← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1151

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عامر

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (739 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وفي روايةٍ للطَّبَرانِيِّ مِن حديثِ مُحَمَّدِ بن مَسْلَمَةَ مرفوعًا: "إنَّ للهِ في أيَّامِ الدَّهرِ نفحاتٍ، فتَعَرَّضوا لها، فلَعَلَّ أحدَكُم أنْ تُصيبَهُ نفحةٌ فلا يَشْقى بعدَها أبدًا" (١). وفي "مسند الإمام أحْمَدَ": عن عُقْبَةَ بن عامِرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لَيْسَ مِن

стр. 37

عملِ يومٍ إلَّا يُخْتَمُ عليهِ" (١). ورَوى ابنُ أبي الدُّنْيا بإسنادِهِ عن مُجاهِدٍ، قالَ: ما مِن يومٍ إلَّا يَقولُ: ابنَ آدَمَ! قد دَخَلْتُ عليكَ اليومَ، ولنْ أرْجِعَ إليكَ بعدَ اليومِ، فانْظُرْ ماذا تَعْمَلُ فيَّ. فإذا انْقَضى؛ طَواهُ، ثمَّ يُخْتَمُ عليهِ فلا يُفَكُّ حتَّى يَكونَ اللهُ هوَ الذي يَفُضُّ ذلكَ الخاتَمَ يومَ القيامةِ، ويَقولُ اليومُ حينَ يَنْقَضي: الحمدُ للهِ الذي أراحَني مِن الدُّنيا وأهلِها. ولا ليلةٍ تَدْخُلُ على النَّاسِ إلَّا قالَتْ كذلكَ. وبإسنادِهِ عن مالِكِ بن دينارٍ؛ قالَ: كانَ عيسى ﵇ يَقولُ: إنَّ هذا الليلَ والنَّهارَ خزانتانِ، فانْظُروا ما تَضَعونَ فيهِما. وكانَ يَقولُ: اعْمَلوا الليلَ لِما خُلِقَ لهُ، واعْمَلوا النَّهارَ لِما خُلِقَ لهُ. وعنِ الحَسَن؛ قالَ: ليسَ يومٌ يَأْتي مِن أيَّامِ الدُّنيا إلَّا يَتكَلَّمُ يَقولُ: يا أيُّها النَّاسُ! إنِّي يومٌ جديدٌ، وإنِّي على ما يُعْمَلُ فيَّ شهيدٌ، وإنِّي لو قد غَرَبَتْ شمسي لمْ أرْجِعْ إليكُم إلى يومِ القيامةِ. وعنهُ أنَّهُ كانَ يَقولُ: يا ابنَ آدَمَ! اليومُ ضيفُكَ، والضيفُ مرتحلٌ، يَحْمَدُكَ أو يَذُمُّكَ، وكذلكَ الليلُ. وبإسنادِهِ عن بكرٍ المُزَنيِّ؛ أنَّهُ قالَ: ما مِن يومٍ أخْرَجَهُ اللهُ إلى أهلِ الدُّنيا إلَّا يُنادي: ابنَ آدَمَ! اغْتَنِمْني؛ لَعَلَّهُ لا يومَ لكَ بعدي. ولا ليلةٍ إلَّا تُنادي: ابنَ آدَمَ! اغْتَنِمْني؛ لَعَلَّهُ لا ليلةَ لكَ بعدي.

стр. 38

وعن عُمَرَ بن ذَرٍّ؛ أنَّهُ كانَ يَقولُ: اعْمَلوا لأنفسِكُم رَحِمَكُمُ اللهُ في هذا الليلِ وسوادِهِ؛ فإنَّ المغبونَ مَن غُبِنَ خيرَ الليلِ والنَّهارِ والمحرومَ مَن حُرِمَ خيرَهُما، إنَّما جُعِلا سبيلًا للمؤمنينَ إلى طاعةِ ربِّهِم ووبالًا على الآخرينَ للغفلةِ عن أنفسِهِم، فأحْيُوا للهِ أنفسَكُم بذكرِهِ؛ فإنَّما تَحْيا القلوبُ بذكرِ اللهِ . كم مِن قائمٍ للهِ في هذا الليلِ قدِ اغْتبَطَ بقيامِهِ في ظلمةِ حفرتِهِ! وكم مِن نائمٍ في هذا الليلِ قد نَدِمَ على طولِ نومِهِ عندَما يَرى مِن كرامةِ اللهِ للعابدينَ غدًا! فاغْتَنِموا ممرَّ السَّاعاتِ والليالي والأيَّامِ رَحِمَكُمُ اللهُ. وعن داوودَ الطَّائِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّما الليلُ والنَّهارُ مراحلُ، يَنْزِلُها النَّاسُ مرحلةً مرحلةً، حتَّى يَنْتَهِيَ بهِم ذلكَ إلى آخرِ سفرِهِم، فإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تُقَدِّمَ في كلِّ مرحلةٍ زادًا لِما بينَ يديها؛ فافْعَلْ؛ فإنَّ انقطاعَ السَّفرِ عن قريبٍ ما هوَ، والأمرُ أعجلُ مِن ذلك، فتَزَوَّدْ لسفرِك، واقْضِ ما أنتَ قاضٍ مِن أمرِك، فكأنَّكَ بالأمرِ قد بَغَتَك. قالَ ابنُ أبي الدُّنْيا: وأنْشَدَنا مَحْمودُ بنُ الحَسَنِ (١): مَضى أمْسُكَ الماضي شَهيدًا مُعَدَّلًا … وأعْقَبَهُ يَوْمٌ عَلَيْكَ جَديدُ فَإنْ كُنْتَ بِالأمْسِ اقْتَرَفْتَ إساءَةً … فَثَنِّ بِإحْسانٍ وَأنْتَ حَميدُ فَيَوْمُكَ إنْ أعْتَبْتَهُ عادَ نَفْعُهُ … عَلَيْكَ وَماضي الأمْسِ لَيْسَ يَعودُ (٢) فَلا تُرْجِ فِعْلَ الخَيْرِ يَوْمًا إلى غَدٍ … لَعَلَّ غَدًا يَأْتي وَأنْتَ فَقيدُ وفي "تفسير عَبْدِ بن حُمَيْدٍ" وغيرِهِ مِن التَّفاسيرِ المسندةِ: عن الحَسَنِ، في قولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]، قالَ: مَن عَجَزَ بالليلِ؛ كانَ لهُ مِن أوَّلِ النَّهارِ مُسْتَعْتَبٌ، ومَن عَجَزَ بالنَّهارِ؛ كانَ لهُ مِن الليلِ مُسْتَعْتَبٌ. وعن قَتادَةَ: إنَّ المؤمنَ قد يَنْسى بالليلِ ويَذْكُرُ بالنَّهارِ ويَنْسى بالنَّهارِ ويَذْكُرُ

стр. 39

بالليلِ. قالَ: وجاءَ رجلٌ إلى سلْمانَ الفارِسيِّ فقالَ: إنِّي لا أسْتَطيعُ قيامَ الليلِ. قالَ لهُ: فلا تَعْجِزْ بالنَّهارِ. قالَ قَتادَةُ: فَأدُّوا إلى اللهِ مِن أعمالِكُم خيرًا (١) في هذا الليلِ والنَّهارِ؛ فإنَّهُما مَطِيَّتانِ تُقْحِمانِ النَّاسَ إلى آجالِهِم، تُقَرِّبانِ كلَّ بعيدِ، وتُبْلِيانِ كلَّ جديدٍ، وتَجيئانِ بكلِّ موعودٍ، إلى يومِ القيامةِ. • وقدِ اسْتَخَرْتُ الله تَعالى في أنْ أجْمَعَ في هذا الكتابِ وظائفَ شهورِ العام، وما يَخْتَصُّ بالشُّهورِ ومواسمِها مِن الطَّاعاتِ كالصَّلاةِ والصَّيام، والذِّكرِ والشُّكرِ وبَذْلِ الطَّعامِ وإفشاءِ السَّلام … وغيرِ ذلكَ مِن خصالِ البَرَرَةِ الكرام: لِيَكونَ ذلكَ عونًا لنفسي ولإخواني على التَّزوُّدِ للمعاد، والتَّأهُّبِ للموتِ قبلَ قدومِهِ والاستعداد، وأُفَوِّضُ أمري إلى اللهِ إنَّ الله بصيرٌ بالعباد. ويَكونَ أيضًا صالحًا لِمَن يُريدُ الانتصابَ للمواعظِ مِن المذكِّرين؛ فإنَّ مِن أفضلِ الأعمالِ عندَ اللهِ لِمَن أرادَ بهِ وجهَ اللهِ إيقاظَ الرَّاقدينَ وتنبيهَ الغافلين: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، ووَعَدَ مَن أمَرَ بصدقةٍ أو معروفِ يَبْتَغي بهِ وجهَهُ أجرًا عظيما، وأخْبَرَ نبيُّهُ ﷺ أن "مَن دَعا إلى هدًى؛ فلهُ مثلُ أجرِ مَن تَبِعَهُ" (٢) وكَفى بذلكَ فضلًا عميما. وقد جَعَلْتُ هذهِ الوظائفَ المتعلِّقةَ بالشُّهورِ مجالسَ مجالسَ، مرتَّبةً على ترتيبِ شهورِ السَّنةِ الهلاليَّةِ، فأبْدَأ بالمُحَرَّمِ وأخْتِمُ بذي الحِجَّةِ، وأذْكُرُ في كلِّ شهرٍ ما فيهِ مِن هذهِ الوظائفِ، وما لم يَكُنْ لهُ وظيفةٌ خاصَّةٌ لمْ أذْكُرْ فيهِ شيئًا. وخَتَمْتُ ذلكَ كلَّهُ بوظائفِ فصولِ السَّنةِ الشَّمسيَّةِ، وهيَ ثلاثةُ مجالِسَ في ذكرِ الرَّبيعِ والشِّتاءِ والصَّيفِ. وخَتَمْتُ الكتابَ كلَّهُ بمجلسٍ في التَّوبةِ والمبادرةِ بها قبلَ انقضاءِ العمرِ؛ فإنَّ التَّوبةَ وظيفةُ العمرِ كلِّهِ. وأبْدَأُ قبلَ ذكرِ وظائفِ الشُّهورِ بمجلسٍ في فضلِ التَّذكيرِ باللهِ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بعضِ ما في مجالسِ التَّذكيرِ مِن الفضلِ. وسمَّيْتُهُ "لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف". واللهُ المسؤولُ أنْ يَجْعَلَهُ خالصًا لوجهِهِ الكريم، ومقرِّبًا إليهِ وإلى دارِهِ دارِ السَّلامِ

