندَ أدنى شكٍّ للتَّأكُّدِ، فأفادَ هذا مزيدًا مِن الدِّقَةِ والتَّصويبِ. ٦) قُمْتُ بدراسةٍ توثيقيَّهةٍ جادَّةٍ لجميعِ النَّصوصِ الحديثيَّةِ الواردةِ في الكتابِ على ما هوَ معهودٌ: فما كانَ مِن مخرَّجاتِ الصَّحيحينِ أو أحدِهِما؛ فقدِ اكْتَفَيْتُ فيهِ بالعزوِ، وحسبُكَ بهِما. وما عدا ذلكَ؛ فعُنِيتُ بتخريجِهِ ممَّا تَيَسَّرَ لي مِن كتبِ السُّنَّةِ والرِّجالِ، وذَكَرْتُ ما يَلْزَمُ مِن رجالِ إسنادِهِ دونَ ما لا يَلْزَمُ مِن المتابعاتِ التي تتقَوَّى بالكثرةِ وتَنْتَهي إلى طريقٍ واحدةٍ، وبَيَّنْتُ حالَهُ مباشرةً أو بنقلِ ما تَيَسَّرَ مِن أقوالِ أهلِ العلمِ فيهِ، ولم أُخْطِئْ ختمَ التَّخريجِ بحكمِ الشَّيخِ الألْبانِيِّ قَدَّسَ اللهُ روحَهُ إنْ وَقَفْتُ عليهِ، ثمَّ

стр. 7

صَدَّرْتُ ذلكَ كلَّهُ بحكميَ الشَّخصيِّ الذي لا يَخْرُجُ غالبًا عن أقوالِ أئمَّةِ هذا العلمِ. وهذهِ طريقةٌ ما زِلْتُ أعْمَلُ عليها وأدْعو إليها؛ لِيَتَّصِلَ ماضي هذا العلمِ الشَّريفِ بحاضرِهِ، وتَطْمَئِنَّ قلوبُ طلَّابِ العلمِ لِما بينَ أيديهِم مِن الأحكامِ، ويَنْسَدَّ البابُ على الأدعياءِ الذينَ راحوا يَخِبُّونَ ويَضَعُونَ في حديثِهِ ﷺ تصحيحًا وتضعيفًا نصرةً لباطلِهِم. ٧) وأمَّا الموقوفاتُ والإسرائيليَّاتُ ونحوُها؛ فلم أجْتَهِدْ فيها اجتهاديَ في المرفوعِ، وإنَّما خَرَّجْتُ منها: ما ذَكَرَ المصنِّفُ أنَّهُ جاءَ مرفوعًا، أو ما ساقَهُ المصنِّفُ بطريقةٍ يَلْتَبِسُ بها على القارئ بالمرفوعِ، أو ما يُظَنُّ لهُ حكمُ الرَّفعِ، أو ما يَنْبَني عليهِ حكمٌ فقهيٌّ أو سلوكيٌّ غيرُ صائبٍ. ٨) ثمَّ إنْ كانَ الكلامُ واضَّحًا لا لبسَ فيه؛ فالسُّكوتُ مِن ذهبٍ. وإنْ لم يَكُنْ كذلكَ؛ فلن تَعْدَمَ تعقُّبًا لقولٍ أو تحريرَ وجهِ الصَّوابِ في مسألةٍ فقهيَّةٍ أو سلوكيَّةٍ. ٩) ثمَّ خَتَمْتُ عملي بفصولٍ أوْدَعْتُ فيها خلاصةَ معرفتي بالكتابِ ومصنِّفِهِ. • ولقد أعْلَمُ أنَّني لَسْتُ مِن أهلِ الكمالِ، وأرْجو أنْ لا أكونَ مِن مدَّعيهِ والمتشبِّعينَ بهِ، لكنْ حسبي أنَّني اجْتَهَدْتُ في سبيلِ ذلكَ ما آلَيْتُ: فإنْ قارَبْتُ؛ ففضلٌ مِن اللهِ وحدَهُ. وإنْ كانَتِ الأُخرى؛ فمَن أفْرَغَ في الكتابِ جهدًا دؤوبًا وصبرًا طويلًا وسَعى ما اسْتطاعَ في تيسيرِ عسيرِهِ وتقريبِ بعيدِهِ فقد بَسَطَ عذرَهُ. واللهَ وحدَهُ أسْألُ، وبأسمائِهِ وصفاتِهِ أتَوَسَّلُ، أنْ يَكْتُبَ لجهديَ الدَّؤوبِ وصبريَ الطَّويلِ ثمرةً طيِّبةً يَحِلُّ نفعُها على المؤلِّفِ والمحقِّقِ والقارئ، وأنْ يَتَقَبَّلَ منِّي ويَرْضى عنِّي ويَغْفِرَ ذنبي ويَسْتُرَ عيبي، وأنْ يُلْهِمَني الإخلاصَ في شأْني كلِّهِ ولا يَجْعَلَ لأحدٍ مِن خلقِهِ فيهِ شيئًا؛ إنَّهُ وليُّ ذلكَ والقادرُ عليهُ. والحمدُ للهِ الذي بنعمتِهِ تَتِمُّ الصالحاتُ، والسَّلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ. * * * * *

стр. 8

الورقة الأولى من الأصل الخطي المعتمد (خ)

стр. 9

الورقة الأخيرة من الأصل الخطي المعتمد (خ)

стр. 10

الورقة الأولى من الأصل الخطي المساعد (م)

стр. 11

الورقة الأخيرة من الأصل الخطي المساعد (م)

стр. 12

الورقة الأولى من الأصل الخطي المساعد (ن)

стр. 13

الورقة الأخيرة من الأصل الخطي المساعد (ن)

стр. 14

ترجمة موجزة للحافظ ابن رجب • أوَّلًا: اسمُهُ ونسبُهُ وكنيتُهُ وشهرتُهُ ولقبُهُ هوَ الإمامُ، الحافظُ، العلَّامةُ، زَيْنُ الدِّينِ (١)، أبو الفَرَجِ (٢)، عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ أحْمَدَ بن عَبْدِ الرَّحْمنِ (٣) بن الحَسَنِ (٤) بن مُحَمَّدِ بن أبي البَرَكاتِ مَسْعودٍ، البَغْدادِيُّ، الدِّمَشْقِيُّ، المَعْروفُ بِابْنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيِّ. ورَجَبٌ هوَ لقبُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الجدِّ، لُقِّبَ بهِ لأنَّهُ وُلِدَ في رجبٍ، ثمَّ سارَ لقبُهُ في أولادِهِ، فعُرِفَ ولدُهُ أحْمَدُ بابنِ رَجَبٍ، ثمَّ عُرِفَ حفيدُهُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بابْنِ رَجَبٍ أيضًا. • ثانيًا: مولدُهُ ونشأتُهُ وُلِدَ ابنُ رَجَبٍ في بَغْدادَ سنةَ ٧٣٦ هـ (٥). ونَشَأ وتَرَعْرَعَ في أُسرةٍ مشهورةٍ بالعلمِ والصَّلاحِ: فقد وَصَفَ المؤرِّخونَ جدَّهُ بأنَّهُ "الشَّيخُ، الإمامُ، المحدِّثُ"، وذَكَرَ ابنُ رَجَبٍ في _________ (١) لقّبه ابن فهد في "لحظ الألحاظ" بشهاب الدين! وردّه الطهطاوي في "التنبيه والإيقاظ" وبيّن أنّ شهاب الدين هو لقب أبيه لا لقبه. وقال ابن العماد في "الشذرات": "زين الدين وجمال الدين"! ولم أر من تابعه على ذلك، فإن كان محفوظًا فلعلّه كان يلقّب أوّلًا بجمال الدين ثمّ غلب عليه لقب زين الدين. (٢) قال ابن فهد في "لحظ الألحاظ": "أبو العبّاس أو أبو الفرج"! وردّه الطهطاوي في "التنبيه والإيقاظ" وبيّن أنّ أبا العبّاس كنية أبيه لا كنيته. (٣) قال ابن فهد في "لحظ الألحاظ": "عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن عبد الرحمن "! وردّه الطهطاوي في "التنبيه والإيقاظ" وبيّن أنّ رجبًا هو لقب جدّه عبد الرحمن وأنّه لا لزوم لإضافة "ابن" بينهما. (٤) في "المقصد الأرشد": "بن الحسين"! فإن لم يكن هذا تحريفًا من طابع أو ناسخ فوهم لم يتابعه عليه أحد ممّن ترجم لابن رجب. (٥) على ذلك اتّفق من ترجم لابن رجب من المؤرّخين، ومنهم العسقلاني في "إنباء الغمر"، ثمّ وهم يرحمه الله في "الدرر الكامنة" فزعم أنّ مولده سنة ٧٠٦ هـ، وتابعه على وهمه السيوطي في "ذيل تذكرة الحفّاظ"، وردّه الطهطاوي في "التنبيه والإيقاظ" وبيّن أنّ هذا الأخير هو تاريخ مولد أبيه على الأغلب.

стр. 15

"طبقاته" لهُ حلقةً علميَّةً في بَغْدادَ كانَ يُقْرَأُ عليهِ فيها الحديثُ، وذَكَرَ أنَّهُ حَضَرَ هذهِ الحلقةَ في طفولتِهِ. وأبوهُ هوَ الشَّيخُ، الإمامُ، المقرئُ، المحدِّثُ، شهابُ الدِّينِ، أبو العَبَّاسٍ، كانَ لهُ رحلةٌ وسماعٌ ومشاركةٌ في الإقراءِ والتَّدريسِ بدِمَشْقَ. وليسَ مِن المستغربِ بعدَ هذا أنْ نَرى ابنَ رَجَبٍ الأبَ يَنْتَقِلُ معَ ولدِهِ إلى دِمَشْقَ سنةَ ٧٤٤ هـ، ويَعْتَني بإشراكِهِ معَهُ في حضورِ مجالسِ العلم فيها وتحصيلِ الإجازاتِ العلميَّةِ لهُ مِن كبارِ شيوخِها، ممَّا سَيَكونُ لهُ أبلغُ الأثرِ في حثِّ الفتى اليافعِ على المثابرةِ والجدِّ في التَّحصيلِ والسَّماعِ. • ثالثًا: طلبُهُ للعلمِ وتحصيلُهُ تابَعَ الحافظُ ابنُ رَجَبٍ الطَريقَ الذي اخْتَطَّهُ لهُ والدُهُ بصحبتِهِ وبدونِهِ، فارْتَحَلَ وطَوَّفَ الشَّامَ والعراقَ ومصرَ والحجازَ وسَمعَ وحَصَّلَ حتَّى كَثُرَتْ أشياخُهُ وخَرَّجَ لنفسِهِ مشيخةً لطيفةً. فأجازَ لهُ: عبدُ المُؤْمِنِ بنُ عَبْدِ الحَقِّ بن عَبْدِ اللهِ البَغْدادِيُّ الحَنْبَلِيُّ (ت ٧٣٩ هـ)، والقاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ البِرْزالِيُّ (ت ٧٣٩ هـ)، وزَيْنَبُ بنتُ أحْمَدَ بن عَبْدِ الرَّحيمِ المَقْدِسِيَّةُ (ت ٧٤٠ هـ)، وعَبْدُ الرَّحيمِ بنُ عَبْدِ اللهِ الزُرَيْراتِيُّ (ت ٧٤١ هـ)، ومُحَمَّدُ بنُ أحْمَدَ بن حَسَّانَ التَّلِّيُّ (ت ٧٤١ هـ)، وعَلِيُّ بنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بن أحْمَدَ البَغْدادِيُّ الحَنْبَلِيُّ (ت ٧٤٢ هـ)، ومُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرِ بن إبْراهيمَ بن عَبْدِ الرَّحْمنِ بن النَّقيبِ (ت ٧٤٥ هـ)، والنَّوَوِيُّ (١) … وغيرُهُم. وسَمعَ بدِمَشْقَ مِن: عَلِيِّ بن زَيْنِ الدِّينِ المنجا (ت ٧٥٠ هـ)، ويوسُفَ بن عَبْدِ الرَّحْمنِ بن نَجْمٍ الحَنْبَلِيِّ (ت ٧٥١ هـ)، ويوسُفَ بن يَحْيى بن النَّاصِحِ الشِّيرازِيِّ الدِّمَشْقِي (ت ٧٥١ هـ)، وابنِ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةَ (ت ٧٥١ هـ)، وأحْمَدَ بن عَبْدِ الهادي بن _________ (١) ذكر ابن مفلح في "المقصد الأرشد" وابن العماد في "الشذرات" أنّ النووي من شيوخ ابن رجب بالإجازة، والنووي عند الإطلاق هو أبو زكريّا يحيى بن شرف (ت ٦٧٦ هـ)، ولم يلحقه ابن رجب ولا أبوه، فإمّا أنّ المراد بالنووي نووي آخر غير أبي زكريّا، أو أنّه تحريف صوابه النويري. والله أعلم.

