ذَلِكَ مِنَ القَيْرَوَانِ جَوَابٌ مِمَّنْ كَانَ يَدَّعِي عِلْمَ الأُصُولِ، أَشَارَ فِيهِ إِلَى المُخَالَفَةِ، فَأَمْلَيْتُ فِيهِ إِمْلاَءً طَوِيلاً تَرْجَمْتُهُ بِـ " تَثْقِيفِ مَقَالَةِ أُولِي الفَتْوَى، وَتَعْنِيفِ أَهْلِ الجَهَالَةِ وَالدَّعْوَى " وَأَشَرْتُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى وُجُوهٍ خَالَفَ فِيهَا مَنْ أَشَرْنَا إِلَيْهِ، وَأَوْضَحْتُ فَسَادَ مَا عَوَّلَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الآنَ مَوْجُودٌ بِالمَهْدِيَّةِ ... ».
ولا مراء أن المازري عُرِفَ طيلة حياته بصراحة القول، والإصداع بالحق في كل المواطن، كما اشتهر بمجانبة حُكَّامِ الجَوْرِ، التعرض للولاة المستبدين في زمان كان السلطان فيه لحكم الإطلاق في سائر الممالك الإسلامية، وكان ذلك من أكبر الأسباب في تراجع سياسة المسلمين إلى الوراء حتى ساقها إلى التدهور والسقوط في الشرق والغرب.
وفي نظرنا أن الذي حمل المازري على مجاهرة الظالمين، وتجرده لأنصار الحق، وعدم مبالاته بالسلطة المطلقة هو ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ طَبِيعَتُهُ من التقوى وتمسكه بالمبادئ الإسلامية العالية ومن ناحية أخرى إعراضه عن الوظائف الرسمية كولاية القضاء وغيرها، مما حمل جمهور الشعب على إجلاله والالتفاف حوله
стр. 72
واتباع أقواله وآرائه، لذلك خافه ولاة الاستبداد واتقوا سلطانه الروحي وأمسكوا عن مسه بسوء.
وكأنه أحس بتأييد الشعب لسلوكه فلم يتأخر عن مقاومة المظالم والتشهير بها ولم يراع في ذلك غير تقواه، والخوف من الله تعالى، فزاده موقفه إكبارًا وتعظيمًا في أعين معاصريه، وَأَحَلَّهُ مَرْتَبَةً عَلِيَّةً في نفوس عارفيه.
يؤيد ما قدمنا آنفًا ما جاء في بعض وصاياه: « ... وَيَنْبَغِي لِلْمَلِكِ أَنْ يَكُونَ حَرِيصًا عَلَى أَخْبَارِ عُمَّالِهِ، وَيَسْتَكْشِفَ عَنْ بَوَاطِنِهِمْ حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ مَا جُبِلُوا عَلَيْهِ، فَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ بِعَمَلِهِ.
وَلاَ يَزَالُ أَمْرُ ذِي السُّلْطَانِ رفيعًا مُعَظَّمًا مُهَابًا، مَا لَمْ يَأْخُذْ فِي نَقْضِ عُرَى الشَّرِيعَةِ، وَرُبَّمَا تَجَرَّأَ بَعْضُ المُلُوكِ وَسَمَحُوا لِعُمَّالِهِمْ وَأَصْحَابِ أَشْغَالِهِمْ وَكُتَّابِهِمْ وَأَعْوَانِهِمْ وَأَوْلاَدِهِمْ بِهَتْكِ الحُرُمِ، وَالاعْتِدَاءِ عَلِى الرَّعِيَّةِ، وَالتَّسَلُّطِ عَلَيْهِمْ بِأَخْذِ
стр. 73
أَمْوَالَهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْلِبُهُمْ الحَقُّ تَعَالَى العِزَّ وُيُجَرِّدُهُمْ مِنَ النِّعْمَةِ (١) ... الخ».
