← Акыда

Акыда · id 115127

الدلالات العقدية للآيات الكونية

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (702 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (١)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن التفكر في مخلوقات الله وآياته العظيمة، وما يحدثه الله في هذا الكون، علويه وسفليه، من ليل ونهار، ورياح وأمطار، ورعد وبرق، وخسوف وكسوف، وزلازل وبراكين، وفيضانات وسيول وغير ذلك، كل ذلك بتصريف من الله وحده عظهٌ واعتبار لمن اعتبر. وهذا التفكر يدل على أن هذا الكون له خالق مالك متصرف، مستحق للعبادة وحده، فهو سبحانه يظهر آياته الكونية للناس ليستدلوا بها على أنه هو المستحق للعبادة وحده، وأن كل ما سواه هو الباطل الذي يضمحل ويفنى، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٢)، قال ابن جرير ﵀: " هذا الذي أخبرتك يا محمد أن الله فعله من إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل، وغير ذلك من عظيم قُدرته، إنما فعله بأنه الله حقا، دون ما يدعوه هؤلاء المشركون به، وأنه لا يقدر على فعل ذلك سواه، ولا تصلح الألوهة إلا لمن فعل ذلك بقُدرته" (٣).

стр. 2

قال القاسمي (١) ﵀: " ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما ذكر من سعة العلم وشمول القدرة وعجائب الصنع واختصاص البارئ بها، ﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ بسبب أن الحق، وجوده وإلهيته" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) ﵀ فيما يحصل به اليقين وأنواع الفكر والاعتبار: "وأما كيف يحصل اليقين فبثلاثة أشياء: أحدها: تدبر القرآن، والثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفاق التي تبين أنه حق،

стр. 3

والثالث: العمل بموجب العلم، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١) ... فبين سبحانه أنه يرُي الآيات المشهودة ليبين صدق الآيات المسموعة مع أن شهادته بالآيات المسموعة كافية" (٢). والقرآن لم يذكر هذه الآيات الكونية على أنها مقصودة لذاتها؛ ولكنها دعوة عملية للإيمان بالله من منطلق أن كل ما نشاهده في هذا الكون فهو خاضع للنظام الدقيق وللعناية الفائقة، ولرحمة الرحمن بعباده. والنبي ﷺ يذكر بعض الآيات الكونية، ثم يذكر بعدها تقرير التوحيد ونفي الشرك وإثبات البعث وغير ذلك من مسائل العقيدة، فكان ﷺ يقول: " أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد ﷺ ، وملة أبينا إبراهيم، حنيفا مسلما وما كان من المشركين " (٣). وقد كان للنبي ﷺ هديه الواضح تجاه هذه الآيات الكونية، وبيان ما يقع من الناس فيها من مخالفات، تنقص من إيمان العبد أو تزيله، ومن ذلك أنه لما حصل الخسوف في زمنه ﵊ بين أن " الشمس

стр. 4

والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته" الحديث (١). فبين أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، ونفى ما كان يعتقده أهل الجاهلية من أنهما ينخسفان لموت أحد أو حياته، ثم بين سبب حصول هذا الخسوف- بالإضافة إلى الأسباب الحسية - وهو غيرة الله أن تنتهك محارمه، ثم بين أنه ﷺ يعلم - بما أعلمه الله - من الأمور العظيمة التي لا يعلمونها، وهذا من أدلة نبوته. ومن أجل إيضاح هذه الدلائل والمسائل العقدية المتعلقة بالآيات الكونية، وبيان ما حصل من الناس من المخالفات العقدية التي تقعُ عند حدوثها، وحيث أن أغلب من تكلم عن هذا الموضوع تكلم من جهة تعلق هذه الآيات بتوحيد الربوبية أو إثبات الرسالة أو البعث، وقلّ من تكلم عنها من جهة تعلقها بمسائل العقيدة الأخرى كتوحيد الألوهية والأسماء والصفات، والإيمان بالغيب، والكتب والرسل، والقدر والفطرة، ومسائل الأسماء والأحكام، والنهي عن مشابهة المشركين ونحو ذلك، رغبت أن يكون بحثي لمرحلة الماجستير في العقيدة والمذاهب المعاصرة - بعد الاستشارة والاستخارة- بعنوان: " الدلالات العقدية للآيات الكونية" (٢).

стр. 5

أهمية الموضوع وأسباب اختياره: ١ - بيان كمال قدرة الله وحكمته في هذا الكون. ٢ - بيان منهج القرآن، وهدي النبي ﷺ تجاه الآيات الكونية. ٣ - كثرة الأدلة في الموضوع وتنوعها، مع أنه لم يُنبه في أغلب الكتابة عنها إلا فيما يتعلق بتوحيد الربوبية وإثبات الرسالة والبعث. ٤ - كثرة الحوادث وتنوعها في هذا الزمن، مع غفلة الناس عنها وعن الاعتبار بها؛ بل والوقوع في المخالفات العقدية فيها. ٥ - اختلاف الناس في التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة النبوية، مع وجود بعض المخالفات العقدية في ذلك. ٦ - أنه لم يسبق أن أفرد الموضوع بدراسة مستقلة وافية - حسب علمي -. أهداف البحث: ١ - جمع الآيات الكونية الواردة في النصوص الشرعية مع بيان المنهج الشرعي تجاهها، وبيان المخالفات العقدية التي تقع في ذلك. ٢ - بيان الموقف العقدي الصحيح من التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة النبوية. أسئلة البحث: السؤال الأول: ما المراد بالآيات الكونية؟ السؤال الثاني: ما علاقة توحيد الربوبية بتوحيد الألوهية؟ السؤال الثالث: ما الدلائل والمسائل العقدية المتعلقة بالآيات الكونية؟ السؤال الرابع: ما المخالفات العقدية الواقعة عند حدوث بعض الآيات الكونية؟ السؤال الخامس: هل العلم بالأسباب ينافي كون الشيء آية من آيات الله؟