стр. 40

والنَّعيمِ المقيم، وأنْ يَنْفَعَني بهِ وعبادَهُ المؤمنين، وأنْ يُوَفِّقَنا لِما يُحِبُّ ويَرْضى ويَخْتِمَ لَنا بخيرٍ في عافيةٍ؛ فإنَّهُ أكرمُ الأكرمينَ وأرحمُ الرَّاحمين، آمين. وهذا أوانُ الشُّروعِ فيما أرَدْناه والبداءةِ بالمجلسِ الأوَّلِ كما شَرَطْناه، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله (١). * * * * *

стр. 41

مجلس في فضل التذكير بالله ومجالس الوعظ خَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابنُ حِبَّانَ في "صحيحه" مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁؛ قالَ: قُلْنا: يا رسولَ اللهِ! ما لَنا إذا كُنَّا عندَكَ رَقَّتْ قلوبُنا وزَهِدْنا في الدُّنيا وكنَّا مِن أهلِ الآخرةِ، فإذا خَرَجْنا مِن عندِكَ فآنَسْنا أهلَنا (١) وشَمَمْنا أولادَنا أنْكَرْنا أنفُسَنا؟! فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "لو أنَّكم إذا خَرَجْتُمْ مِنْ عِنْدي كُنْتُم على حالِكُم ذلِكُم؛ لَزارَتْكُمُ الملائكةُ في بيوتِكُم. ولو لمْ تُذْنِبوا لَجاءَ اللهُ بخلقٍ جديدٍ حتَّى يُذْنِبوا فيَغْفِرَ لهُم". قلتُ: يا رسولَ اللهِ! ممَّ خُلِقَ الخلقُ؟ قالَ: "مِن الماءِ". قُلْتُ: الجنَّةُ ما بناؤُها (٢)؟ قالَ: "لَبِنَةٌ مِن ذهب ولَبِنَةٌ مِن فضَّةٍ، ومِلاطُها المسكُ الأذفرُ، وحصباؤُها اللؤلؤُ والياقوتُ، وتربتُها الزَّعفرانُ، مَن يَدْخُلُها يَنْعَمُ لا يَبْأسُ ويَخْلُدُ لا يَموتُ، لا تَبْلى ثيابُهُم ولا يَفْنى شبابُهُم" (٣).

стр. 42

• كانَتْ مجالسُ النَّبيِّ ﷺ معَ أصحابِهِ عامَّتُها مجالسَ تذكيرٍ باللهِ وترغيبٍ وترهيبٍ: إمَّا بتلاوةِ القرآنِ، أو بما آتاهُ اللهُ مِن الحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وتعليمِ ما يَنْفَعُ في الدِّينِ. كما أمَرَهُ اللهُ تَعالى في كتابهِ أنْ يُذَكِّرَ ويَعِظَ ويَقُصَّ، وأنْ يَدْعُوَ إلى سبيلِ ربِّهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، وأنْ يُبَشِّرَ ويُنْذِرَ. وسَمَّاهُ اللهُ مبشِّرًا ونذيرًا وداعيًا إلى اللهِ. والتَّبشيرُ والإنذارُ هوَ التَّرغيبُ والتَّرهيبُ، فلذلكَ كانَتْ تلكَ المجالسُ تُوجِبُ لأصحابِهِ - كما ذَكَرَ أبو هُرَيْرَةَ في هذا الحديثِ - رقَّةَ القلوبِ؛ والزُّهدَ في الدُّنيا والرَّغبةَ في الآخرةِ. * فأمَّا رقَّةُ القلوبِ؛ فتَنْشَأُ عن الذِّكْرِ؛ فإنَّ ذكرَ اللهِ يوجِبُ خشوعَ القلبِ وصلاحَهُ ورقَّتَهُ ويَذْهَبُ [بـ]ـــالغفلةِ عنهُ: قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. وقالَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]. وَقالَ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ. الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحجّ: ٣٥ - ٣٤]. وقالَ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا

стр. 43

﴿يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]. وَقالَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. وَقالَ العِرْباضُ بنُ سارِتةَ: وَعَظَنا رسولُ اللهِ ﷺ موعظةً بليغةً وَجِلَتْ مِنها القلوبُ وذَرَفَتْ مِنها العيونُ (١). وقالَ ابنُ مَسْعودٍ: نِعْمَ المجلسُ المجلسُ الذي تُنْشَرُ فيهِ الحكمةُ وتُرْجى فيهِ الرَّحمةُ؛ مجلسُ الذِّكرِ (٢). وشَكا رجلٌ إلى الحَسَنِ قساوةَ قلبِهِ فقالَ: أدْنِهِ مِن الذِّكرِ. وقالَ: مجالسُ الذِّكرِ مَحْياةُ العلمِ وتُحْدِثُ في القلبِ الخشوعَ. القلوبُ الميِّتةُ تَحْيا بالذِّكرِ كما تَحْيا الأرضُ المَيْتةُ بالقَطْرِ. بِذِكْرِ اللهِ تَرْتاحُ القُلوبُ … ودُنْيانا بِذِكْراهُ تَطيبُ * وأمَّا الزُّهدُ في الدُّنيا والرَّغبةُ في الآخرةِ؛ فبما يَحْصُلُ في مجالسِ الذِّكرِ: مِن

стр. 44

ذكرِ عيوبِ الدُّنيا وذمِّها والتَّزهيدِ فيها، وذكرِ فضلِ الجنَّةِ ومدحِها والتَّرغيبِ فيها، وذكرِ النَّارِ وأهوالِها والتَّرهيب مِنها. وفي مجالسِ الذِّكرِ تتَنَزَّلُ الرَّحمةُ وتَغْشى السَّكينةُ وتَحُفُّ الملائكةُ ويَذْكُرُ اللهُ أهلَها فيمَن عندَهُ (١). وهمُ القومُ لا يَشْقى بهِم جليسُهُم: فربَّما رُحِمَ معَهُم مَن جَلَسَ إليهِم وإنْ كانَ مذنبًا، وربَّما بَكى فيهِم باكٍ مِن خشيةِ اللهِ فوُهِبَ أهلُ المجلسِ كلُّهُم لهُ. وهيَ رياضُ الجنَّةِ؛ قالَ النَّبيُّ ﷺ : "إذا مَرَرْتُمْ برياضِ الجنَّةِ فارْتَعُوا". قالوا: وما رياضُ الجنَّةِ؟ قالَ: "مجالسُ الذّكرِ" (٢).

стр. 45

• فإذا انْقَضى مجلسُ الذِّكرِ؛ فأهلُهُ بعدَ ذلكَ على أقسامٍ: * فمنهُم مَن يَرْجِعُ إلى هواهُ فلا يَتَعَلَّقُ بشيءٍ ممَّا سَمِعَهُ في مجلسِ الذِّكرِ ولا يَزْدادُ هدًى ولا يَرْتَدعُ عن ردًى. هؤلاءِ شرُّ الأقسامِ، ويَكونُ ما سَمِعوهُ حُجَّةً عليهِم فتَزْدادُ بهِ عقوبتُهُم (١)، وهؤلاءِ الظَّالمونَ لأنفسِهِم، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ

стр. 46

وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨]. * ومنهُم مَن يَنْتَفعُ بِما سَمِعَهُ. وهُم على أقسامٍ: فمِنْهُم مَن يَرُدُّهُ ما سَمِعَهُ عن المحرَّماتِ ويُوجبُ لهُ التزامَ الواجباتِ، وهؤلاءِ المقتصدونَ أصحابُ اليمينِ. ومنهُم مَن يَرْتَقي عن ذَلكَ إلى التَّشميرِ في نوافلِ الطَّاعات والتَّورُّعِ عَن دقائقِ المكروهات ويَشْتاقُ إلى اتِّباعِ آثارِ مَن سَلَفَ مِن السَّادات، وهؤلاءِ السابقونَ المقرَّبونَ. • ويَنْقَسِمُ المنتفعونَ بسماعِ مجلسِ الذكرِ في استحضارِ ما سَمِعوهُ (١) في المجلسِ والغفلةِ عنهُ إلى أقسامٍ ثلاثةٍ: • فقسمٌ يَرْجِعونَ إلى مصالحِ دنياهُمُ المباحةِ فيَشْتَغِلونَ بها فتَذْهَلُ بذلكَ قلوبُهُم عمَّا كانوا يَجِدونَهُ في مجلسِ الذِّكرِ مِنِ استحضارِ عظمةِ اللهِ وجلالِهِ وكبريائِهِ ووعدِهِ ووعيدِهِ وثوابِهِ وعقابِهِ، وهذا هوَ الذي شَكاهُ الصَّحابةُ إلى النَّبيِّ ﷺ وخَشُوا - لكمالِ معرفتِهِم وشدَّةِ خوفِهِم - أنْ يَكونَ نفاقًا، فأعْلَمَهُمُ النَّبيُّ ﷺ أنَّهُ ليسَ بنفاقٍ. وفي "صحيح مسلم" (٢): عن حَنْظَلَةَ؛ أنَّهُ قالَ: يا رسولَ اللهِ! نافَقَ حَنْظَلَةُ. قالَ: "وما ذاكَ؟ ". قالَ: نَكونُ عندَكَ فتُذَكِّرُنا بالجنَّةِ والنَّارِ كأنَّهُما رَأْيُ عينٍ، فإذا رَجَعْنا مِن عندِكَ؛ عافَسْنا (٣) الأزواجَ والضَّيْعَةَ ونَسِينا كثيرًا. فقالَ: "لو تَدومونَ على الحالِ التي تَقومونَ بِها مِن عندي؛ لَصافَحَتكُمُ الملائكةُ في مجالسِكُم وفي طرقِكُم، ولكنْ يا حَنْظَلَةُ! ساعةً وساعةً". وفي روايةٍ لهُ أيضًا: "لَو كانَتْ تكونُ قلوبُكُم كَما تَكونُ عندَ الذِّكرِ؛ لَصافَحَتْكُمُ الملائكةُ حتَّى تُسَلِّمَ عليكُمْ في الطُّرفِ". ومعنى هذا أن استحضارَ ذكرِ الآخرةِ بالقلبِ في جميعِ الأحوالِ عزيزٌ جدًّا، ولا يَقْدِرُ كثيرٌ مِن النَّاسِ أو أكثرُهُم عليهِ، فيُكْتَفى منهُم بذكرِ ذلكَ أحيانًا وإنْ وَقَعَتِ الغفلةُ عنهُ في حالِ التَّلبُّسِ بمصالحِ الدُّنيا المباحةِ. ولكنَّ المؤمنَ لا يَرْضى مِن نفسِهِ بذلكَ، بل يَلومُ نفسَهُ عليهِ ويَحْزُنُهُ ذلكَ من نفسِهِ.

