← Тараджим

Тараджим · id 115122

الإمام المازري

حسن حسني عبد الوهاب

Полный текст (98 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

نوابغ المغرب العربي (١) حسن حسني عبد الوهاب الإمام المازري (*) منشورات لجنة البعث الثقافي الإفريقي ملتزم الطبع والتوزيع دار الكتب الشرقية - تونس. - عدد الأجزاء: ١. - عدد الصفحات: ٩٩. أعده للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، - غفر الله له ولوالديه -. [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].

стр. 2

نوابغ المغرب العربي (١) حسن حسني عبد الوهاب الإمام المازري (*) منشورات لجنة البعث الثقافي الإفريقي ملتزم الطبع والتوزيع دار الكتب الشرقية - تونس.

стр. 3

الإهداء: إلى الحبيب الأديب، الوطني الصميم، من ملأ الله قلبه إيمانًا وإخلاصًا ووفاء، ورزقه من الأخلاق العالية ما أكثر محبيه والمعجبين بكمالاته محمد الهادي المدني أهدي هذا البحث، راجيًا أن يثير من عاطفته الكريمة ما يزيده تعلقًا بأولئك الأعلام الأفريقيين، قدوة القطر، وفخر المصر. عبد الوهاب.

стр. 4

كلمة للقارئ: صدور هذه الدراسة القيمة - أيها القارئ العزيز - هو بداية مشروع للنشر يتجه أولاً إلى خدمة الثقافة التونسية في نواحيها الشتى، في نشر مخطوطات تونسية تمثل الفكر التونسي، وفي بحوث مركزة حول موضوعات إفريقية، وفي التعريف الكاشف بـ «نوابغ المغرب العربي» وهذه الدراسة عن الإمام المازري، والسند العلمي التونسي هي الحلقة الأولى في هذه السلسلة التي سنوافيك بكل حلقة منها في أقرب وقت ممكن إن شاء الله. ويسرنا أن تكون الحلقة الأولى في هذه السلسلة دراسة مستفيضة عن شخصية إسلامية مجتهدة لعبت دورًا هامًا في تاريخ السند العلمي الإفريقي الذي أسهب المؤلف في الحديث عنه إسهابًا ممتعًا، كشف لنا فيه ناحية مجهولة وهامة، هذه الشخصية هي شخصية الإمام المازري - طَيَّبَ اللهُ ثَرَاهُ - .. ويسرنا أن تكون هذه الدراسة - وهي بداية عملنا

стр. 5

التونسي - بقلم باحث فاضل قصر حياته المثمرة الطويلة على خدمة تايخنا التونسي، والثقافة الإسلامية في هذه الربوع. ومن عسى أن يكون هذا الرجل إن لم يكن مؤرخنا التونسي المجدد، ومعيننا في هذا المشروع صاحب المعالي الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب الذي يدين له كثير من الباحثين في المغرب والمشرق بالإعانة والإرشاد. هذه كلمة تعريف - أيها القارئ الكريم - بعثنا بها إليك بمناسبة تحقيق الخطوة الأولى من خطوات متعددة، وسنلتقي دائمًا حين نعمل، لا حين نقول. ٧/ ٦ / ١٩٥٥ م لجنة البعث الثقافي الإفريقي.

стр. 6

توطئة: فيما بين المائة الثانية وأواسط المائة الخامسة من الهجرة كانت «إفريقية» - وهي البلاد التونسية اليوم - ترفل في حلل الرفاهية، وتحيط بها هالات المجد، فتفيض عليها البهاء والرواء. تعاقبت عليها أجيال من الخلائق والدول، باذلة لها ما في الوسع من جسام المساعي وجلائل الأعمال، فانتظم فيها مجتمع إفريقي ناهض ينظر إلى المستقبل بعين التفاؤل والاستبشار. وطدت تلك الأجيال والدول في إفريقية التونسي دعائم الحياة الاجتماعية السعيدة، فعملت على ترقية الفلاحة، وتنمية الصناعة، وتنشيط التجارة، وتعميم العلوم والآداب، وبذلك طار صيت البلاد في استكمالها أسباب الحضارة والتمدن وضرب بها المثل في ربوع العالمين. بينما تمضي إفريقية التونسية إلى أوج العزة والازدهار إذ رماها الزمن بداهية دهياء، زعزعت منها القواعد وردتها على الأعقاب، وأقامت فيها مأتمًا بعد عرس.

стр. 7

كانت تلك الكارثة التي حلت بالبلاد، ولم يكن لها بمثلها عهد منذ تاريخها الأقدم، أنها فقدت وحدتها السياسية وأضاعت سلطانها المركزي، فاختل توازنها، وانهارت حضارتها في أقل من عام. هجم على إفريقية التونسية بَنُو هِلاَلٍ وَبَنُو سُلَيْمٍ، ولا كهجوم التتر على بغداد - وذلك في سنة ٤٤٩ هـ - (١) كأنهم السيل العرم يتدافع على البطاح، أو كأنهم الجراد المنتشر يحط على الحقول النامية، وما هي إلا أن هدمت القصور والأبنية، وخربت المسالك والميادين، وعاثت في عمران البلاد يد الدمار. وأصابت النكبة - أول ما أصابت - مدينة القيروان، أم القرى المغربية، وعاصمة الحضارة العربية، فأصحبت خاوية على عروشها، يهيم أهلوها على وجهوههم في أرجاء الأرض العريضة ما بين أصقاع المغرب والأندلس، إلى العراق، إلى ما وراء النهر. فارق العلم والأدب والفن ربوع القيروان، ومضى يلم شتاته، ويجمع بقاياه، ملتمسًا له ملاذًا في المهدية وسوسة وبعض القرى الساحلية الأخرى.