стр. 16

يوسُفَ المَقْدِسِيِّ (ت ٧٥٤ هـ)، ويوسُفَ بن عَبْدِ اللهِ بن العَفيفِ النَّابُلُسِيِّ (ت ٧٥٤ هـ)، وأحْمَدَ بن عَبْدِ الرَّحْمنِ الحَريرِيِّ المَقْدِسِي (ت ٧٥٨ هـ)، وعَبْدِ اللهِ بن مُحَمَّدِ بن إبْراهيمَ بن قَيِّمِ الضِّيائِيَّةِ (ت ٧٦١ هـ)، وعَبْدِ الرَّحْمنِ بن أبي بَكْرٍ أخي ابن القَيِّمِ (ت ٧٦٩ هـ)، وأحْمَدَ بن الحَسَنِ بن عَبْدِ اللهِ ابن قاضي الجبلِ (ت ٧٧١ هـ)، وأحْمَدَ بن مُحَمَّدِ بن عُمَرَ الشِّيرازِيِّ الدِّمَشْقِي (ت ٧٧١ هـ)، وعُمَرَ بن حَسَنِ بن فَريدٍ المَراغِيِّ الحَلَبِي الدِّمَشْقِيِّ (ت ٧٧٨ هـ)، ومُحَمَّدِ بن إسْماعيلَ بن إبْراهيمَ بن الخَبَّازِ، وإبْراهيمَ بن داوودَ العَطَّارِ … وغيرِهِم. وسَمعَ بمِصْرِ مِن: مُحَمَّدِ بن مُحَمَّدِ بن إبْراهيمَ الميدومِيِّ (ت ٧٥٤ هـ)، ومُحَمَّدِ بن إسْماعيلَ بن عَبْدِ العَزيزِ الأيُّوبِيِّ (ت ٧٥٦ هـ)، ومُحَمَّدِ بن مُحَمَّدٍ القَلانِسِيِّ الحَنْبَلِيِّ (ت ٧٦٥ هـ)، وعَبْدِ العَزيزِ بن مُحَمَّدِ بن إبْراهيمَ بن جَماعَةَ قاضي الدِّيارِ المِصْرِيَّةِ (ت ٧٦٧ هـ) قالَ العَسْقَلانِيُّ: "ورافَقَ شيخَنا … ". وسَمعَ ببَغْدادَ مِن: عَبْدِ اللهِ بن عَبْدِ المُؤْمِنِ بن الوَجيهِ الواسِطِيِّ (ت ٧٤٠ هـ)، وأحْمَدَ بن مُحَمَّدِ بن سُلَيْمانَ الحَنْبَلِيِّ، والحُسَيْنِ بن بَدْرانَ البَصْرِيِّ البَغْدادِيِّ (ت ٧٤٧ هـ)، وأحْمَدَ بن عَلِيِّ بن مُحَمَّدٍ البابَصرِيِّ البَغْدادِيِّ (ت ٧٥٠ هـ)، وعُمَرَ بن عَلِيِّ بن عَمْرٍو القَزْوينِيِّ (ت ٧٥٠ هـ)، وعُمَرَ بن عَلِيٍّ البَغْدادِيِّ البَزَّارِ. وسَمِعَ بمَكَّةَ مِن عُثْمانَ بن يوسُفَ بن أبي بَكْرٍ النُّوَيْرِيِّ المالِكِيِّ (ت ٧٥٦ هـ). وسَمعَ بالمَدينَةِ مِن: عَفيفِ الدِّينِ عَبْدِ اللهِ بن مُحَمَّدِ بن مُحَمَّدٍ الخَزْرَجِيِّ العبادِيِّ (ت ٧٦٠ هـ). وسَمعَ بالقُدْسِ مِن الحافظِ العَلائِيِّ خَليلِ بن كَيْكَلْدي (ت ٧٦١ هـ). • رابعًا: تلاميذُهُ تَفَرَّغَ ابنُ رَجَبٍ رحمةُ اللهِ عليهِ للتَّدريس والإفادةِ فتَكاثَرَ عليهِ طلَّابُ العلمِ حتَّى قالَ شهابُ الدِّينِ بنُ حِجِّي: "تَخَرَّجَ بهِ غالبُ أَصحابِنا الحنابلةِ بدمشقَ". ومِن أجلَّةِ مَن تَخَرَّجَ بهِ مِن أهلِ العلمِ: الإمامُ الأُصوليُّ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ بن عَبَّاسٍ البَعْلِيُّ الدِّمَشْقِيُّ الشَهيرُ بابنِ اللحَّامِ، والقاضي مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ المَقْدِسِيُّ الحَنْبَلِيُّ خطيبُ

стр. 17

جامعِ المُظَفَّرِ، وقاضي قضاةِ دِمَشْقَ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بن عُبادَةَ السَّعْدِيُّ الأنْصارِيُّ (ت ٨٢٠ هـ)، وقاضي القضاةِ أبو بَكْرِ بنُ إبْراهيمَ بن مُحَمَّدِ بن مُفْلحٍ (ت ٨٢٥ هـ)، والإمامُ العلَّامةُ القاضي عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ بن أبي بَكْرٍ السُّلَمِيُّ الحَمَوِيُّ (ت ٨٢٨ هـ)، وقاضي القضاةِ أحْمَدُ بنُ أبي بَكْرِ بن أحْمَدَ بن عَلِيٍّ الحَنْبَلِيُّ المعروفُ بابنِ الرَّسَّامِ (ت ٨٤٤ هـ)، ومفتي الدِّيارِ المِصْرِيَّةِ أحْمَدُ بنُ نَصْرِ اللهِ بن أحْمَدَ البَغْدادِيُّ ثمَّ المِصْرِيُّ (ت ٨٤٤ هـ)، وعَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ مُحَمَّدِ بن عَبْدِ اللهِ المِصْرِيُّ الحَنْبَلِيُّ الفقيهُ الشَّهيرُ بالزَّرْكَشِيِّ (ت ٨٤٦ هـ)، والمقرئُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ أحْمَدَ بن مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ المَكِّيُّ الشَّافِعِيُّ (ت ٨٥٣ هـ)، وقاضي مَكَّةَ مُحَمَّدُ بنُ أحْمَدَ بن سَعيدٍ المَقْدِسِيُّ النابُلُسِيُّ (ت ٨٦٤ هـ)، وأحْمَدُ بنُ عَلِيِّ بن مُحَمَّدٍ الأنْصارِيُّ الحَنْبَلِيُّ الشَّهيرُ بابنِ الشَّحَّامِ (ت ٨٦٤ هـ) … وغيرُهُم كثيرٌ. • خامسًا: مصنَّفاتُهُ ابنُ رَجَبٍ واحدٌ مِن الأئمَّةِ المتفنِّنينَ في مختلفِ علومِ الشَّريعةِ والمصنِّفينَ المكثرينَ في مختلفِ أبوابِها: فلهُ في علومِ القرآنِ: "إعراب البسملة" و"إعراب أُمِّ الكتاب" و"تفسير سورة الفاتحة" و"تفسير سورة الإخلاص" و"تفسير سورة النَّصر" و"الاستغناء بالقرآن". ولهُ في علومِ الحديثِ: "فتح الباري بشرح صحيح البخاريِّ" وَصَلَ فيهِ إلى كتابِ الجنائزِ ولمْ يُتِمَّهُ، وقد وَصَفَهُ أهلُ العلمِ بأنَّهُ شرحٌ نفيسٌ. و"شرح جامع التِّرْمِذِيِّ" وهوَ شرحٌ نفيسٌ فيما ذَكَرَهُ العَسْقَلانِيُّ. و"شرح علل التِّرْمِذِيِّ" و"مشكل الأحاديث الواردة في الطَّلاق الثَّلاث واحدة"، ومجموعةُ رسائلَ يَتَضَمَّنُ كلٌّ منها شرحَ حديثٍ واحدٍ منها: "الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النَّبيِّ ﷺ بُعِثْتُ بالسَّيف بين يدي السَّاعة"، "شرح حديث كَعْب بن مالِك ما ذئبان جائعان"، "اختيار الأولى في شرح اختصام الملأ الأعلى"، "الكلام على كلمة الإخلاص وتحقيقها"، "غاية النَّفع في شرح حديث تمثيل المؤمن بخامة الزَّرع"، "نور الاقتباس من مشكاة وصيَّة النَّبيِّ ﷺ لابن عَبَّاس"، "كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة"، "شرح حديث زيد بن ثابت قُلْ حين تُصْبِحُ لبَّيك

стр. 18

لبَّيك وسعديك"، "شرح حديث ابن عَبَّاسٍ الخمر أُمُّ الخبائث"، "شرح حديث شَدَّاد بن أوْس إذا كَنَزَ النَّاس الذَّهب والفضَّة فاكْنُزوا أنتم هؤلاءِ الكلمات"، "شرح حديث عمَّار بن ياسر اللهمَّ بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق"، "شرح حديث أنَس يَتْبَعُ الميِّت ثلاث"، "شرح حديث أبي سَعيد في قول النِّساء للنَّبيِّ ﷺ غَلَبَنا عليك الرِّجال"، "شرح حديث أبي أُمامَة إنَّ أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذّ"، "شرح حديث أبي أُمامَة الحمَّى غيرٌ من جهنَّم فما أصاب المؤمن منها كان حظَّه من النَّار". ولهُ في الفقهِ: "القواعد الفقهيَّة" وهو كتابٌ نفيسٌ يَدُلُّ على تبحُّرِهِ في هذا الفنِّ، و"الاستخراج في أحكام الخراج" و"أحكام الخواتيم وما يَتَعَلَّق بها" و"إزالة الشُّنعة عن الصَّلاة بعد النِّداء يوم الجمعة" و"الإيضاح والبيان في طلاق الغضبان" و"الرَّدُّ على من اتَّبَعَ غير المذاهب الأربعة" و"القول المعذاب في تزويج أُمَّهات أولاد الغيَّاب" و"الكشف والبيان عن حقيقة النُّذور والأيمان" و"نزهة الأسماع في مسألة السَّماع" و"تعليق الطَّلاق بالولادة" و"مختصر فيما روي عن أهل المعرفة والحقائق في معاملة الظَّالم السَّارق". ولهُ في التَّراجمِ والسِّيرِ: "الذَّيل على طبقات الحنابلة" و"مختصر سيرة عمر بن عبد العزيز" و"سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز" و"مشيخة ابن رجب" و"وقعة بدر". ولهُ في الرَّقائقِ: "لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف" و"بيان فضل علم السلف على الخلف" و"التَّخويف من النَّار والتَّعريف بحال دار البوار" و"أهوال القبور" و"الفرق بين النَّصيحة والتَّعيير" و"الذُّلُّ والانكسار للعزيز الجبَّار" وهو "الخشوع في الصَّلاة" و"فضائل الشَّام" و"استنشاق نسيم الأُنس من نفحات رياض القدس" و"الإلمام في فضائل بيت الله الحرام" و"الاستيطان فيما يعتصم به العبد من الشَّيطان" و"ذمُّ الخمر" و"فضل صدقة السِّرِّ". • سادسًا: مذهبُهُ النَّاظرُ في لقبِ ابن رَجَبٍ الحَنْبَلِيِّ وأشياخِهِ وتلاميذِهِ ثمَّ في رسالتِهِ في الرَّدِّ على

стр. 19

مَنِ اتَّبَعَ غيرَ المذاهبِ الأربعةِ سَيَظُنُّ باديَ الرأْيِ أنَّهُ أمامَ حنبليٍّ جلدٍ متعصِّبٍ لمذهبِهِ لا يَعْرِفُ غيرَهُ. لكنَّ الواقعَ العمليَّ لا يَدْعَمُ هذا الاستنتاجَ بوجهٍ مِن الوجوهِ: فابنُ رَجَبٍ عظيمُ العنايةِ بنصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ إلى درجةٍ يَعِزُّ نظيرُها، لا يَذْكُرُها استدلالًا لصحَّةِ المذهبِ بل أصلًا يُتَّبَعُ ويُعْمَلُ بمقتضاهُ ويُدارُ معَهُ حيثُ دارَ. وهوَ حفيٌّ جدًّا بنقلِ أقوالِ الأئمَّةِ وأصحابِهِم في مختلفِ القضايا الفقهيَّةِ، وترجيحِ ما وافَقَ الدَّليلَ منها، وتبجيلِ أصحابِها. قالَ العَسْقَلانِيُّ: "نُقِمَ عليهِ إفتاؤُهُ بمقالاتِ ابن تَيْمِيَّةَ ثمَّ أظْهَرَ الرُّجوعَ عن ذلكَ فنافَرَهُ التَّيْمِيُّونَ فلم يَكُنْ معَ هؤلاءِ ولا معَ هؤلاءِ، وكانَ قد تَرَكَ الإفتاءَ بأخرةٍ". وهذا - إنْ قُرِئَ بعمقٍ بعيدًا عن السَّطحيَّةِ - يَدُلُّ دلالةً أكيدةً على اعتدالِ ابن رَجَبٍ وبعدِهِ عن العصبيَّةِ المذهبيَّةِ واتِّباعِهِ لما يَراهُ أقربَ إلى الحقِّ وأولى بنصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ. وذلكَ أن ابنَ رَجَبٍ يَعْلَمُ تمامَ العلمِ أن تراجعَهُ عن بعضِ مقالاتِ شيخِ الإسلامِ لن يُقَرِّبَهُ إلى أعدائِهِ ويَرْفَعَهُ عندَهُم بل سَيُنَفِّرُ عنهُ بعضَ المتشدِّدينَ مِن أتباعِ شيخِ الإسلام - وهذا ما حَصَلَ -، ومعَ ذلكَ؛ فقد آثَرَ ما رآهُ حقًّا وصَدَعَ بهِ، وهذهِ مئنَّةُ الصِّدقِ والورعِ. ومِن الطَّبيعيِّ أنْ يَتَأثَّرَ طالبُ العلمِ أوَّلَ الأمرِ بمذاهبِ أشياخِهِ ثمَّ يَسْتَقِلَّ ببعضِ الآراءِ بعدَما تَكْتَمِلُ شخصيَّتُهُ العلميَّةُ. • سابعًا: ثناء أهل العلم عليه قالَ ابن حِجِّي: "أتْقَنَ الفنَّ وصارَ أعرفَ أهلِ عصرِهِ بالعللِ وتتبُّعِ الطُّرقِ". وقالَ ابنُ ناصِرِ الدِّينِ الدِّمَشْقِيُّ: "الشَّيخُ، الإمامُ، العلَّامةُ، الزَّاهدُ، القدوةُ، البركةُ، الحافظُ، العمدةُ، الثِّقةُ، الحجَّةُ، أوعظُ المسلمينَ، مفيدُ المحدِّثينَ … أحدُ الأئمَّةِ الزهَّادِ والعلماءِ العبَّادِ". وقالَ ابنُ قاضي شُهْبَةَ: "الشَّيخُ، الإمامُ، العلَّامةُ، الحافظُ، الزَّاهدُ، الورعُ، شيخُ الحنابلةِ وفاضلُهُم، أوحدُ المحدِّثينَ". وقال العَسْقَلانِيُّ: "الشَّيخُ، المحدِّثُ، الحافظُ، مَهَرَ في فنونِ الحديثِ أسماءً

стр. 20

ورجالًا وطرقًا واطِّلاعًا على معانيهِ، وكانَ صاحبَ عبادةٍ وتهجُّدٍ". وهذهِ شهادةٌ من عظيمٍ من عظماءِ هذا الفنِّ. وقالَ ابنُ فَهْدٍ: "الإمامُ، الحافظُ الحجَّةُ، والفقيهُ العمدةُ، أحدُ العلماءِ الزُّهَّادِ والأئمَّةِ العبَّادِ، مفيدُ المحدِّثينَ، واعظُ المسلمينَ". وقالَ ابنُ مُفْلحٍ: "الشَّيخُ، العلَّامةُ، الحافظُ، الزَّاهدُ، شيخُ الحنابلةِ". وقالَ ابنُ عَبْدِ الهادي: "الشَّيخُ، الإمامُ، أوحدُ الأنامِ، قدوةُ الحفَّاظِ، جامعُ الشَّتاتِ والفضائلِ، الفقيهُ، الزَّاهدُ، البارعُ، الأُصوليُّ، الفقيهُ، المحدِّثُ". وقالَ السُّيوطيُّ: "الإمامُ الحافظُ، المحدِّثُ الواعظُ". وقالَ ابنُ العمادِ: "الشَّيخُ، الإمامُ، العالمُ، العلَّامةُ، الزَّاهدُ، القدوةُ، البركةُ، الحافظُ العمدةُ، الثِّقةُ الحجَّةُ". • ثامنًا: وفاتُهُ قالَ ابنُ ناصِرِ الدِّينِ الدِّمَشْقِيُّ: "تُوُفِّيَ الشَّيخُ زينُ الدِّينِ بنُ رَجَبٍ في شهرِ رَجَبٍ سنةَ خمسٍ وتسعينَ وسبعِ مئةٍ، ودُفِنَ بمقبرةِ البابِ الصَّغيرِ جوارَ قبرِ الشَّيخِ الفقيهِ الزَّاهدِ أبي الفَرَجِ عَبْدِ الواحِدِ بن مُحَمَّدٍ الشِّيرازِيِّ ثمَّ المَقْدِسِيِّ الدِّمَشْقِي المتوفَّى في ذي الحجَّةِ سنةَ ثمانينَ وأربعِ مئةٍ، وهوَ الذي نَشَرَ مذهبَ الإمامِ أحْمَدَ بن حَنْبَلٍ ببيتِ المقدسِ ثمَّ بدمشقَ ﵀". قالَ ابنُ ناصِرِ الدِّينِ: "لقد حَدَّثَني مَن حَفَرَ لحدَ ابن رَجَبٍ أن الشَّيخَ زينَ الدِّينِ جاءَهُ قبلَ أنْ يَموتَ بأيَّامٍ فقالَ احْفِرْ لي هُنا لحدًا وأشارَ إلى البقعةِ التي دُفِنَ فيها. قالَ: فحَفَرْتُ لهُ. فلمَّا فَرَغَ؛ نَزَلَ في القبرِ واضْطَجَعَ فيهِ فأعْجَبَهُ وقالَ: هذا جيِّدٌ. قالَ: فواللهِ؛ ما شَعَرْتُ بهِ بعدَ أيَّامٍ إلَّا وقد أُتِيَ بهِ ميِّتًا محمولًا في نعشِهِ، فوَضَعْتُهُ في ذلكَ اللحدِ ووارَيْتُهُ فيهِ". • تاسعًا: مصادر ترجمته " ذيل طبقات الحنابلة" (مواضع) لابنِ رَجَبٍ، "الردُّ الوافر" (ص ١٧٦) لابنِ ناصرِ الدِّينِ، "الدرر الكامنة" (٢/ ٣٣١) للعَسْقَلانِيِّ، "إنباء الغمر" (٣/ ١٧٥) للعَسْقَلانِيِّ،

стр. 21

"تاريخ ابن قاضي شهبة" (١/ ٣/ ٤٨٨) لابنِ قاضي شُهْبَةَ، "لحظ الألحاظ ذيل تذكرة الحفَّاظ" (ص ١٨٥) لابنِ فَهْدٍ المَكِّيِّ، "المقصد الأرشد" (٢/ ٥٦٨/٨١) لابنِ مُفْلحٍ المَقْدِسِيِّ، "ذيل التقييد" (٢/ ٧٢/ ١١٧٦)، "الضوء اللامع" (مواضع) للسَّخاوِيِّ، "الجوهر المنضَّد" (٤٦ - ٥٧/ ٥٣)، "ذيل تذكرة الحفَّاظ" (ص ٣٦٧) للسُّيوطِيِّ، "الدارس في تاريخ المدارس" (٢/ ٧٦) للنُّعَيْمِيِّ، "المنهج الأحمد" (٢/ ١٧٤/ ١) للعُلَيْمِيِّ، "فيض القدير" (٦/ ٨٢) للمُناوِيِّ، "كشف الظنون" (مواضع) لحاجي خَلِيفَةَ، "شذرات الذهب" (٦/ ٣٣٩) لابنِ العِمادِ، "كشف الخفاء" (٢٤١٠) للعَجْلونِيِّ، "السحب الوابلة" (ص ١١٦) لابنِ حُمَيْدٍ المَكِّيِّ، "هديَّة العارفين" (١/ ٥٢٧) للبَغْدادِيِّ، "التنبيه والإيقاظ" (ص ٧٦ و ١٦٠) للطَهْطاوِيِّ، "الأعلام" (٣/ ٢٩٥) للزِّرِكْلِيِّ. * * * * *

стр. 22

تعريف موجز بكتاب لطائف المعارف • أوَّلًا: حول نسبة الكتاب لمصنِّفه " لطائف المعارف" واحدٌ مِن مصنَّفاتِ الحافظِ ابن رَجَبٍ ﵀ بلا ريبٍ: ١) فقدِ اتَّفَقَ أهلُ العلمِ، سواء منهُم مَن تَرْجَمَ للمصنَّفاتِ أو لمصنِّفيها، على نسبةِ كتابِ "لطائف المعارف" لابنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيِّ، ولم يُحْفَظْ عن أحدِهِم خلافًا في هذهِ النِّسبةِ ولا تحفُّظًا في شأْنِها. ٢) وكذلكَ اتَّفَقَتْ مخطوطاتُ "اللطائف" المختلفةُ على نسبةِ الكتابِ لابنِ رَجَبٍ على صفحاتِ العناوينِ، ولم يُحْفَظْ خلافٌ في هذا ولا تحفُّظٌ. ٣) ولن يَخْفى على مَن تَصَفَّحَ هذا الكتابَ أن مصنِّفَهُ واحدٌ مِن أئمَّةِ الحنابلةِ، فهذا ظاهرٌ جدًّا في غيرِ موضعٍ مِن الكتابِ. ٤) ولو أن واحدًا مِن طلَّابِ العلمِ وَضَعَ كتابيِ "اللطائف" و"جامع العلوم والحكم" أمامَهُ ثمَّ راحَ يُقَلِّبُ صفحاتِهِما ويَنْظُرُ في منهجِ تصنيفِهِما وطريقهِ إيرادِ النُّصوصِ الحديثيَّةِ فيهِما وشرحِها وطبيعةِ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ؛ لَما تَرَدَّدَ في نسبةِ الكتابينِ إلى مصنِّفٍ واحدٍ، وذلكَ لعظمِ التَّشابهِ وكثرةِ القواسمِ المشتركةِ بينَهُما. ٥) ويَسْتَشْهِدُ ابنُ رَجَبٍ في المجلسِ الثَّاني من المحرَّمِ بأبياتٍ مِن قصيدةِ ابن القَيِّمِ "فَحَيَّ على جنَّاتِ عدنٍ" كما اسْتَشْهَدَ بالأبياتِ نفسِها في "جامع العلوم والحكم" مصرِّحًا في الأخيرِ بنسبتِها لأحدِ أشياخِهِ، وهوَ ابنُ القَيِّمِ، رحمةُ اللهِ عليهِما. وعلى هذا؛ فقد اجْتَمَعَتْ أدلَّةُ البحثِ التَّحليليِّ الدَّاخليِّ وأدلَّةُ البحثِ التَاريخيِّ الخارجيِّ على صحَّةِ نسبةِ "لطائف المعارف" للحافظِ ابن رَجَبٍ بما يُغني عن مزيدٍ مِن التَّفصيلِ فيهِ.

стр. 23

• ثانيًا: حول عنوان الكتاب اخْتَلَفَ أهلُ العلمِ مِن المؤرِّخينَ والمؤلِّفينَ في المصنَّفاتِ في تسميةِ هذا الكتابِ: فمنهُم مَنِ اقْتَصَرَ على "اللطائف" أو "لطائف المعارف"، ومنهُم مَن ألْحَقَ بهِ "في وظائف الأيَّام" أو "في مواسم العبادات" أو "في الوعظ" للدِّلالةِ على موضوعِهِ. وقد صَرَّحَ الحافظُ ابنُ رَجَبٍ في مقدِّمةِ كتابِهِ بالاسمِ الذي اخْتارَهُ لكتابِهِ فقالَ: "وسَمَّيْتُهُ لطائفَ المعارفِ فيما لمواسمِ العامِ مِن الوظائف"، فقَطَعَ بهذا البابَ على الظُّنونِ والتَّخرُّصاتِ. • ثالثًا: حول مقاصد ابن رجب من الكتاب أوْضَحَ الحافظُ ابنُ رَجَبٍ يَرْحَمُهُ اللهُ مقصدَهُ مِن تصنيفِ "اللطائف" في مقدِّمةِ الكتابِ، فقالَ (ص ٤٤): "وقدِ اسْتَخَرْتُ الله تَعالى في أنْ أجْمَعَ في هذا الكتابِ وظائفَ شهورِ العامِ وما يَخْتَصُّ بالشُّهورِ ومواسمِها مِن الطَّاعاتِ … لِيَكونَ ذلكَ عونًا لنفسي ولإخواني على التَّزوُّدِ للمعاد والتَّأهُّبِ للموتِ قبلَ قدومِهِ والاستعداد … ويَكونَ أيضًا صالحًا لمَن يُريدُ الانتصابَ للمواعظِ مِن المذكِّرين". وعلى هذا؛ فقد تَوَجَّهَ الحافظُ ابنُ رَجَب يَرْحَمُهُ اللهُ في كتابِهِ هذا إلى طائفتينِ مِن الخلقِ: أولاهُما: عمومُ مَن يُريدُ الآخرةَ ويَسْعى للتَّأهُّبِ لها مِن المسلمينَ. والثَّانيةُ: مَنِ انْتَصَبَ للخطابةِ في العوامِّ ووعظِهِم وإرشادِهِم. • رابعًا: مع ابن رجب على صفحات الكتاب مَهَّدَ الحافظُ ابنُ رَجَبٍ للكتابِ بخطبةٍ مناسبةٍ لموضوعِهِ دَلَفَ منها إلى آيتي يونُسَ والإسراءِ في خلقِ الليلِ والنَّهارِ والشَّمس والقمرِ فشَرَحَهُما وقَرَّرَ مِن خلالِ ذلكَ فكرةَ مواسمِ العباداتِ وفضلِ بعضِ الأيَّامِ والشُّهورِ ولزومِ استغلالِ المواسمِ الفاضلةِ إلى أنْ قالَ: "وقدِ اسْتَخَرْتُ الله تَعالى في أنْ أجْمَعَ في هذا الكتابِ وظائفَ شهورِ العامِ وما يَخْتَصُّ بالشُّهورِ ومواسمِها مِن الطَّاعاتِ … وقد جَعَلْتُ هذهِ الوظائفَ المتعلِّقةَ بالشُّهورِ مجالسَ مجالسَ مرتبةً على شهورِ السَّنةِ الهلاليَّةِ، فأبْدَأُ بالمحرَّمِ وأخْتِمُ بذي الحجَّةِ، وأذْكُرُ في كلِّ شهرٍ ما فيهِ مِن هذهِ الوظائفِ، وما لم يَكُنْ لهُ وظيفةٌ خاصَّةٌ لم

стр. 24

أذْكُرْ فيه شيئًا، وخَتَمْتُ ذلكَ كلَّهُ بوظائفِ فصولِ السَّنةِ الشَّمسيَّةِ، وهيَ ثلاثةُ مجالسَ في ذكرِ الرَّبيعِ والشِّتاءِ والصَّيفِ، وخَتَمْتُ الكتابَ كلَّهُ بمجلسٍ في التَّوبةِ والمبادرةِ بها قبلَ انقضاءِ العمرِ". ثمَّ اسْتَفْتَحَ وظائفَ الشُّهورِ بمجلسٍ في فضلِ التَّذكيرِ باللهِ صَدَّرَهُ بحديثِ أبي هُرَيْرَةَ: "لو أنَّكُم إذ خَرَجْتُم مِن عندي كُنْتُم على حالِكُم؛ لَزارَتْكُمُ الملائكةُ"، ثمَّ طَوَّلَ الكلامَ في فضائلِ مجالسِ الذِّكرِ وأحوالِ النَّاسِ بعدَ انقضائِها، ثمَّ في أثرِ المواعظِ في القلوبِ، ثمَّ في حكمِ اللهِ تَعالى في إلقاءِ الغفلةِ على قلوبِ العبادِ لِتَقَعَ منهُمُ الذُّنوبُ، ثمَّ في بدءِ الخلقِ مِن ماءٍ، ثمَّ في صفةِ الجنَّةِ وأهلِها، ثمَّ خَتَمَ المجلسَ بالتَّعريضِ بالدُّنيا الفانيةِ وأحوالِ أهلِها. ثمَّ صَدَّرَ المجلسَ الأوَّلَ مِن وظائفِ المحرَّمِ بحديثِ مسلمٍ "أفضلُ الصِّيامِ بعدَ رمضانَ شهرُ اللهِ المحرَّمُ". فشَرَحَهُ ووَسَّعَ الكلامَ في فضلِ الأشهرِ الحرمِ وفضلِ العشرِ الأوَّلِ مِن المحرَّمِ وفضلِ الصِّيامِ والقيامِ فيهِ. ثمَّ أفْرَدَ المجلسَ الثَّانيَ للكلامِ في فضلِ عاشوراءَ وأحوالِ النَّبِيِّ ﷺ وما اسْتَقَرَّ عليهِ أمرُهُ فيهِ، ثمَّ أوْرَدَ جملةً مِن المرويَّاتِ في عجائبِ عاشوراءَ وما جاءَ في فضلِ بعضِ الأعمالِ فيهِ. ثمَّ صَدَّرَ المجلسَ الثَّالثَ بحديثِ أبي هُرَيْرَةَ المتَّفقِ عليهِ "مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رَجَعَ مِن ذنوبِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أمُّهُ". ثمَّ فَصَّلَ في علاماتِ الحجِّ المبرورِ وتلقِّي الحاجِّ - وكانَ يُوافِقُ في هذا الشَّهرِ - وسؤالِهِ الدُّعاءَ والاستغفارَ. وفي وظائفِ صفرٍ اقْتَصَرَ الحافظُ على حديثِ أبي هُرَيْرَةَ المتَّفقِ عليهِ "لا عدوى ولا هامةَ ولا صفرَ"؛ فتكلَّمَ في العدوى والأسبابِ واليمنِ والشُّؤمِ والتَّوفيقِ بينَ النُّصوصِ الواردةِ فيها ومواقفِ أهلِ العلمِ منها جميعًا. ثمَّ اخْتَصَّ المجلسينِ الأوَّلَ والثَّانيَ مِن ربيعٍ الأوَّلِ بالكلامِ عن المولدِ النَّبويِّ، فتوسَّعَ في علاماتِ نبوَّتِهِ ﷺ قبلَ ظهورِهِ، وتوقيتِ ولادتِهِ ﷺ باليومِ والشَّهرِ والسَّنةِ، وصفة ولادتِهِ ﷺ ، وعَرَّجَ خلالَ ذلكَ على فضائلِ الشَّامِ …

стр. 25

ثمَّ أفْرَدَ مجلسًا ثالثًا للكلامِ في وفاتِهِ ﷺ صَدَّرَهُ بحديثِ أبي سَعيدٍ المتَّفقِ عليهِ في آخرِ خطبةٍ خَطَبَها ﷺ ، فبيَّنَ أن الموتَ حقٌّ على العبادِ عليهِم أنْ يُكْثِروا مِن ذكرِهِ، وأوَّلَ ما أُعْلِمَ بهِ ﷺ مِن اقترابِ أجلِهِ، وتعريضَهُ ﷺ بذلكَ، وبدءَ شكواهُ ﷺ واشتدادَها واحتضارَهُ وشدَّةَ الموتِ عليهِ ووقتَ وفاتِهِ ودفنِهِ وأحوالَ الصَّحابةِ عندَ ذلكَ وتعزِّيَ المسلمينَ في مصائبِهِم بموتِهِ ﷺ . ثمَّ أغْفَلَ ربيعًا الثانيَ والجماديينِ وصَدَّرَ رجبًا بحديثِ أبي بَكْرَةَ المتَّفقِ عليهِ في خطبتِهِ ﷺ في حجَّةِ الوداعِ "إنَّ الزَّمانَ قدِ اسْتَدارَ كهيئتِهِ يومَ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ"، وعَرَضَ في تضاعيفِ شرحِهِ للأشهرِ الحرمِ والقتالِ فيها واختصاصِ رجبٍ بصلاةٍ أو صيامٍ أو ذبحٍ وبعضِ ما رُوِيَ فيهِ مِن الحوادثِ العظيمةِ. ثمَّ صَدَّرَ المجلسَ الأوَّلَ مِن فضائلِ شعبانَ بحديثِ أُسامَةَ في صيامِ النَّبيِّ ﷺ في شعبانَ، ثمَّ عَرَضَ في تضاعيفِ شرحِهِ لسرِّ صيامِهِ ﷺ في شعبانَ وهديِهِ في الصِّيامِ مِن العامِ ومِن الشَّهرِ ومِن الأيَّامِ. ثمَّ اسْتَفْتَحَ المجلسَ الثَّانيَ بحديثِ أبي هُرَيْرَةَ "إذا انْتَصَفَ شعبانُ فلا تَصوموا"، فتكَلَّمَ في سندِهِ وموقفِ أهلِ العلمِ منهُ وفضلِ ليلةِ النِّصفِ منهُ وصومِ يومِها. ثمَّ خَتَمَ وظائفَ شعبانَ بمجلسٍ صَدَّرَهُ بحديثِ عِمْرانَ المتَّفقِ عليهِ في صيامِ سررِ شعبانَ، ففَصَّلَ في شرحِهِ والتَّوفيقِ بينَهُ وبينَ النَّهيِ عن تقدُّمِ رمضانَ بالصِّيامِ وأسرارِ هذا النَّهيِ واستقبالِ رمضانَ. ثمَّ صَدَّرَ المجلسَ الأوَّلَ من وظائفِ رمضانَ بحديثِ "كلُّ عملِ ابن آدَمَ لهُ إلَّا الصَّوم"، فأطالَ في شرحِهِ وفي أسرارِ مضاعفةِ الأجرِ واختصاصِ اللهِ الصَّومَ بهِ وطبقاتِ الصُّوَّامِ وخلوفِ فمِ الصَّائمِ. ثم صَدَّرَ المجلسَ الثَّانيَ منهُ بحديثِ ابن عَبَّاسٍ المتَّفقِ عليهِ "كانَ ﷺ أجودَ ما يَكونُ في رمضانَ"، ففَصَّلَ القولَ في جودِهِ ﷺ ومضاعفتِهِ في رمضانَ وطولِ تهجُّدِهِ وتلاوتِهِ للقرآنِ. ثمَّ صَدَّرَ المجلسَ الثَّالثَ مِن وظائفِ رمضانَ بحديثِ أبي سَعيدٍ المتَّفقِ عليهِ "أنَّهُ

стр. 26

كانَ ﷺ يَعْتكفُ العشرَ الأوسطَ مِن رمضانَ"، ففَصَّلَ القولَ في مذاهبِ العلماءِ في التماسِ ليلةِ القدرِ في النِّصفِ الأخيرِ من رمضانَ، وفي معركةِ بدرٍ، وفي تصفيدِ الشَّياطينِ في رمضانَ عمومًا وليلةِ القدرِ خصوصًا. وصَدَّرَ المجلسَ الرَّابعَ بحديثِ عائشةَ المتَّفقِ عليهِ "كانَ ﷺ إذا دَخَلَ العشرُ شدَّ مئزرَهُ"، ثمَّ شَرَحَهُ مبيِّنًا الأُمورَ التي كانَ ﷺ يَخْتَصُّ بها العشرَ الأخيرَ مِن رمضانَ. ثمَّ أفْرَدَ مجلسًا آخرَ صَدَّرَهُ بحديثِ ابن عُمَرَ المتَّفقِ عليهِ أنَّهُم أُروا ليلةَ القدرِ في المنامِ في السَّبعِ الأواخرِ، وفَصَّلَ تفصيلًا طويلًا في ليلةِ القدرِ ومذاهبِ أهلِ العلمِ فيها وأدلَّتِهم وفي العملِ في تلكَ الليلةِ. ثمَّ أفْرَدَ مجلسًا سادسًا لوداعِ رمضانَ صَدَّرَهُ بحديثِ أبي هُرَيْرَةَ المتَّفقِ عليهِ "مَن صامَ رَمضانَ إيمانًا واحتسابًا"، ثمَّ شَرَحَهُ مطوَّلًا فَعَرَضَ لأثرِ الصِّيامِ في تكفيرِ الذُّنوبِ ولخسرانِ مَن فاتَهُ المغفرةُ في رمضانَ وللخصالِ الموجبةِ للعتقِ من النَّارِ في رمضانَ. ثمَّ صَدَّرَ المجلسَ الأوَّلَ مِن وظائفِ شوَّالٍ بحديثِ أبي أيُّوبَ عندَ مُسْلِمٍ "مَن صامَ رمضانَ ثمَّ أتْبَعَهُ ستًّا من شوَّالٍ"، ففَضَّلَ القولَ فيهِ وفي مذاهبِ أهلِ العلمِ في العملِ بهِ. وصَدَّرَ المجلسَ الثَّانيَ مِنهُ بحديثِ أبي هُرَيْرَةَ المتَّفقِ عليهِ "أفضلُ الأعمالِ إيمانٌ باللهِ ورسولِهِ … "، ثمَّ تَوَسَّعَ في شرحِهِ وعَرَضَ مِن خلالِهِ لفضلِ الحجِّ وتفضيلِهِ على الجهادِ والصَّدقةِ ومعاني برِّ الحجِّ. ثمَّ صَدَّرَ المجلسَ الثَّالثَ بحديثِ أبي هُرَيْرَةَ المتَّفقِ عليهِ "ذَهَبَ أهلُ الدُّثورِ بالأُجورِ"، وتَوَسَّعَ في شرحِهِ وعَرَضَ لفضلِ المالِ واستباقِ أغنياءِ الصَّحابةِ وفقرائِهِم إلى الخيراتِ، ثمَّ لفضلِ الذِّكرِ وأنَّهُ تعويضٌ عظيم ورحمةٌ مهداةٌ لمَن لا يَسْتَطيعُ الحجَّ والصَّدقةَ ونحوَها. ثمَّ اقْتَصَرَ في وظائفِ ذي القعدةِ على مجلسٍ واحدٍ أوْرَدَ فيهِ حديثَ الباهِلِيِّ الذي سَرَدَ الصَّومَ حتَّى تَغَيَّرَ حالُهُ، فعَرَضَ في تضاعيفِ شرحِهِ لصيامِ الدَّهرِ وأفضلِ الصِّيامِ وهديِهِ ﷺ في ذلكَ، ثمَّ خَتَمَ بذكرِ خصائصِ ذي القعدةِ. وفي المجلسِ الأوَّلِ مِن وظائفِ ذي الحجَّةِ أوْرَدَ حديثَ ابن عبَّاسٍ عندَ البُخارِيِّ

стр. 27

"ما مِن أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيها أحبُّ إلى اللهِ مِن عشرِ ذي الحجَّةِ"، ثمَّ فَصَّلَ في شرحِهِ مبيِّنًا فضلَ العملِ في العشرِ ومضاعفةَ الأجرِ فيهِ واستحبابَ صيامِهِ وقيامِهِ والذِّكرِ فيهِ، وفي غيرِ ذلك مِن فضائلِ العشرِ وخصائصِهِ. ثمَّ اسْتَفْتَحَ المجلسَ الثَّانيَ بحديثِ عُمَرَ المتَّققِ عليهِ في نزولِ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وتَوَسَّعَ في أعيادِ المؤمنينَ في الدُّنيا وفي الجنَّةِ، وفي فضائلِ يومِ عرفةَ والأسبابِ التي يُرْجى بها العتقُ والمغفرةُ فيهِ والذُّنوبِ التي تَمْنَعُ العتقَ والمغفرةَ فيهِ، ثمَّ ذَكَرَ طرفًا مِن أحوالِ الصَّالحينَ في هذا اليومِ. ثمَّ اسْتَفْتَحَ الثَّالثَ بحديثِ نُبَيْشَةَ الهُذَلِيِّ عندَ مسلمٍ "أيَّامُ منى أيَّامُ أكلٍ وشربٍ"، ففَصَّلَ القولَ في شرحِهِ مبيِّنًا أنواعَ الذِّكرِ في تلكَ الأيَّامِ وحكمَ الأمرِ بالذِّكرِ عندَ انقضاءِ الحجِّ وحكمَ صيامِ أيَّامِ التَّشريقِ. ثمَّ أفْرَدَ الرَّابعَ للكلامِ في ختامِ العامِ، وصَدَّرَهُ بحديثِ جابِرٍ "لا تَتَمَّنَوُا الموتَ فإنَّ هولَ المُطَّلَعِ شديدُ"، وفَصَّلَ في شرحِهِ مبيِّنًا أحوالَ النَّاسِ في تمنِّي الموتِ وعللَ النَّهيِ عن ذلك. ثمَّ أفْردَ مجلسًا لذكرِ فصلِ الرَّبيعِ صَدَّرَهُ بحديثِ أبي سَعيدٍ المتَّفقِ عليهِ "إنَّ هذا المالَ خضرةٌ حلوةٌ"، ثمَّ فَصَّلَ في شرحِ الحديثِ فبَيَّنَ خوفَهُ ﷺ على أُمَّتِهِ من الافتنانِ بالدُّنيا وعَرَضَ لدلالةِ كلِّ ما في الدُّنيا على الآخرةِ. ثمَّ أفْرَدَ مجلسًا للصَّيفِ صَدَّرَهُ بحديثِ أبي هُرَيْرَةَ المتَّفقِ عليهِ "اشْتكتِ النَّارُ إلى ربِّها فأذِن لها بنفسينِ"، فشَرَحَهُ بإسهابٍ وعَرَضَ لدلالةِ أحوالِ الدُّنيا على الآخرةِ. ثمَّ أفْرَدَ مجلسًا لفصلِ الشِّتاءِ صَدَّرَهُ بحديثِ أبي سَعيدٍ "الشِّتاءُ ربيعُ المؤمنِ"، فتكَلَّمَ في قيامِ ليلِهِ وصيامِ نهارِهِ وفضلِ إيثارِ الفقراءِ فيهِ وتذكيرِهِ بزمهريرِ جَهَنَّمَ. ثمَّ خَتَمَ الكتابَ بمجلسٍ في الحثِّ على التَّوبةِ قبلَ الموتِ وأنَّها وظيفةُ العمرِ بطولِهِ صَدَّرَهُ بحديثِ ابن عُمَرَ "إنَّ الله يَقْبَلُ توبةَ العبدِ ما لمْ يُغَرْغِرْ"، ثمَّ فَصَّلَ في معنى عملِ السُّوءِ بجهالةٍ والتَّوبةِ مِن قريبٍ والتَوبةِ عندَ الغرغرةِ والموتِ وخاتمةِ الإصرارِ على المعاصي وانقسامِ النَّاسِ في التَّوبةِ … وغيرِ ذلكَ مِن أُمورِها.

стр. 28

• خامسًا: ملاحظات عامَّة على الكتاب * حول الخطَّة والتقسيم والمنهج: مِن خلالِ نظرةٍ سريعةٍ للوصفِ الآنفِ لمادَّةِ "اللطائف" أسْتَطيعُ أنْ أُقَرِّرَ ما يَلي: ١) قَدَّمَ الحافظُ ابنُ رَجَب لكتابِهِ بمقدِّمةٍ رصينةٍ تَلْتَزِمُ بالمعاييرِ العلميَّةِ المعتمدةِ اليومَ في أرقى الجامعاتِ الحديثةِ، وهذا أمرٌ يَنْدُرُ أنْ تَراهُ في غيرِ مصنَّفاتِ المحقِّقينَ المدقِّقينَ مِن أهلِ العلمِ، بل لا يَزالُ كثيرٌ مِن الأبحاثِ المعاصرةِ خلوًا منهُ. وهذا المستوى الملفتُ للنَّظرِ للمقدِّمةِ يُرَجِّحُ أن ابنَ رَجَبٍ كَتبَها بعد انتهائِهِ مِن تصنيفِ الكتابِ أو راجَعَها على الأقلِّ وحَرَّرَها بعدَ ذلكَ، وقولُهُ: "جَعَلْتُ … وخَتَمْتُ … وخَتَمْتُ … "، هذهِ الأفعالُ الماضيةُ مشعرٌ قويٌّ بأنَّ الكتابَ كانَ قد تمَّ وانْتَهى قبلَ كتابةِ المقدِّمةِ أو تحريرِها. ٢) ثمَّ رَأيْت ابنَ رجبٍ يقولُ في وظائفِ ذي الحجَّةِ (ص ٥٩٤): "وسَنَذْكُرُهُ عندَ ذكرِ المحرَّمِ إنْ شاءَ اللهُ"! فهذا يَدُلُّ على أن ابنَ رَجَبٍ لم يُصَنِّفْ وظائفَ الشُّهورِ مبتدئًا بالمحرَّمِ منتهيًا بذي الحجَّةِ، وإلَّا لَقالَ: وقد ذَكَرْناهُ. فمِن المحتملِ أنَّهُ صَنَّفَ مفرداتِهِ على التَّيسيرِ لا على التَّرتيبِ. والأرجحُ والأقوى أنَّهُ صَنَّفَها بالتَّرتيبِ الزَّمانيِّ ابتداءً مِن الشَّهرِ الذي باشَرَ فيهِ بالعملِ، وهكذا جاءَ شهرُ المحرَّمِ بعدَ ذي الحجَّةِ، فيَكونُ تصنيفُهُ وتهذيبُهُ للكتابِ قدِ اسْتَغْرَقَ دورةَ سنةٍ كاملةٍ، فكانَ يُصَنِفُ في كلِّ شهرٍ وظائفَهُ الخاصَّةَ بهِ، يَشْهَدُ لهذا علوُّ الجانبِ الرُّوحيِّ في الكتابِ، ممَّا يوحي بأنَّ التَّجربةَ لم تَكُنْ نظريَّةً صرفةً بالنِّسبةِ لهُ، بل إنَّهُ خاضَها عمليًّا وربَّما دَرَّسَها لتلامذتِهِ مباشرةً على طريقةِ الأقدمينَ في المبادرةِ إلى بثِّ مصنَّفاتِهِم قبلَ اكتمالِها استعجالًا لبثِّ الخيرِ واكتسابًا لمزيدٍ مِن التَّحريرِ والتَّنقيحِ. ٣) جرى الحافظُ ابنُ رَجَبٍ في عرضِ مادَّةِ الكتابِ على طريقتِهِ في "جامع العلوم والحكم" حذوَ القذَّةِ بالقذَّةِ. فكانَ يَسْتَفْتحُ كلَّ مجلسٍ مِن مجالسِ الكتابِ بحديثٍ مِن مخرَّجاتِ الشَّيخينِ أو أحدِهِما غالبًا، فيَجْعَلُهُ رأْسًا للبابِ ويَنْطَلِقُ مِن خلالِ شرحِهِ إلى عرضِ مسائلِ البابِ والقضايا المتَّصلةِ بها، فيُعالِجُها معالجةً دقيقةً مستشهدًا بسيلٍ مِن

стр. 29

النُّصوصِ القرآنيَّةِ والحديثيَّةِ وآثارِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ والأخبارِ الإسرائيليَّةِ وأخبارِ المتصوِّفةِ والصَّالحينَ وأشعارِ التَّرسُّلِ والمواعظِ وكثيرًا ما يُضيفُ من لدنْهُ عباراتٍ رقيقةً مسجوعةً غالبًا تُناسِبُ المقامَ الوعظيَّ. ٤) وقد أوْرَثَ هذا المنهجُ المطَّردُ مجالسَ الكتابِ توازنًا دقيقًا وتعادلًا في الحجمِ والقوَّةِ ووفرةِ المادَّةِ العلميَّةِ فلا تَجِدُ فيها مجلسًا ضئيلَ الفائدةِ مكرَّرَ المادَّةِ معَ أن عباداتِ المواسمِ المختلفةِ لا تَكادُ تَخْرُجُ عن صلاةٍ أو صيامٍ أو حجٍّ. * حول الأسلوب: ١) اعْتَمَدَ الحافظُ يَرْحَمُهُ اللهُ في كتابِهِ هذا أُسلوبًا علميًّا يَتَّسِمُ بالسُّهولةِ واليسرِ: فالألفاظُ شائعةٌ متداولةٌ بعيدةٌ عن الغرابةِ والوحشيَّةِ، والجملُ قصيرةٌ مفهومةٌ بعيدةٌ عن مجازاتِ الأدباءِ واستعاراتِهِم، والسِّياقاتُ متتابعةٌ مباشرةٌ بعيدةٌ عن اعتراضاتِ الخطباءِ والمتعالمينَ اعتراضًا تلوَ الآخرِ. ٢) ويَدَّخِرُ الحافظُ يَرْحَمُهُ اللهُ السَّجعَ والجناسَ والطِّباقَ والمقابلةَ والتَّربيعَ والتَّخميسَ وغيرَ ذلكَ مِن أساليبِ الصَّنعةِ، حتَّى إذا ما قَضى وطرَهُ مِن الشُّروحِ العلميَّةِ الدَّقيقةِ والأبحاثِ الفقهيَّةِ الرَّصينةِ، اسْتَثْمَرَ تلكَ الأساليبَ أحسنَ استثمارٍ في تزيينِ العباراتِ الوعظيَّةِ الرَّقيقةِ التي يورِدُها آخرَ المجلس فأكْسَبَها أمواجًا عاطفيَّةً دفَّاقةً محبَّبةً إلى الأسماعِ سريعةَ الانزلاقِ على الألسنةِ بالغةَ التَّأَثيرِ في القلوبِ. ٣) ويَحْتَفِلُ ابنُ رَجَبٍ احتفالًا بالغًا بالأدلَّةِ العلميَّةِ، فلا يَكادُ يورِدُ قضيَّةً إلَّا ويُتْبِعُها بسيلٍ مِن النُّصوصِ القرآنيَّةِ والحديثيَّةِ وآثارِ السَّلفِ الصَّالحِ وأقوالِ أصحابِ المذاهبِ، ولا يَكادُ يَنْتَهي إلى حكمٍ إلَّا بعدَ استقصاءِ مذاهبِ أهلِ العلمِ في المسألةِ وإيرادِ أدلَّتِهِم ومناقشتِها وترجيحِ أقواها … وقد تَواتَرَ هذا كثيرًا حتَّى تَجاوَزَتِ النُّصوصُ القرآنيَّةُ في هذا الكتابِ ٥٠٠ نصٍّ والنُّصوصُ الحديثيَّةُ ١٥٠٠ نصٍّ. * حول الشواهد: وعلى كثرةِ الشواهدِ يُمْكِنُ أنْ أُسَجِّلَ عليها الملاحظاتِ التَّاليةَ: ١) الأحاديثُ المرفوعة في رأْسِ المجلسِ التي تَتَفَرَّعُ منها عناصرُ المجلسِ هيَ

стр. 30

في الغالبِ العامِّ صحيحةٌ مِن مخرَّجاتِ الشَّيخينِ أو أحدِهِما. بخلافِ الأحاديثِ الواردةِ في تضاعيفِ المجلسِ والرِّواياتِ المختلفةِ للحديثِ الواحدِ والزِّياداتِ التي تَرِدُ في بعضِ الرِّواياتِ دونَ غيرِها؛ فهاهُنا نسبةٌ غيرُ قليلةٍ مِن المراسيلِ والمنقطعاتِ والضِّعافِ والواهياتِ بلِ المنكراتِ والموضوعاتِ! نعم؛ ربَّما بَيَّنَ الحافظُ ابنُ رَجَبٍ علَّةَ بعضها أو نبَّهَ إلى ضعفِهِ، لكنْ بنفسٍ رخوٍ لا يَعْدو غالبًا قولَهُ: "فيهِ ضعفٌ"، ولو كانَ الحديثُ منكرًا أو موضوعًا! وهذا مؤشِّرٌ قويٌّ إلى أن الحافظَ يَرْحَمُهُ اللهُ اسْتَرْوَحَ إلى قاعدةِ الأخذِ بيسيرِ الضَّعفِ في المواعظِ، بل إنَّهُ صَرَّحَ بذلكَ في تضاعيفِ الكلامِ، لكنَّهُ - شأْنَ أكثرِ العاملينَ على هذهِ القاعدةِ - انْزَلَقَ إلى الواهي والمنكرِ والموضوعِ! وللمحقِّقينَ مِن أهلِ العلمِ كلامٌ طويلٌ في إبطالِ هذهِ القاعدةِ ليسَ هذا محلَّ بسطِهِ، فمَن شاءَ التَّوسُّع؛ فلْيَرْجِعْ إلى مقدِّمةِ "مفتاح دار السَّعادة" (ص ٣٥). ٢) وفي الكتابِ جملةٌ مِن آثارِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ قد جاءَ خلافُها عن الصَّحابيِّ نفسِهِ أو عن غيرِهِ مِن الصَّحابةِ ممَّا يَجْعَلُ التَّسليمَ لها موضعَ نظرٍ. ٣) وهاهُنا جملةٌ مِن الإسرائيليَّاتِ يَسوقُها ابنُ رَجَبٍ مصدَّرةً بـ "وفي بعضِ الآثار"، وأكثرُ هذهِ الإسرائيليَّاتِ ممَّا يَصْلُحُ للاستشهادِ والاعتضادِ، ولكنَّ بعضَها لا يَخْلو مِن نكارةٍ. ٤) وهاهُنا جملةٌ مِن الآثارِ والأخبارِ صَدَّرَها ابنُ رَجَبٍ بقولِهِ: "وجاءَ عن بعضِ السَّلفِ"، لكن لفظةَ "السَّلف" هُنا عامَّةٌ تَتَناوَلُ العبَّادَ والزُّهَّادَ والصُّوفيَّةَ، ومِن هُنا اعْتَرى بعضَ تلكَ الآثارِ والأخبارِ نكارةٌ أو مبالغةٌ أو غلوٌّ أو بعدٌ عن الحنيفيَّةِ السَّمحةِ. ٥) والأشعارُ في الكتابِ كثيرةٌ، وبعضُها عظيمُ الوقعِ في النَّفسِ، لكنْ يَبْدو أن المصنِّفَ ساقَهُ اعتمادًا على ذاكرتِهِ، فكَثُرَتِ الأوهامُ في أوزانِها وربَّما خَلَطَ بينَ أبياتٍ مِن قطعٍ مختلفةٍ … وهذا مأْلوفٌ جدًّا في أشعارِ الفقهاءِ الذينَ يَعْتَنونَ بالمعاني لا بالأوزانِ. • سادسًا: مكانة "لطائف المعارف" في مكتبة طالب العلم المعاصر وشهادتي أن ابنَ رَجَبٍ وَفَّى بالمقاصدِ التي تَطَلَّعَ إليها عندَما باشَرَ بتصنيفِ

стр. 31

"لطائف المعارف" غايةَ الوفاءِ، وقَدَّمَ كتابًا فذًّا نادرَ المثالِ، ولا واللهِ؛ ما مَرَّ بي - على كثرةِ المصنَّفاتِ في هذا البابِ - كتابٌ على هذا الحسنِ في التَّبويبِ والرَّشاقةِ في العرضِ والتَّرتيبِ. فحَرِيٌّ بطالبِ العلمِ أنْ لا يُخْلِيَ مكتبتَهُ مِن هذا السِّفرِ النَّفيسِ الجمِّ الفوائدِ، وأنْ يَشُدَّ عليهِ يدًا، ولا يَحْرِمَ نفسَهُ مِن العودةِ إليهِ بينَ الفينةِ والأُخرى للموعظةِ والادِّكارِ، فالنِّسيانُ آفةُ الإنسانِ مذ خَلَقَ اللهُ آدَمَ ﵇، وما منَّا إلَّا مقصِّرٌ موغلٌ في التَّقصيرِ عظيمُ الحاجةِ إلى موعظةٍ توقِظُهُ مِن نومِ الغفلةِ قبلَ أنْ يَسْتَيْقِظَ وهوَ في عسكرِ الموتى. وحريٌّ بطلَّابِ العلمِ أنْ يَتَهادَوْا هذا السِّفرَ النَّفيسَ فيما بينَهُم بمناسبةٍ وبغيرِ مناسبةٍ كما يَتَهادى النَّاسُ الهدايا والتُّحفَ والجواهرَ والدُّررَ، وأنْ يَتَناصَحوا بالإقبالِ عليهِ درسًا ومراجعةً كلَّ حينٍ. وحريٌّ بأهلِ الوعظِ والإرشادِ والخطابةِ أنْ يُقْبِلوا على هذا الكتابِ درسًا وفهمًا واستحفاظًا، ثمَّ يُغْنوا بهِ خطبَهُم ومجالسَهُم ويَبُثُّوا فوائدَهُ الجمَّةَ بينَ النَّاسِ كلًّا في مناسبتِهِ. وما أقلَّ الخطبَ المفيدةَ في هذهِ الأيَّامِ! وما أكثرَ الزَّبدَ الذي يَذْهَبُ جفاءً! وحريٌّ بأساتذةِ المراحلِ الثَّانويَّةِ والجامعيّةِ أنْ يَحُثُّوا تلاميذَهُم على اقتناءِ هذا الكتابِ والانتفاعِ بما فيهِ مِن المطالبِ العاليةِ وإشاعتِها في بيوتِهِم وبينَ آبائِهِم وأمَّهاتِهِم وإخوانِهِم وأخواتِهِم. وبالجملة؛ فلا أعْلَمُ مسلمًا على وجهِ الأرضِ - قلَّ علمُهُ أو كَثُرَ - إلَّا ولهُ في هذا الكتابِ حاجة حقيقيَّةٌ وفائدةٌ جمَّةٌ، وذلكَ لأنَّهُ جَمَعَ إلى عمومِ موضوعِهِ وجلالةِ فوائدِهِ حسنَ التَّبويبِ والتَّرتيبِ وسهولةَ الأخذِ والتَّناولِ وعمقَ الأثرِ … هذا؛ وقد آنَ أنْ تُبْحِرَ وحدَكَ في هذا البحرِ الزَّاخرِ وتَفْتَحَ بنفسِكَ أصدافَهُ وتَقِفَ على دررِهِ ولا بدَّ أنَّكَ واجدٌ ما وَجَدْتُهُ وموقنٌ بصدقِ قولي وأنَّني ما أطْنَبْتُ ولا بالَغْتُ في وصفِهِ. * * * * *