стр. 6

السؤال السادس: ما الموقف العقدي الصحيح من التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة النبوية؟ السؤال السابع: ما الهدي القرآني والنبوي في الاستفادة من الآيات الكونية في تقرير العقيدة؟ الدراسات السابقة: لم يتناول أحد بالبحث - حسب علمي وبعد السؤال - الدلائل والمسائل العقدية المتعلقة بالآيات الكونية على وجه التفصيل، وأغلب من كتب حول هذا الموضوع كان التركيز في ذلك على جانب توحيد الربوبية والبعث، وتقرير النبوة بإثبات معجزة القرآن والسنة من جهة إخبارها ببعض ما يتعلق بالإعجاز العلمي؛ لكن ثم رسائل تناولت الموضوع ولكن من جوانب أخرى حديثية أو دعوية، بالإضافة إلى بعض الرسائل التي تناولت بعض جوانب البحث ولكنها في جزئية معينة منه، أو تكلمت عن مبحث من مباحثه. ومن تلك الدراسات: ١ - "منهج القرآن الكريم في عرض الظواهر الكونية"، المقدمة من الباحثة: ليلى بنت صالح بن علي الزامل، لنيل درجة الدكتوراه في تفسير وعلوم القرآن من قسم الدراسات الإسلامية، بكلية التربية للبنات بجدة عام ١٤٢٠. وقد تطرقت الباحثة إلى أسلوب القرآن في عرض الظواهر الكونية، وخصائص هذه الظواهر في القرآن وخضوعها وعبوديتها لله، وأهداف منهج القرآن في عرضها ودلالة ذلك على الربوبية والملك لله والحكمة، وعلى البعث، ولم تتطرق الباحثة إلى المسائل العقدية الأخرى.

стр. 7

٢ - "الفلك وعلاقته بالعقيدة في الكتاب والسنة"، المقدمة من الباحث: عبد الله بن محمد بن سعيد الأنصاري، متطلب تكميلي لنيل درجة الماجستير من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمركز الدراسات العليا المسائية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة عام ١٤١١. وموضوع البحث يتحدث عن علم الفلك وموضوعه ونموه خلال تاريخ الحضارات، وما يتعلق بذلك من اعتقادات فاسدة. ومقارنة بين ما جاء في القرآن والسنة عن تفسير ومراحل خلق السماوات والأرض وبين أرجح النظريات العلمية المعاصرة. وتفسير حركة الأجرام السماوية في القرآن الكريم وعلم الفلك المعاصر. ثم تحدث الباحث عن التنجيم قديماً وحديثاً، وعلاقته بالعلم وموقف العقل والدين منه. وختم البحث بالحديث عن الفلك والتوحيد من جهة الربوبية وبعض الأسماء والصفات، وبين حكمة الله وعلمه وقدرته، وأن الله وحده هو الخالق المدبر النافع الضار. وبين أن بعض ما انتهى إليه علم الفلك الحديث من أهم دلائل الآفاق المثبتة لوحدانية الله، والموجبة لإفراده بالخلق والتدبير والعبادة. والملاحظات على البحث: أن الباحث لم يذكر الآيات الكونية إلا ما يتعلق بالفلك والنجوم، ولم يذكر المسائل المتعلقة بالآيات الكونية الأخرى. كما أنه ذكر المخالفات العقدية من جهة اعتقاد الفلاسفة والوثنين، ولم يذكر المخالفات من غيرهم. ٣ - "الأحاديث النبوية التي استدل بها على الإعجاز العلمي في الإنسان، والأرض، والفلك، جمع وتخريج ودراسة"، المقدمة من الباحث: أحمد بن حسن بن أحمد الحارثي، لنيل درجة الماجستير من قسم فقه السنة ومصادرها

стр. 8

بكلية الحديث والدراسات الإسلامية، بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، عام ١٤١٣. والرسالة كما يظهر من عنوانها تتعلق بالجوانب الحديثية وليس لها علاقة مباشرة بموضوع البحث. ٤ - " آيات التخويف الكونية وأثرها في الدعوة إلى الله"، المقدمة من الباحث: جمعان بن عبد الله بن سرور الغامدي، لنيل درجة الماجستير من قسم الدعوة والاحتساب في المعهد العالي للدعوة الإسلامية، عام ١٤٠٧، والرسالة كما يظهر من عنوانها تتعلق بالجوانب الدعوية وليس لها علاقة بموضوع البحث. ٥ - " دراسات فلسفية وإسلامية في الآيات الكونية"، تأليف عبد الباري بن محمد داود، وقد ذكر المؤلف أن موضوع كتابه هو: "الحياة الروحية في الآيات الكونية"، ولذا اعتنى بجانب الحياة الروحية في الإسلام، وعند الرسول ﷺ والصحابة والتابعين من بعده. وذكر العلاقة بين الخالق والمخلوق، وأثر التدبر في الكون على الحياة الروحية، وما يدعو إليه هذا التدبر من الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء، وأن الله تعالى عالم الغيب والشهادة. ولذلك فإنه لم يف بكافة جوانب البحث، ولم يتطرق إلى جوانب العقيدة الأخرى، ولم يربط الآيات الكونية بالمسائل العقدية، ولم يذكر المخالفات العقدية فيها. ٦ - الدلالات العقدية للماء في القرآن الكريم للدكتور محمد بن عبد الله السحيم ضمن مجلة البحوث الإسلامية، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء العدد (٩٨)، وهو في صلب الموضوع؛ لكنه لم ينتاول في بحثه إلا الماء.

