← Акыда

Акыда · id 115127

الدلالات العقدية للآيات الكونية

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (702 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إشارات تدعمه وتثبت رجحان ما يذهب إليه (١). ٦ - أن من الآيات الكونية ما لا يمكن العلم به إلا عن طريق النصوص الشرعية الثابتة، ولا مجال للاجتهاد فيه لأن الله قد استأثر بعلم ذلك، كطلوع الشمس من مغربها آخر الزمان، وأهوال يوم القيامة. ومنها ما يدرك بالحس والمشاهدة، وهذه لا تحتاج إلى دليل شرعي، مثل أن الشمس مضيئة وذات حرارة (٢). ومنها ما يدرك بالنظر والاستدلال، كمعرفة وقت الكسوف والخسوف (٣). وعلى هذا فالعلوم الكونية تبنى على أصلين، إما نص شرعي تؤخذ منه الدلالة بصريح لفظ أو مفهوم، وإما محسوس تدركه الحواس البشرية وتصدقه النصوص الشرعية لأنها لا تخالفه في منطوق ولا مفهوم. فمرجع القبول لكل العلوم القديمة والحديثة التي تتعلق بالآيات الكونية قام على إحدى قاعدتين، إما النقل الصحيح أو العقل الصريح، إذ لا تخالف بينهما. ٧ - عدم الخوض في الأمور الغيبية والوقوف مع النصوص الشرعية (٤)،

стр. 37

كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (٢). ٨ - أن ما سكتت عنه النصوص الشرعية من ظنيات العلم - أي الكوني -، فلا شيء يمنعنا أن نسلم به، حتى يجيء من العلم - أي الكوني - ما يناقضه (٣). ٩ - أن هذه الآيات الكونية لحدوثها أسباب حسية، فنزول المطر سبب لحياة الأرض، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٤)، وأسباب معنوية، قال تعالى -مبيناً أن الاستغفار من أسباب نزول الأمطار-: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (٥). ١٠ - ما أوتيه الإنسان من علم الآيات الكونية فإنه محدود بما أراده الله تعالى لتقوم الحجة على خلقه بما يظهره لهم من الآيات البينات التي تدل على عظمة هذا الكون وعظمة خالقه (٦)، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ

стр. 38

قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ (٢). ١١ - التثبت من حقائق العلم وعدم إقحامها في غير موضعها في القرآن والسنة، والواجب عند تفسير الآيات الكونية في القرآن أو السنة بالعلم الحديث، أن لا تخالف هذه التفاسير العلمية النصوص الشرعية، ولا تفاسير السلف، مع مراعاة الشروط والضوابط العامة للتفسير (٣). وأنقل كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-- وهو كالقاعدة الكلية للتعامل مع جميع العلوم الدنيوية، قال ﵀: " فصل في جماع الفرقان بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، وطريق السعادة والنجاة، وطريق الشقاوة والهلاك: أن يجعل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه، وبه يحصل الفرقان والهدى والعلم والإيمان فيُصدّق بأنه حق وصدق، وما سواه من كلام سائر الناس يعرض عليه، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل، وإن لم يعلم هل وافقه أو خالفه لكون ذلك الكلام مجملا، لا يعرف مراد صاحبه، أو قد عرف مراده، ولكن لم يعرف هل جاء الرسول بتصديقه، أو تكذيبه؛ فإنه يمسك فلا يتكلم إلا بعلم. والعلم ما قام عليه الدليل والنافع منه ما جاء به الرسول ...

стр. 39

فالرسول أعلم الخلق بها، وأرغبهم في تعريف الخلق بها، وأقدرهم على بيانها وتعريفها، فهو فوق كل أحد في العلم والقدرة والإرادة، وهذه الثلاثة بها يتم المقصود، ومن سوى الرسول إما أن يكون في علمه بها نقص أو فساد، وإما أن لا يكون له إرادة فيما علمه من ذلك فلم يبينه، إما لرغبة وإما لرهبة وإما لغرض أخر، وإما أن يكون بيانه ناقصا ليس بيانه البيان عما عرفه الجنان" (١).

стр. 40

الفصل الثاني: التفكر في الآيات الكونية وأهميته وفيه مبحثان: المبحث الأول: الأمر بالتفكر في آيات الله الكونية، أهميته. وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: الأمر بالتفكر في آيات الله الكونية. المطلب الثاني: أهمية التفكر في آيات الله الكونية. المطلب الثالث: الحكمة من الآيات الكونية. المطلب الرابع: الآيات الكونية وتثبيت العقيدة. المطلب الخامس: عبودية الكائنات لرب العالمين. المبحث الثاني: الهدي القرآني والنبوي تجاه الآيات الكونية. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الهدي القرآني تجاه الآيات الكونية. المطلب الثاني: الهدي النبوي تجاه الآيات الكونية. المطلب الثالث: تأييد الله لأنبيائه بالآيات الكونية. المطلب الرابع: الآيات الكونية وأركان الإسلام.

стр. 41

المبحث الأول: الأمر بالتفكر في آيات الله الكونية، وأهميته وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: الأمر بالتفكر في آيات الله الكونية. المطلب الثاني: أهمية التفكر في آيات الله الكونية. المطلب الثالث: الحكمة من الآيات الكونية. المطلب الرابع: الآيات الكونية وتثبيت العقيدة. المطلب الخامس: عبودية الكائنات لرب العالمين.