стр. 32

[مقدمة المصنف] • بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، وبهِ ثقتي. الحمدُ للهِ الملكِ القهَّار، العزيزِ الجبَّار، الرَّحيمِ الغفَّار، مقلِّبِ القلوبِ والأبصار، مقدِّرِ الأُمورِ كما يَشاءُ ويَخْتار، مكوِّرِ النَّهارِ على الليلِ ومكوِّرِ الليلِ على النَّهار. أسْبَلَ ذيلَ الليلِ فأظْلَمَ للسُّكونِ والاستتار، وأنارَ منارَ النَّهارِ فأضاءَ للحركةِ والانتشار، وجَعَلَهُما مواقيتَ للأعمالِ ومقاديرَ للأعمار. وسَخَّرَ الشَّمسَ والقمرَ يَجْرِيانِ بحسبانٍ ومقدار، ويَعْتَقِبانِ في دارةِ الفَلَكِ الدَّوَّارِ على تعاقبِ الأدوار، وجَعَلَهُما معالمَ تُعْلَمُ بهِما أوقاتُ الليالي والأيَّامِ والشُّهورِ والأعوامِ في هذهِ الدَّار، ويُهْتَدى بهِما إلى ميقاتِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والحجِّ والصِّيامِ والإفطار؛ حجَّهً قائمةً قاطعةً للأعذار، وحكمةً بالغةً مِن حكيمٍ عليمٍ ذي اقتدار (١). أحْمَدُهُ وحلاوةُ محامدِهِ تَزْدادُ معَ التكرار، وأشْكُرُهُ وفضلُهُ على مَن شَكَرَ مدرار. وأشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ شهادةً تُبَرِّئُ قائلَها مِن الشِّركِ بصحَّةِ الإقرار وتُبَوِّئُ قائلَها دارَ القرار. وأشْهَدُ أن مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ؛ البدرُ جبينُهُ إذا سُرَّ اسْتَنار، واليمُّ يمينُهُ فإذا سُئِلَ أعطى عطاءَ مَن لا يَخْشى الإقتار، والحنيفيَّةُ دينُهُ الدِّينُ القيِّمُ المختار، رَفَعَ اللهُ ببعثِهِ عن أُمَّتِهِ الأغلالَ والآصار، وكَشَفَ بدعوتِهِ أذى البصائرِ (٢) وقذى الأبصار، وفَرَّقَ

стр. 33

بشريعتِهِ بينَ المتَّقينَ والفجَّار، حتَّى امْتازَ أهلُ اليمينِ مِن أهلِ اليسار، وانْفَتَحَتْ أقفالُ القلوبِ فانْشَرَحَتْ بالعلمِ والوقار، وزالَ عن الأسماعِ أثقالُ الأوقار (١). صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ أُولي الإقدامِ والأقدار، وعلى أصحابِهِ أقطابِ الأقطار، صلاةً تُبَلِّغُهُم في تلكَ الأوطانِ نهايةَ الأوطار، وسَلَّمَ تسليمًا. • أمَّا بعدُ؛ فقد قالَ اللهُ : ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢]. وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥]. فأخْبَرَ أنَّهُ عَلَّقَ معرفةَ السِّنينَ والحسابَ على تقديرِ القمرِ منازلَ. وقيلَ: بل على جعلِ الشَّمسِ ضياءً والقمرِ نورًا؛ لأنَّ حسابَ السَّنةِ والشَّهرِ يُعْرَفُ بالقمرِ، واليومِ والأُسبوعِ يُعْرَفُ بالشَّمسِ، وبهِما يَتِمُّ الحسابُ (٢). وقولُهُ تَعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾: لمَّا كانَ الشَّهرُ الهلاليُّ لا يَحْتاجُ إلى عدٍّ لتوقيتِهِ بما بينَ الهلالينِ؛ لمْ تقُلْ: لِتَعْلَموا عددَ الشُّهورِ؛ فإنَّ الشَّهرَ لا يُحْتاجُ إلى عدِّهِ إلَّا إذا غُمَّ آخرُهُ، فيُكْمَلُ عددُهُ بالاتِّفاقِ؛ إلَّا في شهرِ شَعْبانَ إذا غُمَّ آخرُهُ بالنِّسبةِ إلى صومِ رمضانَ خاصَّةً؛ فإنَّ فيهِ اختلافًا مشهورًا (٣). وأمَّا السَّنةُ؛ فلا بدَّ مِن عددِها؛ إذ ليسَ لها حدٌّ ظاهرٌ في السَّماءِ، فيُحْتاجُ إلى عددِها بالشُهورِ، ولا سيَّما معَ تطاولِ السِّنينَ وتعدُّدِها (٤).

стр. 34

وجَعَلَ اللهُ السَّنةَ اثنيْ عشرَ (١) شهرًا، كما قالَ تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، وذلكَ بعددِ البروجِ التي تَكْمُلُ بدَوْرِ الشَّمسِ فيها السَّنةُ الشَّمسيَّةُ، فإذا دارَ القمرُ فيها كلِّها؛ كَمَلَتْ دورتُهُ السَّنويَّةُ (٢). وإنَّما جَعَلَ اللهُ الاعتبارَ بدورِ القمرِ؛ لأنَّ ظهورَهُ في السَّماءِ لا يَحْتاجُ إلى حسابٍ ولا كتابٍ، بل هوَ أمرٌ ظاهرٌ يُشاهَدُ بالبصرِ، بخلافِ سيرِ الشَّمسِ؛ فإنَّهُ تَحْتاجُ معرفتُهُ إلى حسابٍ وكتابٍ (٣)، فلم يُحْوِجْنا إلى ذلكَ، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : "إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نكتُبُ ولا نَحْسُبُ، الشَّهرُ هكذا وهكذا وهكذا (وأشارَ بأصابعِهِ العشرِ وخَنَسَ إبهامَهُ في الثَّالثةِ). صوموا لرؤيتِهِ وأفْطِروا لرؤيتِهِ، فإنْ غُمَّ عليكُم؛ فأكْمِلوا العِدَّةَ" (٤). وإنَّما عَلَّقَ اللهُ تَعالى على الشَّمسِ أحكامَ اليومِ مِن الصَّلاةِ والصِّيامِ حيثُ كانَ ذلكَ أيضًا مشاهدًا بالبصرِ لا يَحْتاجُ إلى حسابٍ ولا كتابٍ: فالصَّلاةُ تَتَعَلَّقُ بطلوعِ الفجرِ وطلوعِ الشَّمسِ وزوالِها وغروبِها ومصيرِ ظلِّ الشيءِ مثلَهُ وغروبِ الشَّفقِ، والصِّيامُ يَتَوَقَّتُ بمدَّةِ النَّهارِ مِن طلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشَّمسِ. وقولُهُ تَعالى: ﴿وَالْحِسَابَ﴾، يَعْني بالحسابِ: حسابَ ما يَحْتاجُ إليهِ النَّاسُ مِن مصالحِ دينِهِم ودنياهُم كصيامِهِم وفطرِهِم وحجِّهِم وزكاتِهِم ونذورِهِم وكفَّاراتِهِم وعِدَدِ نسائِهِم ومُدَدِ إيلائِهِم ومُدَدِ إجاراتِهِم وحلولِ آجالِ ديونِهِم … وغيرِ ذلكَ ممَّا يَتَوَقَّتُ بالشُّهورِ والسِّنينَ. وقد قالَ اللهُ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]: فأخْبَرَ أن الأهلَّةَ مواقيتُ للنَّاسِ عمومًا، وخَصَّ الحجَّ

стр. 35

مِن بين ما يُوَقَّتُ بهِ للاهتمامِ بهِ. • وجَعَلَ اللهُ في كلِّ يومٍ وليلةٍ لعبادِهِ المؤمنينَ وظائفَ موظَّفةً عليهِم مِن وظائفِ طاعتِهِ: فمنها ما هوَ مفترَضٌ كالصَّلواتِ الخمسِ، ومنها ما يُنْدَبونَ إليهِ مِن غيرِ افتراضٍ كنوافلِ الصَّلاةِ والذِّكرِ وغيرِ ذلكَ. وجَعَلَ في شهورِ الأهلَّةِ وظائفَ موظَّفةً أيضًا على عبادِهِ: كالصِّيامِ، والزَّكاةِ، والحجِّ. ومنهُ فرضٌ مفروضٌ عليهِم كصيامِ رَمَضانَ وحَجَّةِ الإسلامِ، ومنهُ ما هوَ مندوبٌ كصيامِ شَعْبانَ وشَوَّالٍ والأشهرِ الحُرُمِ. • وجَعَلَ اللهُ سبحانَهُ لبعضِ الشُّهورِ فضلًا على بعضٍ: كما قالَ تَعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقالَ تَعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقالَ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن﴾ [البقرة: ١٨٥]. كما جَعَلَ الأيَّامَ واللياليَ بعضَها أفضلَ مِن بعضٍ، وجَعَلَ ليلةَ القَدْرِ خيرًا مِن ألفِ شهير، وأقْسَمَ بالعَشْرِ - وهوَ عشرُ ذي الحِجَّةِ على الصَّحيحِ كما سَنَذْكُرُهُ في موضعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى -. وما مِن هذهِ المواسمِ الفاضلةِ موسمٌ إلَّا وللهِ تَعالى فيهِ وظيفةٌ مِن وظائفِ طاعاتِهِ يُتَقَرَّبُ بها إليه، وللهِ فيهِ لطيفةٌ مِن لطائفِ نفحاتِهِ يُصيبُ بها مَن يَعودُ بفضلِهِ ورحمتِهِ عليه. فالسَّعيدُ مَنِ اغْتَنَمَ مواسمَ الشُّهورِ والأيَّامِ والسَّاعات، وتَقَرَّبَ فيها إلى مولاهُ بما فيها مِن وظائفِ الطَّاعات، فعَسى أنْ تُصيبَهُ نفحةٌ مِن تلكَ النَّفحات، فيَسْعَدُ بها سعادةً يَأْمَنُ بعدَها مِن النَّارِ وما فيها مِن اللفَحات. وقد خَرَّجَ ابنُ أبي الدُّنْيا والطَّبَرانِيُّ وغيرُهُما مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "اطْلُبوا الخيرَ دهرَكُم، وتَعَرَّضوا لنفحاتِ رحمةِ ربِّكُم؛ فإنَّ للهِ نفحاتٍ مِن رحمتِهِ يُصيبُ بِها مَن يَشاءُ مِن عبابٍ، وسَلُوا الله أنْ يَسْتُرَ عوراتِكُم ويُؤَمِّنَ روعاتِكُم" (١)

стр. 36

وفي روايةٍ للطَّبَرانِيِّ مِن حديثِ مُحَمَّدِ بن مَسْلَمَةَ مرفوعًا: "إنَّ للهِ في أيَّامِ الدَّهرِ نفحاتٍ، فتَعَرَّضوا لها، فلَعَلَّ أحدَكُم أنْ تُصيبَهُ نفحةٌ فلا يَشْقى بعدَها أبدًا" (١). وفي "مسند الإمام أحْمَدَ": عن عُقْبَةَ بن عامِرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لَيْسَ مِن

стр. 37

عملِ يومٍ إلَّا يُخْتَمُ عليهِ" (١). ورَوى ابنُ أبي الدُّنْيا بإسنادِهِ عن مُجاهِدٍ، قالَ: ما مِن يومٍ إلَّا يَقولُ: ابنَ آدَمَ! قد دَخَلْتُ عليكَ اليومَ، ولنْ أرْجِعَ إليكَ بعدَ اليومِ، فانْظُرْ ماذا تَعْمَلُ فيَّ. فإذا انْقَضى؛ طَواهُ، ثمَّ يُخْتَمُ عليهِ فلا يُفَكُّ حتَّى يَكونَ اللهُ هوَ الذي يَفُضُّ ذلكَ الخاتَمَ يومَ القيامةِ، ويَقولُ اليومُ حينَ يَنْقَضي: الحمدُ للهِ الذي أراحَني مِن الدُّنيا وأهلِها. ولا ليلةٍ تَدْخُلُ على النَّاسِ إلَّا قالَتْ كذلكَ. وبإسنادِهِ عن مالِكِ بن دينارٍ؛ قالَ: كانَ عيسى ﵇ يَقولُ: إنَّ هذا الليلَ والنَّهارَ خزانتانِ، فانْظُروا ما تَضَعونَ فيهِما. وكانَ يَقولُ: اعْمَلوا الليلَ لِما خُلِقَ لهُ، واعْمَلوا النَّهارَ لِما خُلِقَ لهُ. وعنِ الحَسَن؛ قالَ: ليسَ يومٌ يَأْتي مِن أيَّامِ الدُّنيا إلَّا يَتكَلَّمُ يَقولُ: يا أيُّها النَّاسُ! إنِّي يومٌ جديدٌ، وإنِّي على ما يُعْمَلُ فيَّ شهيدٌ، وإنِّي لو قد غَرَبَتْ شمسي لمْ أرْجِعْ إليكُم إلى يومِ القيامةِ. وعنهُ أنَّهُ كانَ يَقولُ: يا ابنَ آدَمَ! اليومُ ضيفُكَ، والضيفُ مرتحلٌ، يَحْمَدُكَ أو يَذُمُّكَ، وكذلكَ الليلُ. وبإسنادِهِ عن بكرٍ المُزَنيِّ؛ أنَّهُ قالَ: ما مِن يومٍ أخْرَجَهُ اللهُ إلى أهلِ الدُّنيا إلَّا يُنادي: ابنَ آدَمَ! اغْتَنِمْني؛ لَعَلَّهُ لا يومَ لكَ بعدي. ولا ليلةٍ إلَّا تُنادي: ابنَ آدَمَ! اغْتَنِمْني؛ لَعَلَّهُ لا ليلةَ لكَ بعدي.

стр. 38

وعن عُمَرَ بن ذَرٍّ؛ أنَّهُ كانَ يَقولُ: اعْمَلوا لأنفسِكُم رَحِمَكُمُ اللهُ في هذا الليلِ وسوادِهِ؛ فإنَّ المغبونَ مَن غُبِنَ خيرَ الليلِ والنَّهارِ والمحرومَ مَن حُرِمَ خيرَهُما، إنَّما جُعِلا سبيلًا للمؤمنينَ إلى طاعةِ ربِّهِم ووبالًا على الآخرينَ للغفلةِ عن أنفسِهِم، فأحْيُوا للهِ أنفسَكُم بذكرِهِ؛ فإنَّما تَحْيا القلوبُ بذكرِ اللهِ . كم مِن قائمٍ للهِ في هذا الليلِ قدِ اغْتبَطَ بقيامِهِ في ظلمةِ حفرتِهِ! وكم مِن نائمٍ في هذا الليلِ قد نَدِمَ على طولِ نومِهِ عندَما يَرى مِن كرامةِ اللهِ للعابدينَ غدًا! فاغْتَنِموا ممرَّ السَّاعاتِ والليالي والأيَّامِ رَحِمَكُمُ اللهُ. وعن داوودَ الطَّائِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّما الليلُ والنَّهارُ مراحلُ، يَنْزِلُها النَّاسُ مرحلةً مرحلةً، حتَّى يَنْتَهِيَ بهِم ذلكَ إلى آخرِ سفرِهِم، فإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تُقَدِّمَ في كلِّ مرحلةٍ زادًا لِما بينَ يديها؛ فافْعَلْ؛ فإنَّ انقطاعَ السَّفرِ عن قريبٍ ما هوَ، والأمرُ أعجلُ مِن ذلك، فتَزَوَّدْ لسفرِك، واقْضِ ما أنتَ قاضٍ مِن أمرِك، فكأنَّكَ بالأمرِ قد بَغَتَك. قالَ ابنُ أبي الدُّنْيا: وأنْشَدَنا مَحْمودُ بنُ الحَسَنِ (١): مَضى أمْسُكَ الماضي شَهيدًا مُعَدَّلًا … وأعْقَبَهُ يَوْمٌ عَلَيْكَ جَديدُ فَإنْ كُنْتَ بِالأمْسِ اقْتَرَفْتَ إساءَةً … فَثَنِّ بِإحْسانٍ وَأنْتَ حَميدُ فَيَوْمُكَ إنْ أعْتَبْتَهُ عادَ نَفْعُهُ … عَلَيْكَ وَماضي الأمْسِ لَيْسَ يَعودُ (٢) فَلا تُرْجِ فِعْلَ الخَيْرِ يَوْمًا إلى غَدٍ … لَعَلَّ غَدًا يَأْتي وَأنْتَ فَقيدُ وفي "تفسير عَبْدِ بن حُمَيْدٍ" وغيرِهِ مِن التَّفاسيرِ المسندةِ: عن الحَسَنِ، في قولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]، قالَ: مَن عَجَزَ بالليلِ؛ كانَ لهُ مِن أوَّلِ النَّهارِ مُسْتَعْتَبٌ، ومَن عَجَزَ بالنَّهارِ؛ كانَ لهُ مِن الليلِ مُسْتَعْتَبٌ. وعن قَتادَةَ: إنَّ المؤمنَ قد يَنْسى بالليلِ ويَذْكُرُ بالنَّهارِ ويَنْسى بالنَّهارِ ويَذْكُرُ

стр. 39

بالليلِ. قالَ: وجاءَ رجلٌ إلى سلْمانَ الفارِسيِّ فقالَ: إنِّي لا أسْتَطيعُ قيامَ الليلِ. قالَ لهُ: فلا تَعْجِزْ بالنَّهارِ. قالَ قَتادَةُ: فَأدُّوا إلى اللهِ مِن أعمالِكُم خيرًا (١) في هذا الليلِ والنَّهارِ؛ فإنَّهُما مَطِيَّتانِ تُقْحِمانِ النَّاسَ إلى آجالِهِم، تُقَرِّبانِ كلَّ بعيدِ، وتُبْلِيانِ كلَّ جديدٍ، وتَجيئانِ بكلِّ موعودٍ، إلى يومِ القيامةِ. • وقدِ اسْتَخَرْتُ الله تَعالى في أنْ أجْمَعَ في هذا الكتابِ وظائفَ شهورِ العام، وما يَخْتَصُّ بالشُّهورِ ومواسمِها مِن الطَّاعاتِ كالصَّلاةِ والصَّيام، والذِّكرِ والشُّكرِ وبَذْلِ الطَّعامِ وإفشاءِ السَّلام … وغيرِ ذلكَ مِن خصالِ البَرَرَةِ الكرام: لِيَكونَ ذلكَ عونًا لنفسي ولإخواني على التَّزوُّدِ للمعاد، والتَّأهُّبِ للموتِ قبلَ قدومِهِ والاستعداد، وأُفَوِّضُ أمري إلى اللهِ إنَّ الله بصيرٌ بالعباد. ويَكونَ أيضًا صالحًا لِمَن يُريدُ الانتصابَ للمواعظِ مِن المذكِّرين؛ فإنَّ مِن أفضلِ الأعمالِ عندَ اللهِ لِمَن أرادَ بهِ وجهَ اللهِ إيقاظَ الرَّاقدينَ وتنبيهَ الغافلين: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، ووَعَدَ مَن أمَرَ بصدقةٍ أو معروفِ يَبْتَغي بهِ وجهَهُ أجرًا عظيما، وأخْبَرَ نبيُّهُ ﷺ أن "مَن دَعا إلى هدًى؛ فلهُ مثلُ أجرِ مَن تَبِعَهُ" (٢) وكَفى بذلكَ فضلًا عميما. وقد جَعَلْتُ هذهِ الوظائفَ المتعلِّقةَ بالشُّهورِ مجالسَ مجالسَ، مرتَّبةً على ترتيبِ شهورِ السَّنةِ الهلاليَّةِ، فأبْدَأ بالمُحَرَّمِ وأخْتِمُ بذي الحِجَّةِ، وأذْكُرُ في كلِّ شهرٍ ما فيهِ مِن هذهِ الوظائفِ، وما لم يَكُنْ لهُ وظيفةٌ خاصَّةٌ لمْ أذْكُرْ فيهِ شيئًا. وخَتَمْتُ ذلكَ كلَّهُ بوظائفِ فصولِ السَّنةِ الشَّمسيَّةِ، وهيَ ثلاثةُ مجالِسَ في ذكرِ الرَّبيعِ والشِّتاءِ والصَّيفِ. وخَتَمْتُ الكتابَ كلَّهُ بمجلسٍ في التَّوبةِ والمبادرةِ بها قبلَ انقضاءِ العمرِ؛ فإنَّ التَّوبةَ وظيفةُ العمرِ كلِّهِ. وأبْدَأُ قبلَ ذكرِ وظائفِ الشُّهورِ بمجلسٍ في فضلِ التَّذكيرِ باللهِ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بعضِ ما في مجالسِ التَّذكيرِ مِن الفضلِ. وسمَّيْتُهُ "لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف". واللهُ المسؤولُ أنْ يَجْعَلَهُ خالصًا لوجهِهِ الكريم، ومقرِّبًا إليهِ وإلى دارِهِ دارِ السَّلامِ

стр. 40

والنَّعيمِ المقيم، وأنْ يَنْفَعَني بهِ وعبادَهُ المؤمنين، وأنْ يُوَفِّقَنا لِما يُحِبُّ ويَرْضى ويَخْتِمَ لَنا بخيرٍ في عافيةٍ؛ فإنَّهُ أكرمُ الأكرمينَ وأرحمُ الرَّاحمين، آمين. وهذا أوانُ الشُّروعِ فيما أرَدْناه والبداءةِ بالمجلسِ الأوَّلِ كما شَرَطْناه، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله (١). * * * * *
следующие страницы →