стр. 47

العارفُ يَتَأسَّفُ في وقتِ الكدرِ على زمنِ الصَّفاء، ويَحِنُّ إلى زمنِ القربِ والوصالِ في حالةِ الجفاء. ما أذْكُرُ عَيْشَنا الَّذي قَدْ سَلَفا … إلَّا وَجَفَ القَلْبُ وَكَمْ قَدْ وَجَفا واهًا لِزَمانِنا الَّذي كانَ صَفا … واأسَفا وَهَلْ يَرُدُّ فائتًا واأسَفا (١) * وقسمٌ آخرُ يَسْتَمِرُّونَ على استحضارِ حالِ مجلسِ سماعِ الذِّكرِ، فلا يَزالُ تذكُّرُ ذلكَ بقلوبِهِم ملازمًا لهُم، وهؤلاء على قسمينِ: أحدُهُما: مَن يَشْغَلُهُ ذلكَ عن مصالحِ دنياهُ المباحةِ، فيَنْقَطعُ عن الخلقِ فلا يَقْوى على مخالطتِهِم ولا القيامِ بوفاءِ حقوقِهِم. وكانَ كثيرٌ مِن السَّلفِ (٢) على هذهِ الحالِ: فمنهُم مَن كانَ لا يَضْحَكُ، ومنهُم مَن كانَ يَقولُ: لو فارَقَ ذكرُ الموتِ قلبي ساعةً؛ لفَسَدَ. والثَّاني: مَن يَسْتَحْضِرُ ذكرَ اللهِ وعظمتَهُ وثوابَهُ وعقابَهُ بقلبِهِ، ويَدْخُلُ ببدنِهِ في مصالحِ دنياهُ مِنِ اكتسابِ الحلالِ والقيامِ على العيالِ، ويُخالِطُ الخلقَ فيما يُوصِلُ إليهِم بهِ النَّفعَ ممَّا هوَ عبادةٌ في نفسِهِ، كتعليمِ العلمِ والجهادِ والأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكرِ. وهؤلاء أشرفُ القسمينِ، وهُم خلفاءُ الرُّسلِ، وهمُ الذينَ قالَ فيهِم عَلِيٌّ ﵁: صَحِبوا الدُّنيا بأبدانٍ أرواحُها معلَّقةٌ بالمحلِّ الأعلى (٣). وقد كانَ حالُ النَّبيِّ ﷺ عندَ الذِّكرِ يَتَغَيَّرُ ثمَ يَرْجِعُ بعدَ انقضائِهِ إلى مخالطةِ النَّاسِ والقيامِ بحقوقِهِم: ففي "مسند البزَّار" و "معجم الطَّبرانيِّ": عن جابرٍ؛ قالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا نَزَلَ عليهِ الوحيُ؛ قلتَ: نذيرُ قومٍ، فإذا سُرِّيَ عنهُ؛ فأكثرُ النَّاسِ ضحكًا وأحسنُهُم خُلُقًا (٤).

стр. 48

وفي "مسند الإمام أحمد": عن عَلِيٍّ أوِ الزُّبَيْرِ؛ قالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ يَخْطُبُنا فيُذَكِّرُنا بأيَّامِ اللهِ حتى يُعْرَفَ ذلكَ في وجهِهِ، وكأنَّهُ نذيرُ جيشٍ يُصَبِّحُهُمُ الأمرُ غُدوةً. وكانَ إذا كانَ حديثَ عهدٍ بجبْريلَ لمْ يَتبَسَّمْ ضاحكًا حتى يَرْتَفعَ عنهُ (١). وفي "صحيح مسلم" (٢): عن جابرٍ ﵁؛ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا خَطبَ [وذَكَرَ السَّاعةَ] اشْتَدَّ غضبُهُ وعَلا صوتُهُ كأنَّهُ منذرُ جيشٍ تقولُ صَبَّحَكُمْ ومَسَّاكُمْ. وفي الصَّحيحين (٣): عن عَدِيِّ بن حاتِمٍ؛ أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: "اتَّقُوا النَّارَ". قالَ: وأشاحَ. ثمَّ قالَ: "اتَّقُوا النَّارَ". ثمَّ أعْرَضَ وأشاحَ. ثلاثًا. حتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ يَنْظُرُ إليها. ثمَّ قالَ: "اتَّقُوا النَّارَ ولو بشِقِّ تمرةٍ، فمَن لم يَجِدْ؛ فبكلمةٍ طيِّبةٍ". وسُئِلَتْ عائِشَةُ ﵂: كيفَ كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا خَلا معَ نسائِهِ؟ قالَتْ: كانَ كرجلٍ مِن رجالِكُم؛ إلَّا أنَّهُ كانَ أكرمَ النَّاسِ وأحسنَ النَّاسِ خُلُقًا، وكانَ ضحَّاكًا بسَّامًا (٤).

стр. 49

فهذِهِ الطَّبقةُ خلفاءُ الرُّسلِ؛ عامَلوا الله بقلوبِهِم، وعاشَروا الخَلْقَ بأبدانِهِم، كما قالَتْ رابِعَةُ: وَلَقَدْ جَعَلْتُكَ في الفُؤادِ مُحَدِّثي … وَأبَحْتُ جِسْمِيَ مَنْ أرادَ جُلوسي فَالجِسْمُ مِنِّي لِلْجَليسِ مُؤانِسٌ … وَحَبيبُ قَلْبِيَ في الفُؤادِ أنيسي • المواعظُ سياطٌ تُضْرَبُ بها القلوبُ فتُؤَثِّرُ فيها كتأْثيرِ السِّياطِ في البدنِ، والضَّربُ لا يُؤَثِّرُ بعدَ انقضائِهِ كتأْثيرِهِ في حالِ وجودِهِ، لكنْ يَبْقى أثرُ التَّألُّمِ بحسبِ قوَّتهِ وضعفِهِ، فكلَّما قَوِيَ الضَّرْبُ؛ كانَتْ مدَّةُ بقاءِ الألمِ أكثرَ. كانَ كثيرٌ مِن السَّلفِ إذا خَرَجوا مِن مجلسِ سماعِ الذِّكرِ خَرَجوا وعليهِمُ السَّكينةُ والوَقارُ: فمنهُم مَن كانَ لا يَسْتَطيعُ أنْ يَأْكُلَ طعامًا عَقيبَ ذلكَ، ومِنهم مَن كانَ يَعْمَلُ بمقتضى ما سَمِعَهُ مدَّةً. أفضلُ الصَّدقةِ تعليمُ جاهلٍ أو إيقاظُ غافلٍ. ما وُصِلَ المُسْتَثْقِلُ في نومِ (١) الغفلةِ بأفضلَ مِن ضربِهِ بسياطِ الموعظةِ لِيَسْتَيْقِظَ. المواعظُ كالسِّياطِ تَقَعُ على نِياطِ القلوبِ: فمَن آلَمَتْهُ فصاحَ؛ فلا جُناح، ومَن زادَ ألمُهُ فماتَ؛ فدمُهُ مباح. قَضَى اللهُ في القَتْلى قِصاصَ دِمائِهِمْ … وَلكِنْ دِماءُ العاشِقينَ جُبارُ (٢) وَعَظَ عَبْدُ الواحِدِ بنُ زَيْدٍ [يومًا]، فصاحَ رجلٌ: يا أبا عُبَيْدَةَ! كُفَّ! فقدْ كَشَفْتَ [بـ]ـالموعظةِ قناعَ قلبي. فأتَمَّ عَبْدُ الواحِدِ موعظتَهُ، فماتَ الرَّجلُ. صاحَ رجلٌ في حلْقةِ الشِّبْلِيِّ فماتَ، فاسْتَعْدى أهلُهُ على الشِّبْلِيِّ إلى الخليفةِ، فقالَ الشِّبْلِيُّ: نفسٌ رَنَتْ فحَنَّتْ، فدُعِيَتْ فأجابَتْ، فما ذنبُ الشِّبْلِيِّ (٣)؟