стр. 42

المطلب الأول: الأمر بالتفكر في آيات الله الكونية لقد أنعم الله على بني آدم بنعم عظيمة سخرها لهم ليعرفوه بها -سبحانه-، فيعبدوه ويوحدوه، ويقوموا بمهمة الخلافة في هذه الأرض، ويحققوا الغاية التي من أجلها خلقهم الله . وإن من أعظم هذه النعم نعمة العقل والتفكير التي هي خاصية من خصائص الإنسان التي يتميز بها عن سائر الجمادات والعجماوات. وقد ورد الأمر بالتفكر في كتاب الله في آيات عديدة (١)، سواءً التفكر في الآيات المتلوة، أو الآيات المشاهدة، أو آلاء الله، أو سير الأنبياء مع أقوامهم وعاقبة الفريقين، أو التفكر في الدنيا والآخرة أو غير ذلك. ونبَّه سبحانه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم إلى أن آياته المتلوة والمشاهدة، وآياته في آلائه ونعمه لا ينتفع بها إلا أولو العقول والألباب والتفكير الصحيح؛ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣)، في آيات كثيرة. والتفكر في آلاء الله والسير المأمور به في القرآن الكريم هو: "سير القلوب والأبدان الذي يتولد عنه الاعتبار، وأما مجرد نظر العين وسماع الأذن، وسير البدن الخالي من التفكر والاعتبار فغير مفيد، ولا موصل إلى المطلوب" (٤).

стр. 43

قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١). "فالقرآن يحث بهذه الآيات الإنسان على التأمل والنظر في بديع صنع الله في السماء والشمس والقمر والليل والنهار والضحى والظهيرة والأصيل والغروب، وفي الأرض والجبال والبحار والأنهار والسهول والنبات والرياح والأمطار، وخلق الإنسان والحيوان وسائر الكائنات، وأن أحداً لا يمكنه حفظ نظام الكون إلا الله تعالى العلي القدير" (٢)، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣). فالله يدعو عباده إلى التعرف عليه وعلى أسمائه وصفاته وآثارها عن طريقين: أحدهما: بالنظر في آيات الله المشاهدة في الآفاق والأنفس، وما فيها من العظمة والحكمة والرحمة والإتقان، والتي تدل على خالقها سبحانه وعلى أسمائه وصفاته. وقد جاء في القرآن الكريم ما لا يقل عن ثمانمائة آية كونية (٤)، بل أوصلها بعضهم إلى ما يربو على ألف آية (٥)، وبلغت حسب عد الهيئة العالمية

стр. 44

للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بمكة المكرمة ١٩٣٥ آية و ١٧٤٤ حديثا (١)، بالإضافة إلى آيات أخرى عديدة تقرب دلالاتها من الصراحة (٢). والطريق الثاني: بالنظر في آياته المتلوة في كتابه العزيز. قال ابن القيم (٣) ﵀ في بيان هذا الأمر: "فالطريق الأول: النظر في مفعولاته، والثاني التفكر في آياته وتدبرها، فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة المعقولة، فالنوع الأول: كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٥)، وهو كثير في القرآن. والثاني: كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ (٦)، وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ (٧)، وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (٨)، وهو كثير أيضاً" (٩).

стр. 45

ولما سُألت عائشة ﵂ عن أعجب شيء رأيته من رسول الله ﷺ ، قالت: لما كان ليلةٌ من الليالي قال رسول الله ﷺ : " يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي". قُلت: والله إني لأحب قُرْبَكَ، وأحب ما سرك. قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي. قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجْرَهُ (١)، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيتهُ، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما راهُ يبكي، قال: يا رسول الله، لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟ قال: " أفلا أكون عبداً شكورًا؟ لقد نزلت عليَّ الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٢) " (٣). فالله يقول في هذه الآية"تدبروا أيها الناس واعتبروا، ففيما أنشأته فخلقته من السماوات والأرض لمعاشكم وأقواتكم وأرزاقكم، وفيما عقَّبت بينه من الليل والنهار فجعلتهما يختلفان ويعتقبان عليكم، تتصرفون في هذا لمعاشكم، وتسكنون في هذا راحة لأجسادكم، معتبر ومدَّكر، وآيات وعظات" (٤).

стр. 46

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " النظر إلى المخلوقات العلوية والسفلية على وجه التفكر والاعتبار مأمور به مندوب إليه" (١). وبتدبر القرآن الكريم تحصل معرفة الله تعالى، ومعرفة عظيم سلطانه وقدرته، وتتحقق العبودية له وكيفية عبادته سبحانه، فيحصل الخشوع والخضوع والتذلل والرجاء والخوف الخ. قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢). قال ابن كثير (٣) ﵀: " يرشدُ تعالى عباده إلى التفكر في آلائه وما خلق في السماوات والأرض من الآيات الباهرة لذوي الألباب، مما في السماوات من كواكب نيرات، ثوابت وسيارات، والشمس والقمر، والليل والنهار، واختلافهما، وإيلاج أحدهما في الآخر، حتى يطول هذا ويقصر هذا، ثم يقصر هذا ويطول هذا، وارتفاع السماء واتساعها، وحسنها وزينتها، وما أنزل الله منها من مطر فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج فيها من أفانين الثمار والزروع والأزاهير وصنوف النبات، وما ذرأ فيها من دوابّ مختلفة الأشكال والألوان والمنافع، وما فيها من جبال وسهول وقفار وعمران وخراب، وما في البحر من العجائب والأمواج، وهو مع هذا مسخر مذلل للسالكين، يحمل سفنهم، ويجري بها برفق بتسخير القدير له، لا إله إلا هو،

стр. 47

ولا رب سواه. وقوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي وأي شيء تُجدي الآيات السماوية والأرضية، والرسل بآياتها وحججها وبراهينها الدالة على صدقها عن قوم لا يؤمنون، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (١) " (٢). فهذه الآية وغيرها كثير تدعو إلى الأخذ بأسباب العلم والإيمان، ومنها: المشاهدة والتأمل والتفكر في هذه المخلوقات العظيمة.

стр. 48

المطلب الثاني: أهمية التفكر في آيات الله الكونية إن المتأمل في أحوالنا اليوم وأحوال الناس بعامة - لا أقول الكفار منهم بل الكثير من المسلمين - يرى البعد الشديد عن التفكير الصحيح النافع الذي يقود صاحبه إلى الخير في الدنيا والآخرة، وإنما نجد أن جل التفكير وقوته وكثافته قد وجه في ما لا ينفع في الآخرة؛ بل فيما يضر صاحبه هنالك من التفكير في شهوات محرمة أو في خواطر وشبهات وأماني باطلة ورديئة. والموفق من وفقه الله فصرف فكره وهمه في معرفة ربه سبحانه، وذكره وشكره وعبادته، والاستعداد للقائه في الدار الآخرة. فالتفكر في خلق الله تعالى يزيد الإيمان في القلب ويقويه ويرسخ اليقين، ويجلب الخشية لله تعالى وتعظيمه، وكلما كان الإنسان أكثر تفكراً وتأملاً في خلق الله، وأكثر علماً بالله تعالى وعظمته كان أعظم خشية لله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١). ولهذا كان السلف الصالح على جانب عظيم من هذا الأمر فكانوا يتفكرون في خلق الله ويتدبرون آياته، ويحثون على ذلك، يقول أحدهم: ما طالت فكرة امرئ قط إلا فَهِمَ، ولا فهم إلا علم، ولا علم إلا عمل. ويقول الآخر: لو تفكر الناس في عظمة الله لما عصوه (٢)؛ بل قد قال بعضهم: أن السفر في طلب العلم يشمل العلم بآيات الله في أرضه، ففي مشاهدتها فوائد للمستبصر (٣).

стр. 49

قال ابن سعدي (١) ﵀: " التفكر عبادة من صفات أولياء الله العارفين" (٢)؛ ولكن ليس كل أحد يعتبر ويتفكر، وليس كل من تفكر أدرك المعنى المقصود (٣). ولأهمية التفكر في آيات الله الكونية نجد أن الله -تعالى- قد أقسم ببعضها تنبيها لأهميتها ونظامها وبديع صنعتها (٤)، وهذا في آيات كثيرة. والتفكر من العبادات القلبية الجليلة، وهو من أفضل أعمال القلب وأنفعها له (٥)، كما أنه أصل الطاعات ومبدؤها (٦). وهو سبيل المرء إلى العمل، وإدراك حقائق الأشياء، بل إن حياة المرء وسعادته تبع لأفكاره. قال ابن سعدي ﵀: " وأعلم أن حياتك تبع لأفكارك، فإن كانت أفكارا فيما يعود عليك نفعه في دين أو دنيا، فحياتك طيبة سعيدة وإلا فالأمر بالعكس" (٧).

стр. 50

فإعمال الفكر فيما ينفع ويقرب إلى الله من أهم المطالب الدينية. وقد مدح الله عباده الذين يذكرونه قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، قائلين: ﴿ ... رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١). ولذلك نجد أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أعظم عباد الله تفكرا في آيات الله ومخلوقاته، ونبينا ﷺ أكملهم في ذلك حيث كان يتفكر في آيات الله ومخلوقاته. فعن ابن عباس ﵄ أنه بات عند النبي ﷺ ذات ليلة، فقام النبي ﷺ من آخر الليل فخرج فنظر إلى السماء، ثم تلا هذه الآية في سورة آل عمران قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢)، ثم رجع إلى البيت فتسوك وتوضأ، ثم قام فصلى، ثم اضطجع، ثم قام فخرج فنظر إلى السماء فتلا هذه الآية، ثم رجع فتسوك فتوضأ ثم قام فصلى" (٣). قال النووي (٤) ﵀: " فيه أنه يستحب قراءتها عند الاستيقاظ في الليل مع

стр. 51

النظر إلى السماء لما في ذلك من عظيم التدبر، وإذا تكرر نومه واستيقاظه وخروجه استحب تكريره قراءة هذه الآيات، كما ذكر في الحديث والله أعلم" (١). وكان ﷺ يأمر بالتفكر فيقول: " تفكروا في خلق الله، ولا تتفكروا في الله " (٢). وكان الصحابة ﵃ ومن بعدهم من التابعين يمتثلون هذا، وينظرون في ملكوت الله نظر تفكر واعتبار، ويتفكرون في آيات الله المشاهدة وآياته المتلوة، والتي تتضمن آيات الشرعية وآياته الكونية. وقد وردت الآثار الكثيرة عنهم في ذلك، فقد سئلت أم الدرداء ﵂ عن أفضل عبادة أبي الدرداء ﵁ قالت: " التفكر والاعتبار" (٣).

стр. 52

وقال أبو الدرداء ﵁: " تفكر ساعة خير من قيام ليلة" (١)، وعن الحسن البصري (٢) ﵀: " أفضل العمل الورع والتفكر" (٣)، وقال عامر بن قيس ﵁: سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب محمد ﷺ يقولون: إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر (٤). وقد روي عن ابن عباس ﵁ قوله: "ركعتان مقتصدتان في تفكر، خير من قيام ليلة والقلب ساه" (٥). وقال ابن رجب (٦) ﵀: " ونقل عن الإمام أحمد ﵀ في رجل أكل فشبع وأكثر الصلاة والصيام، ورجل أقل الأكل فقلت نوافله، وكان أكثر فكرة أيهما أفضل؟ فذكر ما جاء في الفكر: تفكر ساعة خير من قيام ليلة، قال: فرأيت هذا عنده أكثر -يعني الفكر- وهذا يدل على تفضيل قراءة التفكر على السرعة، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، وهو المنصوص صريحا عن الصحابة والتابعين" (٧).

стр. 53

ومع هذا كله فقد أخبر الله عن غفلة أكثر الناس عن التفكر في آياته، ودلائل توحيده كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ (١). قال ابن جرير (٢) ﵀: " يقول -جل وعز-: وكم من آية في السماوات والأرض لله، وعبرةٍ وحجةٍ، وذلك كالشمس والقمر والنجوم ونحو ذلك من آيات السماوات، وكالجبال والبحار والنبات والأشجار وغير ذلك من آيات الأرض، ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾، يقول: يعاينونها فيمرُّون بها معرضين عنها لا يعتبرون بها، ولا يفكرون فيها وفيما دلت عليه من توحيد ربها، وأن الأولوهة لا تنبغي إلا للواحد القهار الذي خلقها وخلق كلَّ شيء فدبَّرها" (٣). وقال تعالى في ذم الغافلين عن آيات الله: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٤). قال ابن كثير ﵀: " يقول الله تعالى مخبرًا عن حال الأشقياء الذين كفروا بلقاء الله يوم القيامة ولا يرجون في لقائه شيئا، ورضوا بهذه الحياة الدنيا واطمأنت إليها نفوسهم.

стр. 54

قال الحسن ﵀: والله ما زينوها ولا رفعوها حتى رضوا بها (١)، وهم غافلون عن آيات الله الكونية فلا يتفكرون فيها، والشرعية فلا يأتمرون بها، فإن مأواهم يوم معادهم النار جزاء على ما كانوا يكسبون في دنياهم من الآثام والخطايا والإجرام، مع ما هم فيه من الكفر بالله ورسوله واليوم الآخر" (٢). وعلى هذا فالتفكر دعوة قرآنية، وسنة نبوية، وآيات القرآن وسنة الرسول ﷺ مليئة بالدعوة إلى التفكر والتدبر في الآيات المسطورة، والآيات المنظورة، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣).

стр. 55

المطلب الثالث: الحكمة من الآيات الكونية في القرآن الكريم ما يزيد على ألف آية تتحدث عن معالم هذا الكون، وتذكر مفرداته من السماوات والأرض، والشمس والقمر، والكواكب والنجوم، والجبال والبحار والأنهار، والمطر والرعد والبرق (١). وهذه الآيات الكونية وما تدل عليه من حقائق علمية، لم تذكر في القرآن الكريم لمجرد الذكر، أو من أجل بيانها للناس ودلالتهم عليها ابتداءً، وإنما هي سيقت مساقا تابعا للغرض والهدف الذي ذكرت في ثناياه، من الاستدلال بها على قضايا كبرى: كالألوهية والنبوات والبعث (٢). فهذا الكون وعجائبه وتنوعه علامات بينة تثبت قدرة الله وحكمته ووحدانيته لمن يتفكر ويتدبر. قال ابن القيم ﵀ في بيان الحكمة من هذه الآيات الكونية: " ولهذا يستدل سبحانه في كتابه بالحوادث تارة، وباختلافها تارة، إذ هذا وهذا يستلزم ربوبيته وقدرته واختياره، ووقوع كل الكائنات على وفق مشيئته، فتنوع أفعاله ومفعولاته من أعظم الأدلة على ربوبيته وحكمته وعلمه" ... ثم قال: "والمقصود أن تنويع المخلوقات واختلافها من لوازم الحكمة

стр. 56

والربوبية والملك، وهو أيضا من موجبات الحمد، فله الحمد على ذلك كله أكمل حمد وأتمه أيضا" (١). وقد بين الله لبعض الآيات الكونية حكماً خاصة بها بالإضافة إلى الحكم السابقة من كمال القدرة والدلالة على الربوبية والألوهية والبعث، ومن ذلك الحكمة في خلق النجوم، قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ (٣). قال قتادة ﵀: " خلق هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به" (٤). قال ابن سعدي ﵀: " والحاصل أنه كلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات، وتغلغل فكره في بدائع الكائنات، علم أنها خلقت للحق وبالحق، وأنها صحائف آيات، وكتب براهين ودلالات على جميع ما أخبر به عن نفسه ووحدانيته، وما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر، وأنها مدبرات مسخرات، ليس لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها ومصرفها، فتعرف أن العالم العلوي والسفلي كلهم إليه مفتقرون، وإليه صامدون، وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه" (٥).

стр. 57

المطلب الرابع: الآيات الكونية وتثبيت العقيدة إن العقيدة الصحيحة هي أعظم ما جاءت به الرسل، وكل خير في الدنيا والآخرة متوقف على تحقيقها كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١)، لذا عني الكتاب الكريم والسنة المطهرة بتثبيتها في النفوس بالدلائل والبراهين العقلية والنقلية (٢). وانتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى بعد أن مكث يبلغ رسالة ربه ثلاثا وعشرين سنة، منها ثلاث عشرة سنة بمكة، كانت مهمته الأولى الدعوة إلى العقيدة الصحيحة وتثبيتها، وما يتصل منها بالله أو التدليل على صدق الرسول ﷺ أو ما يتصل منها باليوم الآخر. ولذلك نجد أن غالب السور المكية تناولت البراهين والأدلة ليقتنع بها ذوو العقول في تثبيت العقيدة. قال تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (٣).

стр. 58

فأقسم الله سبحانه بهاتين الآتين - الضحى والليل- وهذا دليل على قدرة خالقها، وربط بين آيات الكون وبين التأكيد على أن محمداً ﷺ لم يدْعه ربه، ولم يجفوه، بل بين أنه ربه (١)، وفي هذا تثبيت له. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٢). قال ابن سعدي ﵀: " يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ أي شك واشتباه، وعدم علم بوقوعه، مع أن الواجب عليكم أن تصدقوا ربكم، وتصدقوا رسله في ذلك، ولكن إذا أبيتم إلا الريب، فهاكم دليلين عقليين تشاهدونهما، كل واحد منهما، يدل دلالة قطعية على ما شككتم فيه، ويزيل عن قلوبكم الريب. أحدهما: الاستدلال بابتداء خلق الإنسان، وأن الذي ابتدأه سيعيده (٣). والدليل الثاني: إحياء الأرض بعد موتها" (٤)، "وأن الذي أحياها سيحي الموتى، كما أنه قد قرر ذلك بقدرته على ما هو أكبر من ذلك، وهو خلق السماوات والأرض، والمخلوقات العظيمة، فمتى أثبت المنكرون ذلك - ولن يقدروا على إنكاره - فلأي شيء يستبعدون إحياء الموتى؟ " (٥).

стр. 59

ولقد تنوعت أساليب القرآن في تثبيت العقيدة من خلال الآيات الكونية، من ذلك: أولاً: استخدم القرآن السؤال كطريقة للإقناع والوصول إلى الحق الذي هو التوحيد ونبذ الباطل الذي هو الشرك، مستدلاً على ذلك بذكر بعض الآيات الكونية، فقال تعالى منكرا على الكفار شركهم بالله في عبادته في الوقت الذي يقرون فيه بربوبيته (١): قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٤). ثانياً: تصديق خبر الأنبياء بحصول بعض الآيات الكونية. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ بشقتين. فقال رسول الله ﷺ : " اشهدوا". وفي حديث أنس ﵁ أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر (٥). ولذلك ترى المشركين يطلبون من النبي ﷺ تصديق خبره ببعض الآيات الكونية، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا

стр. 60

الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (١). قال ابن جرير ﵀ في تفسير الآية: " وقالت المشركون من قريش: هلا أنزل على محمد آية من ربه، تكون حجة لله علينا، كما جعلت الناقة لصالح، والمائدة آية لعيسى؟ قل يا محمد: إنما الآيات عند الله، لا يقدر على الإتيان بها غيره ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ وإنما أنا نذير لكم، أنذركم بأس الله وعقابه على كفركم برسوله، وما جاءكم به من عند ربكم ﴿مُبِينٌ﴾ يقول: قد أبان لكم إنذاره" (٢)، ثم إن الله " لو علم أنكم تهتدون لأجابكم إلى سؤالكم؛ لأن ذلك سهل عليه، يسير لديه، ولكنه يعلم منكم أنما قصدكم التعنت والامتحان، فلا يجيبكم إلى ذلك" (٣)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (٤). ومن ذلك المجلس الذي جلس فيه المشركون يطلبون الآيات على وجه العناد والكفر، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (٥).

стр. 61

وهذا المجلس الذي اجتمع هؤلاء له، "لو علم الله منهم أنهم يسألون ذلك استرشادًا لأجيبوا إليه، ولكن علم أنهم إنما يطلبون ذلك كفرًا وعنادًا" (١). ثالثاً: بيان عبودية جميع الكائنات لله تعالى بما في ذلك الآيات الكونية، فلا يستوحش السائر إلى الله من قلة السالكين على الطريق فإن جميع المخلوقات العلوية والسفلية تسجد وتسبح لله إلا من حق عليه العذاب، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٢). رابعاً: بيان تفرد الله بخلقها وحكمته وتصرفه فيها، فلله ملك السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، يتصرف فيهما بما شاء من التصاريف القدرية والشرعية، والمغفرة والعقوبة، بحسب ما اقتضته حكمته ورحمته الواسعة ومغفرته (٣). قال ابن سعدي ﵀ في الطرق الكلية إلى العلم بأنه لا إله إلا الله، وهي من أهم الأمور في تثبيت العقيدة، وأنها ثمان طرق وذكر منها: " الثاني: العلم بأنه تعالى المنفرد بالخلق والتدبير، فيعلم بذلك أنه المنفرد بالألوهية". ثم قال: "الثامن: ما أقامه الله من الأدلة الأفقية والنفسية، التي تدل على التوحيد أعظم دلالة، وتنادي عليه بلسان حالها بما أودعها من لطائف صنعته، وبديع حكمته، وغرائب خلقه" (٤).

стр. 62

خامساً: إجابة الله لسؤال أولياءه عن طلبهم بعض الآيات الكونية. فإن مما يثبت عقيدة المؤمن أن يريه الله بعض آياته الكونية، وقد سأل إبراهيم ﵇ ربه أن يريه آية من آياته الكونية، يريد أن يطمئن قلبه بها، كما أخبر الله عنه: قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). فالمسألة من قبل إبراهيم ﵇ لم تعرض من جهة شك، لكن من قبل زيادة العلم؛ فإن العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيد الاستدلال، وتوارد الأدلة اليقينية مما يزداد به الإيمان ويكمل به الإيقان (٢). وقال عن الحواريين: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٣). قال ابن كثير ﵀: " ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ إذا شاهدنا نزولها رزقًا لنا من السماء ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي ونزداد إيمانًا بك وعلمًا برسالتك، ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي ونشهد أنها آية من عند الله، ودلالة وحجة

стр. 63

على نبوتك وصدق ما جئت به. وقوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أي دليلا تنصبه على قدرتك على الأشياء، وعلى إجابتك دعوتي، فيصدقوني فيما أبلغه عنك" (١). سادساً: سرد الآيات الكونية والإشارة إلى الاعتبار بها. فقراءة الآيات التي تتحدث عن إثبات ربوبية الله وألوهيته، وتؤيد ذلك بالأدلة العقلية، وتؤكده بسرد الآيات الكونية مما يزيد الثبات والإيمان، ويدفع الوسوسة والشكوك والأوهام. ولذلك يرشد الله تعالى إلى الاعتبار بما في الآفاق والأنفس من الآيات المشاهدة كخلق السماوات والأرض وما فيهما، وأن كل ذلك دال على حدوثها، وعلى وجود خالقها وحكمته (٢)، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (٤). ولما سمع هذه الآية جبير بن مطعم ﵁ قبل إسلامه وما تضمنته من بليغ الحجة، قال: كاد قلبي أن يطير (٥)، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبه ﵁ (٦).

стр. 64

المطلب الخامس: عبودية الكائنات لرب العالمين الله هو خالق كل شيء وربه ومليكه، وهذه الربوبية للمخلوقاته على نوعين: ربوبية عامة، وربوبية خاصة. قال ابن سعدي ﵀ في بيان أنواع ربوبية الله لمخلوقاته: " كثر في القرآن ذكر ربوبية الرب لعباده ومتعلقاتها ولوازمها. وهي على نوعين: ربوبية عامة: يدخل فيها جميع المخلوقات: برها وفاجرها؛ بل مكلفوها وغير المكلفين، حتى الجمادات. وهي أنه تعالى المنفرد بخلقها ورزقها وتدبيرها، وإعطائها ما تحتاجه أو تضطر إليه في بقائها، وحصول منافعها ومقاصدها فهذه التربية لا يخرج عنها أحد. والنوع الثاني: في تربيته لأصفيائه وأوليائه، فيربيهم بالإيمان الكامل، ويوفقهم لتكميله ويُكملهم بالأخلاق الجميلة، ويدفع عنهم الأخلاقَ الرذيلة، وييسرهم لليسرى ويجنبهم العسرى. وحقيقتها: التوفيق لكل خير، والحفظ من كل شر، وإنالة المحبوبات العاجلة والآجلة، وصرف المكروهات العاجلة والآجلة. فحيث أُطلقت ربوبيته تعالى فإن المراد بها المعنى الأول، مثل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢)، ونحو ذلك. وحيث قُيدت بما يحبه ويرضاه، أو وقع السؤال بها من الأنبياء وأتباعهم، فإن المراد بها النوع الثاني. وهو متضمن للمعنى

стр. 65

الأول وزيادة. ولهذا تجد أسئلة الأنبياء وأتباعهم في القرآن بلفظ الربوبية غالباً، فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة" (١). هذا من جهة ربوبية الله لمخلوقاته، أما من جهة عبودية المخلوقات لله فهي أيضاً على نوعين: عبودية عامة، وعبودية خاصة. قال ابن القيم ﵀ في بيان انقسام العبودية إلى عامة وخاصة: " العبودية نوعان: عامة وخاصة، فالعبودية العامة عبودية أهل السماوات والأرض كلهم لله برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم فهذه عبودية القهر والملك، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (٢)، فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم (٣) ... وأما النوع الثاني فعبودية الطاعة والمحبة وإتباع الأوامر، قال تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٥) ... فالخلق كلهم عبيد ربوبيته، وأهل طاعته وولايته هم عبيد إلهيته" (٦). فدل ما سبق على أن للعبودية معنى عاما وهو: القهر والتسخير، وهو

стр. 66

يشمل جميع الكائنات كلها، ومعنى خاصا وهو: الطاعة والمحبة والإتباع، وهو يشمل أهل طاعة الله وولايته. وهذا الكون الواسع بما فيه من الكائنات كلها يخضع لخالقه وباريه ويؤدي عبوديته له سبحانه. وقد جاء في النصوص الشرعية ما يدل على دخول الكائنات - غير الإنسان- في المعنى الخاص للعبودية، كالطاعة والسجود والتسبيح والاستغفار والإسلام والإشفاق والخشوع وسماع الأذان وشهادتها للمؤذن يوم القيامة وغيرها (١)، وذلك بما أودعه الله فيها من الإدراك والتمييز. قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٢). قال ابن جرير ﵀: " قال الله للسماء والأرض: جيئا بما خلقت فيكما، أما أنت يا سماء فأطلعي ما خلقت فيك من الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرض فأخرجي ما خلقت فيك من الأشجار والثمار والنبات، وتشقَّقِي عن الأنهار ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ جئنا بما أحدثت فينا من خلقك، مستجيبين لأمرك لا نعصي أمرك" (٣). وقال تعالى مخبراً عن سجود الكائنات: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ

стр. 67

مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (١). فأثبت الله السجود لهذه الكائنات، ولكن لا نعلم كيفيته، ولا يلزم أن سجودها على سبعة أعضاء كسجود المسلمين، إذ سجود كل شيء بحسبه. قال ابن كثير ﵀: " يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعا وكرها وسجود كل شيء مما يختص به" (٢). وقال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (٣). قال ابن كثير ﵀: " يقول تعالى: تقدسه السماوات السبع والأرض ومن فيهن، أي من المخلوقات، وتنزهه وتعظمه وتجِّلّه وتكبره عما يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته. وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أي وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس؛ لأنها بخلاف لغتكم. وهذا عام في الحيوانات والنبات والجماد (٤)، ... كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل (٥) " (٦).

стр. 68

وأما الإسلام، فقد قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (١). قال ابن تيمية ﵀: " فذكر إسلام الكائنات طوعا وكرها لأن المخلوقات جميعها متعبدة له التعبد العام، سواء أقر المقر بذلك أو أنكره، وهم مدينون له مدبرون، فهم مسلمون له طوعا وكرها ليس لأحد من المخلوقات خروج عما شاءه وقدره وقضاه، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو رب العالمين ومليكهم يصرّفهم كيف يشاء، وهو خالقهم كلهم وبارئهم ومصورهم، وكل ما سواه فهو مربوب مصنوع مفطور فقير محتاج معبّد مقهور، وهو سبحانه الواحد القهار الخالق البارئ المصور" (٢). وأما القنوت، فقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٣). والمقصود أن هذه الآيات تؤكد أن جميع المخلوقات، الحيوانات منها والنباتات، ناطقها وجامدها، تسبح الله وتمجده وتقدسه وتصلي له وتوحده (٤). وهذه العبادة من هذه المخلوقات آية من آيات الله العظيمة حين يتصور القلب أن كل حصاة وكل حجر، وكل حبة وكل ورقة، وكل زهرة وكل ثمرة، وكل نبتة وكل شجرة، وكل حيوان وكل إنسان، وكل دابة على الأرض وكل سابحة في الماء والهواء، وكل سكان الأرض والسماء، كلها تسبح الله وتتوجه إليه في علاه.

стр. 69

ولقد أنكر هذه العبودية طائفة من الناس بحجة أن هذه الكائنات لا تعقل ولا تدرك وليس لها أي عبودية لله ، وما ورد في النصوص من سجود هذه الكائنات أو تسبيحها أو نحو ذلك اضطر إلى القول فيها بالتأويل (١) أو المجاز (٢). فقالوا عن سجود الشمس في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٣): أن الذي يسجد هو الملك الموكل بها، وتأويل السجود بدلالة تلك الموجودات على أنها مسخرة بخلق الله، فأستعير السجود لحالة التسخير والانقياد. وعن تسبيح الجبال في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (٤)، أن الجبال لم تسبح ولم تردد مع داود ﵇، إنما الأمر أن الجبال كانت تمشي مع داود ﵇ فكان كل من رآها كذلك سبح، إلى غير ذلك من التأويلات الباطلة (٥).

стр. 70

والقول بالمجاز وتأويل النصوص الشرعية على غير مرادها مخالف لهدي السلف الصالح بل فيه محادة لله تعالى ورسوله في نفي آيات الله تعالى المنزلة وتعطيل معناها. ومخالف لما يجب أن يكون عليه المؤمنون تجاه النصوص الشرعية، حيث إنهم مأمورون بالتسليم لها والإيمان بها وعدم الخوض في الكيفية ما دام قد ثبت صحة النص، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٢). والآيات في هذا المعنى كثيرة. قال البغوي (٣) ﵀: " ومذهب أهل السنة أن لله علما في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره، ولها صلاة وتسبيح وخشية كما قال : ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي

стр. 71

السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (١)، فيجب على المرء الإيمان به ويكل علمه إلى الله تعالى" (٢). وقال ابن تيمية ﵀ في الرد على من فسر السجود والتسبيح بنفوذ مشيئة الرب وقدرته فيها ودلالتها على الصانع فقط: " وأما تفسير سجودها وتسبيحها بنفوذ مشيئة الرب وقدرته فيهما ودلالتها على الصانع فقط فالاقتصار على هذا باطل؛ فإن هذا وصف لازم دائم لها لا يكون في وقت دون وقت، وهو مثل كونها مخلوقة محتاجة فقيرة إلى الله تعالى وعلى هذا فالمخلوقات كلها لا تزال ساجدة مسبحة، وليس المراد هذا فإنه قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ (٣). وقال: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ (٤)، فقد أخبر عنه أنه يعلم ذلك، ودلالتها على الرب يعلمه عموم الناس" (٥). فبيّن ﵀: " أن دلالتها على الصانع فقط والاقتصار عليه باطل، وذلك لأن الدلالة لا تكون في وقت دون وقت، فإن الله أخبر عن الجبال أنها تسبح مع داود ﵇ بالعشي والإشراق، ولو كان المراد الدلالة على الصانع لكان ذلك في كل وقت" ... ثم ذكر ﵀ أن الله ذكر أن سجودها يكون طوعاً وكرهاً، ولو كان متعلقاً بانفعالها لمشيئة الرب وقدرته فإن ذلك لا ينقسم إلى طوع وكره، فقال:

стр. 72

"وأيضا فإنه قسم السجود إلى طوع وكره، وانفعالها لمشيئة الرب وقدرته لا ينقسم إلى طوع وكره، ولا يوصف ذلك بطوع منها ولا كره؛ فإن دليل فعل الرب فيها ليس هو فعل منها ألبتة. والقرآن يدل على أن السجود والتسبيح أفعال لهذه المخلوقات، وكون الرب خالقا لها إنما هو كونها مخلوقة للرب ليس فيه نسبة أمر إليها، يبين ذلك أنه خص الظل بالسجود بالغدو والآصال، والظل متى كان وحيث كان مخلوق مربوب" (١). ثم بيّن ﵀ أن كونها ساجدة مسبحة" آية دالة وشاهدة للخالق تعالى بصفاته لكونها مفعولة له، وهذا معنى ثابت في المخلوقات كلها لازم لها، وهي آيات للرب بهذا الاعتبار، وهي شواهد ودلائل وآيات بهذا الاعتبار؛ لكن ذاك معنى آخر، كما يفرق بين كون الإنسان مخلوقا وبين كونه عابدا لله، فهذا غير هذا، هذا يتعلق بربوبية الرب له، وهذا يتعلق بتألهه وعبادته للرب" (٢). وقال أيضاً في الرد على من قال يلزم لسجودها أن يكون لها سبعة أعضاء، ووضع الجبهة على الأرض: " ولا يجب أن يكون سجود كل شيء مثل سجود الإنسان على سبعة أعضاء ووضع جبهة في رأس مدور على التراب؛ فإن هذا سجود مخصوص من الإنسان ومن الأمم من يركع ولا يسجد، وذلك سجودها كما قال تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (٣)، وإنما قيل ادخلوه ركعا. ومنهم من يسجد على جنب كاليهود، فالسجود اسم جنس ولكن لما شاع سجود الآدميين المسلمين صار كثير من

стр. 73

الناس يظن أن هذا هو سجود كل أحد" (١). وقال ابن القيم ﵀ في الرد على من قال أن تسبيح الشجر وورقه هو دلالته على صانعه فقط، بعد أن بين الحكمة في خلقها وأنها ساجدة لله مسبحة بحمده: " وكلها ساجدة لله مسبحة بحمده، قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (٢)، ولعلك أن تكون ممن غلظ حجابه فذهب إلى أن التسبيح دلالتها على صانعها فقط، فاعلم أن هذا القول يظهر بطلانه من أكثر من ثلاثين وجها قد ذكرنا أكثرها في موضع آخر، وفي أي لغة تسمى الدلالة على الصانع تسبيحا وسجودا وصلاة وتأويبا وهبوطا من خشيته، كما ذكر تعالى ذلك في كتابه فتارة يخبر عنها بالتسبيح وتارة بالسجود وتارة بالصلاة، كقوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ (٣)، افترى يقبل عقلك أن يكون معنى الآية قد علم الله دلالته عليه، وسمى تلك الدلالة صلاة وتسبيحا، وفرق بينهما وعطف أحدهما على الأخر، وتارة يخبر عنها بالتأويب، كقوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (٤)، وتارة يخبر عنها بالتسبيح الخاص بوقت دون وقت كالعشى والإشراق، أفترى دلالتها على صانعها إنما يكون في هذين الوقتين، وبالجملة فبطلان هذا القول اظهر لذوي البصائر من أن يطلبوا دليلا على بطلانه والحمد لله" (٥).

стр. 74

المبحث الثاني: الهدي القرآني والنبوي تجاه الآيات الكونية وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الهدي القرآني تجاه الآيات الكونية. المطلب الثاني: الهدي النبوي تجاه الآيات الكونية. المطلب الثالث: تأييد الله لأنبيائه بالآيات الكونية. المطلب الرابع: الآيات الكونية وأركان الإسلام.

стр. 75

المطلب الأول: الهدي القرآني تجاه الآيات الكونية إن تناول القرآن لحقائق الكون ومشاهده، ودعوته إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض والأنفس، لا يُراد منه إلا مخاطبة العقول والفطر البشرية، وتوجيه عامة الناس وخاصتهم إلى مكان العظة والعبرة، ولفتهم إلى آيات قدرة الله وحكمته ودلائل وحدانيته، من جهة ما لهذه الآيات والمشاهد من روعة في النفس وجلال في القلب، لا من جهة ما لها من دقائق النظريات وضوابط القوانين (١). فالآيات الكونية التي يتحدث عنها القرآن الكريم تتميز بأنها حقائق ضخمة، وخلق عظيم، لا يقدر قدرها إلا الذي أبدعها وخلقها سبحانه وبحمده، وقد أراد الله تعالى أن تكون تلك الآيات الكونية شواهد حق على صدق القرآن الكريم، وبراهين صدق على المبلغ له. ولهذا نجد أن للقرآن الكريم الهدي الواضح تجاه هذه الآيات الكونية، ويمكن تقسيم ذلك إلى ثلاثة أقسام رئيسة (٢):
следующие страницы →