الإنسان، وظروف هذه التجارب وأدواتها، هذا بالقياس إلى الحقائق العلمية، والأمر واضح بالقياس إلى النظريات والفروض التي تسمى علمية، فهذه ليست حقائق علمية حتى بالقياس الإنساني، وإنما هي نظريات وفروض، كل قيمتها أنها تصلح لتفسير أكبر قدر من الظواهر الكونية إلى أن يظهر فرض أخر يفسر قدراً أكبر من الظواهر، أو يفسر تلك الظواهر تفسيراً أدق، ومن ثم فهي قابلة دائماً للتغيير والتعديل والنقص والإضافة؛ بل قابلة لأن تنقلب رأساً على عقب، بظهور أداة كشف جديدة، أو بتفسير جديد لمجموعة الملاحظات القديمة! " (١).
стр. 142
المطلب الرابع: المخالفات العقدية في التفسير العلمي للآيات الكونية
من خلال الدراسة والتتبع لبعض تفسير الآيات الكونية في القرآن والسنة بالتفسير العلمي ظهر بعض المخالفات العقدية منها:
أولاً: اتهام الجيل الأول من المسلمين- وفيهم رسول الله ﷺ بالخطأ في فهم شيء من القرآن ، أو خفائه عليهم (١)، مع أنهم أعلم الناس بما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ ، وكذلك التنقص لتفاسير السلف.
ثانياً: فتح باب الاستدلال بالاحتمالات والظنيات والمتغيرات على المطالب اليقينية من توحيد الربوبية والنبوة والبعث ، وهذا يجعل المسلم يشك في دينه وفي كتاب ربه جل وعلا (٢)، " مع أن المطالب العقدية الكبرى لم يجعلها الله خاضعة للعلم التجريبي ولا يجوز الاستدلال عليها بوجوه هزيلة أو محتملة أو غامضة أو معقدة أو مشكوك فيها، خاضعة لاجتهاد الناس واختلاف قدراتهم وإمكاناتهم؛ وذلك أنها مطالب يقينة لا تحتمل الظنون والريب، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (٣) " (٤).
стр. 143
ثالثاً: ظن بعض الناس أن العلم - الذي يزعمونه- هو المهيمن والقرآن تابع ، ولذا فهم يحاولون تثبيت القرآن بهذا العلم، أو الاستدلال له من هذا العلم، مع أن القرآن كتاب كامل في موضوعه، ونهائي في حقائقه ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١)، وهذا العلم المزعوم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس (٢).
رابعاً: زعم بعضهم بأن ما ذكر في القرآن من حجج أنه غير كاف، وأنه إنما يصلح للأميين والأعراب ، أما مع تقدم العلم العصري فإنه لا بد من حجج أخرى تدل الناس في عصر العلم إلى الإيمان (٣)، مع التركيز على أن الإعجاز العلمي والتفسير العلمي هما الوسيلة المقنعة للدعوة إلى الإسلام، وأن الوسائل الأخرى لم تعد تحرك في الناس ساكناً؛ لأننا في عصر العلم! (٤).
وفي المقابل جعل بعضهم الآيات الكونية في القرآن والسنة مثار شبهات وتأويلات كثيرة في روايتها، وفي صحتها، وفي دلالتها، وأن هذه الآيات الكونية لم تكن لإقامة الحجة على نبوة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام- (٥)، وإنكارهم لتلك الآيات وأن الأنبياء لا يأتون بغير المعقول! ولا بما يبدل سنة الله ونظامه في الكون (٦).
стр. 144
خامساً: حصر دلالة المراد بالآيات الكونية على وجود الله ، وتوحيد الربوبية، وإثبات النبوة والبعث، مع عدم ذكرهم أو نسيانهم لتوحيد الألوهية ومسائل التوحيد والإيمان الأخرى، مع أن هذه الآيات الكونية والاكتشافات التفصيلية المتعلقة بها دالة على توحيد الربوبية ولو لم تكن جاءت في النص القرآني والسنة النبوية (١).
ولهذا فإن المنهج الصحيح في الاستدلال بالمكتشفات العلمية على الربوبية أن يسن بها سنة ما ذكر في القرآن من دلالة المخلوقات على الخالق، فهي تدل على وجود الخالق وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته وجميع صفاته وكماله، دلالة الأثر على المؤثر، والصنعة على الصانع بما فيها من أمارات الحدوث وشواهد الإرادة المخصصة (٢).
سادساً: الظن بأن توحيد الربوبية هو المطلوب للفلاح عند الله ، ولذا تجد التركيز عليه عند غالب من تكلم في هذا الموضوع مع عدم ربطه بما يستلزمه من توحيد الألوهية (٣).
سابعاً: صرف الناس عن الغرض الأساس والمطلب الرئيس من القرآن وأنه كتاب هداية وإرشاد إلى أغراض أخرى (٤).
ولكن هذا لا يعني ألا ننتفع بما يكشفه العلم من نظريات، ومن حقائق
стр. 145
عن الكون والحياة والإنسان في فهم القرآن (١)، قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (٢).
ثامناً: التأويل المستمر- مع التمحل والتكلف- لنصوص القرآن وحملها على الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر، وكل يوم يجد فيها جديد (٣).
تاسعاً: رد بعض الأحاديث الصحيحة أو تصحيح بعض الأحاديث الضعيفة بحجة أن التفسير العلمي لهذه الآيات الكونية يخالف أو يوافق ما ذكر في هذه الأحاديث (٤).
عاشراً: إحداث طريقة مبتدعة لإثبات وجود الخالق وربوبيته وإثبات النبوة لم يكن عليها السلف ، وذلك بالنظر في المخلوقات والمعجزات على مقتضى قواعد وأصول محدثة (٥).
مثل قول بعضهم: إن الرسالة لا تثبت إلا بعد النظر والتفحص لآيات الأنبياء، ثم نشهد لهم بذلك.
стр. 146
المبحث الثاني: مسائل متعلقة بالتفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة .
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: قضايا العلم التجريبي بين القرآن والعلم الحديث.
المطلب الثاني: المقصد من إشارة القرآن لبعض الآيات الكونية المرتبطة بالعلوم التجريبية.
стр. 147
المطلب الأول: قضايا العلم التجريبي بين القرآن والعلم الحديث (١)
المنهج التجريبي هو: المنهج القائم على الملاحظة والتجربة معاً، أو يبدأ فيه من جزئيات أو مبادئ يقينية تماماً حتى تصل إلى "قضايا عامة مستخدمين في كل خطوة التجربة حتى نضمن صحة الاستنتاج، وهو منهج العلوم الطبيعية على وجه الخصوص" (٢).
وهو يمر بثلاث مراحل:
١ - الملاحظة أو المشاهدة.
٢ - الفرض.
٣ - التجريب (٣).
٤ - القانون العلمي
ويقوم المنهج التجريبي على ثلاث قواعد (٤) وهي:
القاعدة الأولى: إنكار كل المغيبات التي لا يمكن إخضاعها للملاحظة والتجربة.
стр. 148
القاعدة الثانية: الزعم بأن حتمية القوانين الطبيعية وقوانين التطور العلمي يمكن الاستغناء بهما عن افتراض وجود الله.
القاعدة الثالثة: ادعاء كفاية المنهج العلمي في المعرفة من ناحية، والقيم من ناحية أخرى عن المناهج المعرفية التي تعتمد على الدين.
ويختلف العلم التجريبي في القرآن عن العلم الحديث بما يلي:
أولاً: أن القرآن الكريم كتاب هداية، أنزله الله تعالى لإخراج الناس من الظلمات إلى النور قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٢)، تلك هي مهمة القرآن الأصلية، وقد وضحت سبل الهداية فيه: في عقائده وتشريعاته، وكانت مظاهر القدرة في الآيات الكونية فيه وسيلة من وسائل الاحتجاج للحق الذي جاء به (٣).
قال ابن القيم ﵀: " ولهذا كان أكمل الأمم علما أتباع الرسل وإن كان غيرهم أحذق منهم في علم الرمل والنجوم والهندسة ... ونحوها من العلوم التي لما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بها وآثروها على علوم الرسل وما جاءوا به، وهي كما قال الواقف على نهاياتها الواصل إلى غاياتها: وهي بين ظنون كاذبة - وإنّ بعض الظن إثم - وبين علوم غير نافعة، نعوذ بالله من علم لا ينفع، وإن نفعت فنفعها بالنسبة إلى علوم الأنبياء كنفع العيش العاجل بالنسبة إلى الآخرة ودوامها" (٤).
стр. 149
فإشارة القرآن لبعض هذه المسائل المرتبطة بالعلوم التجريبية لم يكن هو المقصد الأول، ولم ينَزَّل القرآن من أجلها، أما المعلومات الدنيوية بما فيها العلوم التجريبية فإنها تجيء مرتبطة بالدلالة على حكم عقدي أو شرعي، فهي جاءت تبعًا وليس أصالةً؛ أي أن القرآن لم يقصد أن يذكرها على أنها حقيقة علمية مجردة، بل ليستدل بها مثلا: على توحيد الله وأحقيته بالعبادة، أو على حكم تشريعي، أو على إثبات اليوم الآخر، أما أهل العلم الحديث فهي مقصدهم الأول (١).
ثانياً: لا توجد آية كونية ورد الإشارة إليها في كتاب الله، إلا وهي مدركة لجميع المخاطبين بها، يستوي في ذلك المتقدمون والمتأخرون، فالمتقدمون قد فهموا المراد بها على نحو ما انتهى إليه علمهم، وأدركوا دلالتها على ما سيقت له، وإنما حصل للمتأخرين زيادة في معرفة التفاصيل، ولعل مما يشبه ذلك معرفتنا اليوم بمعاني الآيات التي تتحدث عن أهوال يوم القيامة، ثم مشاهدتها على الواقع حين حصولها، فمعرفتنا اليوم بالمعاني كمعرفة الرسول ﷺ بتلك المعاني، ومعرفتنا يوم نرى الواقع كمعرفة العلماء اليوم (٢).
أما العلم الحديث فإن القضايا العلمية التي يفسرها لا يدركها إلا الخواص من الناس، ولا يوصل إليها إلا بالمراس.
ثالثاً: أنه ليس هناك تعارض أو تناقض بأي حال، ولا من أي نوع بين أي نص قرآني صريح في دلالته، وبين أي حقيقة علميه بلغت يقين المعاينة، والمشاهدة، ضرورة أن خالق الكون سبحانه هو منزل القرآن الكريم، ولن يكون تناقض أبدا بين قول الله تعالى وبين خلقه ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٣)، أما
стр. 150
العلم الحديث فإن ما أثبته بالأمس نقضه اليوم، وما يثبته اليوم سينقضه بالغد.
رابعاً: أن بعض الحقائق التي وردت في القرآن والسنة لا يمكن أن تدخل تحت العلم التجريبي (١)، مثل خلق الكون، والإنسان، والأمور المستقبلية الغيبية مما يحدث للكون عند قيام الساعة (٢).
خامساً: القرآن يقرر القضية حقيقة حيث كانت وانتهت، وهي حقائق قطعية، فهو تقرير من العليم بأسرارها، الخبير بدقائقها، المحيط بعلومها ومعارفها: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٣).
أما العلم التجريبي فهو يبدأ في البحث عنها من البداية حتى يصل إلى الحقيقة العلمية، فهو علم احتمالي في حقائقه وقوانينه (٤).
سادساً: ما ذكر في القرآن من حقائق وفق سنن كونية معينة فإن الله قادر على تغييرها إذ شاء، أما أهل العلم التجريبي المعاصر فإنهم ينكرون ذلك (٥).
سابعاً: ظن بعضهم أن مواءمة القرآن للعلم التجريبي لا تتحقق إلا بتتبع جزئيات الحقائق العلمية وأفرادها وربطها بالإشارات القرآنية، مع أن مواءمة القرآن للعلم التجريبي متحققة بالمنهج العلمي الاستدلالي وطريقة التفكير النقدي التي يقررها القرآن، ويشهد على ذلك انسجام القضايا الكلية الكبرى في القرآن مع معطيات المنهج العلمي المعاصر (٦)، وقبل ذلك استدلال القرآن
стр. 151
على المشركين وإلزامهم بما تدل عليه هذه الآيات الكونية من توحيد الربوبية المستلزم لتوحيد الألوهية (١).
ثامناً: وسائل المعرفة في القرآن متعددة، أما أصحاب المنهج التجريبي فإنهم يحصرون المعرفة بالتجارب، فكل معرفة حقة عندهم مرتبطة بالتجارب، بحيث يمكن فحصها أو إثباتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة (٢)، مع أن الحقائق التي يمكن مشاهدتها والتي يمكن عمل التجارب عليها قليلة (٣).
تاسعاً: القرآن يذكر القضية العلمية مجملة غير مفصلة في الغالب، أما العلم التجريبي فينحو إلى تفصيل القضية العلمية (٤).
стр. 152
المطلب الثاني: المقصد من إشارة القرآن لبعض الآيات الكونية المرتبطة بالعلوم التجريبية
قد كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أعلم بالقرآن وبعلومه وما أُودع فيه من غيرهم، وكان كلامهم في القرآن عن ما ثبت فيه من أحكام التكاليف، وأحكام الآخرة، وما يتبع ذلك، ولم يكن لهم خوض في تفاصيل الآيات الكونية المرتبطة بالعلوم التجريبية، ولا يعني هذا أنهم كانوا لا يعرفونها ولا يتأملون فيها، لا؛ بل إنهم لا يتوسعون في ذلك (١)؛ لأن تناول القرآن لحقائق الكون ومشاهده، ودعوته إلى النظر في ملكوت السموات والأرض وفى الأنفس، لا يُراد منه إلا التدبر والتفكر في هذه الآيات، وتوجيه عامة الناس وخاصتهم إلى مكان العظة والعبرة، ولفتهم إلى آيات قدرة الله ودلائل وحدانيته فيها (٢)، ويثبت له بالحجج الواضحة قدرة الله ووجوده ووحدانيته (٣).
وهذا هو المقصد من إشارة القرآن لبعض الآيات الكونية المرتبطة بالعلوم التجريبية ليعمل الإنسان فكره وعقله في الآيات الكونية فيقوده ذلك إلى إفراد الله بالعبادة (٤).
стр. 153
قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢).
فهو لم يجعل تلك العلوم الكونية من موضوعه فهو كتاب هداية وإعجاز، وإذا ذكر فيه شيء من الكونيات فإنما ذلك للهداية ودلالة الخلق على الخالق، وللاستدلال بها على توحيد الله وأحقيته بالعباده، أو على حكم تشريعي، أو على إثبات إمكانية البعث، أو غير ذلك (٣)، ولا يقصد القرآن مطلقا من ذكر هذه الكونيات أن يشرح حقيقة علمية في الهيئة والفلك أو الطبيعة أو غيرها (٤)، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٦).
стр. 154
المبحث الثالث: الآيات الكونية المستقبلية
والدراسات حولها وصلتها بالعقيدة
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية.
المطلب الثاني: صلة هذه الدراسات بالعقيدة.
المطلب الثالث: المخالفات العقدية في الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية.
стр. 155
المطلب الأول: الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية
إن من عقيدة أهل الإسلام التي يجب على كل مسلم أن يعتقدها أنه لا يعلم الغيب إلا الله، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٢) , فالغيب لله تعالى وحده؛ ولكن من فضل الله ﵎ أنه يطلع بعض رسله على شيء منه، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (٣).
إلا أن هناك أمورا اختص الله ﵎ بعلمها فهي من الغيب المطلق (٤) الذي لا يطلع الله ﵎ عليها أحد، ومن ذلك: علم الساعة، متى تقوم؟ فهذه علمها عند الله لا يجليها لوقتها إلا هو، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٥).
стр. 156
ومعرفة الغيب المستقبل لا بد أن يكون الانشغال به ومعرفته عن طريق المصدر الحق؛ فإن مصادر معرفة المستقبل تنقسم إلى ثلاثة أنواع (١):
النوع الأول: مصادر باطلة قطعاً، وما توصل إليه فهو باطل، ومن ذلك ما تحصل معرفته عن طريق التنجيم والكهانة والشعوذة ونحوها (٢).
النوع الثاني: مصادر ظنية، كالرؤى والمنامات، وما عند أهل الكتاب من أخبار مما لم يأت في ديننا ما يدل على بطلانه، وكالدراسات القائمة على الاجتهاد والنظر في سنن الله الكونية.
النوع الثالث: المصدر الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وقد ورد في القرآن والسنة الإخبار عن بعض الأمور الغيبية المستقبلية (٣) التي تحدث لبعض الآيات الكونية في آخر الزمان مما يكون من علامات الساعة، وعند قيامها، مما يستحيل تفسيره مهما تقدمت العلوم وتطورت، ومهما أكتُشف من حقائق الكون (٤).
كما لا يمكن إخضاعه للتجربة، وهو أمر لا يتكرر، ولا يستطيع أحد أن يدخله في مفردات العلوم الطبيعية والكونية، وهو مما حجب الله تعالى علمه؛
стр. 157
لحكمة يعلمها (١).
ولهذا لا يجوز لنا أن ندخل في هذه الأمور وتفاصيلها إلا بما جاء في الكتاب والسنة (٢).
وبعض ما يذكر من الدراسات ينبغي أن لا يجزم به وبتفاصيله لئلا يخالف المقطوع به من عدم إدراك الغيب، ويمكن الاستفادة منه وفق ضوابط شرعية (٣).
стр. 158
المطلب الثاني: صلة هذه الدراسات بالعقيدة
إن كثيراً من أمور الدين وعقائده إنما هي إيمان بالغيب، فالحياة البرزخية غيب، والحياة الآخرة غيب، من قيام الساعة إلى البعث والنشور إلى الحساب والميزان ... كل هذا غيب يجب الإيمان به.
وقد أخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم عن بعض الأمور الغيبية، وأخبرنا أنها ستقع، ووقعت هذه الأمور التي أخبر الله عنها على نحو ما أخبر، مما يعرفه المؤمن والكافر، والبر والفاجر.
فالتنكر للإيمان بالغيب إلحاد ونقص في العلم، والإيمان به من صفات عباد الله المؤمنين المهتدين المفلحين، قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).
ودراسة الغيب المستقبل والإطلاع عليه من أمور الدين التي جاء بها رسولنا ﷺ ، فقد أخبر الله عن بعضها، وأخبر الرسول ﷺ عن بعضها، وعلَّم ذلك كله للصحابة ﵁، واهتموا به وسألوا عنه؛ لأنه من عقيدتهم، ومن ذلك أن عائشة ﵂ سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٢)، أين يكون الناس يومئذ؟ فقال ﵊: " على الصراط" (٣).
стр. 159
بل إن المشركين قد سألوا رسول الله ﷺ عن أمر غيبي مستقبلي وهو: إعادتهم بعد موتهم منكرين بذلك البعث، مستبعدين له، فاحتج الله عليهم بخلق السموات والأرض، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ (١)، فاحتج تعالى عليهم، ونبههم على قدرته على ذلك، بأنه خلق السماوات والأرض، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك (٢).
وهذه الدراسات لها صلة وثيقة بالعقيدة من جهة أن هذه الدراسات تتكلم عن أمور غيبية.
وقد جرّت هذه الدراسات ممن لا يؤمن بالغيب إلى إنكار ما أخبر الله عنه ورسوله ