← Тараджим

Тараджим · id 115122

الإمام المازري

حسن حسني عبد الوهاب

Полный текст (98 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مشهوري تلاميذه الناقلين عنه: عبد الحميد بن الصائغ، وأبو الحسن اللخمي، ويقول الدباغ في شأنه: «السُّيُورِيُّ آخِرُ طَبَقَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَخَاتِمَةُ أَيِمَّةِ القَيْرَوَانِ». توفي سنة ٤٦٠ هـ أو بعدها بقليل. وهنا تبتدئ طبقة أخرى من علماء الشريعة الذين انتقلوا من القيروان إلى الساحل التونسي واستوطنوه وأقرأوا به، وعلى رأسهم فقيهان جليلان، هما: - علي بن محمد الربعي المعروف بأبي الحسن اللخمي من أبناء القيروان، قرأ بها على جماعة منهم أبو الطيب عبد المنعم، وبخاصة الإمام السيوري، فلما جلا السكان عن القيروان قصد مدينة صفاقس واتخذها مقرًا له، فطار له فيها صيت، وكانت له رياسة، يقصده طلاب العلم يروون عنه، منهم الإمام محمد المازري، وقد وضع اللخمي مصنفات أجلها " التبصرة "، أخرج فيه الخلاف في مذهب مالك، واستقرار الاقوال، وربما اتبع في بعض المسائل نظره الخاص، وخالف مشهور المذهب فيما يرجح عنده، فخرجت مختاراته عن القواعد المالكية

стр. 37

المقررة، وتوفي سنة ٤٧٨ هـ، وقبره في صفاقس مشهور. - عبد الحميد بن محمد الصائغ، من أبناء القيروان أيضًا، أخذ عن أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي الطيب الكندي، والسيوري وغيرهم، وتحول إلى سكنى المهدية وتولى بها الفتيا، وسمع منه خلق لا يحصون، في مقدمتهم محمد المازري، ثم دارت عليه محنة من السلطان، فانتقل الى مدينة سوسة، وبها قضى بقية عمره بين التدريس والتأليف وتوفي سنة ٤٨٦ هـ وقبره معروف على مقربة من البحر، خارج المدينة. هذان الإمامان هما، شيخا المازري، وعليهما اعتماده في الرواية والسند العلمي القيرواني. والآن وقد جلونا كيف انتهت الطريقة العلمية إلى المازري، نبحث كيف انتقلت هذه الطريقة منه إلى إصحابه وتلاميذه، لكي نرى كيف تحول سند العلم من مبحثه الأصيل - وهو القيروان - إلى المهدية - ثانية العواصم الإسلامية في إفريقية - ثم إلى مدينة تونس، قاعدة الملك الأخيرة، وكيف ظل السند موصولاً إلى أن بلغ عصرنا القريب.

стр. 38

ونمهد لذلك بكلمة نجمل فيها مزية المازري، فإنه لما توفي الشيخان «اللخمي» و «ابن الصائغ»، وتعين على كبير تلاميذهما: محمد المازري - أن يخلفهما في حمل لواء العلوم الشرعية في الساحل التونسي، بل في إفريقية كلها، ولم يتقلد المازري هذه الزعامة بأمر سلطاني، بل بإجماع الكلمة من أهل البلاد، فتصدر لنشر التعاليم الدينية وتدوينها، وقد أقبل على التدريس بالمهدية، والتف حوله طلاب ممتازون تلقوا عنه سند المالكية بالرواية المتوارثة الصحيحة، وحملوا عنه مصنفاته الفقهية، وأماليه في شرح الحديث والسنن، وهو يمتاز عن غيره من متقدمي الفقهاء الأعلام بأسلوبه الواضح في التعبير والتقرير، وما كتب في مسالة فقهية، أو أصدر فتوى شرعية إلا دعمها بتطبيق أقواله على قواعد الأصول، متبعًا في ذلك المنهج المنطقي، وما انتهى إلى قول من الأقوال إلا بعد أن مهد له بالحجة، وأقام عليه البرهان، وتلك طريقة مستحدثة في التأليف والتدوين العلمي الإسلامي في أثناء القرن السادس الهجري وما تلاه، وإنها لطريقة حكيمة في إثبات الحقائق، ولا سيما في الأحكام

стр. 39

والمبادئ، ومتى كانت هذه الطريقة معززه بإنشاء متين كانت أوقع في النفس، وأقوى على الإقناع. ومن تعداد تلاميذ المازري والآخذين عنه سواء بالتلقي، أو بالإجازة، يستبين لنا ما بلغه صيته العلمي مدة حياته، ونجتزئ هنا بالإشارة إلى من لازم درسه واستفاد بالنقل عنه، إلى أن خلفه بعد وفاته في نشر ما كان يحمل من السند والرواية. فمن أشهر تلاميذه الأفارقة: - أبو يحيى زكرياء بن الحداد المهدوي، عني به المازري عناية خاصة، ورشحه للمناصب الشرعية التي اعتذر عن قبولها لنفسه، وقد تحقق عنده دينه وعلمه وفضله، فأشار على الأمير الصنهاحي يحيى بن تميم بن المعز باختياره لمنصب القضاء بالمهدية فسار فيها سيرة أهل العدل والصلاح، وقد خلف شيخه المازري في الرياسة الدينية، إلى أن توفي في حدود سنة ٥٧٠ هـ، وتخرج عليه كثير من الفقهاء، منهم: - عبد السلام البُرْجِينِيُّ، نسبة إلى البرجين، إحدى

стр. 40

قرى الساحل، أقام في فترة صغيرة بالمهدية في صحبة ابن الحداد وروى عنه ما يحمل من علوم الشريعة، وانتفع به كثيرًا، ثم تحول إلى سكنى مدينة تونس بعد استيلاء الأمراء الموحدين عليها، واتصل بأعيان الدولة، ولا سيما الشيخ أبو محمد عبد الواحد بن أبي حفص ممهد المملكة الحفصية، وتولى القضاء والإفتاء في مدة ولايته، وتصدى مع ذلك لنشر التعاليم الدينية بين شباب الطلاب التونسيين، إذ لم يكن في عصره من هو قائم بها مثله، وكانت العاصمة الجديدة - مدينة تونس - في أشد الحاجة إلى معلمين مرشدين لخلو البلاد من حملة العلم بعد خراب القيروان واستيلاء نصارى النُّرْمَانِ على ساحل البلاد، فظهر البرجيني كالعلم المفرد في الاستمساك بالرواية الفقهية والسند العلمي المأثور من لدن الفتح في طبقة بعد طبقة. وقد وهم المؤرخون وأصحاب الطبقات الذين تحدثوا عن ذلك العصر، إذ جعلوا البرجيني من تلاميذ المازري، وأنه روى عنه أصالة، على حين أن المازري مات سنة ٥٣٦ هـ والبرجيني ولد بعد ذلك، وَعَمَّرَ حتى مات سنة ٦٣٠ هـ، فلا