стр. 8

وكذلك انهوى ركن العلوم الشرعية الذي تواصل قيامه منذ الفتح العربي، وكاد يندثر لولا بقية صالحة من أولي العزم، حفظوا تعاليم الشريعة، واحتضنوا تراث الرواية، وصانوا سبيل التلقي عن الأسلاف، وبذلك سلم لهم السند العلمي، فعكفوا عليه يحوطونه وينفون عنه الزيف، حتى أسلموه إل الأخلاف؛ لكي يتابعوا نشره إعلاءً لكلمة الله!. في طليعة هؤلاء الأفذاذ البررة، ذلك الحبر الذي خصصنا ترجمته بتلك الأوراق، وهو (الإمام المَازَرِي) ... وكأن الأقدار ناطب به جمع ما تبدد من منهج السند العلمي القديم القويم، واستنقاذه من العبث الذي جَرَّ إليه الطغيان والجهالة والهمجية في تلك الحقبة من تاريخ إفريقية التونسية. ويحق لتاريخ العلم في هذا البلد الطيب أن يعد الإمام المازري العروة الوثقى بين الماضي الزاهر لتعاليم الحنيفية السمحة، وبين العصور الوسطى في تاريخ الإسلام. ولكي تتجلى مزية المازري في هذا الصدد نقدم بين يدي ترجمته إلمامة نتعرف بها كيف تواصل السند العلمي في الشريعة

стр. 9

منذ بزوغ نجمه إلى زمن إمامنا الفذ، وما وليه من العصور إلى قريب من يومنا المشهود. نَشْأَةُ العِلْمِ الإِسْلاَمِيِّ: ظهر علم الشريعة أول ما ظهر في إفريقية - وخاصة في القيروان - على يد الصحابة فالتابعين الوافدين على المغرب إبان الفتوح، عن هؤلاء وهؤلاء كان تسلسل السند، فتلقاه منهم ناشئة العرب المولدون، وأبناء الأفارقة والبربر ممن دخلوا في الإسلام، فما يكاد هذا النشء يحفظ القرآن حتى يروي عن أولئك الفاتحين ومن إليهم سنة رسول الله ﷺ وهي المنبع الثاني للشريعة، والأصل التالي للقرآن العظيم في استخلاص أحكام الدين. وقبل أن نسرد لك أشهر من حملوا العلم، وَرَوَوْا الحديث في إفريقية، وهم الذين يتسق بهم السند العلمي الإفريقي، نستهل البحث بذكر بعض من وفدوا على البلاد وأقاموا بها بعد الفتوح. وقد روى عنهم الحديث والآثار رجال من التابعين

стр. 10

الأولين الذين اتخذوا تلك البلاد وطنًا لهم، بعد أن مهدت بها سبل الاقامة بتأسيس مدينة القيروان وغيرها من المدائن العربية. البِعْثَةُ الدِّينِيَّةُ: كان في مقدمة هؤلاء «العشرة التابعون» الذين عينهم الخليفة عمر بن عبد العزيز سنة مائة من الهجرة، لتفقيه الأفارقة في الدين، وإرشادهم إلى هديه، وإشرابهم مُثُلَهُ العُلْيَا، ونحن نخص بالذكر منهم: - إسماعيل بن أبي المهاجر المخزومي، عامل عمر بن عبد العزيز على المغرب "ورأس البعثة الدينية، فقيه صالح، يروي عن عبد الله بن عمر، وفُضالة بن عبيد، وروى عنه الأوزاعي بالشرق، وعبد الرحمن بن زياد وغيره بالقيروان، وعلى يده أسلم العدد الغالب من البربر، وكان على إسلامهم حريصًا، مات بالقيروان سنة ١٣٣ هـ. - عبد الله بن يزيد المعافري المعروف بِالحُبُلِيِّ، يروي عن جماعة من الصحابة، منهم: أبو أيوب الأنصاري، وعبد الله بن

стр. 11

عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر الجُهَنِيِّ، وغيرهم، شهد فتح الأندلس مع موسى بن نصير، ثم استوطن القيروان، واختط بها دَارًا ومسجدا وَكُتَّابًا في ناحية باب تونس، وانتفع به جماعة من الأفارقة، وبث فيهم علمًا كثيرًا، مات سنة ١٠٠ هـ وقبره بالقيروان معروف. - عبد الرحمن بن رافع التنوخي، من فضلاء التابعين، يروي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعن جماعة من الصحابة، وعنه يروي عبد الرحمن بن زياد وغيره، وهو أول من تولى القضاء بالقيروان بعد بنائها، وَلاَّهُ إياه الأمير موسى بن نصير سنة ٨٠ هـ وكان عدلاً في أحكامه، وهو الذي يروي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العَاصِ: (*) " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجِدٍ: أَحَدُ الْمَجْلِسَيْنِ يدْعُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ، وَالْآخَرُ يَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ وَيُعَلِّمُونَهُ، فَقَالَ: «كِلاَ الْمَجْلِسَيْنِ عَلَى خَيْرٍ، وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ، أَمَا هَؤُلاَءِ فَيَدْعَوْنَ اللهَ وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا هَؤُلاَءِ فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ، وَيُعَلَّمُونَ الْجَاهِلَ، فَهُمْ أَفْضَلُ وَإِنَّمَا بُعِثْتُ

стр. 12

مُعَلِّمًا، فَجَلَسَ مَعَهُمْ». أخرجه الترمذي (*) عن عبد الله بن عمرو؛ وتوفى ابن رافع بالقيروان سنة ١١٣ هـ. - ومنهم إسماعيل بن عبيد الأنصاري، كان من العلماء الفضلاء، يروي عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم، ويروي عنه من أهل إفريقية بكر بن سوادة الجذامي، وعبد الرحمن بن زياد وسواهما، ومن مواليه عبد الملك بن أبي كريمة الآتي ذكره، وانتفع به خلق كثير من الأفارقة، وهو الذي بنى المسجد الكبير المعروف " بمسجد الزيتونة " في القيروان، كما أنشأ بها سوقًا للتجارة غربي مسجده، كانت تسمي " سوق إسماعيل "، وقد خرج مجاهدًا على سبيل التطوع في إحدى غزوات صقلية، ففرق في البحر سنة ١٠٧ هـ. وما من واحد من بقية " العشرة التابعين " إلاكان يروي الحديث عن الصحابة، ويتقن التفسير والفقه، وإلا اتخذ دارًا لسكناه، ومسجدًا لصلاته، وكتابًا لتعليم الناشئة، وقد تفقه

стр. 13

على أيديهم جمع كبير، هم المربون الأولون لأبناء البلاد، وهم الذين لقنوهم علوم الشريعة. التَّابِعُونَ الدَّاخِلُونَ إِفْرِيقِيَّةَ وَالرِّوَايَةُ عَنْهُمْ: ومن التابعين الذين دخلوا إفريقية كثرت عنهم الرواية: - يحي بن سعيد بن فهد الأنصاري، وجده فهد من الصحابة، وكانت ابنته خولة زوج حمزة بن عبد المطلب عم النبيء ﷺ ، ولد يحيى بالمدينة، وروى الحديث عن جماعة من الصحابة، منهم: أنس بن مالك، ومعاذ، والسائب بن زيد، وعمرة بنت عبد الرحمن، وقد روى عنه أغلب أيمة الاجتهاد، مثل أبي حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، والزهري، والاوزاعي، وغيرهم، وكان يحيى فقيهًا مُحَدِّثًا ثقة مأمونًا، قيل إن جملة ما كان يحمله من الحديث: ثلاثمائة يسندها إلى وجوه من الصحابة والصحابيات، ودخل يحيى إفريقية على رأس القرن الثاني للهجرة أرسله إليها الخليفة عمر بن عبد العزيز عاملاً على الصدقات خاصة، ونزل يحيى مدينة تونس، وجالس بها خالد