стр. 9

خطة البحث: يشتمل البحث على مقدمة وثمانية فصول وخاتمة. المقدمة تشتمل على: - أهمية الموضوع وأسباب اختياره. - أهداف البحث. - أسئلة البحث. - الدراسات السابقة. - خطة البحث. - منهج البحث. الفصل الأول: المنهج الشرعي تجاه الآيات الكونية. وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: المراد بالآيات الكونية. المبحث الثاني: أنواع الآيات الكونية. المبحث الثالث: نبذة عن جهود السلف في العناية بالآيات الكونية ودلالتها العقدية. المبحث الرابع: الضوابط الشرعية تجاه الآيات الكونية. الفصل الثاني: التفكر في الآيات الكونية وأهميته والهدي القرآني والنبوي تجاهها. وفيه مبحثان: المبحث الأول: الأمر بالتفكر في آيات الله الكونية، وأهميته. وفيه خمسة مطالب:

стр. 10

المطلب الأول: الأمر بالتفكر في آيات الله الكونية. المطلب الثاني: أهمية التفكر في آيات الله الكونية. المطلب الثالث: الحكمة من الآيات الكونية. المطلب الرابع: الآيات الكونية وتثبيت العقيدة. المطلب الخامس: عبودية الكائنات لرب العالمين. المبحث الثاني: الهدي القرآني والنبوي تجاه الآيات الكونية. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الهدي القرآني تجاه الآيات الكونية. المطلب الثاني: الهدي النبوي تجاه الآيات الكونية. المطلب الثالث: تأييد الله لأنبيائه بالآيات الكونية. المطلب الرابع: الآيات الكونية وأركان الإسلام. الفصل الثالث: التفسير العلمي للآيات الكونية، والدراسات المستقبلية عنها وصلتها بالعقيدة. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: المراد بالتفسير العلمي. المطلب الثاني: موقف العلماء من التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة. المطلب الثالث: موافقة الحقائق العلمية للقرآن والسنة. المطلب الرابع: المخالفات العقدية في التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة.

стр. 11

المبحث الثاني: مسائل متعلقة بالتفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة. وفيه مطلبان: المطلب الأول: قضايا العلم التجريبي بين القرآن والعلم الحديث. المطلب الثاني: المقصد من إشارة القرآن لبعض الآيات الكونية المرتبطة بالعلوم التجريبية. المبحث الثالث: الآيات الكونية المستقبلية والدراسات حولها وصلتها بالعقيدة. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية. المطلب الثاني: صلة هذه الدراسات بالعقيدة. المطلب الثالث: المخالفات العقدية في الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية. الفصل الرابع: الأسباب، وصلتها بالآيات الكونية. وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: أنواع الأسباب. المبحث الثاني: منزلة الأسباب في الشريعة. المبحث الثالث: صلة الأسباب بالآيات الكونية. المبحث الرابع: العلم بوقت حدوث هذه الآيات الكونية وأسبابها الحسية لا ينافي كونها آية من آيات الله.

стр. 12

الفصل الخامس: الآيات الكونية السماوية ودلالتها العقدية. وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: السماء. المبحث الثاني: الشمس. المبحث الثالث: القمر. المبحث الرابع: النجم. المبحث الخامس: الرعد والبرق والصواعق. المبحث السادس: المطر والثلج والبرد. المبحث السابع: الريح والرياح. الفصل السادس: الآيات الكونية الأرضية ودلالتها العقدية. وفيه تسعة مباحث: المبحث الأول: حركة الأرض. المبحث الثاني: الجبال. المبحث الثالث: الزلازل والخسوف والبراكين. المبحث الرابع: البحار والأنهار. المبحث الخامس: الليل والنهار. المبحث السادس: الحياة والموت. المبحث السابع: النوم. المبحث الثامن: النبات. المبحث التاسع: الأمراض. الفصل السابع: الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة. وفيه مبحثان: المبحث الأول: الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة الصغرى. وفيه سبعة مطالب:

стр. 13

المطلب الأول: الطاعون. المطلب الثاني: ظهور نار الحجاز. المطلب الثالث: كثرة الزلازل. المطلب الرابع: ظهور الخسف. المطلب الخامس: انتفاخ الأهلة. المطلب السادس: عود أرض العرب مروجاً وأنهارا. المطلب السابع: كثرة المطر وقلة النبات. المبحث الثاني: الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة الكبرى. وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: ما يكون مع المسيح الدجال - بإذن الله -. المطلب الثاني: الخسوف الثلاثة. المطلب الثالث: الدخان. المطلب الرابع: طلوع الشمس من مغربها. المطلب الخامس: النار التي تحشر الناس. المطلب السادس: الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين. الفصل الثامن: الآيات الكونية المتعلقة بيوم القيامة. وفيه مبحثان: المبحث الأول: الآيات الكونية السماوية. المبحث الثاني: الآيات الكونية الأرضية. الخاتمة: وفيها ذكر أبرز النتائج. الفهارس (١).