وانظر أيضًا إلى ما كتب في طالعة إحدى " فتاويه " مُعَرِّضًا بتساهل معاصريه على الإفتاء بغير علم ولا تقوى: (٢)
«الحَمْدُ للهِ الذِي لاَ يُحْمَدُ سِوَاهُ، وَلاَ يُسْتَخَارُ فِي جَمِيعِ الأُمُورِ إِلاَّ إِيَّاهُ، وَنَسْتَعِيذُهُ أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَوَاهُ، فَجَعَلَ الجَهْلَ مُنْقَلَبَهُ وَمَثْوَاهُ، وَإِلَى اللهِ أَرْغَبُ أَنْ لاَ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ ظَنَّ أَنَّ العِلْمَ مَعْنَاهُ الدَّعْوَى، وَأَرَادَ أَنْ يُمَوِّهَ عَلَى العَامَّةِ بِالفَتْوَى، وَهَيْهَاتَ مَا العِلْمُ إِلاَّ مَا شَهِدَ بِهِ أَهْلَهُ، وَمَا الفَضْلُ إِلاَّ مَا عُرِفَ عَنْهُ فَضْلُهُ، وَلَيْسَ الفِقْهُ عِنْدَ مَنْ قَالَ: أَنَا وَقَنَعَ بِالمَدْحَةِ وَالثَّنَا ... ».
ومثل هذا كثير جِدًّا في تحريرات المازري، ولو تكلفنا استقصاء كل ما كتب في معنى معارضة المتفقهين الجاهلين
стр. 74
أو الموالين لذوي السلطان الجائر لما أخرجنا عن حدود بحثنا وتحدينا قاصديه.
وزبدة القول: إن ما وضعه الإمام المازري من المؤلفات في مختلف العلوم والفنون من حديث وفقه وأصول وجدل وأدب وطب وغير ذلك، لدليل واضح على طول باعه في العلوم وتبحره في العرفان، حتى صار المشار إليه بالبنان في ذلك الزمان.
ثم إنا لا ندري هل كان له مصنفات أخر عَدَا ما ذكرنا لم تبلغنا أسماؤها الأمر الذي نشاهده في كثير من علمائنا الأعلام، وما ذلك إلا لإهمال وغفلة كثير من مؤرخينا عن إيراد تراجم مستوفاة لعظماء رجالنا، حتى يضطر الباحث الآن إلى مراجعة الكتب العديد بقصد التقاط نتف مبعثرة هنا وهناك لا تسمن ولا تشفي غليلاً.
نَمَاذِجُ مِنْ تَحَارِيرِهِ:
وَأَيًّا كَانَ السَّبَبُ فإنا نقتنع بأن نسوق إليك هنا نموذجًا من تحرير عَلَمِنَا الجَهْبَذَ، ليتبين لك مقدار رسوخه في الفتوى،
стр. 75
ورجحان فكره الثاقب في المسائل التي كانت تعرض على اجتهاده فيبدي فيها وجهة نظره.