стр. 14

ابن أبي عمران التُّجِيبِي، وأخذ كل منهما عن صاحبه كما سمع منه خلق كثير من أبناء تونس والقيروان، ومما هو جدير بالملاحظة أن رواية الأفارقة للحديث كانت أكثر ما كانت بطريق المدنيين وسندهم، ويلوح لي أن ذلك هو السبب الأصيل في ميل الأفارقة من بعد إلى الأخذ بآراء أهل المدينة في الفقه، وإيثار الكثير منهم لمذهب مالك بن أنس وصحبه وقد قال الإمام الشافعي: «إذَا جَاوَزَ الحَديثُ الحَرَمَيْنِ (المَدِينَةِ وَمَكَّةَ) فَقَدْ ضَعُفَ نُخَاعُهُ» (١). ومهما يكن من أمر فقد سار يحيى في إفريقية سيرة الأخيار البررة الساعين لنشر تعاليم الملة السمحة، السالكين سبيل العفة والنزاهة في القول والعمل، وأقام يحيى في تونس نحو عشرين سنة بث في أثنائها علمًا كثيرًا، وأخلاقا مرضية، وتوفي سنة ١٤٣هـ (٧٢٠ م). مُشَارَكَةُ الإِفْرِيقِيِّينَ فِي العِلْمِ: وبين الرعيل الأول من الأفارقة الذين حملوا العلم الاسلامي:

стр. 15

- خالد بن أبي عمران التجيبي، وهو تابعي ابن تابعي، كان أبوه ممن صحب قديمًا عبد الله بن سلام الصحابي، ثم قدم مع جيش حسان بن النعمان سنة ٧٤ هـ. واستقر في مدينة تونس، وولد له خالد، فقرأ على أبيه وعلى غيره من حفظة القرآن ورواة الحديث، ثم رحل إلى المشرق وسمع من أعلامه، وروى عنه غير واحد من كبار الأيمة، مثل الليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعه وغيرهما، وروى له مسلم في " صحيحه "، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي، كما روى له مالك بن أنس في " الموطأ " بسند يحيى بن سعيد الأنصاري، وعاد خالد إلى إفريقية مُزَوَّدًا برواية زاخرة نقيًا عنه جماعة من أبناء البلاد، مثل عبد الملك بن أبي كر يمة، وعبد الرحمن بن زياد وسواهما، وتولى خالد قضاء إفريقية في ولاية عبد الله بن الحبحاب، وتوفي سنة ١٢٣هـ، وقد ترك ديوانًا كبيرًا في الحديث فيه مروياته عن تابعي المدينة. - عبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافري، كان أبوه من وجوه التابعين، وقد ولد له عبد الرحمن سنة ٧٤ هـ وجند حسان بن النعمان في دخوله إلى إفريقية. روى جانبًا كبيرًا من الحديث

стр. 16

على من كان في زمانه من التابعين المقيمين في إفريقية مثل خالد بن أبي عمران، وروى على الفقهاء الذين أرسلهم الخليفة عمر بن عبد العزيز مدة خلافته؛ لتفقيه أبناء المغرب، ثم رحل في طلب العلم إلى المشرق: مصر والشام والحجاز والعراق وصحب أبا جعفر المنصور العباسي قبل أن يلي الخلافة في مزاولة العلم بالكوفة، ورجع إلى القيروان وتولى القضاء بها مرتين، وأخذ عنه خلق لا يحصون من أبناء بلده وتوفي سنة ١٦١هـ. - علي بن زياد التونسي من أبناء مدينة تونس قرأ بها على خالد بن أبي عمران وغيره، وبالمشرق عن سفيان الثوري والليث بن سعد وابن لهيعة وغيرهم، وهو أول من أدخل "موطأ " مالك بن أنس و" جامع " سفيان الثوري الى المغرب " وروايته لـ " الموطأ " (*) مشهورة بين " الموطآت " يوجد منها قطعة صالحة في مكتبة القيروان العتيقة، وممن أخذ عنه من الأفارقة: أسد بن الفرات وسحنون "وقد قال سحنون في شأنه: «كَانَ أَهْلُ العِلْمِ بِالقَيْرَوَانِ إِذَا اِخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ كَتَبُوا بِهَا إِلَى عَلِيٍّ بْنِ زِيَادٍ، لِيُخْبِرُهُمْ مَنْ عَلَى صَوَابٍ فِيهَا»، وتوفي ابن زياد سنة ١٨٣هـ وقبره في حضرة

стр. 17

تونس معروف في أعلى الشارع الذي يحمله اسمه في ناحية القصبة. تَتَابُعُ الطَّبَقَاتِ: ثم تبتدئ طبقة ثانية يوافق ظهورها قيام الدولة الأغلبية في البلاد، ويمتاز رجال هذه الطبقة بالعكوف على أقوال الأئمة المجتهدين في التشريع يجمعون شتاتها، ويؤلفون بين موضوعاتها وَيُبَوِّبُونَ مَسَائِلَ الفِقْهِ وَيُنَسِّقُونَ أَحْكَامَهَا، وبعد أن وقفوا على تفسير القرآن وعرفوا رواية الحديث والسنن، وفي طليعة هذه الطبقة: - أسد بن الفرات بن سنان من أبناء جند خراسان، قدم به أبوه صغيرًا - ابن عامين - مع جيش محمد بن الأشعث الداخل إلى إفريقية سنة ١٤٤ هـ، فأقام بتونس، ثم توجه إلى الحجاز، وأخذ عن مالك بن أنس، ثم انحدر إلى الكوفة وبغداد، فقرأ على أصحاب أبي حنيفة النعمان، ولا سيما محمد بن الحسن الشيباني، وفيما هو عائد إلى بلده عَرَّجَ على مصر، فأخذ

стр. 18

عن عبد الرحمن بن القاسم، وعبد الله بن وهب وغيرهما، واعتمد على ابن القاسم في إنشاء مدونته المعروفة بـ " الأسدية "، وقد تلقى عنه أبناء إفريقية، مثل سحنون، وسليمان بن عمران وسواهما، ويمكن أن نعد أسد بن الفرات أول مؤسس للمدرسة الفقهية القيروانية، بيد أن هذه المدرسة لم تكن تنتسب إلى مذهب معين، بل كانت تروي أقوال كبار المجتهدين مع إيضاح ما بينها من فروق، وإنما كان ذلك؛ لأن المَذَاهِبَ السُّنِّيَّةِ لم تكن قد تعينت بعد، واستقل كل منها بنفسه، فان ذلك لم يتسق إلا في القرن الثالث للهجرة، وعلى أية حال فقد كان أسد بن الفرات يُقْرِئُ بالقيروان آراء مذهب أهل المدينة، ومذهب أهل العراق بالسوية، حينما أخذت كل طائفة تنحاز إلى مذهب بعينه. قال المالكي: «وَالمَشْهُورُ عَنْ أَسَدٍ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أَنَّهُ كَانَ يَلْتَزِمُ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَأهْلِ العِرَاقِ مَا وَافَقَ الحَقَّ عِنْدَهُ، وَيَحِقُّ لَهُ ذَلِكَ لاسْتِبْحَارِهِ فِي العُلُومِ وَبَحْثِهِ

стр. 19

عَنْهَا، وَكَثْرَةِ مَنْ لَقِيَ مِنَ العُلَمَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ» (١) وقال معاصره أبو سنان زيد بن سنان الأزدي: «وَكَانَ أَسَدُ إِذَا سَرَدَ قَوْلَ العِرَاقِيِّينَ يَقُولُ لَهُ مَشَايِخٌ كَانُوا يُجَالِسُونَهُ مِمَّنْ يَذْهَبُ إِلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ المَدِينَةِ: " أَوْقِدْ لَنَا القِنْدِيلَ الثَّانِي يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ " فَيَسْرُدُ أَقْوَالَ المَدَنِيِّينَ». ويجدر بنا هنا أن نلفت النظر إلى أن أشياع أهل العراق - أبي حنيفة وأصحابه - كانوا أوفر عددًا يومئذٍ من الذين يتابعون أهل الحجاز - مالك وأصحاب السنن - وما ذلك إلا لأن الأمراء من بني الأغلب رجال دولتهم كانوا يقلدون ساداتهم خلفاء بني العباس. وقد تولى أسد قضاء إفريقية لزيادة الله بن الأغلب، ثم خرج مجاهدًا إلى صقلية زعيمًا للجيش العربي، فاستشهد في فتحها سنة ٢١٣ هـ. كَيْفَ دَخَلَتْ الحَنَفِيَّةُ إِفْرِيقِيَّةَ ؟: حكى المقدسي في " رحلته " - وقد زار المغرب آخر القرن

стр. 20

الرابع للهجرة - رواية أخرى عن أخذ أسد بن الفرات لآراء أهل العراق، قال: «وَسَأَلْتُ علماء القيروان كيف وقع مذهب أبي حنيفة إليكم، ولم يكن على سابلتكم؟ - فقالوا: لما قدم عبد الله بن وهب من عند مالك ﵀ من المدينة إلى مصر، وقد حاز من الفقه والعلوم ما حاز، فاستنكف أسد بن الفرات أن يدرس عليه لجلالته وكبر نفسه، فرحل أسد إلى المدينة ليدرس على مالك، فوجده عليلاً، فلما طال مقامه عنده قال له مالك: " ارجع إلى ابن وهب فقد أودعته علمي، وكفيتكم به الرحلة، فصعب ذلك على أسد وسأل القوم: هل يعرف لمالك نظير؟ - فقيل له: فتى في الكوفة يقال له محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، فرحل أسد إليه، وأقبل عليه محمد بن الحسن إقبالاً لم يقبله على أحد، ورأى فهمًا وحرصًا، فزقه الفقه زقًا فلما علم محمد أنه قد استقل، وبلغ مراده فيه سيبه إلى المغرب، فلما دخل اختلف إليه فتيان القيروان، ورأوا فروعًا حَيَّرَتْهُمْ وَدَقَائِقَ أَعْجَبَتْهُمْ، وَمَسَائِلَ مَا طَنَّتْ عَلَى أُذُنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَتَخَرَّجَ

стр. 21

على أسد الخلق، "وفشا مذهب أبي حنيفة ﵀ بالمغرب» (١). ويبدو أن الحقيقة تجانب ما روى القدسي، فإن أسد بن الفرات لم يكن أول من أظهر آراء أهل العراق - أبي حنيفة وصحبه - بإفريقية، بل سبقه إلى ذلك بنصف قرن فقيه مُحَدِّثٌ جَلِيلُ القَدْرِ، هُوَ: - عبد الله بن عمر بن فروخ، أبو محمد الفارسي، أصله من خراسان، وقدم أبوه إفريقية فولد له بها ابنه عبد الله سنة ١١٥ هـ، وقرأ على محدثيها، ثم قصد الشرق واتصل في العراق بالأعمش (سليمان بن مهران) التابعي، وحمل عنه كثيرًا من الحديث، ثم اجتمع في الكوفة بالإمام أبي حنيفة النعمان وصحبه مدة طويلة، وكتب عنه مسائل كثيرة، يقال إنها عشرة آلاف مسألة، وكان ابن فروخ يميل إلى مذهب النظر والاستدلال، فغلب عليه القياس على طريقة أهل العراق فيما يتبين له أنه الصواب، ويروى أنه ناظر يومًا زُفَرَ في مجلس أبي حنيفة، فازدراه زُفَرُ لهيئته الإفريقية ولباسه المغربي، فلم يزل يناظره

стр. 22

حتى علا ابن فروخ عليه، وقطعه بالحجة والدليل، فأنكر أبو حنيفة على زفر ازدارءه بابن فروخ وعاتبه، ثم تحول ابن فروخ من العراق إلى الحجاز، ولقي الإمام مالك بن أنس، وسمع منه وتفقه عليه، وكتب عنه مسائل كثيرة معروفة، ثم عاد آخرًا إلى بلده القيروان، وانتدب لتعليم الناس، وانتفع به خلق كثير من أبناء البلاد، فعن فروخ، وعن تلاميذه انتشرت آراء أهل العراق في إفريقية، وكان هو أول من أظهرها بها. وكانت وفاته سنة ١٧٢ هـ. من ذلك الحين انتشرت أقوال الإمام أبي حنيفة وأصحابه في إفريقية أيما انتشار، ولبثت تزدهر من أواخر القرن الثاني إلى أواسط القرن الرابع. وقد نَبَّهَ المقدسي في " رحلته "إلى الوفاق بين الحنفيين والمالكيين بقوله: « ... وَمَا رَأَّيْتُ فَرِيقَيْنِ أَحَسَنَ اِتِّفَاقًا وَأَقَلَّ تَعَصُّبًا مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ القَيْرَوَانِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَحْكُونَ عَنْ قُدَمَائِهِمْ فِي ذَلِكَ حِكَايَاتٍ عَجِيبَةٍ حَتَّى قَالُوا: إِنَّهُ كَانَ [الحَاكِمُ] أَي القَاضي - سَنَةً حَنَفِيًّا، وَسَنَةً مَالِكِيًّا»