стр. 50

فَكَّرَ في أفْعالِهِ ثُمَّ صاحْ … لا خَيْرَ في الحُبِّ بِغَيْرِ افْتِضاحْ قَدْ جِئْتكُمْ مُسْتَأْمِنًا فَأرْحَموا … لا تَقْتُلوني قَدْ رَمَيْتُ السِّلاحْ إنَّما يَصْلُحُ التَّأديبُ بالسَّوطِ مِن صحيحِ البدنِ ثابتِ القلبِ قويِّ الذِّراعينِ، فيُؤْلِمُ ضربُهُ، فيَرْدَعُ. فأمَّا مَن هوَ سَقيمُ البدنِ لا قوَّةَ لهُ؛ فماذا يَنْفَعُ تأْديبُهُ بالضَّربِ؟! كانَ الحَسَنُ إذا خَرَجَ إلى النَّاسِ فكأنَّهُ رجلٌ عايَنَ الآخرةَ ثمَّ جاءَ يُخْبِرُ عنها، وكانوا إذا خَرَجوا مِن عندِهِ؛ خَرَجوا وهُم لا يَعُدُّونَ الدُّنيا شيئًا. وكانَ سُفْيانُ يُتَعَزَّى بمجالسِهِ عن الدُّنيا. وكانَ أحْمَدُ لا تُذْكَرُ الدُّنيا في مجلسِهِ ولا تُذْكَرُ عندَهُ. قالَ بعضُهُم: لا تَنْفَعُ الموعظةُ إلَّا إذا خَرَجَتْ مِن القلبِ؛ فإنَّها تَصِلُ إلى القلبِ، فأمَّا إذا خَرَجَتْ مِن اللسانِ؛ فإنَّها تَدْخُلُ مِن الأذنِ ثمَّ تَخْرُجُ مِن الأخرى. قالَ بعضُ السَّلفِ: إنَّ العالِمَ إذا لمْ يُرِدْ بموعظتِهِ وجهَ اللهِ؛ زَلَّتْ موعظتُهُ عن القلوبِ كما يَزِلُّ القَطْرُ عن الصَّفا. كانَ يَحْيى بنُ مُعاذٍ يُنْشِدُ في مجالسِهِ: مَواعِظُ الواعِظِ لَنْ تُقْبَلا … حَتَّى يَعِيَها قَلْبُهُ أوَّلا يا قَوْمِ مَنْ أظْلَمُ مِنْ واعِظٍ … خالَفَ ما قَدْ قالَهُ في المَلا أظْهَرَ بَيْنَ النَّاسِ إحْسانَهُ … وَبارَزَ الرَّحْمنَ لَمَّا خَلا العالمُ الذي لا يَعْمَلُ بعلمِهِ مَثَلُهُ كمَثَلِ المصباحِ يُضيءُ للنَّاسِ ويُحْرِقُ نفسَهُ. قالَ أبو العَتاهِيَةِ: وَبَّخْتَ غَيْرَكَ بِالعَمى فَأفَدْتَهُ … بَصَرًا وَأنْتَ مُحَسِّنٌ لِعَماكا وَفَتيلَةُ المِصْباحِ تُحْرِقُ نَفْسَها … وَتُضيءُ لِلأعْشى وَأنْتَ كَذاكا المواعظُ دِرياقُ (١) الذُّنوبِ، فلا يَنْبَغي أنْ يَسْقِيَ الدِّرياقَ إلَّا طبيبٌ حاذقٌ معافى،

стр. 51

فأمَّا لَديغُ الهوى؛ فهوَ إلى شربِ الدِّرياقِ أحوجُ مِن أنْ يَسْقِيَهُ لغيرِهِ. في بعضِ الكتبِ السَّالفةِ: إذا أرَدْتَ أنْ تَعِظَ النَّاسَ؛ فعِظْ نفسَكَ، فإنِ اتَّعَظَتْ، وَإلَّا؛ فاسْتَحْيِ مِنِّي. وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالتُّقى … طَبيبٌ يُداوِي النَّاسَ وَهْوَ سَقيمُ (١) يا أيُّها الرَّجُلُ المُقَوِّمُ غَيْرَهُ … هَلَّا لِنَفْسِكَ كانَ ذا التَّقْويمُ (٢) فَابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَها عَنْ غَيِّها … فَإنِ انْتَهَتْ عَنْهُ فَأنْتَ حَكيمُ فَهُناكَ يُقْبَلُ ما تَقولُ وَيُقْتَدى … بِالقَوْلِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْليمُ لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ … عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظيمُ لمَّا جَلَسَ عَبْدُ الواحِدِ بنُ زَيْدٍ للوعظِ؛ أتَتْهُ امرأةٌ مِن الصَّالحاتِ فأنْشَدَتْهُ: يا واعِظًا قامَ لاحْتِسابٍ … يَزْجُرُ قَوْمًا عَنِ الذُّنوبِ تَنْهى وَأنْتَ المُريبُ حقًّا … هذا مِنَ المُنكَرِ العَجيبِ لَوْ كُنْتَ أصْلَحْتَ قَبْلَ هذا … عَيْبَكَ أوْ تُبْتَ مِنْ قَريبِ كانَ لِما قُلْتَ يا حَبيبي … مَوْقِعُ صِدْقٍ مِنَ القُلوبِ تَنْهى عَنِ الغَيِّ وَالتَّمادي … وَأنْتَ في النَّهْيِ كَالمُريبِ لمَّا حاسَبَ المتَّقونَ أنفسَهُم؛ خافوا مِن عاقبةِ الوعظِ والتَّذكيرِ. قالَ رجلٌ لابنِ عَبَّاسٍ: أريدُ أنْ آمُرَ بالمعروفِ وأنْهى عن المنكر. فقالَ لهُ: إنْ لمْ تَخْشَ أنْ تَفْضَحَكَ هذهِ الآياتُ الثَّلاثُ؛ فافْعَلْ، وإلَّا؛ فأبْدَأْ بنفسِكَ. ثمَّ تَلا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، وقولَهُ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]. وقولَهُ حكايةً عن شُعَيْبٍ ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 52

قالَ النَّخَعِيُّ: كانوا يَكْرَهونَ القَصَصَ لهذهِ الآياتِ الثَّلاثِ. قيلَ لمُوَرِّقٍ العِجْلِيِّ (١): ألا تَعِظُ أصْحابَكَ؟ قال: أكْرَهُ أنْ أقول ما لا أفْعَلُ. تَقَدَّمَ بعضُ الصَّالحينَ لِيُصَلِّي بالنَّاسِ إمامًا، فالْتَفَتَ إلى المأْمومينَ يُعَدِّل الصُّفوفَ وقال: اسْتَوُوا! فغُشِيَ عليهِ، فسُئِلَ عن سببِ ذلكَ، فقال: لمَّا قُلْتُ لهُمُ: اسْتَقيموا؛ فَكَّرْتُ في نفسي فقُلْتُ لَها: فأنتِ، هلِ اسْتَقَمْتِ معَ اللهِ طرفةَ عينٍ (٢)؟ ما كُلُّ مَنْ وَصَفَ الدَّوا يَسْتَعْمِلُهْ … وَلا كُلُّ مَنْ وَصَفَ التُّقى [هُوَ] ذو تُقى (٣) وَصَفْتُ التُّقى حَتَّى كَأنِّيَ ذو تُقى … وَريحُ الخَطايا مِن ثِيابِيَ تَسْطَعُ ومعَ هذا كلِّهِ فلا بُدَّ للنَّاسِ مِن الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكرِ والوعظِ والتَّذكيرِ، ولو لمْ يَعِظِ النَّاسَ إلَّا معصومٌ مِن الزَّللِ؛ لمْ يَعِظْ بعدَ رسول اللهِ ﷺ أحدٌ؛ لأنَّهُ لا عصمةَ لأحدٍ بعدَهُ. لَئِنْ لَمْ يَعِظِ العاصِينَ مَنْ هُوَ مُذْنِبُ … فَمَنْ يَعِظُ العاصِينَ بَعْدَ مُحَمَّدِ (٤) ورَوى ابنُ أبي الدُّنيا بإسناد فيهِ ضعفٌ: عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "مُروا بالمعروفِ وإنْ لمْ تَعْمَلوا بهِ كلِّهِ، وانْهَوْا عن المنكرِ وإنْ لمْ تَنْتَهوا عنهُ كلِّهِ" (٥).

стр. 53

وقيلَ للحَسَن: إنَّ فلانًا لا يَعِظُ وتقولُ: أخافُ أنْ أقولَ ما لا أفْعَلُ. [فـ]ـقالَ الحَسَنُ: وأيُّنا يَفْعَلُ ما يَقولُ؟! وَدَّ الشَّيطانُ أنَّهُ قدْ ظَفِرَ بهذا فلمْ يَأْمُرْ أحدٌ بمعروفٍ ولمْ يَنْهَ عن منكرٍ. وقال مالِكٌ: عن رَبيعَةَ، قال سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: لو كانَ المرءُ لا يَأْمُرُ بالمعروفِ ولا يَنْهى عن المنكرِ حتَّى لا يَكونَ فيهِ شيءٌ؟ ما أمَرَ أحدٌ بمعروفٍ ولا نَهى عن منكرٍ. قال مالِكٌ: وصَدَقَ، ومَن [ذا] الذي ليسَ فيهِ شيءٌ؟! مَنْ ذا الَّذي ما ساءَ قَطْ … وَمَنْ لَهُ الحُسْنى فَقَطْ (١) خَطَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ ﵀ يومًا، فقال في موعظتِهِ: إنِّي لأقولُ هذهِ المقالةَ وما أعْلَمُ عندَ أحدٍ مِن الذُّنوبِ أكثرَ ممَّا أعْلَمُ عندي، فأسْتَغْفِرُ الله وأتوبُ إليهِ. وكَتَبَ إلى بعضِ نوَّابِهِ على بعضِ الأمصارِ كتابًا يَعِظُهُ فيهِ فقال في آخرِهِ: وإنِّي لأعِظُكَ بهذا، وإنِّي لكثيرُ الإسرافِ على نفسي، غيرُ مُحْكِمٍ لكثيرٍ مِن أمري، ولو أن المرءَ لا يَعِظُ أخاهُ حتَّى يُحْكِمَ نفسَهُ؛ إذًا لتَواكَلَ النَّاسُ الخيرَ (٢)، وإذا لَرُفعَ الأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المنكرِ، وإذًا لاسْتُحِلَّتِ المحارمُ وقَلَّ الواعظونَ والسَّاعون للهِ بالنَّصيحةِ في الأرضِ، والشَّيطانُ وأعوانُهُ يَوَدُّونَ أنْ لا يَأمُرَ أحدٌ بمعروفٍ ولا يَنْهى عن منكرٍ، وإذا أمَرَهُمْ أحدٌ أو نَهاهُمْ؛ عابوهُ بما فيهِ وبما ليسَ فيهِ، كما قيلَ: وَأُعْلِنَتِ الفَواحِشُ في البَوادي … وَصارَ النَّاسُ أعْوانَ المُريبِ إذا ما عِبْتُهُمْ عابوا مَقالي … لِما في القَوْمِ مِنْ تِلْكَ العُيوبِ وَوَدُّوا لَوْ كَفَفْنا فَاسْتَوَيْنا … فَصارَ النَّاسُ كَالشَّيْءِ المَشوبِ وَكُنَّا نَسْتَطِبُّ إذا مَرِضْنا … فَصارَ هَلاكُنا بِيَدِ الطَّبيبِ كانَ بعضُ العلماءِ المشهورينَ لهُ مجلسٌ للوعظِ، فجَلَسَ فيهِ يومًا، فنَظَرَ إلى مَن