стр. 14

منهج البحث: فقد سلكت في هذا البحث المنهج الاستقرائي التحليلي النقدي، وفق الآتي: ١ - أجمع كل ما يتعلق بالآيات الكونية، وذلك من خلال أدلة الكتاب والسنة، مع تمييز الأحاديث الواردة فيها صحةً وضعفاً. ٢ - أذكر أهمية هذه الآيات وعبوديتها، وما تضمنته من دلائل عقدية، والمنهج الشرعي تجاهها. ٣ - أذكر التفسير العلمي للآيات الكونية، والدراسات المستقبلية فيما يتعلق بأشراط الساعة الصغرى والكبرى ويوم القيامة وصلتها بالعقيدة، مع نقل كلام الأئمة عليها، والدلائل والمسائل العقدية المتعلقة بها. ٤ - أبين المخالفات العقدية المتعلقة بالآيات الكونية. ٥ - أعزو الآيات إلى مواضعها في القرآن الكريم. ٦ - أخرج الأحاديث الواردة في البحث من مصادرها، وأنقل الحكم عليها من كلام أهل العلم؛ إلا ما كان في الصحيحين أو في أحدهما فأكتفي بالعزو إليهما لتلقي الأمة لهما بالقبول. ٧ - أوثق النصوص بعزوها إلى مصادرها. ٨ - أترجم للأعلام. ٩ - أعرف بالملل والنحل والفرق، وكذا الأماكن والبلدان. ١٠ - أعرف بالمصطلحات والألفاظ الغريبة وأضبطها بالشكل. ١١ - أعمل الفهارس اللازمة.

стр. 15

الصعوبات التي واجهت الباحث: ١ - تداخل الموضوعات، فالسماء مثلاً تدخل في الآيات الكونية السماوية، وتدخل في الآيات الكونية المتعلقة بأشراط الساعة، والآيات الكونية المتعلقة بيوم القيامة. ٢ - كثرة الآيات القرآنية عن الآيات الكونية، فقد بلغت حسب عدّ الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بمكة المكرمة ١٩٣٥ آية (١). ٣ - كثرة الأحاديث النبوية عن الآيات الكونية، فقد بلغت حسب عدّ الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بمكة المكرمة ١٧٤٤ حديثا (٢). ٤ - طول الموضوع وخصوصاً في بعض الآيات الكونية، وعلى سبيل المثال فقد صدرت رسالة دكتوراه تتعلق بالسماء في القرآن الكريم فقط من إعداد: د. غالب محمد رجا الزعارير، وكذلك رسالة في الماء له أيضاً. ٥ - كثرة المؤلفات المعاصرة في الإعجاز العلمي مع عدم عنايتها بموضوع البحث. ٦ - كثرة المؤلفات في الإعجاز العلمي باللغات المختلفة مع عدم إجادة الباحث لها.

стр. 16

شكر: فإني أشكر الله وأحمده على ما يسر وأعان على إتمام هذا البحث، الذي أسأل الله أن يكون صالحاً ولوجهه خالصاً. كما أشكر بعد شكر الله جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ممثلة في كلية أصول الدين قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة التي أتاحت لي هذه الفرصة لمواصلة الدراسة. كما أتوجه بالشكر لفضيلة الشيخ: د. عبدالكريم بن محمد الحميدي المشرف على هذه الرسالة على ما بذله من جهد ووقت، ونصح وتوجيه، أسأل الله أن يكون ذلك في ميزان حسناته. كما أشكر الأساتذة الأفاضل الذين تكرموا بقبول مناقشة الرسالة، وهما الأستاذ الدكتور سيد عبدالستار مهيوب، وفضيلة الشيخ الدكتور فهد بن سعد المقرن. وأشكر كذلك كل من ساهم ومد يد العون لي من أهل بيتي وغيرهم، وأخص منهم فضيلة الأستاذ: محمد المنصور، مدير مكتب الإعجاز العلمي بالهيئة العالمية للإعجاز العلمي للقرآن والسنة بمكة المكرمة، وفضيلة الشيخ أبو الأشبال صغير أحمد شاغف، وفضيلة الشيخ الدكتور عبدالحفيظ الحداد الباحثان بالهيئة العالمية للإعجاز العلمي بمكة المكرمة على ما قدموه لي من فهارس للآيات الكونية في القرآن والسنة. وبعد فهذا جهد المقل وأستغفر الله وأتوب إليه من الزلل والتقصير، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. عبد المجيد بن محمد الوعلان ٢٨/ ٤/ ١٤٣٤ Awalaan@gmail.com

стр. 17

الفصل الأول المنهج الشرعي تجاه الآيات الكونية وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: المراد بالآيات الكونية. المبحث الثاني: أنواع الآيات الكونية. المبحث الثالث: نبذة عن جهود السلف في العناية بالآيات الكونية ودلالتها العقدية. المبحث الرابع: الضوابط الشرعية تجاه الآيات الكونية.

стр. 18

المبحث الأول: المراد بالآيات الكونية الآيات الكونية: هذه الكلمة تتكون من لفظتين: "الآيات"، و"الكونية". تعريف الآيات في اللغة: الآيات جمع آية، والآية: العلامة، والإمارة والجماعة، والجمع آيات وآيٌ وآيايٌ. والآية: من التنزيل ومن آيات القرآن العزيز، وسميت بذلك لأنها علامة لانقطاع كلام من كلام ويفضي منها إلى غيرها، وقيل سميت بذلك لأنها جماعة من الحروف، وآيات الله عجائبه (١). والآية كذلك العبرة والعبر، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ (٢) أي أمور وعبر مختلفة. وتطلق الآية على المعجزة (٣)، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً

стр. 19

وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (١). والآية في القرآن تطلق على معنيين: الأول: إطلاق الآية على الشرعية الدينية، كآيات هذا القرآن العظيم، ومنه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢). الثاني: إطلاق الآية على الآية الكونية القدرية (٣)، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٥). وأضاف بعضهم إطلاق ثالث وهو: إطلاق الآية على المعجزات التي يؤتيها الله رسله لإثبات صدق بلاغهم عن الله، مثل انشقاق البحر لموسى ﵇، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى -بإذن الله- لعيسى ﵇ (٦)، قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٧).