стр. 23

وقد حدث مثل ذلك بالفعل في مدة بني الأغلب، فلما سقطت دولتهم، وقامت الدولة الفاطمية الشيعية النحلة تضاءل عدد المستمسكين بالمذهب الحنفي حتى انقطع تمامًا في آخر عهد المعز لدين الله قبل انتقاله إلى ملك مصر سنة ٣٦١ هـ. ولم يبق بإفريقية من أهل السنة غير المالكيين، أو بعض المقلدين لمذهب الإمام الشافعي. وقد وفقني الله تعالى إلى جمع شطر جليل من تراجم علماء الحنفية الأفارقة، فخصصتهم ببحث مستقل عَرَّفْتُ فيه بهم، وجلوت سيرتهم ومآثرهم، وسينشر فيما بعد إن شاء الله. المَدْرَسَةُ المَالِكِيَّةُ: - سحنون بن سعيد التنوخي، من أبناء الجند العربي، ولد في القيروان سنة ١٦٠ هـ، وأخذ في إفريقية عن علي بن زياد، وأسد بن الفرات وغيرهما، ورحل إلى الحجاز، ولم يدرك مالكًا، ورجع إلى مصر فسمع من عبد الرحمن بن قاسم، وعليه غالب اعتماده، وأخذ عن غيره من كبار تلاميذ مالك،

стр. 24

وعلي بن القاسم راجع " مدونة " شيخه أسد بن الفرات وقد ظهر لابن القاسم العدول عن بعض آرائه الأولى واتخاذ آراء غيرها، وعاد سحنون إلى بلاده، وأراد أن يحمل أَسَدًا على إصلاح " الأسدية " على ما تلقاه من ابن القاسم، فلم يوافقه أسد. واستمر سحنون بما أوتي من براعة ومقدرة يبث فقه أهل المدينة خاصة - مالك وأصحابه - ولا سيما بعد استشهاد أسد بن الفرات في صقلية، وَلِذَا عُدَّ سحنون أول من أظهر الفقه المدني ورجحه، وأرسخ كلمته في إفريقية والمغرب، وقد امتاز سحنون بخصال نادرة، منها: جمعه بين الاستقامة التامة والدين، ورجحان العقل والعفة، مع استقلال الفكر وقوة الشكيمة؛ وتوارد عليه عدد لا يحصى من المتعلمين من أنحاء المغرب، ولا سيما الأندلس، وصارت حلقة تدريسه أكبر حلقة عرفت لأستاذ، قيل إنه كان يجلس فيها أربعمائة طالب علم؛ ولما ناله سحنون من الشهرة والصيت البعيد أولاه الأمير الأغلبي قضاء إفريقية سنة ٢٣٤هـ فأظهر مقدرة منقطعة النظير في تنظيم مهمة القضاء، بل إنه وضع الكثير من أصول المؤسسات الشرعية في

стр. 25

إفريقية، مثل دستور «أحكام السوق» وهي وظيفة الحسبة، ونظإم قضاة الآفاق، وكشف الشهود، وسنن التعليم الابتدائي، وتعيين أيمة المساجد إلى غير ذلك من الأوضاع التي جرى بها العمل مئات السنين، وما زال بعضها سنة متبعة إلى يوم الناس هذا. وفي مدة قضائه اجتهد سحنون في تعطيل الدروس التي كان يلقيها أصحاب الأهواء، والنحل الخارجة عن السنة في الجامع الكبير، مسجد عقبة بالقيروان، مثل الصُّفْرِيَّةِ، وَالمُرْجِئَةِ، وَالمُشَبِّهَةِ، وَالمُعْتَزِلَةِ وغيرهم، حتى ألزمهم إخلاء الجامع من حلقهم، ولم تعد إليه بعد. وقصارى القول أن سحنون بن سعيد يعد بحق المؤسس الأول لمدرسة الفقه المالكي في إفريقية، بل في المغرب عامة كما كان الأسوة الحسنة لمن جاء بعده من علماء السنة في دراسة العلوم الفقهية، وشرح أصول السنة، وتوفي سنة ٢٤٠ هـ. وتمتاز الطبقة التي تلي هذه بتفسير أقوال من تقدمهم وإيضاح آرائهم، وتطبيق الفروع على الأصول، وفي طليعتها:

стр. 26

محمد بن سحنون، أخرجه والده متخلقًا بالكثير من هديه وخصاله، وجلس يدرس أقوال أبيه. وعني بالتأليف فوضع أكثر من مائتي جُزْءٍ في فنون العلم، ولا سيما شرح المجمل من " مدونة " أبيه، ومن كتبه " آداب المعلمين " الذي بين أيدينا، وهو أول من فتح هذا الباب، وتوفي سنة ٢٥٦ هـ. محمد بن عبدوس، تلميذ سحنون، وأحد البارزين من صحبه، كان بارعًا في الفقه المالكي، قوي الاستنباط، هو رابع المحمدين الذين اجتمعوا في عصر واحد من أيمة مذهب مالك، والثلاثة هم: محمد بن سحنون، وهو قيرواني مثله، ومحمد بن عبد الحكم، ومحمد بن المواز، وكلاهما مصري، وعن محمد بن عبدون أخذ جماعة لا يحصون من أبناء إفريقية والأندلس، وألف كُتُبًا كثيرة منها كتاب " التفاسير " فَسَّرَ فيه أصول الفقه وشرح مسائل " المدونة " وغيرها، وتوفي سنة ٢٦٠ هـ. - يحيى بن عمر الكناني، ولد بالأندلس، ثم استوطن إفريقية بعد أن جال في عواصم الشرق، وروى عن كبار علمائه، واستقر أخيرًا في مدينة سوسة، وأكثر اعتماده على شيخه