стр. 54

حولَهُ - وهُم خلقٌ كثيرٌ وما منهُم إلَّا مَن قد رَقَّ قلبُهُ أو دَمَعَتْ عينُهُ -، فقالَ لنفسِهِ فيما بينَهُ وبينَها: كيفَ بكِ إنْ نَجا هؤلاءِ وهَلَكْتِ أنتِ؟ ثمَّ قالَ في نفسِهِ: اللهمَّ! إنْ قَضَيْتَ عليَّ غدًا بالعذابِ؛ فلا تُعْلِمْ هؤلاءِ بعذابي؛ صيانةً لكرمِكَ لا لأجلي؛ لئلَّا يُقالَ: عَذَّبَ مَن كانَ في الدُّنيا يَدُلُّ عليهِ. إلهي! قدْ قيلَ لنبيِّكَ ﷺ : اقْتُلِ ابنَ أبيٍّ المنافقَ! فقالَ: "لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أن مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصحابَهُ" (١)، فامْتَنَعَ مِن عقابِهِ لمَّا كانَ في الظَّاهرِ يُنْسَبُ إليهِ، وأنا على كلِّ حالٍ فإليكَ أُنْسَبُ. زَوَّرَ رجلٌ شفاعةً إلى بعضِ الملوكِ على لسانِ بعضِ أكابرِ الدَّولةِ، فاطَّلَعَ المزوَّرُ عليهِ على الحالِ، فسَعى عندَ الملكِ في قضاءِ تلكَ الحاجةِ واجْتَهَدَ حتَّى قُضِيَتْ، ثمَّ قالَ للمزوِّرِ عليهِ: ما كنَّا نُخَيِّبُ مَن عَلَّقَ أملَهُ بنا ورَجا النَّفعَ مِن جهتِنا. إلهي! فأنتَ أكرمُ الأكرمين وأرحمُ الرَّاحمين، فلا تُخَيِّبْ مَن عَلَّقَ أملَهُ ورجاءَهُ بكَ وانْتَسَبَ إليكَ ودَعا عبادَكَ إلى بابِكَ، و [إنْ] كانَ متطفِّلًا على كرمِكَ ولمْ يَكُنْ أهلًا للسَّمسرةِ بينَكَ وبينَ عبادِكَ، لكنَّـ[ـهُ]، طَمعَ في سعةِ جودِكَ وكرمِكَ، فأنتَ أهلُ الجودِ والكرمِ، وربَّما اسْتَحْيا الكريمُ مِن رَدِّ مَن تَطَفَّلَ على سِماطِ كرمِهِ. إنْ كُنْتُ لا أصْلُحُ لِلْقُرْبِ … فَشَأْنكُمْ صَفْح عَنِ الذَّنْبِ • وقولُهُ ﷺ : "لو لمْ تذْنِبوا؛ لجاءَ اللهُ بخلقٍ جديدٍ حتَّى يُذْنِبوا فيَغْفِرَ لهُم": وخَرَّجَهُ مُسْلِمٌ (٢) مِن وجهٍ آخرَ: عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لو لمْ تُذْنِبوا؛ لَذَهَبَ اللهُ بكم، ثمَّ جاءَ بقومٍ يُذْنِبونَ ثمَّ يَسْتَغْفِرونَ فيَغْفِرُ لهُم". ومِن حديثِ: أبي أيُّوبَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ [قالَ]: "لولا أنَّكُم تُذْنِبونَ؛ لَخَلَقَ اللهُ خلقًا يُذْنِبونَ، ثمَّ يَغْفِرُ لهُم". وفي رواية [لهُ] أيضًا: "لو لمْ يَكُنْ لكُم ذنوبٌ يَغْفِرُها اللهُ؛ لَجاءَ اللهُ بقومٍ لهُم ذنوبٌ، فيَغْفِرُها لهُم" (٣).

стр. 55

والمرادُ بهذا أنَّ للهِ حكمةً في إلقاءِ الغفلةِ على قلوبِ عبادِهِ أحيانًا حتَّى يَقَعَ مِنهم بعضُ الذُّنوبِ؛ فإنَّهُ لوِ اسْتَمَرَّ [تْ] لهُمُ اليقظةُ التي يكونونَ عليها في حالِ سماعِ الذِّكرِ؛ لَما وَقَعَ منهُم ذنبٌ. وفي إيقاعِهِم في الذُّنوبِ أحيانًا فائدتانِ عظيمتانِ (١): إحداهما: اعترافُ المذنبينَ بذنوبِهِم وتقصيرِهِم في حقِّ مولاهُم وتنكيسُ رؤوسِ عُجْبِهِم، وهذا أحَبُّ إلى اللهِ مِن فعلِ كثيرٍ مِن الطَّاعاتِ؛ فإنَّ دوامَ الطَّاعاتِ قدْ يوجِبُ لصاحبِها العُجْبَ. وفي الحديثِ: "لو لمْ تُذْنِبوا؛ لَخَشِيتُ عليكُم ما هوَ أشدُّ مِن ذلكَ؛ العُجْبَ" (٢). قالَ الحَسَن: لو أن ابنَ آدمَ كلَّما قالَ أصابَ وكلَّما عَمِلَ أحْسَنَ؛ أوْشَكَ أنْ يُجَنَّ مِن العُجْبِ. قالَ بعضُهُم: ذنبٌ أفْتَقِرُ بهِ إليهِ أحَبُّ إليَّ مِن طاعةٍ أدلُّ بها عليهِ. أنينُ المذنبينَ أحَبُّ إليهِ مِن زَجَلِ المسبِّحينَ (٣)؛ لأنَّ زَجَلَ المسبِّحينَ ربَّما شابَهُ الافتخارُ، وأنينُ المذنبينَ يَزِينُهُ الانكسارُ والافتقارُ.

стр. 56

في حديثٍ: "إنَّ الله لَيَنْفَعُ العبدَ بالذَّنبِ يُذْنِبُهُ" (١). قالَ الحَسَنُ: إنَّ العبدَ لَيَعْمَلُ الذَّنبَ فلا يَنْساهُ ولا يَزالُ متخوِّفًا منهُ حتَّى يَدْخُلَ الجنَّةَ. المقصودُ: مِن زللِ المؤمنِ ندمُهُ، ومِن تفريطِهِ أسفُهُ، ومنِ اعوجاجِهِ تقويمُهُ، ومِن تأخُّرِهِ تقديمُهُ، ومِن زلقِهِ في هوَّةِ الهوى أنْ يُؤْخَذَ بيدِهِ فيُنَجَّى إلى نجوةِ النَّجاةِ، كما قيلَ: قُرَّةَ عَيْني لا بُدَّ لي مِنْكَ وإنْ … أوْحَشَ بَيْني وَبَيْنَكَ الزَّلَلُ قُرَّةَ عَيْني أنا الغَريقُ فَخُذْ … كَفَّ غَريق عَلَيْكَ يَتَّكِلُ الفائدةُ الثَّانيةُ: حصولُ المغفرةِ والعفوِ مِن اللهِ تَعالى لعبدِهِ؛ فإنَّ الله يُحِبُّ أنْ يَعْفُوَ ويَغْفِرَ، ومِن أسمائِهِ الغفَّارُ والعفوُّ والتَّوَّابُ (٢)، فلو عَصَمَ الخلقَ؛ فلِمَن كانَ يَكونُ العفوُ والمغفرةُ؟ قالَ بعضُ السَّلفِ: أوَّلَ ما خَلَقَ اللهُ القلمَ كَتَبَ: إنِّي أنا التَّوَّاب، أتوبُ على مَن تاب. قالَ أبو الجَلْدِ: قالَ رجلٌ مِن العاملينَ للهِ بالطَّاعةِ: اللهمَّ! أصْلِحْني صلاحًا لا فسادَ عليَّ بعدَهُ. فأوْحى اللهُ إليهِ أن عبادِيَ المؤمنينَ كلَّهُم يَسْألونَني مثلَ ما سَألْتَ، فإذا أصْلَحْتُ عبادي كلَّهُم؛ فعلى مَن أتَفَضَّلُ وعلى مَن أجودُ بمغفرتي؟! كانَ بعضُ السَّلفِ تقولُ: لو أعْلَمُ أحبَّ الأعمالِ إلى اللهِ؛ لأجْهَدْتُ نفسي فيها. فرَأى في منامِهِ قائلًا يَقولُ لهُ: إنَّكَ تُريدُ ما لا يَكونُ، إن الله يُحِبُّ أنْ يَغْفِر (٣).

стр. 57

قالَ يَحْيى بنُ مُعاذٍ: لو لمْ يَكُنِ العفوُ أحبَّ الأشياءِ إليه؛ لم يَبْتَلِ بالذَّنبِ أكرمَ الخلقِ عليه. يا رَبِّ أنْتَ رَجائي … وفيكَ أحْسَنْتُ ظَنِّي يا رَبِّ فَاغْفِرْ ذُنوبي … وَعافِني وَاعْفُ عَنِّي العَفْوُ مِنْكَ إلهي … وَالذَّنْبُ قَدْ جاءَ مِنِّي وَالظَّنُّ فيكَ جَميلٌ … حَقِّقْ بِحَقِّكَ ظَنِّي • وقولُهُ ﷺ لأبي هُرَيْرَةَ - لمَّا سَألَهُ: ممَّ خُلِقَ الخلقُ، فقالَ لهُ: "مِن الماءِ" - يَدُلُّ على أن الماءَ أصلُ جميعِ المخلوقاتِ ومادَّتُها وجميعُ المخلوقاتِ خُلِقَتْ منهُ (١). وفي "المسندِ" مِن وجهٍ آخرَ عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ! إذا رَأيْتُكَ؛ طابَتْ نفسي وقَرَّتْ عيني، فأنْبِئْني عن كلِّ شيءٍ. فقالَ: "كلُّ شيءٍ خُلِقَ مِن ماءٍ" (٢).