فمن ذلك: (*) أنه سئل عن قوم يجتمعون بالليل بعد صلاة العشاء الأخيرة (في مدينة سوسة والمنستير) ومعهم قناديل يمشون فوق السور يذكرون أنهم يريدون العسكر، ويقولون بإجماع أصواتهم: «سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ» بتطريب وتحزين، وينصرفون على تلك الصفة يمشون في الأزقة، ويجوزون على المجازر والمزابل، وهم على تلك الحال من الاجتماع والتطريب، إلى أن يبلغوا السور، وَقَدْ نُهُوا عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ فِي الطُّرُقَاتِ وَأَمَامَ المَزَابِلِ، وَنُهُوا عن التطريب والاجتماع، وَأُمِرُوا أن يكونوا على السور ويتركوا التطريب، وأن سُنَّةَ الحَرَسِ في الرباط التكبير والتهليل، فهل ينهون عن هذا - وهو بدعة - ولا يذكرون الله إلا في المواضع الشريفة من غير اجتماع ولا تطريب؟
فكان جوابه:
«الاجْتِمَاعُ بِالذِّكْرِ وَالتَّطْرِيبِ وَالتَّحْزِينِ، وَرَفْعٍ الصَّوْتِ
بل هو أخف شيء عليهم لو أرادوه، وكذا من بعدهم من السلف لم يرد عنهم الأمر بهذا ولا الحض عليه، وما ذاك إلا لاتباعهم من مضى ولو لم يكن إلا أن العلماء سكتوا عنه ولم يفعلوه لكان من حق العاقل ألا يفعله، فكيف وهم أنكروه ونهوا عنه؟ قال مالك فيمن يقرأ القرآن بالألحان ويعلم ذلك الجواري كالغناء: " ما هكذا كان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن». فجعل حجته أنه لم يفعله من مضى بعده بدعة، وأيضًا فإظهار هذه المعاني من نوافل الخير، ولا تخلص النية فيها ويقصد المباهاة والرياء وابتغاء عرض الدنيا، وهو خلاف الشرع: وقد أمر الشرع بإظهار صلوات الفرض وإخفاء النوافل، لأن قوادح النوافل في النيات تطرق أكثر منها في الفرائض لاجتماع الناس عليها. وكذا تكلم العلماء في إظهار الزكاة - وهي فرض - وإخفائها، لقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] الآية. وفي الصحيح ما يقتضي منع الصوت بمثل هذا: «إِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ» الحديث. وإنما أبيح في حضور الرباط حين العسس من رفع
стр. 78
التكبير أو غيره من الذكر لما فيه من المصلحة لإشعار من يريد اغتيال الحُصن أنهم حذرون مستعدون لدفاعه، وأما الاجتماع والتلحين في الأسواق والمجازر فلا مصلحة فيه ولا ضرورة تدعو إليه مع ما فيه من استهجان ذكر الله في المواضع المحتقرة الخسيسة، ولهذا نهى عن قراءة القرآن والإكثار منه في الأسواق احترامًا له، ولذلك قيل لابن القاسم في الباعة إذا أخذت شيئًا صَلَّتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «لَيْسَ هُوَ مَوْضِعُ صَلاَةٍ. وَيَكْفِيكَ بِرَدِّهِمْ الاِتِّبَاعَ لِمَنْ سَبَقَ مِنَ النَّاسِ» (١).
وعن الشيخ أبي بكر المالكي (٢) وقد شاهدنا من
стр. 79
فضله ودينه وجلاله وعلمه بالأخبار ما يحصل الثقة في أنفسنا بما يحكيه - أن يحيى بن عمر (١) كان سَمِعَ بزقاق الروم - وهو طريقه إلى الجامع بسوسة - فريقًا يكبرون أيام العشر، ويرفعون أصواتهم بالتكبير، فنهاهم عن ذلك وقال: هذه بدعة فلم ينتهوا، فدعا عليهم، ودعاؤه عليهم يقتضي شدة إنكاره لما ابتدع على أمثال هذا؛ وكذا إنكاره حضور مجلس السبت (٢)
стр. 80
وألف فيه تأليفًا فأمر من عانده في ذلك رجلاً أندلسيًا حسن الصوت أن يصلي معه الظهر فلما فرغ من صلاته رفع الأندلسي صوته فقرأ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] إلى آخر الآيتين، فبكى يحيى بن عمر حتى سالت دموعه على لحيته، ثم قال: «اللَّهُمَّ! إِنَّ هَذَا القَارِئَ مَا أَرَادَ بِقِرَاءَتِهِ رِضَاكَ وَلاَ مَا عِنْدَكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَنْقِيصِي وَعَيْبِي فَلاَ تُهْمِلْهُ!».