стр. 27

سحنون، وتفقه به خلق كثير، منهم: ابن اللباد، وأبو العرب التميمي، وأبو العباس الأبياني، وصنف نحو أربعين مؤلفًا في الحديث والفقه، والرد على أهل البدع، وفي فضائل المرابطة، ومنها كتاب فريد في بابه، وهو " أحكام السوق " (١) أبان فيه نظام المدائن في الإسلام، ومهمة الحسبة، وهو - فيما عرفنا - أقدم من ضبط أصولها وأحكامها، وتوفي في سوسة سنة ٢٨٩ هـ، ومكان قبره بها مشهور. ثم كانت بإفريقية طبقة أخرى من حملة علوم الشريعة على مذهب مالك، وقد شهدت هذه الطبقة سقوط الدولة الأغلبية - سنة ٢٩٦ هـ - وقيام الدولة الفاطمية الشيعية مكانها، وقد حاول ملوك العبيديين القضاء على مذهب أهل السنة، وتسويد النحلة الشيعية، وقاسى علماء القيروان من جراء ذلك ألوان الاضطهاد والمناواة، فأخفت صوتهم، ومنع نشر تعاليمهم مدة ستين عَامًا أو أكثر، كما لقي القائمون بالدعوة الشيعية من مقاومة علماء

стр. 28

السنة، واستنكار الأمة الإفريقية ما أدى إلى وقوع أحداث دموية عنيفة في شوارع القيروان، وكان ذلك من أكبر أسباب يأس الفاطميين من نجاح دعوتهم في البلاد، وتمكينها من معتقد الأفارقة، حتى اضطر العبيديون إلى نقل عاصمتهم من القيروان إلى المهدية بعض حين، ثُمَّ وَلَّوْا وُجُوهَهُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ، ساعين إلى امتلاك مصر، حتى استولوا عليها وسكنوها - سنة ٣٦٢ هـ - وكان على رأس المقاومين للشيعة في نشر دعوتهم بين الأفارقة: - أبو عثمان سعيد بن الحداد الغساني، تلميذ سحنون وغيره عني منذ صغره بعلم الكلام والجدل، والقول بالنظر والحجة، وكان مفرط الذكاء وقاد القريحة مُتَفَنِّنًا في سائر العلوم، لا يخلد إلى مذهب من المذاهب، بل كان يذم التقليد ويقول: «هُوَ مِنْ نَقْصِ العُقُولِ، وَتَقَاعُسِ الهِمَمِ»، وهو أكبر مناضل عن السُّنَّةِ أنبتته التربة الإفريقية، وله مواقف حاسمة مع دعاة الشيعة في " رَقَّادَةَ " منذ بزغت دولتهم، وقد سجل لنا التاريخ بعض مجالس الجدل بينه وبين الشيعيين، حتى شبهه معاصروه بأحمد بن حنبل

стр. 29

أيام المحنة بخلق القرآن، وتوفي سعيد سنة ٣٠٢ هـ. - أبوبكر محمد بن اللباد، وجده الأعلى أحد موالي موسى بن نصير، أخذ عن تلاميذ سحنون كيحيى بن عمر، وسعيد الحداد وغيرهما، وبرع في الفقه إلى أن حاز رياسة المالكية في إفريقية، ولذا امتحنه دعاة الشيعة ومنعوه من إلقاء دروسه بالمسجد الجامع، ثم سجن مع المجرمين في المهدية، ثم أطلق وألزم الاعتكاف في بيته، فكان تلاميذه - ومنهم عبد الله بن أبي زيد - يقصدونه خفية، ويجعلون كتبهم في أوساطهم حتى تبتل بالعرق، وداوم على الإقراء، وقد استفاد منه جيل كامل حافظوا على سند الشيوخ المتوارث، وتوفي سنة ٣٣٣ هـ. تَفَرُّدُ المَالِكِيَّةُ بِإِفْرِيقِيَّةَ: ثم كانت طبقة أخرى شهدت جلاء الشيعة إلى مصر، وقيام الأمراء من بني زيري الصنهاجيين مكان بني عبيد الله الفاطميين، وقد خفت وطأة التضييق على المالكية إذ أصبح جمعهم بمأمن من المقاومة والتنكيل، وفي ذلك الحين نبغ فقهاء أعلام، في مقدمتهم:

стр. 30

- عبد الله بن أبي زيد القيرواني، أبو محمد، تلميذ ابن اللباد وغيره، وبرع في علوم الشريعة، حتى انتهت إليه إمامة المالكية ورياستها في عصره، وإليه كانت الرحلة من آفاق المغرب، حتى قيل فيه «مالك الأصغر»، وعني بالتأليف، وملأت مصنفاته البلاد، وهو الذي لخص المذهب المالكي، وَرَجَّحَ أَقْوَالَهُ، وجمع بين آراء المتقدمين، ولا سيما في كتابه " النوادر والزيادات " على " المدونة "، إذ استوعب فيه فروع المذهب، فصار بمثابة، " مسند أحمد بن حنبل " عند المحدثين، وهو يخرج في أكثر من عشرين جُزْءًا كبيرًا (١)، وقال ابن خلدون فيه: «وَجَمَعَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ جَمِيعَ مَا فِي الأُمَّهَاتِ مِنَ المَسَائِلِ وَالخِلاَفِ وَالأَقْوَالِ فِي كِتَابِ " النَّوَادِرِ " فَاشْتَمَلَ عَلَى جَمِيعِ أَقْوَالِ المَذَاهِبِ، وَفَرْعِ الأَمَّهَاتِ كُلِّهَا فِي هَذَا الكِتَابِ ... وَزَخَرَتْ بِحَارُ المَذْهَبِ المَالِكِيِّ فِي الأُفُقَيْنِ - المَغْرِبِيِّ وَالأَنْدَلُسِيِّ - إِلَى انْقِرَاضِ دَوْلَةِ قُرْطُبَةَ وَالقَيْرَوَانِ» (٢). وقد ألف ابن أبي زيد " الرسالة المشهورة " التي جمعت في أوراق قليلة عقيدة أهل السنة (٣) والفروض في أسلوب بديع، وتناولها المفسرون بأكثر من مائة شرح،

стр. 31

وترجم أصلها إلى غير لغة أجنبية، وله أيضًا ردود على أهل البدع والاهواء المخالفة للسنة، وعلى الجملة كان ابن أبي زيد - بعد حركة التشيع الظاهرة في البلاد - كالمجدد للسنة ولمذهب مالك خاصة " ويعد رأسًا للمدرسة المغربية التي محت ما قبلها، وكانت بَدْءًا للحركة الفقهية المنشورة في عهد الدولة الصنهاجية إلى إبان الزحف الهلالي، وتوفي ابن أبي زيد سنة ٣٨٦ هـ. وقد تلقى عنه جماعة كثيرة من أشهرها: - علي بن خلف المعافري المعروف بأبي الحسن القابسي، من كبار الفقهاء المحدثين، قرأ في القيروان، ثم رحل إلى المشرق، وسمع من علية رواة الحديث، وهو أول من أدخل " صحيح البخاري " إلى إفريقية، وألف كثيرًا في الفقه والحديث مثل " ملخصه لكتاب الموطأ " وغيره، أما أصحابه وتلاميذه فيعدون بالمئات من أفارقة ومغاربة وأندلسيين. ولا ننسى أنه كان في أوائل من أظهروا آراء أبي الحسن الأشعري ومذهبه في العقائد، ولقد سعى إلى نشر هذه الآراء في البلاد الإفريقية، وأيدها برسالة في مناصرة الأشعرية، وتوفي القابسي في سنة ٤٠٣ هـ.

стр. 32

ثم كانت طبقة أخرى عاصرت الدولة الصنهاجية بالقيروان في عنفوانها وازدهار حضارتها، أعني في دولة باديس وابنه المعز، وقد أسهمت في قمع بقايا المنتسبين إلى مذهب الشيعة في إفريقية، وحرضت على قطع الصلة بالملوك الفاطميين المقيمين بمصر، وشاركت الأمراء في النداء بتوحيد المذهب في المغرب عامة، وفي حمل أهلية على استنان مذهب مالك دون سواه سنة ٤٣٠ هـ. ومن أبرز هذه الطبقة: - أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الخولاني، من تلاميذ ابن أبي زيد والقابسي، وحاز الذكر ورياسة الدين بالقيروان في وقته. مع أبي عمران القابسي، وتخرج عليه أصحاب يزيدون عن مائة وعشرين، وكلهم مقتدى بهم في المذهب، وتوفي سنة ٤٣٢ هـ. - أبو الطيب عبد المنعم الكندي، من أجلاء الفقهاء، وأصحاب النظر في علوم الحساب والهندسة، وبه تفقه جماعة منهم: أبو الحسن اللخمي وعبد الحميد الصائغ وغيرهما، وتوفي سنة ٤٣٥هـ.

стр. 33

- أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد اللبيدي، من صغار أصحاب ابن أبي زيد والقابسي، ألف كتابًا جامعًا في المذهب المالكي أزيد من مائتي جزء في عامة مسائل الفقه وبسطها وتفريعها، وزيادات على الأمهات ونوادر الروايات، توفي سنة ٤٤٠هـ. اِنْفِصَالُ إِفْرِيقِيَّةَ عَنْ الشَّرْقِ: وفي تلك الحقبة كانت الكارثة العظمى بزحف بني هلال وبني سليم وإليك بيانها: كان المعز بن باديس الصنهاجي الذي تولى إمارة إفريقية في السادسة من عمره، قد تولى تربيته رجال مستمسكون بالسنة المالكية، فكبر وترعرع في بيئة علم وأدب لم ترق البلاد رقيها من قبل، والحضارة يومئذ في الأوج، فاطمأنت نفسه إلى إمكان التحرر من سيادة الفاطميين بمصر، مُجَارِيًا في ذلك ميول الأمة الإفريقية، فما فتىء يتخذ الوسائل للانفصال عن سلطان الفاطميين البعيد المتضائل على الأيام، تؤازره على ذلك صفوة العلماء، ويؤيده الشعب، وضل يقاوم شيئًا فشيئًا خطة ملوك

стр. 34

الشيعة في العقيدة، وفي السياسة، ماضيًا في حركة الاستقلال بالبلاد، حتى جاهر بلعن بني عبيد على المنابر، وأنكر سيادتهم، وجحد ولاءهم وقاطعهم وكانت باكورة أعماله أن حمل الأهليين على الاستمساك بمذهب مالك دون سواه، ولم يكن قد صنع ذلك وحده، بل سبقه إليه بزمان طويل ملوك بني أمية بالأندلس، فانتهجوا هذا المسلك في حمل الأمة على إيثار مذهب مالك، وما كان المعز بن باديس ليخشى غائلة الفاطميين، وبينهم وبين المغرب مفازة من الإسكندرية إلى قابس يتعذر اقتحامها على جيوش دولة دَبَّ فِيهَا الوَهَنُ وَالإِخْلاَلُ، فأقبل المعز على أمره يحرر من سلطان العبيديين، ويقطع الأسباب بينه وبين المشرق الشيعي. وبلغ المعز في ذلك مناه، مستجيبًا لرغبة شعبه، فتمتعت البلاد بالاستقلال نحو عشرين سنة، ولكن دهاة رجال الفاطميين دبروا المكر بالمعز وبقومه الأفارقة، ورموهم بجنود من أعراب بني هلال وبني سليم كانوا يقيمون على الشاطئ الشرقي للنيل، فأباحوا لهم أن يجوزوا المغرب، فانحدروا

стр. 35

كالسيل الجارف لاَ يُبْقِي وَلاَ يَذَرُ، ولا بلغوا تخوم إفريقية تصدى لهم المعز يحاول صدهم عن البلاد، فانصبوا عليه وعلى عساكره، وألحقوا بهم هزيمة كانت القضاء المبرم على حضارة إفريقية العربية، واضطر المعز أن يلتجىء إلى حصن المهدية. فملك الأعراب القيروان دونه، ورحل منها أمامهم ساكنوها متفرقين أيدي سبأ، ولم يبق بها إلا قلة مستضعفة استكانت لغلبة المهاجمين، وانقادت لسلطانهم سنة ٤٤٩هـ. وهكذا تقلص ظلال العلم من رحاب القيروان، وفارقها العلماء إلى خارج البلاد، وإلى بعض مدائن الساحل التونسي، إلا ما يذكر عن أحد الحفاظ، آثر المقام بالقيروان بعد خرابها المشؤوم، ذلك هو الإمام بقية السلف الصالح، وخاتمة الأيمة النظار: عبد الخالق التميمي المعروف بالسيوري، فإنه لم يغادر العاصمة، وبقي بها إلى آخر أيامه، وكان من وجوه أصحاب أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي عمران القابسي، ومن في طبقتهما، وانتفع به خلق كثير، لانفراده برواية الحديث والفقه، ومن

стр. 36

مشهوري تلاميذه الناقلين عنه: عبد الحميد بن الصائغ، وأبو الحسن اللخمي، ويقول الدباغ في شأنه: «السُّيُورِيُّ آخِرُ طَبَقَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَخَاتِمَةُ أَيِمَّةِ القَيْرَوَانِ». توفي سنة ٤٦٠ هـ أو بعدها بقليل. وهنا تبتدئ طبقة أخرى من علماء الشريعة الذين انتقلوا من القيروان إلى الساحل التونسي واستوطنوه وأقرأوا به، وعلى رأسهم فقيهان جليلان، هما: - علي بن محمد الربعي المعروف بأبي الحسن اللخمي من أبناء القيروان، قرأ بها على جماعة منهم أبو الطيب عبد المنعم، وبخاصة الإمام السيوري، فلما جلا السكان عن القيروان قصد مدينة صفاقس واتخذها مقرًا له، فطار له فيها صيت، وكانت له رياسة، يقصده طلاب العلم يروون عنه، منهم الإمام محمد المازري، وقد وضع اللخمي مصنفات أجلها " التبصرة "، أخرج فيه الخلاف في مذهب مالك، واستقرار الاقوال، وربما اتبع في بعض المسائل نظره الخاص، وخالف مشهور المذهب فيما يرجح عنده، فخرجت مختاراته عن القواعد المالكية

стр. 37

المقررة، وتوفي سنة ٤٧٨ هـ، وقبره في صفاقس مشهور. - عبد الحميد بن محمد الصائغ، من أبناء القيروان أيضًا، أخذ عن أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي الطيب الكندي، والسيوري وغيرهم، وتحول إلى سكنى المهدية وتولى بها الفتيا، وسمع منه خلق لا يحصون، في مقدمتهم محمد المازري، ثم دارت عليه محنة من السلطان، فانتقل الى مدينة سوسة، وبها قضى بقية عمره بين التدريس والتأليف وتوفي سنة ٤٨٦ هـ وقبره معروف على مقربة من البحر، خارج المدينة. هذان الإمامان هما، شيخا المازري، وعليهما اعتماده في الرواية والسند العلمي القيرواني. والآن وقد جلونا كيف انتهت الطريقة العلمية إلى المازري، نبحث كيف انتقلت هذه الطريقة منه إلى إصحابه وتلاميذه، لكي نرى كيف تحول سند العلم من مبحثه الأصيل - وهو القيروان - إلى المهدية - ثانية العواصم الإسلامية في إفريقية - ثم إلى مدينة تونس، قاعدة الملك الأخيرة، وكيف ظل السند موصولاً إلى أن بلغ عصرنا القريب.

стр. 38

ونمهد لذلك بكلمة نجمل فيها مزية المازري، فإنه لما توفي الشيخان «اللخمي» و «ابن الصائغ»، وتعين على كبير تلاميذهما: محمد المازري - أن يخلفهما في حمل لواء العلوم الشرعية في الساحل التونسي، بل في إفريقية كلها، ولم يتقلد المازري هذه الزعامة بأمر سلطاني، بل بإجماع الكلمة من أهل البلاد، فتصدر لنشر التعاليم الدينية وتدوينها، وقد أقبل على التدريس بالمهدية، والتف حوله طلاب ممتازون تلقوا عنه سند المالكية بالرواية المتوارثة الصحيحة، وحملوا عنه مصنفاته الفقهية، وأماليه في شرح الحديث والسنن، وهو يمتاز عن غيره من متقدمي الفقهاء الأعلام بأسلوبه الواضح في التعبير والتقرير، وما كتب في مسالة فقهية، أو أصدر فتوى شرعية إلا دعمها بتطبيق أقواله على قواعد الأصول، متبعًا في ذلك المنهج المنطقي، وما انتهى إلى قول من الأقوال إلا بعد أن مهد له بالحجة، وأقام عليه البرهان، وتلك طريقة مستحدثة في التأليف والتدوين العلمي الإسلامي في أثناء القرن السادس الهجري وما تلاه، وإنها لطريقة حكيمة في إثبات الحقائق، ولا سيما في الأحكام

стр. 39

والمبادئ، ومتى كانت هذه الطريقة معززه بإنشاء متين كانت أوقع في النفس، وأقوى على الإقناع. ومن تعداد تلاميذ المازري والآخذين عنه سواء بالتلقي، أو بالإجازة، يستبين لنا ما بلغه صيته العلمي مدة حياته، ونجتزئ هنا بالإشارة إلى من لازم درسه واستفاد بالنقل عنه، إلى أن خلفه بعد وفاته في نشر ما كان يحمل من السند والرواية. فمن أشهر تلاميذه الأفارقة: - أبو يحيى زكرياء بن الحداد المهدوي، عني به المازري عناية خاصة، ورشحه للمناصب الشرعية التي اعتذر عن قبولها لنفسه، وقد تحقق عنده دينه وعلمه وفضله، فأشار على الأمير الصنهاحي يحيى بن تميم بن المعز باختياره لمنصب القضاء بالمهدية فسار فيها سيرة أهل العدل والصلاح، وقد خلف شيخه المازري في الرياسة الدينية، إلى أن توفي في حدود سنة ٥٧٠ هـ، وتخرج عليه كثير من الفقهاء، منهم: - عبد السلام البُرْجِينِيُّ، نسبة إلى البرجين، إحدى

стр. 40

قرى الساحل، أقام في فترة صغيرة بالمهدية في صحبة ابن الحداد وروى عنه ما يحمل من علوم الشريعة، وانتفع به كثيرًا، ثم تحول إلى سكنى مدينة تونس بعد استيلاء الأمراء الموحدين عليها، واتصل بأعيان الدولة، ولا سيما الشيخ أبو محمد عبد الواحد بن أبي حفص ممهد المملكة الحفصية، وتولى القضاء والإفتاء في مدة ولايته، وتصدى مع ذلك لنشر التعاليم الدينية بين شباب الطلاب التونسيين، إذ لم يكن في عصره من هو قائم بها مثله، وكانت العاصمة الجديدة - مدينة تونس - في أشد الحاجة إلى معلمين مرشدين لخلو البلاد من حملة العلم بعد خراب القيروان واستيلاء نصارى النُّرْمَانِ على ساحل البلاد، فظهر البرجيني كالعلم المفرد في الاستمساك بالرواية الفقهية والسند العلمي المأثور من لدن الفتح في طبقة بعد طبقة. وقد وهم المؤرخون وأصحاب الطبقات الذين تحدثوا عن ذلك العصر، إذ جعلوا البرجيني من تلاميذ المازري، وأنه روى عنه أصالة، على حين أن المازري مات سنة ٥٣٦ هـ والبرجيني ولد بعد ذلك، وَعَمَّرَ حتى مات سنة ٦٣٠ هـ، فلا
следующие страницы →