стр. 20

وهذه المعجزات لا تخرج عن كونها آيات كونية قدرية. تعريف الكون في اللغة: الكون: الكاف والواو النون أصل يدل على الإخبار عن حدوث شيء، إما في زمان ماض، أو زمان راهن، يقولون كان الشيء يكون كونا إذا وقع وحضر. والكَون: الحدَث وقد كان كوَنا وكيْنُونِة، والكائنة الحادِثة، والتَّكوُّن التحرك، تقول العرب لمن تشنؤه: لا كان ولا تكوَّن؛ لا كان: لا خُلق، ولا تكوّن: لا تحرك، أي مات، والكائنة: الأمر الحادث. وكوَّنه فتكوَّن: أحدثه فحدث، وكوّن الشيء: أحدثه. والله مكوِّن الأشياء يخرجها من العدم إلى الوجود، والكَوْن: واحد الأكْوان (١). وكوّن الشيء: ركبه بالتأليف بين أجزائه. والكون: الوجود المطلق العام، واسم لما يحدث دفعة كحدوث النور عقب الظلام مباشرة، وإن كان الحدث بالتدريج فهو الحركة، والكونان: الدنيا والآخرة (٢). ويستعمل مصطلح الكون في الفيزياء، وفي الفلك ليشير إلى كل شيء موجود، من أصغر الذرات إلى أكثر الأجرام الفلكية بعدًا (٣). ويطلق مسمى الكون اليوم على هذا الفضاء الواسع وما به من أجرام، كالسماوات والأرض وما فيهن وما بين ذلك من كل متحرك وساكن مما علمه الإنسان وما جهله (٤).

стр. 21

المراد بالآيات الكونية: يتبين لنا مما سبق أن المراد بالآيات الكونية: أنها المنسوبة إلى الكون الذي هو الخلق الذي كونه الله تعالى فكان، وذلك السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما من سائر المخلوقات (١)، فكل المخلوقات ذواتها، وصفاتها، وأحوالها من الآيات الكونية (٢). وهي العجائب - أي السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما- التي في الكون، ويسميها الله سبحانه آيات (٣)، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥). وهذه الآيات الكونية هي مناط الاستدلال العقلي على وجود الإله (٦)، وعلى أن خالقها هو الرب المعبود وحده (٧)، وعلى ما له من حكمة، ورحمة، وقدرة ... (٨).

стр. 22

والعلم الذي يعنى بدراسة الآيات الكونية الآن يسمى: علم الكونيات، وهو دراسة تركيب الكون وتطوره وحركته في علم الفلك والفيزياء الفلكية. وهذه الدراسة تحاول أن تشرح كيفية نشوء الكون، وماذا حدث له في الماضي وماذا يمكن أن يحدث له في المستقبل (١).

стр. 23

المبحث الثاني أنواع الآيات الكونية الآيات الكونية تتنوع وتنقسم باعتبارات مختلفة، فمن ذلك: أولاً: من حيث العينية ، فتنقسم إلى نوعين: النوع الأول: أن تكون من الأعيان ، كالشمس والقمر والنجوم والأرض والجبال ... فهذه أعيان ظاهرة. النوع الثاني: أن تكون من الأعراض (١) التي تقوم بغيرها - وتسمى الظواهر الكونية-، كالخسوف والكسوف والزلازل والشهب والنوم (٢). ثانياً: من حيث التكرار والوقت ، فتنقسم إلى نوعين: النوع الأول: آيات متكررة، وتتنوع في أوقاتها ، ومنها: ١ - آيات يومية: مثل طلوع الشمس والقمر والليل والنهار. ٢ - آيات موسمية أو فصلية: كتغير الأجواء والفصول الأربعة والأمطار في الغالب. ٣ - آيات ليس لها وقت منتظم يعرفه الناس دون استدلال ونظر: كالخسوف والكسوف والزلازل.

стр. 24

النوع الثاني: آيات غير متكررة: وهي التي لا تكون إلا في آخر الزمان: كطلوع الشمس من مغربها، وما يحدث للسماء والأرض عند قيام الساعة. ثالثاً: باعتبار من تقع عليه ، فتنقسم إلى نوعين: النوع الأول: الآيات النفسية: وهي ما يظهره الله من علامات وآثار قدرته في ذوات وأجسام الإنسان من حواس وقوى، وقدرات عقلية وجسمية، وما يصابون به من شر أو خير، ومن نعمة أو نقمة: كالنوم والمرض. النوع الثاني: الآيات الآفقية (١): وهي ما يظهره الله من علامات قدرته في الأشياء الخارجية، أي الأشياء المحسوسة في أقطار السماوات والأرض (٢). رابعاً: باعتبار مكان وقوعها ، فتنقسم إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: الأرض وما فيها وما هو متصل بها . النوع الثاني: ما نراه فوقنا من هذه المنطقة الفضائية بما فيها من أجرام مضيئة وغير مضيئة . النوع الثالث: السماوات العلى بما فيها وما فوقها من الكرسي والعرش (٣). ومنهم من قسمها باعتبار مكان وقوعها، إلى نوعين: النوع الأول: العلويات: ويقصد به ما يتعلق بالسماء وأبراجها والكواكب ومداراتها، والشمس والقمر وما يتصل بذلك من علم الفلك.