فينبغي أن يقال لهؤلاء: أنتم وإن سبق إلى أنفسكم أن الازدياد من الخير مطلوب فيجب أن تعلموا أن هذه الأمور لم تكن خيرًا من جهة العقول ولا من جهة الشهوات ولا أحكام الإرادات، وإنما هي أدبار من جهة الشريعة وما رسمه من آياتها عن الله تعالى ووعده من الثواب عليها، فإذا رسمها على صفة من الصفات وحد من الحدود، ونهى عن مجاوزته صارت الزيادة شَرًّا، فإن يكونوا من أهل الاجتهاد فهلموا إلى المناظرة، وإن كانوا من أهل التقليد فيسألون أهل العلم لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] و [الأنبياء: ٧].
стр. 81
وقد أخبرناك بما تقدم لمالك وأصحابه وغيرهم من العلماء فلا ينبغي التساهل في هذه المعاني وَلاَ يُغْفَلُ عَنْ تَفقُّدِهَا ولا عما وقع منها، فصغار الأمر تجر كبارها، وربما كانت هذه حِيَلاً لاسْتِمَالَةْ قُلُوبِ النَّاسِ وَصَيْدِ دَرَاهِمِهِمْ، فإن قال هؤلاء المُسْتَفْتَى فِيهِمْ: لسنا نريد إلا وجه الله؛ قيل لهم: أصل امال حماية الذارئع، ففي بعض مسائل " المدونة ": أخاف إن صح من هؤلاء أن لا يصح من غيرهم، وقد سئلت عن بعض لباس هؤلاء المتهمين للخز والمسوح والصوف الخشن الأسود فأنكرت ذلك. وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ لِبَاسِ الصُّوفِ لِلرِّجَالِ فَقَالَ: «لاَ خَيْرَ فِي الشُّهْرَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُخْفي الإِنْسَانُ مِنْ عَمَلِهِ». فقيل له: «إِنَّمَا يَقْصِدُ بِهَذَا التَّوَاضُعُ». [قَالَ]: «يَجِدُ بِثَمَنِهِ مِنْ غَلِيظِ القُطْنِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ!» (*).
فأنت ترى كيف أنكر هذه، فكيف به لو سئل عن لباس المسوح والثياب السود من الصوف؟ هذا، وقد قال النبي ﷺ : «البَسُوا البَيَاضَ [فَإِنَّهَا أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ]، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» (**) «فَإِنَّهَا [خَيْرُ ثِيَابِكُمُ]» ( ... ). الحديث، فهذه الصفة مخالفة للحديث.
стр. 82
ولما روي عن مالك، فإن رأوا مخالفة من تقدم برأي وتأويل لم يتركوا لرأيهم ويبين لهم فساد رأيهم. وعن عمر ﵁: «أُحِبُّ لِلْقَارِئِ أَنْ تُرَى عَلَيْهِ الثِّيَابُ البِيضُ».
وقد رأيت الأيمة الذين أخذت عنهم علم الشريعة - وهم أيمة عصرهم - استثقال هذه المعاني وإنكارها، ولو لم يكن في هذه إلا التشبه برهبان النصارى، فقد اشتهروا بهذا الزي حتى قال الشاعر:
أَصْوَاتُ رُهْبَانِ دِيرٍ فِي صَلاَتِهِمْ ... سُودُ المَدَارِعِ نَقَّارِينَ فِي السَّحَرِ
وقد ختم القاضي ابن الطيب كتاب " الهداية " له بكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فذكر من بعض فصول الأمر التشبه بزي لا يجوز التشبه به، وهذه الخيالات يستمال بها قلوب العوام ويريهم الإنسان أن سواد قلبه من الحزن كسواد لباسه، وهي مساخر وملاعب.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أُعُوذُ بِاللهِ مِنْ خُشُوعِ النِّفَاقِ وَالمَسْكَنَةِ». وهو أن يرى الجسد خاشعًا والقلب ليس بخاشع، وقيل في رجل أظهر الخشوع والمسكنة فوق ما هو عليه: «أَتَرَى
стр. 83
هَذَا أَخْشَعَ مِنْ عُمَرَ الذِي كَانَ يَنْزُو على الفَرَسِ مِنَ الأَرْضِ».
وهؤلاء الخلفاء الراشدون ولم ينقل عنهم أن هذا المقدار هو كان لباسهم وزيهم، فإن ظن أخرق أن يفعل في اللباس وغيره ما هو أولى عند الله وأنه اجتهد فيما فرطوا فيه أو عرف ما لم يعرفوه فقد خلع ربقة العقل والمسكنة في هذا الدين من ربقته.
وهذا الإفراط في التقشف قد نهى عنه ﷺ وأنكر على قوم من أصحابه ما أرادوه من التبتل، وأخبرهم أنه أخشاهم للهِ لما طلبوا منه التبتل، فأعلمهم أن التقرب إنما هو بين رؤوسهم والوقوف عندما به حكم، فقال: «لاَ رَهْبَانِيَّةَ فِي الإِسْلامِ».
فينبغي أن يشنع على من ظن به جهل بما ذكرناه ولم يتعلمه أن ينفر العامة منه، فإن قصد بهذا غير وجه اللهِ أو تحيل على جاه أو مال أو صيت فقد تعرض لسخط الله تعالى. وقال ﷺ : «مِنْ سَخَطِ اللهِ عَلَى العَالِمِ أَنْ يُمِيتَ قَلْبَهُ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ: قَالَ: يَطْلُبُ بِعِلْمِهِ الدُّنْيَا» (*).
وتوعد أيضًا أنه يلقى في النار حيث تنقلب أقتابه ويقال له
стр. 84
كنت تقرأ ليقال وقد قيل.
وقال سحنون: «طَلَبُ الدُّنْيَا بِالدُفِّ وَالمِزْمَارِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِهَا بِالدِّينِ».
وهذه أمور قد كثر التحيل فيها على إراحة النفس من طلب العيش أن يكون الإنسان عالة على غيره أو مسموع القول أَوْ مُبَجَّلاً أَوْ مُكَرَّمًا. ومن صدق بما في كتاب الله من قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]، وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] فلا يكون كهذا. ولسنا نشير في جوابنا هذا إلى أحد من الناس بل ربما أمكن أن يتخذ هذه الأمور من لا يقصد بها أمرًا مذمومًا مما ذكرناه، ولكن حقه إذا نصح الله ورسوله والمسلمين أن لا يفتح بَابًا يجر غيره مما لا يقصد به وجه الله تعالى إلى ركوب ما نهى الله ورسوله، فقد كثر في هذا الزمان هجران الحقائق، وربما اتخذت هذه المعاني حيلاً وشباكًا لتحصيل جاه أو مال. وليس شيء ننهى عن فعله على الإطلاق ولكن على التفصيل الذي ذكرناه. ونأمر بتبجيل المنقطعين إلى الله وإكرامهم وخدمتهم، فمن خدم الله تعالى
стр. 85
كان حقيقًا أن يخدم ولكن بعد صحة القصد والنيات في اتباع حدود الشريعة، ونأمر بالتنكير عمن لَجَّ في ذلك واتخذه معاشًا، كما قيل لبعض الصوفية: «أَتَبِعُنِي مُرَقَّعَتَكَ؟ فَقَالَ: " هَلْ رَأَيْتُمْ صَيَّادًا يَبِيعُ شَبَكَتَهُ!!».
فأصحاب هذه الشباك ينبغي أن يتحفظ منهم، وينفر الناس عنهم وحسب العاقل أن يسلك مسالك من قد مضى «وَمَنْ مَضَى أَعْلَمُ مِمَّنْ بَقِيَ» كما قال مالك ﵁. والله سبحانه ولي التوفيق (١).
فانظر - يا رعاك اللهُ - إلى حصافة آراء إمامنا الفذ وإلى أسلوبه الحكيم في التقرير والاستنتاج المرتكز على فهم مقاصد الشريعة وأصول السنة السمحة، وانظر أيضًا إلى غيرته على سلامة المعتقد من غوائل البدع وشوائب التدجيل، حتى إنه ليخيل إليك بعد الاطلاع على جوابه أنه حرره وهو يشاهد العصر الحاضر الذي كثرت فيه المخارق والألاعيب بمبادئ الدين
стр. 86
العالية - والله يرزقنا الهداية ويرشدنا إلى الحق.
ولنطرح أمامك جوابًا ثانيًا للإمام ﵁ في مسألة مهمة تخص أصلاً من الأصول العامة لقانون العلائق بين الأمم، وهي مسألة الاعتراف بالقضاة المتولين من قبل أمير غير مسلم والعمل بأحكامهم وتنفيذها في بلاد الإسلام.
وهذا السؤال ورد على الإمام - وهو بالمهدية - من جماعة من المسلمين المقيمين تحت ذمة النصارى بصقلية بعد انجلاء حكم الإسلام من تلك الجزيرة، ونصه:
وسئل الإمام المازري عن أحكام قاضي صقلية وشهادة عدولها، ولا يدري إقامة المسلمين هنالك تحت أهل الكفر اختيارية أو ضرورية؟
فكان جوابه ﵁: «القَادِحُ فِي هَذَا مِنْ نَاحِيَةِ العَدَالَةِ حَيْثُ أَقَامَ بِبَلَدِ الحَرْبِ فِي قِيَادَةِ أَهْلِ الكُفْرِ وَذَلِكَ لاَ يُبَاحُ، وَالثَّانِي مِنْ نَاحِيَةِ الوِلاَيَةِ إِذْ هُوَ مَوْلَى مِنْ قِبَلِ أَهْلِ الكُفْرِ. فَالأَوَّلُ لَهُ قَاعِدَةٌ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا شَرْعًا،
هِجْرَةُ الصِّقِلِّيِّينَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ:
إذا كانت نصوص التاريخ التفصيلية عن نزوح بقايا مسلمي الأندلس إلى المغرب الأقصى وتونس تعوزنا، مع قرب عهد هذا النزوح من عصرنا الحاضر، فإن الأخبار الواصلة إلينا عن هجرة مسلمي صقلية إلى إفريقية التونسية بعد استيلاء النرمان على الجزيرة - سنة ٤٨٦ هـ - تكاد أن تكون معدومة بالمرة.
وغاية ما يقال أن عدد اللاجئين من أهالي صقلية إلى المدائن التونسية - في مدة خمسين سنة - كان لا محالة وافرًا جِدًّا ولا يقل عن خمسين ألف شخص على أقل تقدير، من بينهم فلاحين عارفين أثرياء، وتجار مياسير، وعلماء مبرزين مثل الإمام المحدث اللغوي الكاتب البليغ (عمر بن خلف بن مكي الصقلي) الذي تولى القضاء بمدينة تونس على عهد بني خراسان، ومنهم أدباء مجودون مثل الشاعر الطائر الصيت (عبد الجبار بن حمديس) الذي مدح أواخر ملوك صنهاجة بالمهدية، وغيره وغيره مما لا يكاد يحصى عددًا.
стр. 90
والذي يهمنا من هذا كله هو ما يؤثر عن الإمام المازري من أنه كان - في تلك الأثناء - يكرم من يفد على إفريقية من مهاجري صقلية، فيوسع على فقيرهم، ويساعد بالنصيحة الميسور منهم، عطفًا على أولئك اللاجئين المصابين بفقدان الوطن، وقد استقر منهم كثير من أحواز المهدية، والمنستير، وسوسة، فاشتروا الأرضين لا ثمارها بالفلح، فكان المازري أكبر معين لهؤلاء على استقرارهم في الوطن الجديد، وتأنيس غربتهم، وفي الواقع إن هذه العاطفة كانت تخالج ضمير سائر سكان الساحل إلا أنها ربما كانت أظهر عند المازري لما تربطه بهم من أواصر الاغتراب، نظير ما حصل - خمس قرون بعد ذلك - لجالية الأندلس النازحة إلى التراب التونسي عقب الجلاء الأخير.