стр. 41

يصح في العقل أن يكون قد أخذ عنه، والذي تحقق لنا بعد المراجعة والتمحيص أن البرجيني قرأ على الشيخ أبي يحيى بن الحداد المهدوي، فبذلك تصح الرواية ويتسق التاريخ. وكان البرجيني على جانب من التقوى، وهو الذي لحد صديقه الشيخ خلف بن يحيى التميمي المشهور بأبي سعيد الباجي دفين جبل المنار المتسمى اليوم باسمه، وذلك سنة ٦٢٨ هـ. ولا بد من التنبيه إلى أنه في العهد الذي انتقلت فيه دراسة العلوم الشرعية من القيروان إلى المهدية، ومنها إلى تونس، كانت كتب الدراسة للعقائد وللفقه المالكي إنما هي أمهات من المؤلفات وضعها علماء القيروان، مثل " الرسالة " لابن أبي زيد - وهي للمبتدئين - و" تهذيب المدونة " للبراذعي القيرواني، و" التعليقة " وهي شرح " المدونة " لأبي إسحاق إبراهيم التونسي القيرواني، و" التبصرة " لأبي الحسن اللخمي، إلى كثير من المؤلفات يعيى بها صاحبها الحصر والإحصاء. -عبد العزيز القرشي المعروف بِابْنِ بَزِيزَةَ، مولده في سنة ٦٠٦ هـ، وهو من كبار الحفاظ المجتهدين المعترف لهم

стр. 42

بالتقوى في علوم الشرع، وفي الأدب الرفيع، كما تشهد بذلك مؤلفاته المتعددة، وعليه تخرجت طبقة من المشتغلين بالعلوم الدينية من طلبة الحضرة التونسية، ممن أحيوا سنن البحث، وتدريس الفقه أصوله وفروعه، وتوفي سنة ٦٦٢ هـ. ومن أشهر تلاميذه: - أبو القاسم بن أبي بكر اليمني المعروف بابن زيتون، مفتي إفريقية وقاضيها في مدة الأمير أبي زكرياء الأول، وابنه محمد المستنصر. مولده سنة ٦٢١ هـ، وقد تخرج عن ابن بزيزة وغيره، ثم رحل إلى المشرق وروى بمصر عن العز بن عبد السلام، والحافظ المنذري، وعاد إلى تونس يحمل تعاليم المشرق وأصوله في التدريس، وله رواية واسعة، وأخذ عنه من أبناء البلاد من لا يعد كثرة، وهو الذي تولى تحرير عقد الصلح المنبرم بين المستنصر بالله وجيش الفرنسيس بعد موت لويس التاسع ملك فرنسا في قرطاجنة (المحرم سنة ٦٦٩ هـ / ١٢٧٠ م). وتوفي ابن زيتون سنة ٦٩١ هـ.

стр. 43

قال العلامة ابن خلدون: «وَبَعْدَ انْقِرَاضِ الدَّوْلَةِ بِمَرَّاكُشَ اِرْتَحَلَ إِلَى المَشْرِقِ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ القَاضِي أَبُو القَاسِمِ بْنُ زَيْتُونَ لِعَهْدِ أَوَاسِطِ المِائَةِ السَّابِعَةِ فَأَدْرَكَ تِلْمِيذُ الإِمَامِ ابْنِ الخَطِيبِ فَأَخَذَ عَنْهُمْ وَلَقَّنَ تَعْلِيمَهُمْ. وَحَذِقَ فِي العَقْلِيَّاتِ وَالنَّقْلِيَّاتِ وَرَجَعَ إِلَى تُونِسَ بِعِلْمٍ كَثِيرٍ وَتَعْلِيمٍ حَسَنٍ. وَجَاءَ عَلَى أَثَرِهِ مِنَ المَشْرِقِ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ شُعَيْبٍ الدُّكَّالِيُّ. كَانَ اِرْتَحَلَ إِلَيْهِ مِنَ المَغْرِبِ فَأَخَذَ عَنْ مَشْيَخَةِ مِصْرَ وَرَجَعَ إِلَى تُونِسَ وَاسْتَقَرَّ بِهَا وَكَانَ تَعْلِيمُهُ مُفِيدًا فَأَخَذَ عَنْهُمَا أَهْلُ تُونِسَ. وَاتَّصَلَ سَنَدُ تَعْلِيمِهِمَا فِي تَلاَمِيذِهِمَا جِيلاً بَعْدَ جِيلٍ حَتَّى انْتَهَى إِلَى القَاضِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ. شَارِحِ " ابن الحاجب " وَ [تِلْمِيذِهِ] ... » (*). وقد يناسب هنا أن نورد ما قاله العلامة المقري في كتابه " أزهار الرياض " (**) في سياقة الحديث عن طريقة التعليم بفاس عاصمة المغرب الأقصى، وأنها أقل درجة مما كانت في تونس ولا ريب أن العلامة المقري تفطن إلى أن السر في تفوق الطريقة التونسية يرجع إلى عوامل أكبرها تواصل السند العلمي في الرواية، وإليك مقالته: « ... وَالعِلَّةُ فِي ذَلِكَ كَوْنُ

стр. 44

صِنَاعَةَ التَّعْلِيمِ، وَمَلَكَةَ التَّلَقِّي، لَمْ تَبْلَغْ فَاسًا، كَمَا هِيَ بِمَدِينَةِ تُونِسَ، اتَّصَلَتْ إِلَيْهِمْ مِنَ الإِمَامِ المَازَرِيِّ، كَمَا تَلَقَّاهَا عَنْ الشَّيْخِ اللَّخْمِّيِّ، وَتَلَقَّاهَا اللَّخْمِّيُّ عَنْ حُذَّاقِ القَرَوِيِّينَ (*)، وَاِنْتَقَلَتْ مُلْكَةُ هَذَا التَّعْلِيمِ إِلَى الشَّيْخِ اِبْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ - مُفْتِي البِلادِ الإِفْرِيقِيَّةِ [وأصقاعها]-، المَشْهُودِ لَهُ بِرُتَبِ التَّبْرِيزِ وَالإِمَامَةِ، وَاسْتَقَرَّتْ تِلْكَ المُلْكَةُ فِي تِلْميذِهِ اِبْنِ عَرَفَةَ [﵀] ... ». يضاف إلى ذلك أنه في أثناء تلك المدة وفد إلى حضرة تونس نخبة كبيرة من وجوه العلماء، نزحوا إليها من بلاد الأندلس بعد سقوط مدينتي «بلنسية» و «إشبيلية» في يد الإسبان نذكر منهم الحافظ محمد بن الأبار، وأبا المطرف بن عُميرة، وأبا بكر بن سيد الناس، وعبد الحق بن برطلة، وعلي بن عصفور، وحازم القرطاجني، وأحمد بن عجلان، وأبا جعفر البلي، والقاضي أحمد بن الغماز الخزرجي، وبني خلدون الإشبيليين، وسواهم ممن لا يحصون عَدًّا، وقد أثار مقدم هؤلاء المهاجرين نشطة كانت نواة حية للنهضة العلمية في تونس. ولا سيما نهضة علوم الشريعة، وكان اللاجئون جميعًا ممن يذهبون مذهب مالك

стр. 45

ابن أنس كسائر سكان الأندلس، مما زاد السند العلمي الفقهي المنتقل من القيروان إلى الساحل إلى تونس ثباتًا وقوة، وانتشارًا وسعة. وقد نبغ من تلاميذ ابن زيتون وغيره جيل جديد من الفقهاء الأعلام، وقفوا حياتهم على التدريس والتأليف في مختلف فروع العلوم الشرعية، من آخر القرن السابع إلى آخر القرن الثامن، نذكر من بينهم: - محمد بن عبد الجبار الرُعيني السوسي، المتوفى سنة ٦٦٢ هـ. - أبو القاسم بن علي بن البراء التنوخي المهدوي، قاضي الجماعة بتونس، المتوفى سنة ٦٥٥ هـ. - أحمد الأنصاري المعروف بِالبَطْرَانِي التونسي، المتوفى سنة ٧١٠ هـ. - أبو بكر بن جماعة الهواري، المتوفى سنة ٧١٢ هـ. - محمد بن عبد النور التونسي، المتوفى سنة ٧٢٦ هـ. - إبراهيم بن عبد الرفيع الربعي، قاضي الجماعة، المتوفى سنة ٧٣٣ هـ.