стр. 25

النوع الثاني: السفليات: وهي ما دون الأفلاك العلوية من النار والهواء والماء والتراب والرياح والسحاب والأرض والجبال والأشجار والبحار والأنهار والحجار والحيوانات والإنسان والنبات والطيور (١). خامساً: من حيث الظهور والاختفاء ، فتنقسم إلى نوعين: النوع الأول: آيات منتظمة الظهور والاختفاء ، مثل الشمس والقمر والليل والنهار. النوع الثاني: آيات لا تختفي أبداً ، مثل السماوات والأرض والجبال والبحار. سادساً: من حيث الدلالة فتنقسم إلى نوعين: النوع الأول: نوع يوضح الحكمة الإلهية والسنن الحكيمة في إيجاد الخلق وإنشاء الحوادث . قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٤). النوع الثاني: يتحدث عن المخلوقات ويصف نظام إيجادها الحكيم وأحوالها وفقاً لأحكام سنته ، وتنفيذاً لإرادته ومشيئته ويصف ما فيها من رحمات

стр. 26

ونعم للعباد (١). قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (٤). سابعاً: من حيث الاستدلال لها فتنقسم إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: حسي ، لا يحتاج إلى نظر واستدلال، ولا إلى دليل شرعي، كطلوع الشمس من مشرقها وحرارتها. النوع الثاني: نظري ، يحتاج إلى نظر واستدلال (٥)، كمعرفة وقت الكسوف والخسوف. النوع الثالث: غيبي ، لا يمكن معرفته إلا من طريق النصوص الشرعية، كطلوع الشمس من مغربها، وسجودها تحت العرش، وما يحدث للكون في آخر الزمان (٦).

стр. 27

المبحث الثالث: نبذة عن جهود السلف في العناية بالآيات الكونية ودلالتها العقدية "لقد وفىّ علماء الإسلام الأجلاء المتقدمون منهم والمتأخرون، آيات الكتاب العزيز وسنة رسوله الكريم حقهما من التفسير والشرح والإيضاح والاستنباط، وصنفوا في ذلك كثيراً من المؤلفات الواسعة والمراجع القيمة في العقائد والتفسير والحديث والفقه وغيرها، وفسروا الآيات الكونية على مقتضى ما جاءت به الشريعة ووفق أصول اللغة وغريبها، وعلى قدر ما توافر لديهم من طرق العلم وأساليب البحث في الكائنات، وقد وفقوا فوصلوا إلى نتائج مشكورة لها قيمتها في الاستدلال على أصول العقائد" (١)، وخصوصاً ما يتعلق بالربوبية والبعث والنبوة. واعتنوا بالآيات الكونية ودلالتها العقدية وبيان المخالفات العقدية المتعلقة بها سواء كانت ممن هم قبل الإسلام، كأهل الجاهلية والوثنيين والفلاسفة، أو ممن جاء بعده من أهله وغيرهم. وتنوعت طرائقهم في التأليف والتصنيف في ذلك (٢) بين تأليف وتصانيف مستقلة، وبين تضمين لهذه المسائل في الكتب، سواء كتب التفسير أو

стр. 28

الحديث وشروحه أو العقائد؛ بل حتى في كتب اللغة والتاريخ والبلدان والأماكن وغير ذلك، عند ذكر تعريف الآية أو مكانها أو تاريخها، تذكر هذه الآية وبعض ما يتعلق بها من دلائل ومسائل عقدية، مع بيان ما وقع فيها من مخالفات. ففي كتب التفسير عند تفسير الآيات القرآنية التي تتحدث عن الآيات الكونية تذكر الآية الكونية وما ورد فيها من نصوص، وما تدل عليه من دلائل ومسائل عقدية، ويحذر مما وقع فيها من مخالفات واعتقادات باطلة ويرد على المخالفين فيها (١). أما في كتب الحديث فلهم طرائق منها: جمع الأحاديث الواردة في آية أو عدة آيات كونية، والآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين (٢). ومن خلال الكتب الجوامع تذكر بعض الأبواب المتعلقة بالآيات الكونية ويترجم لبعضها بما تدل عليه هذه الآية، مثل ما صنع البخاري ﵀ في صحيحه: كتاب بدء الخلق، ثم ذكر تحته عدة أبواب منها (٣): باب ما جاء في سبع أرضين، باب في النجوم، باب صفة الشمس والقمر، باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (٤). وأما شراح الحديث فإنهم يذكرون ما يتعلق بالآية الكونية من دلائل ومسائل عقدية والمخالفات الواقعة فيها والرد على ذلك عند شرحهم للحديث.

стр. 29

وفي كتب العقيدة تذكر الآيات الكونية، ويستدل بها والتصرف فيها والتدبير لها على وجود الخالق وربوبيته والرد على الملاحدة، كما يستدل بها على البعث بعد الموت، وعلى نبوة محمد ﷺ ومعجزاته، ويبين من خلال الآيات الكونية ما يجب على المسلم اعتقاده نحوها، ثم تذكر المخالفات العقدية الواقعة فيها كعبادة النجوم والتنجيم (١). وفي كتب التاريخ المطولة يفتتحون كتبهم بالكلام على ما ورد في خلق السماوات والأرض وما بينهما، وما فيها من الآيات (٢). بل منهم من صنف في بيان عقيدة المسلمين في آية من آيات الله الكونية، ثم بين العقائد الباطلة المتعلقة بها من الفلاسفة والمشركين وغيرهم ممن ينتسب إلى الإسلام، والرد عليهم في ذلك (٣). بالإضافة إلى التصانيف المنوعة للحث على التفكر في هذه الآيات الكونية وتفاصيل وعجائب صنع الله فيها ثم بيان دلالتها على صفات الله (٤)، وما وقع فيها من مخالفات وبدع (٥). أما التوسع والتعمق في الآيات الكونية وهذه العلوم وفق ما كان يفعله الفلاسفة ونحوهم فإنه لم يكن من هدي السلف (٦)، وإنما لما عربت كتب

стр. 30

اليونان في بداية الدولة العباسية كان لذلك الأثر الكبير في إفساد عقائد بعض المسلمين، ومن ذلك ما يتعلق بالآيات الكونية والفلك (١). قال الذهبي (٢) ﵀: " لما عربت كتب الأوائل ومنطق اليونان وعمل رصد الكواكب نشأ للناس علم جديد مرْدٍ مهلكٍ لا يلائم علم النبوة، ولا يوافق توحيد المؤمنين قد كانت الأمة منه في عافية" (٣)، وكان الذين يشتغلون بعلم الفلك والتأليف فيه وإنشاء المراصد الفلكية"صنفان من الناس وهم الفلاسفة والمنجمون، وكثير من المنتسبين منهم إلى الإسلام كانوا متهمين في دينهم، بل منهم من هو شر على الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى وسائر المشركين" (٤). وعن هذا العلم المردي المهلك نجم الكلام في القمر وغيره من الأجرام العلوية والإخبار عما فيها بمجرد التخرصات والظنون الكاذبة (٥). أما ما يتعلق بما يحتويه القرآن والسنة من علوم كونية، فإن الغزالي (٦) ﵀

стр. 31

هو أكثر من استوفى بيان احتواء القرآن على جميع العلوم، فقال: " القرآن يحوى سبعة وسبعين ألف علم ومائتي علم (١)، إذ كل كلمة علم، ثم يتضاعف ذلك أربعة أضعاف، إذ لكل كلمة ظاهر وباطن، وحد ومطلع"، ثم روى عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "مَن أراد علم الأوَّلين والآخرين فليتدبر القرآن" (٢)، ثم يقول بعد ذلك كله: "وبالجملة فالعلوم كلها داخلة في أفعال الله وصفاته، وفى القرآن شرح ذاته وأفعاله وصفاته، وهذه العلوم لا نهاية لها، وفى القرآن إشارة إلى مجامعها"، ثم يزيد على ذلك فيقول: "بل كل ما أشكل فهمه على النُظَّار، واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات، ففي القرآن إليه رمز ودلالات عليه، يختص أهل الفهم بدركها" (٣). ثم لم يزل الأمر في زيادة حتى"نظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالات

стр. 32

على الحِكَم الباهرة، في الليل والنهار، والشمس والقمر، ومنازله، والبروج، وغير ذلك فاستخرجوا منه علم المواقيت" (١). ثم وُجِدت بعد ذلك كتب مستقلة في استخراج العلوم من القرآن، وتتبع الآيات الخاصة بمختلف العلوم، وراجت هذه الفكرة في العصر المتأخر رواجاً كبيراً بين جماعة من أهل العلم، ونتج عن ذلك مؤلفات كثيرة تعالج هذا الموضوع، كما أُلِّفت بعض التفاسير التي تسير على ضوء هذه الفكرة (٢). حتى وصل الأمر في هذا العصر إلى إنشاء جمعيات ومؤسسات في الدول الإسلامية والغربية تعنى بذلك، وعلى سبيل المثال (٣): ١ - الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة في مكة المكرمة. ٢ - لجنة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة في مصر. ٣ - جمعية الإعجاز العلمي للقرآن والسنة في مصر. ٤ - الهيئة الأردنية للإعجاز العلمي للقرآن والسنة. ٥ - الهيئة المغربية للإعجاز العلمي للقرآن والسنة. ٦ - جمعية الإعجاز العلمي للقرآن والسنة بولاية كاليفورنيا. ٧ - الجمعية الكندية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة. وغيرها.

стр. 33

المبحث الرابع: الضوابط الشرعية تجاه الآيات الكونية للتعامل مع الآيات الكونية ضوابط شرعية يجب الالتزام بها، منها: ١ - الإيمان بجميع ما جاء في القرآن والسنة عن الآيات الكونية مما شهدناه أو غاب عنا، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه مما صح به النقل (١)، وإن خالف نظريات العلم الظنية (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " إن علم الدين طلباً وخبراً لا ينال إلا من جهة الرسول ﷺ ، وأما العلم بالكونيات فأسبابه متعددة، وما اختص به الرسل وورثتهم أفضل مما شركهم فيه بقية الناس" (٣). وقال الشيخ الألباني (٤) ﵀ في تعليقه على حديث الذباب الذي رواه

стр. 34

البخاري في صحيحه (١) بعد أن بين ثبوته، ورد على من طعن في راوي الحديث أبي هريرة ﵁: " فهذا هو التحقيق العلمي يثبت أنه بريء من كل ذلك وأن الطاعن فيه هو الحقيق بالطعن فيه؛ لأنهم رموا صحابيا بالبهت، وردوا حديث رسول الله ﷺ لمجرد عدم انطباقه على عقولهم المريضة! ونحن بصفتنا مؤمنين بصحة الحديث وأن النبي ﷺ ... ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢)، لا يهمنا كثيرا ثبوت الحديث من وجهة نظر الطب؛ لأن الحديث برهان قائم في نفسه لا يحتاج إلى دعم خارجي ومع ذلك فإن النفس تزداد إيمانا حين ترى الحديث الصحيح يوافقه العلم الصحيح" (٣). ٢ - أن الله هو المتفرد بالخلق، والمتصرف في الكون. وقد بين الله ذلك أتم البيان، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٥)، وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ

стр. 35

ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (١). ٣ - أن هذه الآيات الكونية لا تخرج عن قضاء الله وقدره ولا عن مشيئته وإرادته، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (٣). ٤ - أن كل ما ورد في النصوص الشرعية من الآيات الكونية فهو لبيان كمال قدرة الله وحكمته (٤)، وتذكير للناس بنعم الله تعالى عليهم ليشكروه حق شكره، وليعبدوه حق عبادته (٥). فذكر الآيات الكونية في القرآن في سياق العظة للاعتبار، وفي مورد الإرشاد للاستدلال على قدرة الخالق وحكمته في مخلوقاته، ليوجه الإنسان ببصيرته إلى خالقه، فيسبحه ويمجده ويعبده حق عبادته (٦). ولذلك لا يجوز التكلف فيها ما لا علم للإنسان به والتأويل فيها بغير ما أنزل الله تعالى، كما قال قتادة ﵀: " خلق هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به" (٧). ٥ - أنه ليس في النصوص الصحيحة ما ينافي العلم الكوني الصحيح، ولا ما يناهض ما أثبته البرهان الساطع، وقام عليه الدليل القاطع (٨)، بل إن فيه

стр. 36

إشارات تدعمه وتثبت رجحان ما يذهب إليه (١). ٦ - أن من الآيات الكونية ما لا يمكن العلم به إلا عن طريق النصوص الشرعية الثابتة، ولا مجال للاجتهاد فيه لأن الله قد استأثر بعلم ذلك، كطلوع الشمس من مغربها آخر الزمان، وأهوال يوم القيامة. ومنها ما يدرك بالحس والمشاهدة، وهذه لا تحتاج إلى دليل شرعي، مثل أن الشمس مضيئة وذات حرارة (٢). ومنها ما يدرك بالنظر والاستدلال، كمعرفة وقت الكسوف والخسوف (٣). وعلى هذا فالعلوم الكونية تبنى على أصلين، إما نص شرعي تؤخذ منه الدلالة بصريح لفظ أو مفهوم، وإما محسوس تدركه الحواس البشرية وتصدقه النصوص الشرعية لأنها لا تخالفه في منطوق ولا مفهوم. فمرجع القبول لكل العلوم القديمة والحديثة التي تتعلق بالآيات الكونية قام على إحدى قاعدتين، إما النقل الصحيح أو العقل الصريح، إذ لا تخالف بينهما. ٧ - عدم الخوض في الأمور الغيبية والوقوف مع النصوص الشرعية (٤)،

стр. 37

كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (٢). ٨ - أن ما سكتت عنه النصوص الشرعية من ظنيات العلم - أي الكوني -، فلا شيء يمنعنا أن نسلم به، حتى يجيء من العلم - أي الكوني - ما يناقضه (٣). ٩ - أن هذه الآيات الكونية لحدوثها أسباب حسية، فنزول المطر سبب لحياة الأرض، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٤)، وأسباب معنوية، قال تعالى -مبيناً أن الاستغفار من أسباب نزول الأمطار-: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (٥). ١٠ - ما أوتيه الإنسان من علم الآيات الكونية فإنه محدود بما أراده الله تعالى لتقوم الحجة على خلقه بما يظهره لهم من الآيات البينات التي تدل على عظمة هذا الكون وعظمة خالقه (٦)، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ

стр. 38

قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ (٢). ١١ - التثبت من حقائق العلم وعدم إقحامها في غير موضعها في القرآن والسنة، والواجب عند تفسير الآيات الكونية في القرآن أو السنة بالعلم الحديث، أن لا تخالف هذه التفاسير العلمية النصوص الشرعية، ولا تفاسير السلف، مع مراعاة الشروط والضوابط العامة للتفسير (٣). وأنقل كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-- وهو كالقاعدة الكلية للتعامل مع جميع العلوم الدنيوية، قال ﵀: " فصل في جماع الفرقان بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، وطريق السعادة والنجاة، وطريق الشقاوة والهلاك: أن يجعل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه، وبه يحصل الفرقان والهدى والعلم والإيمان فيُصدّق بأنه حق وصدق، وما سواه من كلام سائر الناس يعرض عليه، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل، وإن لم يعلم هل وافقه أو خالفه لكون ذلك الكلام مجملا، لا يعرف مراد صاحبه، أو قد عرف مراده، ولكن لم يعرف هل جاء الرسول بتصديقه، أو تكذيبه؛ فإنه يمسك فلا يتكلم إلا بعلم. والعلم ما قام عليه الدليل والنافع منه ما جاء به الرسول ...

стр. 39

فالرسول أعلم الخلق بها، وأرغبهم في تعريف الخلق بها، وأقدرهم على بيانها وتعريفها، فهو فوق كل أحد في العلم والقدرة والإرادة، وهذه الثلاثة بها يتم المقصود، ومن سوى الرسول إما أن يكون في علمه بها نقص أو فساد، وإما أن لا يكون له إرادة فيما علمه من ذلك فلم يبينه، إما لرغبة وإما لرهبة وإما لغرض أخر، وإما أن يكون بيانه ناقصا ليس بيانه البيان عما عرفه الجنان" (١).

стр. 40

الفصل الثاني: التفكر في الآيات الكونية وأهميته وفيه مبحثان: المبحث الأول: الأمر بالتفكر في آيات الله الكونية، أهميته. وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: الأمر بالتفكر في آيات الله الكونية. المطلب الثاني: أهمية التفكر في آيات الله الكونية. المطلب الثالث: الحكمة من الآيات الكونية. المطلب الرابع: الآيات الكونية وتثبيت العقيدة. المطلب الخامس: عبودية الكائنات لرب العالمين. المبحث الثاني: الهدي القرآني والنبوي تجاه الآيات الكونية. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الهدي القرآني تجاه الآيات الكونية. المطلب الثاني: الهدي النبوي تجاه الآيات الكونية. المطلب الثالث: تأييد الله لأنبيائه بالآيات الكونية. المطلب الرابع: الآيات الكونية وأركان الإسلام.
следующие страницы →