стр. 58

وقد حَكى ابنُ جَريرٍ وغيرُهُ عن ابن مَسْعودٍ وطائفةٍ مِن السَّلفِ: أن أوَّل المخلوقاتِ الماءُ. وقد رَوى الجُوزْجانِيُّ بإسنادِهِ عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو؛ أنَّهُ سُئِلَ عن بدءِ الخَلْقِ. فقال: مِن ترابٍ وماءٍ وطينٍ ومِن نارٍ وظلمةٍ. فقيلَ لهُ: فما بدءُ الخلقِ الذي ذَكَرْتَ؟ قال: مِن ماءٍ يَنْبوعٍ. وقد أخْبَرَ اللهُ في كتابِهِ أن الماءَ كانَ موجودًا قبلَ خلقِ السَّماواتِ والأرضِ، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾

стр. 59

[هود: ٧]. وفي "صحيح البخاريِّ" (١): عن عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "كانَ اللهُ ولمْ يَكُنْ شيءٌ قبلَهُ (وفي روايةٍ: معَهُ)، وكانَ عرشُهُ على الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكرِ كلَّ شيء، ثمَّ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ". وفي "صحيح مسلم" (٢): عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إن الله قَدَّرَ مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وكانَ عرشُهُ على الماءِ". ورَوى ابنُ جَريرٍ وغيرُهُ عن ابن عَبَّاس (٣): إنَّ الله كانَ عرشُهُ على الماءِ، ولمْ يَخْلُقْ شيئًا غيرَ ما خَلَقَ قبلَ الماءِ، فلمَّا أرادَ أنْ يَخْلُقَ [الخلقَ]؛ أخْرَجَ مِن الماءِ دخانًا، فارْتَفَعَ فوقَ الماءِ فسَما عليهِ، فسُمِّيَ سماءً، ثمَّ أيْبَسَ الماءَ فجَعَلَهُ أرضًا واحدةً، ثمَّ فتَقَها فجَعَلَها سبعَ أرضينَ، ثمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهيَ دخانٌ، وكانَ ذلكَ الدُّخانُ مِن نَفَسِ الماءِ حينَ تنفَّسَ، [ثمَّ] جَعَلَها سماءً واحدةً، ثمَّ فَتَقَها فجَعَلَها سبعَ سماواتٍ. وعَن وَهْبٍ: إنَّ العرشَ كانَ قبلَ أنْ تُخْلَقَ السَّماواتُ والأرضُ على الماءِ، فلمَّا أرادَ اللهُ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرضَ؛ قَبَضَ مِن صفاءِ الماءِ قبضةً، ثمَّ فَتَحَ القبضةَ فارْتَفَعَتْ دخانًا، ثمَّ قَضاهُنَّ سبعَ سماواتٍ في يومينِ، ثمَّ أخَذَ طينةً مِن الماءِ فوَضَعَها في مكانِ البيتِ، ثمَّ دَحا الأرضَ منها. والآثارُ في هذا البابِ كثيرةٌ (٤).

стр. 60

وهذا كلُّهُ يُبَيِّنُ أن السَّماواتِ والأرضَ خُلِقَتْ مِن الماءِ. والخلافُ في أنَّ الماءَ هل هوَ أوَّلُ المخلوقاتِ أم لا مشهورٌ: وحديثُ أبي هُرَيْرَةَ يَدُلُّ على أن الماءَ مادَّةُ جميعِ المخلوقاتِ. وقد دَلَّ القرآنُ على أن الماءَ مادَّةُ جميعِ الحيواناتِ: قالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وقالَ تَعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥]. وقولُ مَن قالَ: إنَّ المرادَ بالماءِ النُّطفةُ التي يُخْلَقُ منها الحيواناتُ بعيدٌ؛ لوجهينِ: أحدُهُما: أن النُّطفةَ لا تُسَمَّى ماءً مطلقًا بل مقيَّدًا: كقولهِ تَعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٦ - ٧]، وقولِهِ تَعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠]. والثَّاني: أن مِن الحيواناتِ ما يَتَوَلَّدُ مِن غيرِ نطفةٍ، كدودِ الخلِّ والفاكهةِ ونحوِ ذلكَ، فليسَ كل حيوانٍ مخلوقًا مِن نطفةٍ (١)، والقرآنُ دَلَّ على خلقِ جميعِ ما يَدُبُّ وما فيهِ حياةٌ مِن ماءٍ، فعُلِمَ بذلكَ أن أصلَ جميعِها الماءُ المطلقُ (٢). ولا يُنافي هذا قولُهُ تَعالى ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] وقولُ النَّبيِّ ﷺ "خُلِقَتِ الملائكةُ مِن نورٍ" (٣)؛ فإن حديثَ أبي هُرَيْرَةَ دَلَّ على أن أصلَ النُّورِ والنَّارِ الماءُ، كما أن أصلَ التُّرابِ الذي خُلِقَ منهُ آدَمُ الماءُ؛ فإنَّ آدَمَ خُلِقَ مِن طينٍ، والطِّينُ ترابٌ مختلطٌ بماءٍ، والترابُ خُلِقَ مِن الماءِ، كما تَقَدَّمَ عن ابن عَبَّاسٍ وغيرِهِ (٤).

стр. 61

وزَعَمَ مُقاتِلٌ أن الماءَ خُلِقَ مِن النُّورِ! وهوَ مردودٌ بحديثِ أبي هُرَيْرَةَ هذا وغيرِهِ. ولا يُسْتَنكرُ خَلْقُ النَّارِ مِن الماءِ؛ فإنَّ الله بقدرتِهِ جَمَعَ بينَ الماءِ والنَّارِ في الشَّجرِ الأخضرِ، وجَعَلَ ذلكَ مِن أدلَّةِ القدرةِ على البعثِ. وقد ذَكَرَ الطَّبائعيُّونَ أن الماءَ بانحدارِهِ يَصيرُ بخارًا، والبخارُ يَنْقَلِبُ هواءً، والهواءُ يَنْقَلِبُ نارًا (١). واللهُ أعلمُ. • وقولُهُ ﷺ لأبي هُرَيْرَةَ حينَ سألَهُ عن بناءِ الجنَّةِ فقالَ: "لَبِنَةٌ مِن ذهبٍ، ولَبِنَةٌ مِن فضَّةٍ، وملاطُها المسكُ الأذفرُ، وحصباؤُها اللؤلؤُ والياقوتُ، وتربتُها الزَّعفرانُ". وقد رُوِيَ أيضًا هذا عن النَّبيِّ ﷺ مِن حديثِ أبنِ عُمَرَ مرفوعًا (٢)، خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ. فهذهِ أربعةُ أشياءَ: • أحدُها: بناءُ الجنَّةِ: ويُحْتَمَل أن المرادَ بنيانُ قصورِها ودورِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بناءُ حائطِها وسورِها المحيطِ بها، وهوَ أشبهُ. وقد رُوِيَ مِن وجهٍ آخرَ عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا وموقوفًا - وهوَ أشبهُ -: "حائطُ الجنَّةِ لبنةٌ مِن فضَّةٍ ولبنةٌ مِن ذهبٍ، ودرجُها الياقوتُ واللؤلؤُ". [قال]: وكُنَّا نَتَحَدَّثُ أن رَضْراضَ أنهارِها اللؤلؤُ وترابَها الزَّعفرانُ (٣).

стр. 62

وفي "مسند البزَّار": عن أبي سَعيدٍ مرفوعًا: "خَلَقَ اللهُ الجنَّةَ لبنةً مِن فضَّةٍ ولبنةً مِن ذهبٍ، ومِلاطُها المسكُ، فقالَ لها: تَكَلَّمي، فقالَتْ: قدْ أفْلَحَ المؤمنونَ، فقالَتِ الملائكةُ: طوبى لكِ منزلَ الملوكِ" (١). وممَّا يُبيِّنُ أن المرادَ ببناءِ الجنَّةِ في هذهِ الأحاديثِ بناءُ سورِها المحيطِ بها: ما في الصَّحيحين (٢): عن أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "جنَّتانِ مِن ذهبٍ

стр. 63

آنيتُهُما وما فيهِما، وجنَّتانِ مِن فضَّةٍ آنيتُهُما وما فيهِما". وقد رُوِيَ عن أبي موسى مرفوعًا وموقوفًا: "جنَّتانِ مِن ذهبٍ للمقرَّبينَ، وجنَّتانِ مِن فضَّةٍ لأصحابِ اليمينِ" (١). وفي "الصَّحيحِ" (٢) أيضًا عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّهُ قالَ: "إنَّها جنانٌ كثيرةٌ". وقد رُوِيَ أن بناءَ بعضِها مِن درٍّ وياقوتٍ: خَرَّجَ ابنُ أبي الدُّنيا من حديثِ أنسٍ مرفوعًا: "خَلَقَ اللهُ جنَّةَ عدنٍ بيدِهِ؛ لَبِنةً مِن درَّةٍ بيضاءَ ولَبِنَةً مِن ياقوتةٍ حمراءَ ولَبِنَةً مِن زَبَرْجَدَةٍ خضراءَ، مِلاطُها المسكُ وحصباؤُها اللؤلؤُ وحشيشُها الزَّعفرانُ، ثمَّ قالَ لها: انْطِقي! قالَتْ: قدْ أفْلَحَ المؤمنونَ. قالَ: وعزَّتي لا يُجاوِرُني فيكِ بخيلٌ" (٣).