ولا غرابة أن تصدر عن المازري تلك الفتوى الفريدة من نوعها لإعذار أهل صقلية عن مهاجرة بلادهم، وأن يُظْهِرَ من الرأفة والشفقة لمن بقي منهم فيها، وهو أعلم الناس بحالهم، وبما كانت تكنه نفوسهم من الحسرة على مبارحة أوطانهم، واللهُ يفعل ما يريد!.
стр. 91
رَفْعُ الْتِبَاسٍ:
طالما يعرض للباحثين عن تراجم علماء صقلية الوقوف على اسم: أبي عبد الله محمد المازري؛ فربما يتبادر للفكر بادي بدء أنه الإمام المازري المخصص بهذه الترجمة، والحقيقة أنه وجد أكثر من عالم عرف بهذا الاسم وهذه الكنية وهذا النسب، ومن أجل ذلك تسرب إلى غير واحد من الباحثين في القديم والحديث التباس بين أفراد متغائرين، مما أدى إلى الخلط بين علماء واعتبارهم شخصًا واحدًا.
ومن الأسباب التي حملت على هذا التخليط هو أن هؤلاء الأعلام كان يجمعهم - زيادة على الاسم واللقب والنسبة - الاشتغال بعلوم الدين والمعاصرة في الزمان.
ولرفع هذا اللبس أردت أن أعرف بكلمة وجيزة كل واحد منهم.
تقدم في طليعة هذه العجالة أن المازري ينسب إلى (مَازَرَةَ - أَوْ - مَازَرْ) بلدة من جزيرة صقلية (١)، وهي
стр. 92
أقرب مدائنها إلى القطر التونسي، فلا عجب حينئذٍ أن امتازت مازرة - في عصر الفيض الإسلامي - بمسائرة بر العدوة الإفريقية في تقاليده ومشاركته بالنصيب الوافر في العلوم والآداب العربية، وكانت مازرة آخر معاقل الإسلام بالجزيرة: وقد أنبتت عشرات من العلماء ما بين فقهاء ومحدثين وأدباء وشعراء فصحاء ومن يرجع إلى تاريخ صقلية العربية يجد ما فيه إقناع وإمتاع.
المَازَرِيُّونَ:
أولهم - أبو عبد الله محمد بن أبي الفرج ويعرف بـ (الذكي) المازري، فقيه حافظ مقدم في المذهب المالكي، مشهور بالعربية وسائر العلوم، مولده بمازرة وتحول إلى القيروان بعد استيلاء الإفرنج على بلده فأخذ عن الإمام السيوري وغيره، ومن تلاميذه الإفريقيين الرجل الصالح أبو الفضل ابن النحوي التوزري ورحل إلى المغرب الأقصى ثم عاد إلى إفريقية ومنها قصد المشرق وأقام بمصر والشام والعراق، وعلم في بغداد العربية وفنون اللغة، واستقر آخرًا في إصبهان في بلاد فارس وبها توفي
стр. 93
سنة ٥١٦ هـ (١١٢٢ م) وألف كُتُبًا كثيرة في القراءات والتفسير واللغة والنحو.
- الثاني:
أبو عبد الله محمد بن مسلم بن محمد بن أبي بكر القرشي المازري، قرأ أولاً ببلده ثم نزح إلى إفريقية فأخذ بالقيروان على جماعة من أفاضل علمائها، درس الأصول على أبي الطيب عبد المنعم وغيره، ثم رحل إلى الحجاز ومصر واستقر أخيرًا بالإسكندرية وأقرأ بجامعها، وكان من كبار علماء الأصول والكلام ومال في آخرته حياته إلى التصوف كما فعل الغزالي، ومن أشهر تآليفه: كتاب " البيان في شرح البرهان " لأبي المعالي الجويني - وله " المهاد في شرح الإرشاد إلى تبيين قواعد الاعتقاد " للجويني أيضًا، وهو من أحسن ما شُرِحَ بِهِ، منه نسخة قيمة قديمة بمكتبتي الخصوصية.
وكان وفاته بالإسكندرية سنة ٥٣٠ هـ (١١٣٦ م).
стр. 94
الثالث:
أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المشهور بالإمام المازري، وهو المخصص بهذه الترجمة.
وَفَاتُهُ:
عاش المازري حياة طويلة هنيئة مملوءة عِلْمًا وَعَمَلاً وتقوى ونصيحة للقريب والبعيد، وقد عمر حتى بلغ الثالثة والثمانين، وأدركته المنية في مدينة المهدية التي اتخذها مقرًا ومسكنًا من زمن دراسته إلى أن توفي بها يوم السبت الثامن من ربيع الأول سنة ست وثلاثين وخمسمائة (١٢ أكتوبر ١١٤١ م) في مدة آخر الأمراء الصنهاجيين الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز، وكان لموت الإمام المازري رنة عظيمة في أنحاء البلاد الإفريقية، وتوجع لفقدانه سائر السكان من حاضر وباد.
ضَرِيحُهُ:
ونقل جثمانه من الغد فِي زَوْرَقٍ على طريق البحر من المهدية إلى المنستير، حيث مدفن الصالحين والعلماء والزهاد والمرابطين النساك، حول ذلك الرباط المبارك الشامخ الذي
стр. 95
كان يفزع إليه سكان الساحل الإفريقي عند الشدائد، وهرع الناس زرافات ووحدانًا من سائر الساحل وقراه لحضور الجنازة، ودفن بعد الظهر في حفل رهيب قَلَّمَا تَأَتَّى لعالم في عصره، وأقيم بعد قليل على قبره ضريح بسيط مسامت للبحر، ودام هذا البناء إلى أواخر القرن الثاني عشر للهجرة.
وفي تلك الأثناء كانت أمواج البحر تغور باستمرار على الشاطئ إلى أن اقتربت جِدًّا من الضريح، وخشي [أولو] الفضل من العلماء على القبر من غمرات الموج فاتفقوا على نقله - مع غيره - إلى مكان ليس بالبعيد من الأول، فنقل رفاته ﵁ ليلة الأحد الثالث والعشرين من ذي القعدة سنة ١١٧٦ هـ (٩ يونية ١٧٦٣ م) إلى المقام المشهور به الآن في مقبرة المنستير تحت ظل المحرس الكبير.
وكان الآمر بهذه النقلة وببناء الضريح الحالي هو أمير عصره علي باي الثاني بن حسين بن علي مؤسس الأسرة الحسينية وقد نقشت العبارة التالية على حجر رخامي نصب في مدخل التربة فوق باب المقام:
стр. 96
«يَرْفَعِ اللهُ الذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ، أُسِّسَ هَذَا المَقَامُ عَلَى ضَرِيحَيْ الشَّيْخَيْنِ الإِمَامَيْنِ العَالِمَيْنِ أَبَوَيْ عَبْدِ اللهِ مُحَمًّدٍ المَازِرِيِّ، وَمُحَمَّدٍ المَوَّازِ ... ».
وظل هذا الضريح إلى يومنا المشهود من أبرك المزارات وأجمل المقامات، يزيده ريعان الموقع بهجة وجلالاً ولا غرو فإنه يواجه البحر من ناحية، وحصن الرباط الشامخ الذري من أخرى.
أمطر الله هذا القبر شبائب الرحمة والرضوان، وجازى ساكنه الرضي - عن تونس الإسلامية وأهلها - جزاء الفضل الإحسان.
آمين.
تحريرًا بالمهدية
ربيع الأنور ١٣٤٨ هـ.