стр. 46

- محمد بن راشد القفصي، المتوفى سنة ٧٣٦ هـ. - قاضي الجماعة الشيخ المتبحر محمد بن عبد السلام الهواري التونسي، مجدد الحركة الفقهية، وشيخ الجيل الآتي بعده، توفي سنة ٧٤٩ هـ، ومن أشهر تلاميذه: - محمد بن عرفة الورغمي، شيخ شيوخ عصره، وجامع قواعد الفقه وحدوده، توفي سنة ٨٠٣ هـ. - عبد الرحمن بن خلدون، نابغة الفلسفة التاريخية، توفي على خطة قضاء المالكية بمصر سنة ٨٠٨ هـ. وتتوارد بعد ذلك طبقات الفقهاء المالكيين في القطر التونسي وكل طبقة تعول على التي قبلها في روايتها، وتستمد منها تعاليمها محافظة على موروث تقاليدها، وهكذا يتواصل السند العلمي الإسلامي، لا ينقطع ولا يفتر، إلى أن يبلغ إلى القرن الهجري الأخير الذي شاهد بعض الشيوخ المعاصرين أفذاذًا من حفظة الشريعة الأعلام، أساتذة «الزيتونة» وورثة مجدها العلمي، ومفخرة تونس مدى الأيام! ... * * *

стр. 47

بعد أن عرضنا هذه البسطة المستعجلة في سير السنة المحمدية بالبلاد التونسية، فلننتقل الآن إلى التعريف بِعَلاَّمَتِنَا «المَازَرِيِّ» بقدر ما أمكننا التوصل إليه من أخباره وآثاره. فنقول:

стр. 48

الإِمَامُ المَازَرِيُّ، نَشْأَتُهُ وُتَعَلُّمُهُ: أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المشهور بالمازري، نسبة إلى مازرة بصقلية (١) ولا نعلم شيئًا عن ولادة هذا العلم الفرد ولا عن نشأته الأولى، هل كانت بصقلية، أو بالقطر الأفريقي، ولم ينص على ذلك أحد من المؤرخين، ولا من مؤلفي التراجم وأصحاب الطبقات. وبعد البحث الطويل غلب على ظننا أنه ولد بإفريقية، سواء أكان ذلك بالمهدية، أو

стр. 49

بالقيروان، أو بغيرهما من مدن الساحل التونسي في حدود سنة ٤٤٣ هـ، والمظنون أن والده محمد بن علي هو المهاجر من صقلية عند اختلال الأحوال وقبيل استيلاء النرمان عليها، ولهذا السبب نفسه فارق كثير من مسلمي صقلية جزيرتهم، والتجأوا إلى الأصقاع الإسلامية، ولا سيما إلى إفريقية التونسية لقرب ما بين العدوتين. ومما يؤيد ولادة المازري بالجهة الساحلية هو مزاولته التعليم صغيرًا بها، ولم يرو التاريخ أنه أخذ عن شيوخ بلاد نسبته مع توفرهم حينئذٍ هنالك. وفي نظرنا أن المازري نشأ بإفريقية، وبها قرأ وترعرع، وتلقى الدراسة العليا عن سندي المغرب في وقتهما بلا مدافع، أعني أبا الحسن اللخمي (١)

стр. 50

وعبد الحميد الصائغ (١) وغيرهما من جلة العلماء الأعلام. واستقر بالسكنى في مدينة المهدية - وهي إذ ذاك شريكة القيروان في تخت الملك - وتصدر للتدريس بجامعها الكبير: جامع عبيد الله المهدي، وبه بث ما وسعه صدره من العلم الغزير والمادة الواسعة، فنشر العلوم الدينية والفنون على اختلاف أنواعها ومراميها، ومن ذلك الحين ذاع صيته في الآفاق، وطبقت شهرته المشرق والمغرب، فكانت حلقة دروسه تشمل المئين من التلامذة المجتهدين، سواء أكانوا إفريقيين أم وافدين من أقطار المغرب والأندلس، وصار كعبة أنظار الطلاب، يقصده الداني والقاصي. ناهيك بتلاميذ من ضمنهم أعلام: كابن الحداد المهدوي (٢)

стр. 51

ومنهم: أبو القاسم محمد بن خلف الله المعروف بابن مشكان الذي تولى قضاء مدينة قابس ومنهم: أبو عبد الله محمد بن زيادة الله القابسي وغيره وغيره وقد لا يكاد المؤرخ يقدر أن يحصر الآخذين عنه من بين أبناء إفريقية، أما غيرهم من مشاهير الوافدين، فمنهم رجل المغرب على الإطلاق عِلْمًا وَسِيَاسَةً: محمد بن تومرت (١) والإمام المتبحر الجليل أبو بكر بن العربي (٢)

стр. 52

وعلى ابن صائد (١) وغيرهم من لا يعد كثرة. وهناك فريق كبير من علية علماء الآفاق الإسلامية المعاصرين للإمام المازري رغبوا في الأخذ عنه بطريق المراسلة - طريقة الإجازة - فكاتبوه يرجون ذلك منه ﵃ وَعَنْهُ - أذكر من بينهم على سبيل التذكير: ابن رشد الحفيد فيلسوف الإسلام الكبير، والقاضي عياض السبتي وابن فرس، والمحدث ابن أبي جمرة، وأبا بكر بن أبي العيش، وابن الحاج، وسواهم كثير جِدًّا. وهنا أورد حكاية تدلك دلالة صريحة على مكانة الإمام المازري من قلوب الآخذين عنه وتقديرهم لجلالة علمه وعلو كعبه: ذكر ابن القاضي (٢) والمقري (٣):

стр. 53

«أَنَّ بَعْضَ طَلَبَةِ الأَنْدَلُسِ وَرَدَ عَلَى المَهْدِيَّةِ لِمُزَاوَلَةِ العُلُومِ عَلَى المَازَرِيِّ، فَحَضَرَ يَوْمًا مَجْلِسَهُ بِالجَامِعِ كَالعَادَةِ إِذْ دَخَلَ شُعَاعُ الشَّمْسِ مِنْ كُوَّةٍ وَوَقَعَ عَلَى رِجْلِ الشَّيْخِ فَقَالَ المَازَرِيُّ: " هَذَا مُنْعَكِسٌ ". فَلَمَّا سَمِعَ الطَّالِبُ ذَلِكَ وَرَأَى القَوْلَ مُتَّزِنًا، ذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ: هَذَا شُعَاعٌ مُنْعَكِسٌ ... لِعِلَّةٍ لاَ تُلْبَسُ لَمَّا رَآكَ عُنْصُرًا ... مِنْ كُلِّ عِلْمٍ يَنْبَجِسُ أَتَى يَمُدُّ سَاعِدًا ... مِنْ نُورِ عِلْمٍ يُقْتَبَسُ! وحكى الصفدي - في " الغيث المسجم " (*) - أن بعض أدباء الأندلس كتب إلى أبي عبد [الله] المازري بالمهدية: رُبَّمَا عَالَجَ القَوَافِي رِجَالٌ ... تَلْتَوِي تَارَةً لَهُمْ وَتَلِينُ طَاوَعَتْهُمْ عَيْنٌ وَعَيْنٌ وَعَيْنُ ... وَعَصَتْهُمْ نُونٌ وَنُونٌ وَنُونُ فَأَبِنْ لَنَا مَا طَاوَعَهُمْ وَمَا عَصَاهُمْ». فكان من ضمن جواب الإمام عن هذا السؤال: «طاوعهم العجمة، والعي، والعجز، وعصاهم اللسان، والجنان، والبيان».

стр. 54

فأنت ترى أن شهرة المازري العلمية طبقت الآفاق، واخترقت تخوم إفريقية والمغرب، واجتازت إلى الأندلس من ناحية الشمال، إلى أقصى البلاد العربية من ناحية المشرق، فلا غرو حينئذٍ أن يشتهر عَلاَّمَتُنَا الفَذُّ بلقب «الإِمَامِ» حتى يصير ذلك لقبًا لا يفارق اسمه ولا يعرف إلا به. على أن هناك رواية نقلها أصحاب التراجم في سبب هذه التسمية؛ قال ابن فرحون المدني (١): «وَيُحْكَى عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى فِي ذَلِكَ رُؤْيَا: رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: " يَا رَسُولَ اللهِ أَحَقٌّ مَا يَدْعُونَنِي بِرَأْيِهِمْ، يَدْعُونَنِي بِالإِمَامِ؟ " فَقَالَ: " أَوْسَعَ اللهُ صَدْرَكَ لِلْفُتْيَا "». على أن هذه الرواية تثبت ما كان اشتهر به بين معاصريه من العلم الواسع ورسوخ القدم في الفتيا. ثَنَاءُ العُلَمَاءِ عَلَيْهِ: اتفقت كلمة المؤرخين ورواة الأخبار على أن الإمام

стр. 55

المازري كان خاتمة المحققين وآخر المشتغلين من شيوخ إفريقية بتحقيق العلوم الدينية، وممن بلغ بلا ريب درجة الاجتهاد المطلق. في تواضع خليق بالأعلام أمثاله مع من تقدمه من أصحاب المذاهب؛ ننقل إليك هنا عبارة ذكرها الونشريسي في " المعيار ": (١) «وَقَدْ قَالَ الإِمَامُ المَازَرِيُّ ﵀ بَعْدَ أَنْ شَهِدَ لَهُ [بَعْضُ] أَهْلُ زَمَانِهِ بِوُصُولِهِ إِلَى دَرَجَةِ الاِجْتِهَادِ أَوْ مَا قَرُبَ رُتْبَتَهُ: " وَمَا أَفْتَيْتُ قَطُّ بِغَيْرِ المَشْهُورِ وَلاَ أُفْتِي بِهِ"». وذلك ورعًا منه ﵁، وَسَدًّا لِبَابِ الذَّرَائِعِ، وخوفًا من تجاسر الجهلة على الإفتاء بغير المشهور من أمور الدين. ومما نقل عنه الونشريسي أيضًا في " المعيار " قوله في هذا المعنى: «وَلَسْتُ أَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى غَيْرِ المَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ العُلَمَاءِ، لأَنَّ الوَرَعَ قَلَّ بَلْ كَادَ يُعْدَمُ، وَالتَّحَفُّظُ عَلَى الدِّيَانَاتِ كَذَلِكَ، وَكَثُرَتْ الشَّهَوَاتُ وَكَثُرَ مَنْ يَدَّعِي العِلْمَ وَالتَّجَاسُرَ عَلَى الفَتْوَى،

стр. 56

وَلَوْ فُتِحَ لِهَؤُلاَءِ بَابُ مُخَالَفَةَالمَشْهُورِ مِنَ المَذْهَبِ لاتَّسَعَ الخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ، وَهَتَكُوا حِجَابَ هَيْبَةِ الدِّينِ، وَهَذَا مِنَ المُفْسِدَاتِ التِي لاَ خَفَاءَ فِيهَا». آرَاءُ العُلَمَاءِ فِيهِ: قال القاضي أبو الفضل عياض السبتي عند التعريف به وقد أجازه المازري بتآليفه من المهدية (١): «هُوَ إِمَامُ بِلاَدِ إِفْرِيقِيَّةَ وَمَا وَرَاءَهَا مِنَ المَغْرِبِ، وآخِرُ المُشْتَغِلِينَ مِنْ شُيُوخِ إِفْرِيقِيَّةَ بِتَحْقِيقِ الفِقْهِ وَمِمَّنْ بَلَغَ فِيهِ رُتْبَةَ الاجْتِهَادِ وَدِقَّةِ النَّظَرِ، لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِهِ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي أَقْطَارِ الأَرْضِ أَفْقَهَ مِنْهُ وَلاَ أَقْوَى لِمَذْهَبِهِمْ، وَسَمِعَ الحَدِيثَ وَطَالَعَ مَعَانِيهِ، وَاطَّلَعَ عَلَى عُلُومٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الطِّبِّ وَالحِسَابِ وَالآدَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَانَ أَحَدَ رِجَالٍ الكَمَالِ فِي العِلْمِ فِي وَقْتِهِ، وَكَانَ حَسَنَ الخُلُقِ، مَلِيحَ المَجْلِسِ، أَنِيسُهُ، كَثِيرُ الحِكَايَةِ وَإِنْشَادِ قِطَعِ الشِّعْرِ، وَكَانَ قَلَمُهُ فِي العِلْمِ أَبْلَغَ مِنْ لِسَانِهِ. كَتَبَ إِلَيَّ مِنَ

стр. 57

المَهْدِيَّةِ يُجِيزُنِي كِتَابَهُ المُسَمَّى بـ " المُعْلِمِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ " وَغَيْرُهُ مِنْ تَوَلِيفِهِ ... الخ». وزاد ابن فرحون على كلام القاضي عياض بقوله (١): «كَانَ أَحَدَ رِجَالِ الكَمَالِ فِي وَقْتِهِ فِي العِلْمِ، وَإِلَيْهِ كَانَ يُفْزَعُ فِي الفَتْوَى، وَكَانَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - حَسَنَ الخُلُقِ، مَلِيحَ المَجْلِسِ، أَنِيسَهُ، كَثِيرُ الحِكَايَاتِ وَإِنْشَادِ قِطَعِ الشِّعْرِ، وَكَانَ قَلَمُهُ فِي العِلْمِ أَبْلَغَ مِنْ لِسَانِهِ، لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِهِ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي أَقْطَارِ الأَرْضِ أَفْقَهَ مِنْهُ، وَلاَ أَقْوَمَ لِمَذْهَبِهِمْ». وقال قاضي القضاة ابن خلكان (٢): «هُوَ أَحَدُ الأَعْلاَمِ المُشَارِ إِلَيْهِمْ فِي حِفْظِ الحَدِيثِ وَالكَلاَمِ عَلَيْهِ ... وَكَانَ فَاضِلاً مُتَفَنِّنًا». وقال أبو العباس المقري (٣): «الإِمَامُ المُجْتَهِدُ أَبُو عَبْدِ اللهِ المَازَرِيُّ، عُمْدَةُ النُّظَّارِ، وَمِحْوَرُ الأَمْصَارِ، المَشْهُورِ فِي الآفَاقِ

стр. 58

وَالأَقْطَارِ، حَتَّى عُدَّ فِي المَذْهَبِ إِمَامًا، إِذْ مَلَكَ فِي مَسَائِلِهِ زِمَامًا ... الخ». وقال الورتلاني في " رحلته " (١): «الإِمَامُ النُّظَّارُ المُجْتَهِدُ، القَوِيُّ البَاعِ فِي تَحْقِيقِ النَّظَرِ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ المَازَرِيُّ ... الخ». وفي الحقيقة أننا لسنا في حاجة إلى إثبات مرتبة هذا الإمام الجهبذ وَالعَلَمِ الفَرْدِ بإيراد شهادات المؤرخين فيه، أو ثناء العلماء عليه، ما دامت مؤلفاته القيمة بين أيدينا، وهي - بلا مراء - الحجة القوية على علو مقامه العلمي، ونيله بحق الصيت العالمي الذي حاز به رياسة عصره بلا منازع. آثَارُهُ العِلْمِيَّةُ: وإليك أسماء بعض ما وصل إلينا من مصنفاته بعد بحثنا الطويل عنها والتنقيب على محتوياتها: ١ - " المُعْلِمِ بِفَوَائِدِ مُسْلِمٍ " وهو أول شرح وُضِعَ على " صحيح الإمام مسلم القشيري "، قال في شأنه العلامة ابن خلدون

стр. 59

في مقدمته الخالدة (١): «وَأَمَّا " صَحِيحُ مُسْلِمٍ " فَكَثُرَتْ عِنَايَةُ عُلَمَاءِ المَغْرِبِ بِهِ، وَأَكَبُّوا عَلَيْهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى تَفْضِيلِهِ .. وَأَمْلَى الإِمَامُ المَازَرِيُّ مِنْ كِبَارِ فُقَهَاءِ المَالِكِيَّةِ عَلَيْهِ شَرْحًا وَسَمَّاهُ " المُعْلِمَ بِفَوَائِدِ مُسْلِمٍ " اشْتَمَلَ عَلَى عُيُونٍ مِنْ عِلْمِ الحَدِيثِ وَفُنُونٍ مِنَ الفِقْهِ، ثُمَّ أَكْمَلَهُ القَاضِي عِيَاضٌ بَعْدَهُ وَتَمَّمَهُ وَسَمَّاهُ " إِكْمَالَ المُعْلِمِ "». وغفل ابن خلدون في تعريفه بشرح المازري عن أنه اشتمل أيضًا على مسائل كثيرة في أصول الكلام، وأبحاث قيمة في الأنظمة الإسلامية، ومسائل الخلاف، كمسألة الاجتهاد والإمامة وشروط البيعة والمفاضلة بين الصحابة وجواز الجوسسة في الحرب وغيره مما يطول تعداده. ويظهر أن الإمام ﵁ لم يقصد بادئ بدء وضع هذا الشرح بالذات، وإنما كان - على عادة كبار العلماء المتقدمين - يملي إملاءات خلال دروسه، فتجمع من تلك الأمالي ما كَوَّنَ شَرْحًا مُسْتَقِلاًّ. يؤيد هذا ما حكاه عبيد الله بن عيشون المعافري الأندلسي - وهو من كبار تلاميذ الإمام -

стр. 60

قَالَ: «سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ المَازَرِيَّ يَقُولُ - وَقَدْ جَرَى ذِكْرُ كِتَابِهِ " المُعْلِمَ ": " إِنِّي لَمْ أَقْصِدُ تَأْلِيفَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ السَّبَبُ أَنَّهُ قُرِئَ عَلَيَّ " صَحِيحُ مُسْلِمٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَتَكَلَّمْتُ عَلَى نُقَطٍ مِنْهُ، فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ القِرَاءَةِ عَرَضَ عَلَيَّ الأَصْحَابُ مَا أَمْلَيْتُهُ عَلَيْهِمْ فَنَظَرْتُ فِيهِ وَهَذَّبْتُهُ، فَهَذَا كَانَ سَبَبُ جَمْعِهِ "» (١). ومن هنا يتضح لك أن طريقة القدماء الأعلام هي عين الطريقة التي يسلكها اليوم كبار الطلبة المترشحين في كليات العلم الجامعة في البلاد الغربية المتمدنة، فإنهم يتلقون الدروس العالية إملاءً، وينقلون تلك الأمالي إلى تآليف مستقلة تصدر بأسماء أساتذتهم، ولا جديد تحت السماء. وانظر- يا رعاك الله - إلى لطف الإمام وتواضعه العلمي، حيث يعبر عن تلاميذه والآخذين عنه بلفظ «الأَصْحَابِ». ومهما يكن فإن كتاب " المعلم " موجود منه نسخ كاملة،

стр. 61

أو متفرقة في كثير من المكتبات الخصوصية والعمومية، مثل جامع الزيتونة رقم ١٠٩٩، والمكتبة المصرية، وجامع القرويين بفاس، ومكتبة الشعب بباريس، وفي تونس، وغير ذلك. ٢ - " إيضاح المحصول من برهان الأصول "، وهو شرح ممتع في أجزاء عديدة على برهان إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك الجويني الشافعي، المتوفى سنة ٤٣٨ هـ، في أصول الديانة، وهو من أهم ما صنف في علم الاصول، وأقدم ما شرح به هو تأليف المازري هذا، ومنه أجزاء متفرقة في مكتبات تونس وغيرها. ٣ - " المعين على التلقين "، و" التلقين " تأليف أبي محمد عبد الوهاب بن علي الثعلبي المالكي قاضي بغداد، المتوفى سنة ٤٢٢ هـ. قال ابن فرحون: «لَيْسَ لِلْمَالِكِيَّةِ كِتَابٌ مِثْلُهُ». وهذا الشرح يخرج في عدة أجزاء - قيل هي ثلاثون جزءًا - منه تسعة بمكتبة القرويين بفاس، ومنه بالزيتونة، وكذا بالمكتبة العاشورية وغيرها. ٤ - " نظم الفرائد في علم العقائد "، وهو كتاب من أجل

стр. 62

مصنفات الإمام، إذ أنه أفرغ فيه ما آتاه الله تعالى من العلم الغزير الواسع، والنظر الدقيق في المعتقدات وأصولها. ولم نقف على ذكر وجود نسخة منه في المكتبات التي نعرفها. ٥ - " أمالي على الأحاديث " التي جمعها أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي المتوفى سنة ٣٨٨ هـ من مسند الإمام مسلم القشيري، وهي كالشرح لما كان مغمضًا منها. ٦ - " تعليق على مدونة سحنون " ولا يخفى أن " المدونة الكبرى " هي أم الكتب المالكية، وأساس فقههم، وأول مَا دُوِّنَ في فروع مذهبهم، ولذا كانت عناية علماء إفريقية والأندلس بها كبيرة جدًا. ويوجد من هذا التعليق جزء مفرد بمكتبة جامع القرويين. وأنت ترى مِمَّا مَرَّ بك من تآليف الإمام ﵁ في أصول الدين والحديث والفقه اشتغاله المثمر واجتهاده بالعلم واتساع نظره فيه، على أن مأثرته لم تكن محصورة فيما تقدم، بل إنه اعتنى - وأي اعتناء - بالعلوم الفلسفية والفنون الأدبية والرياضية. ومما سنذكر لك من تصانيفه في شتى الفنون يتضح

стр. 63

لك مكانته الجليلة، ورسوخ قدمه فيها فمن ذلك: ٧ - " الكشف والإنباء على المترجم بالإحياء " وهو نقد وإصلاح لما ورد في كتاب " إحياء علوم الدين " للغزالي من الأحاديث الموضوعة، وكلنا يعلم أن حجة الإسلام الغزالي ﵁ بالرغم عن علو مقامه في العلوم الدينية وتفرده بالآراء الصائبة في فلسفة الإسلام والأخلاق، لم يكن متحريًا غاية التحري في الأحاديث التي أوردها في تأليفه المتقدم ومن هنا انتقد عليه المازري - وهو المحدث الثقة - تلك الأنقال فأثبت منها ما أثبت، وأسقط ما سواه. ولا يظن ظان - رَجْمًا بِالغَيْبِ - أن المازري ممن يتحامل على الغزالي، أو يقصد التنقيص من جلالة قدره وعلو كعبه بالانتقاد عليه، وحاشى إمام عالم عادل كالمازري أن يزري بأحد أعلام المسلمين المشار إليهم بالبنان، في العلم والفضل والبيان، أو يمت الى الحط من عظمته، بدليل شهادة المازري نفسه في فضيلة الغزالي، وغزارة علمه، وقوة عارضته في

стр. 64

أصول الشريعة السمحة، فقد قال في حقه (١): «وَأَبُو حَامِدٍ الغَزَّالِيُّ لاَ يَشُقُّ أَحَدٌ غُبَارَهُ فِي العِلْمِ وَأُصُولِ الدِّينِ»،. وإنما انتقاده الخالص من دنيئ الأغراض موجه إلى ماورد في " الإحياء " من الأحاديث الموضوعة المنسوبة كذبًا وافتراءً على النبي ﷺ وهي من الضعف والوهن الثابت بمكان لا ينكره إلا معانت جاهل بالحديث الصحيح، ولا يتسنى لِمُحَدِّثٍ ثَبْتٍ قد نهضت به فضائله واجتمع فيه العقل الراجح والفهم الدقيق وممارسة العلوم طول عمره كالإمام المازري السكوت على مثل ذلك أو التغافل عنه لما يعلم من إقبال المتعلمين على " الإحياء "، وانكباب المعلمين على مطالعته. فكأنما نقده الصحيح المجرد من شوائب الطعن والحسد ينكر وجود مثل تلك الروايات الضعيفة المعزوة إلى صاحب الشريعة العظيم، ويرى أنها لا تليق أن تكون مثبتة في مأثرة جليلة ومفخرة من مفاخر التآليف الإسلامية كـ " الإحياء " حتى ينسب إليها الضعف والوهن

стр. 65

وبذلك تنعدم فائدتها الأخلاقية العظيمة، وينقص أثرها الكبير في نفوس المطالعين من أبناء المسلمين. ومثل هذا الانتقاد هو مما يرغب فيه، ويشكر عليه لما فيه من تنبيه المؤلفين - لا سيما إذا كانوا من الأيمة الأعلام - إلى اتقاء تلك الهفوات واجتناب الموضوعات، والتحاشي عنها، والإعراض عنها وتعويضها بالروايات الصحيحة السالمة من الطعن، وفيها ما يغني الغناء الكبير عن الموضوعات. ٨ - " أمالي على رسائل إخوان الصفا "، حررها في إيضاح بعض مشكلات وردت ضمن فصول تلك الرسائل الهامة في مسائل من العلوم الرياضية والآراء الفلسفية، وكان إملاؤها لها بطلب من أمير عصره الأمير العالم الأديب تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي صاحب إفريقية (١) وللأسف الكبير أن هذا

стр. 66

التعليق أو الانتقاد على " رسائل إخوان الصفا " لم يبلغ إلينا فيما نعلم، ولم نقف منه إلا على ذكره من بين مؤلفات المازري. ٩ - " النقط القطعية في الرد على الحشوية ". فرقة تقول بقدم الأصوات والحروف، لها ذكر طويل في كتب الملل والنحل، فليراجع مذهبها هنالك. وهذا تأليف أيضًا لم نقف له على أثر، ولا على السبب الأصلي في تحريره. ١٠ - " الواضح في قطع لسان النابح ": لا نعرف من هذا التأليف إلا ما أفادنا به المازري نفسه حيث قال: «هُوَ كِتَابٌ تَقَصَّيْنَا فِيهِ كَلاَمَ رَجُلٍ - وَأَظُنُّهُ مِنْ صِقِلِّيَّةَ - وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَأَخَذَ يُلَفِّقُ القَوَادِحَ فِي الإِسْلاَمِ، وَيَطْعَنُ فِي زَعْمِهِ عَلَى القُرْآنِ وَطُرُقِ جَمْعِهِ، تَقَصَّيْنَا قَوْلَهُ فِي هَذَا الكِتَابِ وَأَشْبَعْنَا القَوْلَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ» (١). وقد أشار المازري في محل آخر من " المعلم " أنه نقض قول هذا الملحد بالأدلة التاريخية الصحيحة، وأقام البراهين والحجج المنطقية على دحض أقواله وتفنيدها.

стр. 67

ولا يخفى أن القرن السادس - الذي كان يعيش فيه الإمام - قد كثر فيه ظهور أهل الأهواء والمخارق والمذاهب الزائغة عن الشريعة الإسلامية، فكان من واجب العلماء المبرزين في ذلك العهد الذب عما أجمع عليه المسلمون آراءهم من لدن عصر الصحابة الكرام، وتأييد السنة المحمدية بدفع الأطعان المموهة، ودحض الشبهات الملفقة، تنبيهًا للأمة إلى مقاصد هؤلاء النازغين. ١١ - " كشف الغطا عن لمس الخطا ": هي رسالة في مسألة فقهية دقيقة استفتي فيها فأجاب عنها بإيضاح وعلم وتحقيق، وقد وقفتُ عليها، ومنها نسخة بالزيتونة. ١٢ - " كتاب في الطب " - (كذا) والمشهور أن المازري وضع تأليفًا في علم الطب عقب حادثة حدثت له يذكرها أصحاب الطبقات في ترجمته فيحكي أن سبب طلبه لهذا العلم ونظره فيها أنه مرض مرة فكان يعالجه طبيب يهودي بالمهدية وفي أثناء المعالجة قال له الطبيب: «يَا سَيِّدِي! مِثْلِي يُطِبُّ مِثْلَكُمْ! وَأَيُّ قُرْبَةٍ أَجِدُهَا أَتَقَرَّبُ بِهَا مِنْ دِينِي وَأَهْلِهِ مِثْلَ أَنْ أَفْقِدَكُمْ

стр. 68

لِلْمُسْلِمِينَ!». فلم يجبه الشيخ بشيء، ثم لما عوفي أفرغ جده في دراسة الطب حتى أتقنه وملك زمامه وألف فيه، حتى قيل إِنَّهُ كَانَ يُفْزَعُ إِلَيْهِ فِي الطِّبِّ، كَمَا يُفْزَعُ إِلَيْهِ فِي الفَتْوَى فِي الدِّينِ. وإنا لنستبعد - كل استبعاد - حصول مثل هذه الحكاية، إذ يصعب علينا اعتقاد أن طبيبًا - مهما كان دينة وجنسه ودرجة علمه - يتفوه بمثل هذا الحديث الخارج عن أدب الصناعة وأدب المعاشرة، ومع ذلك فإنا لا ننكر أن الإمام ﵁ درس الطب وألف فيه، لا سيما وقد نقل مترجموه أنه كان «دَرَسَ فُنُونًا كَثِيرَةً مِنْ أَدَبٍ وَحِسَابٍ وَطِبٍّ وَغَيْرَ ذَلِكَ» (١). فلا يستغرب حينئذٍ من تدوينه في الطب وإن لم يصل إلينا تأليفه المشار إليه. يؤيد هذا الرأي ما نسوقه إليك بعد من كلا المازري في مسألة طبية أوردها عَرَضًا ضمن كتابه " المعلم " بمناسبة حديث التداوي بالعسل من " صحيح مسلم "، وقد أنكر بعض جهلة الأطباء المعاصرين ذلك قائلاً: «قَدْ أَجْمَعَ الأَطِبَّاءُ عَلَى أَنَّ العَسَلَ مُسَهِّلٌ، فَكَيْفَ يُوصَفُ لِمَنْ بِهِ إِسْهَالٌ؟».

стр. 69

فأجاب المازري عن هذا الاعتراض البارد بقوله: «الأَشْيَاءُ التِي تَفْتَقِرُ فِيهَا إِلَى تَفْصِيلٍ قَلَّمَا يُوجَدُ فِيهَا مِثْلُ مَا يُوجَدُ فِي صِنَاعَةِ الطُّبِّ؛ فَإِنَّ المَرِيضَ المُعَيَّنَ يَجِدُ الشَّيْءَ دَوَاءً لَهُ فِي سَاعَةٍ، ثَمَّ يُصِيرُ دَاءً لَهُ فِي السَّاعَةِ التِي تَلِيهَا لِعَارَضٍ يَعْرِضُ لَهُ، فَيَنْتَقِلُ عِلاَجُهُ إِلَى شَيْءٍ آخر بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ مِمَّا لاَ يُحْصَى كَثْرَةً؛ وَقَدْ يُكُونُ الشَّيْءُ شِفَاءً فِي حالَةٍ وَفِي شَخْصٍ فَلاَ يُطْلَبُ الشِّفَاءُ بِهِ فِي سَائِرِ الأَحْوَالِ وَلاَ فِي كُلِّ الأَشْخَاصِ، وَأَهْلُ الرَّأْيِ مِنَ الأَطِبَّاءِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ العِلَّةَ المُعَيَّنَةَ يَخْتَلِفُ عِلاَجُهَا بِاِخْتِلاَفِ السِّنِّ وَالزَّمَانِ وَالعَادَةِ وَالهَوَاءِ وَتَدْبِيرِ المَأْلُوفِ؛ فَإِذَا عَلِمَتْ هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الإِسْهَالَ يَعْرِضُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَلَوْ كَانَ كِتَابُنَا هَذَا كِتَابَ طِبٍّ لاسْتَوْفَيْنَا ذِكْرَهَا، فَمِنْهَا الإِسْهَالُ الحادِثُ عَنْ التُّخَمِ وَالهَيْضَاتِ، وَالأَطِبَّاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ عِلاَجَهُ بتَرْكِ الطَّبِيعَةِ وَفِعْلِهَا، وَإِنْ اِحْتَاجَتْ إِلَى مُعِينٍ عَلَى الإِسْهَالِ أُعِينَتْ مَا دَامَتْ القُوَّةُ بَاقِيَةً، وَحَسْبُهُ ضَرَرَ وَاِسْتِعْجالَ مَرَضٍ؛ فَهَذَا الرَّجُلُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِسْهَالُهُ مِنْ اِمْتِلاءٍ وَهَيْضَةٍ، فَدَوَاؤُهُ تَرْكَهُ وَالإِسْهَالَ، أَوْ تَقْوِيَتَهُ. وَيَجِبُ حِينَئِذٍ الإِشَارَةُ عَلَيْهِ

стр. 70

بِشُرْبِ العَسَلِ، وَرُبَّمَا الزِّيَادَةَ مِنْهُ إِلَى أَنْ تَفْنَى المَادَّةُ فَيَقِفُ الإِسْهَالُ وَيَكُونُ الخَلْطُ الذِي بِالرَّجُلِ يُوَافِقُ فِيهِ شُرْبَ العَسَلِ ... الخ». وأنت ترى في هذه الفقرة كلام متفنن في الصناعة الطبية عارف بقواعدها الكلية والجزئية، ومنها يتضح لك أن المازري كانت عنده أكثر من المشاركة في علم الطب، فلا يستغرب أَنْ أَلَّفَ فِيهِ تَأْلِيفًا خًاصًّا. ١٣ - " تثقيف مقالة أولي الفتوى وتعنيف أهل الجهالة والدعوى ": رسالة من تأليفه ذكرها له (البُرْزُلِيُّ) في باب القضاء والشهادات من " مجموعته الكبيرة للفتاوى الإفريقية " (١)، ونقل عبارة الإمام عن سبب وضعه لهذا الجزء، حيث يقول: «وَقَدْ نَزَلَ بِالمَهْدِيَّةِ - وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الفَتْوَى - مَسْأَلَةٌ مِنَ الشُّفْعَةِ فِي بَعْضِ وُجُوهِهَا، وَأَنْفَذَ إِلَيَّ القَاضِي ابْنُ شَعْلاَنَ ﵀ السُّؤَالَ، فَأَفْتَيْتُهُ أَنَّ الإِثْبَاتَ لَيْسَ كَحُكْمٍ نُفِّذَ، ثُمَّ اسْتُفْتِيَ مَنْ كَانَ يُفْتِي، فَأَفْتَوْا كَمَا أَفْتَيْتُ، وَهَذَا مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا، وَوَرَدَ بَعْدَ

стр. 71

ذَلِكَ مِنَ القَيْرَوَانِ جَوَابٌ مِمَّنْ كَانَ يَدَّعِي عِلْمَ الأُصُولِ، أَشَارَ فِيهِ إِلَى المُخَالَفَةِ، فَأَمْلَيْتُ فِيهِ إِمْلاَءً طَوِيلاً تَرْجَمْتُهُ بِـ " تَثْقِيفِ مَقَالَةِ أُولِي الفَتْوَى، وَتَعْنِيفِ أَهْلِ الجَهَالَةِ وَالدَّعْوَى " وَأَشَرْتُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى وُجُوهٍ خَالَفَ فِيهَا مَنْ أَشَرْنَا إِلَيْهِ، وَأَوْضَحْتُ فَسَادَ مَا عَوَّلَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الآنَ مَوْجُودٌ بِالمَهْدِيَّةِ ... ». ولا مراء أن المازري عُرِفَ طيلة حياته بصراحة القول، والإصداع بالحق في كل المواطن، كما اشتهر بمجانبة حُكَّامِ الجَوْرِ، التعرض للولاة المستبدين في زمان كان السلطان فيه لحكم الإطلاق في سائر الممالك الإسلامية، وكان ذلك من أكبر الأسباب في تراجع سياسة المسلمين إلى الوراء حتى ساقها إلى التدهور والسقوط في الشرق والغرب. وفي نظرنا أن الذي حمل المازري على مجاهرة الظالمين، وتجرده لأنصار الحق، وعدم مبالاته بالسلطة المطلقة هو ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ طَبِيعَتُهُ من التقوى وتمسكه بالمبادئ الإسلامية العالية ومن ناحية أخرى إعراضه عن الوظائف الرسمية كولاية القضاء وغيرها، مما حمل جمهور الشعب على إجلاله والالتفاف حوله

стр. 72

واتباع أقواله وآرائه، لذلك خافه ولاة الاستبداد واتقوا سلطانه الروحي وأمسكوا عن مسه بسوء. وكأنه أحس بتأييد الشعب لسلوكه فلم يتأخر عن مقاومة المظالم والتشهير بها ولم يراع في ذلك غير تقواه، والخوف من الله تعالى، فزاده موقفه إكبارًا وتعظيمًا في أعين معاصريه، وَأَحَلَّهُ مَرْتَبَةً عَلِيَّةً في نفوس عارفيه. يؤيد ما قدمنا آنفًا ما جاء في بعض وصاياه: « ... وَيَنْبَغِي لِلْمَلِكِ أَنْ يَكُونَ حَرِيصًا عَلَى أَخْبَارِ عُمَّالِهِ، وَيَسْتَكْشِفَ عَنْ بَوَاطِنِهِمْ حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ مَا جُبِلُوا عَلَيْهِ، فَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ بِعَمَلِهِ. وَلاَ يَزَالُ أَمْرُ ذِي السُّلْطَانِ رفيعًا مُعَظَّمًا مُهَابًا، مَا لَمْ يَأْخُذْ فِي نَقْضِ عُرَى الشَّرِيعَةِ، وَرُبَّمَا تَجَرَّأَ بَعْضُ المُلُوكِ وَسَمَحُوا لِعُمَّالِهِمْ وَأَصْحَابِ أَشْغَالِهِمْ وَكُتَّابِهِمْ وَأَعْوَانِهِمْ وَأَوْلاَدِهِمْ بِهَتْكِ الحُرُمِ، وَالاعْتِدَاءِ عَلِى الرَّعِيَّةِ، وَالتَّسَلُّطِ عَلَيْهِمْ بِأَخْذِ

стр. 73

أَمْوَالَهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْلِبُهُمْ الحَقُّ تَعَالَى العِزَّ وُيُجَرِّدُهُمْ مِنَ النِّعْمَةِ (١) ... الخ». وانظر أيضًا إلى ما كتب في طالعة إحدى " فتاويه " مُعَرِّضًا بتساهل معاصريه على الإفتاء بغير علم ولا تقوى: (٢) «الحَمْدُ للهِ الذِي لاَ يُحْمَدُ سِوَاهُ، وَلاَ يُسْتَخَارُ فِي جَمِيعِ الأُمُورِ إِلاَّ إِيَّاهُ، وَنَسْتَعِيذُهُ أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَوَاهُ، فَجَعَلَ الجَهْلَ مُنْقَلَبَهُ وَمَثْوَاهُ، وَإِلَى اللهِ أَرْغَبُ أَنْ لاَ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ ظَنَّ أَنَّ العِلْمَ مَعْنَاهُ الدَّعْوَى، وَأَرَادَ أَنْ يُمَوِّهَ عَلَى العَامَّةِ بِالفَتْوَى، وَهَيْهَاتَ مَا العِلْمُ إِلاَّ مَا شَهِدَ بِهِ أَهْلَهُ، وَمَا الفَضْلُ إِلاَّ مَا عُرِفَ عَنْهُ فَضْلُهُ، وَلَيْسَ الفِقْهُ عِنْدَ مَنْ قَالَ: أَنَا وَقَنَعَ بِالمَدْحَةِ وَالثَّنَا ... ». ومثل هذا كثير جِدًّا في تحريرات المازري، ولو تكلفنا استقصاء كل ما كتب في معنى معارضة المتفقهين الجاهلين

стр. 74

أو الموالين لذوي السلطان الجائر لما أخرجنا عن حدود بحثنا وتحدينا قاصديه. وزبدة القول: إن ما وضعه الإمام المازري من المؤلفات في مختلف العلوم والفنون من حديث وفقه وأصول وجدل وأدب وطب وغير ذلك، لدليل واضح على طول باعه في العلوم وتبحره في العرفان، حتى صار المشار إليه بالبنان في ذلك الزمان. ثم إنا لا ندري هل كان له مصنفات أخر عَدَا ما ذكرنا لم تبلغنا أسماؤها الأمر الذي نشاهده في كثير من علمائنا الأعلام، وما ذلك إلا لإهمال وغفلة كثير من مؤرخينا عن إيراد تراجم مستوفاة لعظماء رجالنا، حتى يضطر الباحث الآن إلى مراجعة الكتب العديد بقصد التقاط نتف مبعثرة هنا وهناك لا تسمن ولا تشفي غليلاً. نَمَاذِجُ مِنْ تَحَارِيرِهِ: وَأَيًّا كَانَ السَّبَبُ فإنا نقتنع بأن نسوق إليك هنا نموذجًا من تحرير عَلَمِنَا الجَهْبَذَ، ليتبين لك مقدار رسوخه في الفتوى،

стр. 75

ورجحان فكره الثاقب في المسائل التي كانت تعرض على اجتهاده فيبدي فيها وجهة نظره. فمن ذلك: (*) أنه سئل عن قوم يجتمعون بالليل بعد صلاة العشاء الأخيرة (في مدينة سوسة والمنستير) ومعهم قناديل يمشون فوق السور يذكرون أنهم يريدون العسكر، ويقولون بإجماع أصواتهم: «سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ» بتطريب وتحزين، وينصرفون على تلك الصفة يمشون في الأزقة، ويجوزون على المجازر والمزابل، وهم على تلك الحال من الاجتماع والتطريب، إلى أن يبلغوا السور، وَقَدْ نُهُوا عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ فِي الطُّرُقَاتِ وَأَمَامَ المَزَابِلِ، وَنُهُوا عن التطريب والاجتماع، وَأُمِرُوا أن يكونوا على السور ويتركوا التطريب، وأن سُنَّةَ الحَرَسِ في الرباط التكبير والتهليل، فهل ينهون عن هذا - وهو بدعة - ولا يذكرون الله إلا في المواضع الشريفة من غير اجتماع ولا تطريب؟ فكان جوابه: «الاجْتِمَاعُ بِالذِّكْرِ وَالتَّطْرِيبِ وَالتَّحْزِينِ، وَرَفْعٍ الصَّوْتِ
следующие страницы →