стр. 64

ورَوى عَطِيَّةُ عن أبي سَعيدٍ؛ قالَ: إنَّ الله خَلَقَ جنَّةَ عدنٍ مِن ياقوتةٍ حمراءَ، ثمَ قالَ لَها: تَزَيَّني، فتَزَيَّنَتْ، ثمَّ قالَ لَها: تَكَلَّمي، فقالَتْ: طوبى لِمَن رَضِيتَ عنهُ، ثمَ أطْبَقَها وعَلَّقَها بالعرشِ، فهيَ تُفْتَحُ في كل سَحَرٍ، فذلكَ بردُ السَّحرِ (١). وعنِ ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: كانَ عرشُ اللهِ على الماءِ، ثمَّ اتَّخَذَ لنفسِهِ جنَّةً، ثمَّ اتَّخَذَ دونَها أُخرى، وطَبَّقهُما بلؤلؤةٍ واحدةٍ لا يَعْلَمُ الخلائقُ ما فيهِما، وهُما اللتانِ ﴿لَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] (٢). وذَكَرَ صَفْوانُ بنُ عَمْرٍو عن بعضِ مشايخِهِ؛ قالَ: الجنَّةُ مئةُ درجةٍ: أوَّلُها: درجةُ فضَّةٍ، وأرضُها فضَّةٌ، ومساكنُها فضَّةٌ، وترابُها المسكُ. والثانيةُ: ذهبٌ، وأرضُها ذهبٌ، وآنيتُها ذهبٌ، وترابُها المسكُ. والثَّالثةُ: لؤلؤٌ، [وأرضُها لؤلؤٌ]، وآنيتُها لؤلؤٌ، وترابُها المسكُ. وسبعٌ وتسعونَ بعدَ ذلكَ ما لا عينٌ رأتْ ولا أُذنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ على قلبِ بشرٍ. ثمَّ تَلا: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]. وفي الصَّحيحينِ (٣): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ؛ قالَ: "يَقولُ اللهُ : أعْدَدْتُ لعبادي الصَّالحينَ: ما لا عين رَأتْ، ولا اذن سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلبِ بشرٍ". ثمَّ يَقولُ أبو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤوا إنْ شِئْتُمْ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]. وفي "صحيح مسلم" (٤): عن المُغيرَةِ بن شُعْبَةَ يَرْفَعُهُ: "سَألَ موسى رَبَّهُ؛ قالَ: يا ربِّ! ما أدنى أهلِ الجنَّةِ منزلةً؟ قالَ: هوَ رجلٌ يَجيءُ بعدَما أدْخِلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، فيُقالُ لهُ: أدْخُلِ الجنَّةَ، فيَقولُ: يا ربِّ! كيفَ وقد أخَذَ النَّاسُ منازلَهُم وأخَذوا

стр. 65

أخَذاتِهِم؟ فيُقالُ لهُ: أتَرْضى أنْ يَكونَ لكَ مثلُ ملكٍ مِن ملوكِ الدُّنيا؟ فيَقولُ: رَضِيتُ يا ربِّ! فيَقولُ: لكَ ذلكَ ومثلُهُ ومثلُهُ ومثلُهُ ومثلُهُ. فقالَ في الخامسةِ (١): رَضِيتُ يا ربِّ! فيُقالُ: هذا لكَ وعشرةُ أمثالِهِ، ولكَ ما اشْتَهَتْ نفسُكَ ولَذَّتْ عينُكَ. فيَقولُ: رَضِيتُ ربِّ! قالَ: فأعلاهُم منزلةً؟ قالَ: أولئكَ الذينَ أرَدْتُ، غَرَسْتُ كرامتَهُم بيدي وخَتَمْتُ عليها، فلم تَرَ عينٌ ولم تَسْمَعْ أُذنٌ ولم يَخْطُرْ على قلبِ بشرٍ". قالَ: ومصداقُهُ في كتابِ اللهِ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]. * الثَّاني: مِلاطُ الجنَّةِ وأنَّهُ المسكُ الأذفرُ، وقد تَقَدَّمَ مثلُ ذلكَ في غيرِ حديثٍ. والمِلاطُ هوَ الطِّينُ، ويُقالُ: الطِّينُ الذي يُبْنى منهُ البنيانُ. والأذفرُ: الخالصُ. وفي الصَّحيحينِ (٢): عن أنَسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "دَخَلْتُ الجنَّةَ، فإذا فيها جَنابِذُ اللؤلؤِ، وإذا ترابُها المسكُ". والجنابذُ: مثلُ القباب. وقد قيلَ: إنَّهُ أرادَ بترابِها ما خالَطَهُ الماءُ، وهوَ طينُها، كما في "صحيح البُخارِيِّ" (٣): عن أنسَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ [أنَّهُ] قالَ في الكوثرِ: "طينُهُ المسكُ الأذفرُ". وقد قيلَ في تأْويلِ قولهِ تَعالى ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦]: إنَّ المرادَ بالختامِ ما يَبْقى في سُفْلِ الشَّرابِ مِن الثُّفْلِ، وهذا يَدُلُّ على أن أنهارَها تَجْري على المسكِ، ولذلكَ يَرْسُبُ منهُ في الإناءِ في آخرِ الشَّرابِ كما يَرْسُبُ الطِّينُ في آنيةِ الماءِ في الدُّنيا. * الثَّالثُ: حصباءُ الجنَّةِ وأنَّهُ اللؤلؤُ والياقوتُ، والحصباءُ: الحصى الصِّغارُ، وهوَ الرَّضْراضُ. وفي "المسند": عن أنَسٍ، عن النَّبي ﷺ ؛ في ذكرِ الكوثرِ أن "رضراضُهُ اللؤلؤُ". وفي روايةٍ: "حصباؤُهُ اللؤلؤُ" (٤).

стр. 66

وفي التِّرْمِذِيِّ مِن حديثِ: ابن عُمَرَ، عن النَّبيِّ ﷺ : أن "مجراهُ على الدُّرِّ والياقوتِ" (١). وفي الطَّبَرانِيِّ مِن حديثِ: عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، عن النَّبِيِّ ﷺ ؛ قالَ: "حالُهُ المسكُ الأبيضُ، ورَضْراضُهُ الجوهرُ، وحصباؤُهُ اللؤلؤُ" (٢). وفي "المسند" مِن حديثِ: ابن مَسْعودٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "حالُهُ المسكُ، ورضراضُهُ التُّومُ" (٣). والتُّومُ: الجوهرُ، والحالُ: الطِّينُ.

стр. 67

قالَ أبو العاليةِ (١): قَرَأْتُ في بعضِ الكتبِ: يا معشرَ الرَّبَّانيِّينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ! انْتَدِبوا لدارٍ أرضُها زبرجدٌ أخضرُ، تَجْري عليها أنهارُ الجنَّةِ، فيها الدُّرُّ والياقوتُ واللؤلؤُ، وسورُها زبرجدٌ أخضرُ، متدلِّيًا عليها أشجارُ الجنَّةِ بثمارِها. * الرَّابعُ: ترابُ الجنَّةِ، وأنَّهُ الزَّعفرانُ. وقد سَبَقَ في روايةٍ أُخرى: الزَّعفرانُ والورسُ (٢). وقد قيلَ: إنَّ المرادَ بالتُّرابِ هاهُنا تربةُ الأرضِ التي لا ماءَ عليها. فأمَّا ما كانَ عليهِ ماءٌ؛ فإنَّهُ مسكٌ، كما سَبَقَ. وسَبَقَ أيضًا في بعضِ الرِّواياتِ: حشيشُها الزَّعفرانُ (٣)، وهوَ نباتُ أرضِها وترابِها. فأمَّا حديثُ "ترابُها المسكُ": فقد قيلَ: إنَّهُ محمولٌ على تراب يُخالِطُهُ الماءُ، كما تَقَدَّمَ. وقيلَ: إن المرادَ أن ريحَ ترابِها ريحُ المسكِ ولونُهُ لونُ الزَّعفرانِ. ويَشْهَدُ لهذا حديثُ الكوثرِ أن حالَهُ المسكُ الأبيضُ، فريحُهُ ريحُ المسكِ، ولونُهُ مشرقٌ لا يُشْبِهُ لونَ مسكِ الدُّنيا، بل هو أبيضُ، وقد يَكونُ منهُ أبيضُ ومنهُ أصفرُ. واللهُ أعلمُ. وفي "صحيح مسلم" (٤) مِن حديثِ أبي سَعيدِ؛ أن النَّبيَّ ﷺ سَألَ ابنَ صَيَّادِ عن تربةِ الجنَّةِ، فقالَ: دَرْمَكَةٌ (٥) بيضاءُ مسكٌ خالصٌ، فصَدَّقَهُ النَّبيُّ ﷺ . وفي روايةٍ أن ابنَ صَيَّادٍ سَألَ النَّبيَّ ﷺ وصَدَّقَهُ. وفي "المسند" والتِّرْمِذِيِّ: عن البَراءِ بن عازِبِ (٦)؛ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "تربةُ الجنَّةِ دَرْمَكَةٌ". ثمَّ سَألَ اليهودَ، فقالوا: خبزةٌ. فقالَ: "الخبزُ مِن الدَّرْمَكِ" (٧).

стр. 68

والذي تَجْتَمعُ بهِ هذهِ الأحاديثُ كلُّها أن تربةَ الجنَّةِ في لونها بيضاءُ، ومنها ما يُشْبِهُ لونَ الزَّعفرانِ في بهجتِهِ وإشراقِهِ، وريحُها ريحُ المسكِ الأذفرِ الخالصِ، وطعمُها طعمُ الخبزِ الحُوَّارَى الخالصِ، وقد يَخْتَصُّ هذا بالأبيضِ منها. فقدِ اجْتَمَعَتْ لها الفضائلُ كلُّها، [لا حَرَمَنا اللهُ تَعالى ذلكَ برحمتِهِ وكرمِهِ]. • وقولُهُ ﷺ : "مَن يَدْخُلُها يَنْعَمُ لا يَبْأسُ ويَخْلُدُ لا يَموتُ، لا تَبْلى ثيابُهُم ولا يَفْنى شبابُهُم": إشارةٌ إلى بقاءِ الجنَّةِ وبقاءِ جميعِ ما فيها مِن النَّعيمِ، وأنَّ صفاتِ أهلِها الكاملةَ مِن الشَّبابِ لا تتَغَيَّرُ أبدًا، وملابسُهُمُ التي عليهِم مِن الثِّيابِ لا تَبْلى أبدًا. وقد دَلَّ القرآنُ على مثلِ هذا في مواضعَ كثيرةٍ: كقولِهِ تَعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١]. وقولِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]. وقولِهِ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ في مواضعَ كثيرةٍ. وفي "صحيح مسلم" (١): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "مَن يَدْخُلُ الجنَّةَ يَنْعَمُ لا يَبْأسُ؛ لا تَبْلى ثيابُهُ، ولا يَفْنى شبابُهُ". وفيهِ أيضًا (٢): عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إذا دَخَلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ؛ نادى منادٍ: إنَّ

стр. 69

لكُم أنْ تَنْعَموا فلا تَبْأسوا أبدًا، وإنَّ لكُم أنْ تَصِحُّوا فلا تَسْقَموا أبدًا، وإنَّ لكُم أنْ تَشِبُّوا فلا تَهْرَموا أبدًا، ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] ". وفي روايةٍ لغيرِهِ (١) زيادةُ: "وأنْ تَحْيَوا فلا تَموتوا أبدًا". وفي التِّرْمِذِيِّ: عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "أهلُ الجنَّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ كُحْلٌ، لا يَفْنى شبابُهُم ولا تَبْلى ثيابُهُم" (٢). وعن أبي سَعيدٍ مرفوعًا: "يَدْخُلُ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ أبناءَ ثلاثينَ لا يَزيدونَ عليها أبدًا" (٣).

стр. 70

ومِن حديثِ عَلِيٍّ مرفوعًا: "إنَّ في الجنَّةِ مجتمعًا للحورِ العِينِ، يَرْفَعْنَ بأصواتٍ لمْ تَسْمَعِ الخلائقُ مثلَها، يَقُلْنَ: نحنُ الخالداتُ فلا نَبيدُ، ونحنُ النَّاعماتُ فلا نَبْأسُ، ونحنُ الرَّاضياتُ فلا نَسْخَطُ، طوبى لمَن كانَ لنا وكنَّا لهُ" (١). وخَرَّجَ الطَّبَرانِيُّ مِن حديثِ ابن عُمَرَ مرفوعًا: "إنَّ ممَّا يُغَنِّينَ بهِ (يَعْني: الحورَ العِينَ): نحنُ الخالداتُ فلا نَمُتْنَهْ، نحنُ الآمناتُ فلا نَخَفْنَهْ، نحنُ المقيماتُ فلا نَظْعَنَّهْ" (٢).

стр. 71

ومِن حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ مرفوعًا: "إنَّ نساءَ أهلِ الجنَّةِ يَقُلْنَ: نحنُ الخالداتُ فلا نَموتُ [أبدًا]، ونحنُ النَّاعماتُ فلا نَبْأسُ أبدًا، ونحنُ المقيماتُ فلا نَظْعَنُ أبدًا، ونحنُ الرَّاضياتُ فلا نَسْخَطُ أبدًا، طوبى لمَن كنَّا لهُ وكانَ لنا" (١). • وفيما ذَكَرَهُ ﷺ في صفةِ مَن يَدْخُلُ الجنَّةَ تعريضٌ بذمِّ الدُّنيا الفانيةِ؛ فإنَّهُ مَن يَدْخُلُها وإنْ نُعِّمَ فيها فإنَّهُ يَبْأسُ، ومَن أقامَ فيها فإنَّهُ يَموتُ ولا يُخَلَّدُ، ويَفْنى شبابُهُمْ وتَبْلى ثيابُهُمْ، بل تَبْلى أجسامُهُمْ. وفي القرآنِ نظيرُ هذا، وهوَ التَّعريضُ بذمِّ الدُّنيا وفنائِها مع مدحِ الآخرةِ وذكرِ كمالِها وبقائِها: كما قالَ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ. قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٥]. وقالَ تَعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ … ﴾ الَايةَ، ثمَّ قالَ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ

стр. 72

وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٥ - ٢٦]. وقالَ تَعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا. الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٥ - ٤٦]. وقالَ: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وقالَ تَعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ … ﴾ إلى قولهِ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢٠ - ٢١]. وقالَ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧]. وقالَ تَعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]. وقالَ تَعالى عن مؤمنِ آلِ فِرْعَوْنَ إنَّهُ قالَ لقومِهِ: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩]، والمتاعُ: هو ما يَتَمَتَّعُ بهِ صاحبُهُ برهةً ثمَّ يَنْقَطعُ ويَفْنى. فما عِيبَتِ الدُّنيا بأبلغَ مِن ذكرِ فنائِها وتقلُّبِ أحوالِها، وهوَ أدلُّ دليلٍ على انقضائِها وزوالِها. فتَتبَدَّلُ: صحَّتُها بالسَّقمِ، ووجودُها بالعدمِ، وشبيبتُها بالهرمِ، ونعيمُها بالبؤسِ، وحياتُها بالموتِ فتُفارِقُ الأجسامَ النُّفوسُ (١)، وعمارتُها بالخرابِ،

стр. 73

واجتماعُها بفرقةِ الأحبابِ، وكلُّ ما فوقَ التُّرابِ ترابٌ. قالَ بعضُ السَّلفِ في يومِ عيدٍ وقد نَظَرَ إلى كثرةِ النَّاسِ وزينةِ لباسِهِم: هل تَرَوْنَ إلَّا خرقًا تَبْلى أو لحمًا يَأْكُلُهُ الدُّودُ غدًا؟ كانَ الإمامُ أحْمَدُ يَقولُ: يا دارُ! تَخْرَبينَ وَيَموتُ سكَّانُكِ. وفي الحديثِ: "عجبًا لمَن رَأى الدُّنيا وسرعةَ تقلُّبِها بأهلِها كيفَ يَطْمَئِنُّ إليها" (١).

стр. 74

قالَ الحَسَنُ: إنَّ الموتَ قد فَضَحَ الدُّنيا فلمْ يَدَعْ لذي لبٍّ بها فرحًا. وقالَ مُطَرِّفٌ: إنَّ هذا الموتَ قد أفْسَدَ على أهلِ النَّعيمِ نعيمَهُم، فالْتَمِسوا نعيمًا لا موتَ فيهِ. وقالَ بعضُهُم: ذَهَبَ ذكرُ الموتِ بلذَّةِ كلِّ عيشٍ وسرورِ [كلِّ نعيمٍ]. ثمَّ بَكى وقالَ: واهًا لدارٍ لا موتَ فيها! وقالَ يونُسُ بنُ عُبَيْدٍ: ما تَرَكَ ذكرُ الموتِ لنا قُرَّةَ عينٍ في أهلٍ ولا مالٍ. وقالَ يَزيدُ الرَّقاشِيُّ: أمِنَ أهلُ الجنَّةِ الموتَ فطابَ لَهُمُ العيشُ، وأمِنوا مِن الأسقام فهنيئًا لهُم في جوارِ اللهِ طولُ المقام. عيوبُ الدُّنيا بادية، وهيَ بعبرِها ومواعظِها منادية، لكنَّ حبَّها يُعْمي ويُصِمُ، فلا يَسْمَعُ محبُّها نداءَها، ولا يَرى كشفَها للعبرِ وإبداءَها. قَدْ نادَتِ الدُّنْيا عَلى نَفْسِها … لَوْ كانَ في العالَمِ مَنْ يَسْمَعُ كَمْ واثِقٍ بِالعُمْرِ أفْنَيْتُهُ … وَجامِعٍ بَدَّدْتُ ما يَجْمَعُ كم قد تَبَدَّلَ نعيمُها بالبوس، كم أصْبَحَ مَن هوَ واثقٌ بملكِها وأمْسى وهوَ منها قنوطٌ يؤوس.

стр. 75

قالَتْ بعضُ بناتِ ملوكِ العربِ (١) الذينَ نُكِبوا: أصْبَحْنا وما في العربِ أحدٌ إلَّا وهوَ يَحْسُدُنا، وأمْسَيْنا وما في العربِ أحدٌ إلَّا [وهوَ] يَرْحَمُنا، ثمَّ قالَتْ: وَبَيْنا نَسوسُ النَّاسَ وَالأمْرُ أمْرُنا … إذا نَحْنُ فيهِمْ سُوقَةٌ لَيْسَ نُنْصَفُ فَأُفٍّ لِدارٍ لا يَدومُ نَعيمُها … تَقَلَّبُ تاراتٍ بِنا وَتَصَرَّفُ دَخَلَتْ أمُّ جَعْفَرِ بن يَحْيى البَرْمَكِيِّ على قومٍ في عيدِ أضحى تَطْلُبُ جلدَ كبشٍ تَلْبَسُهُ، وقالَتْ: هَجَمَ عليَّ مثلُ هذا العيدِ وعلى رأْسي أربعُ مئةِ وصيفةٍ قائمةٍ وأنا أزْعُمُ أن ابني جعفرًا عاقٌّ لي. كانَتْ أُختُ أحْمَدَ بن طُولُونَ صاحبِ مِصْرَ كثيرةَ السَّرَفِ في إنفاقِ المالِ، حتَّى إنَّها زَوَّجَتْ بعضَ لُعَبِها فأنْفَقَتْ على وليمةِ عرسِها مئةَ ألفِ دينارٍ، فما مَضى إلَّا قليلٌ حتَّى رُئِيَتْ في سوقٍ مِن أسواقِ بغدادَ وهيَ تَسْألُ النَّاسَ. خُلِعَ بعضُ خلفاءِ بني العَبَّاسِ وكُحِلَ وحُبسَ ثمَّ أَطْلِقَ، فاحْتاجَ إلى أنْ وَقَفَ يومَ الجمعةِ في الجامعِ وقالَ للنَّاسِ: تَصَدَّقوا عليَّ فأَنا مَن قد عَرَفْتُمْ. اجْتازَ بعضُ الصَّالحينَ بدارٍ فيها فرحٌ وقائلةٌ تَقولُ في غنائِها: ألا يا دارُ لا يَدْخُلْكِ حُزْنٌ … وَلا يُودي بِصاحِبِكِ الزَّمانُ ثمَّ اجْتازَ بها عن قريبٍ، وإذا البابُ مُسْوَدٌّ وفي الدَّارِ بكاءٌ وصراخٌ، فسَألَ عنهُم، فقيلَ: ماتَ ربُّ الدَّارِ، فطَرَقَ البابَ وقالَ: سَمِعْتُ مِن هذهِ الدَّارِ قائلةً تَقولُ كذا وكذا، فبَكَتِ امرأةٌ وقالَتْ: يا عبدَ اللهِ! إنَّ الله يُغَيِّرُ ولا يَتَغَيَّرُ، والموتُ غايةُ كلِّ مخلوقٍ، فانْصَرَفَ مِن عندِهِم باكيًا. بَعَثَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ في خلافتِهِ وفدًا إلى اليمنِ، فاجْتازوا في طريقِهِم بماءٍ مِن مياهِ العربِ، عندَهُ قصورٌ مَشِيدَةٌ، وهناكَ مواشٍ عظيمةٌ ورقيقٌ كثيرٌ،
следующие страницы →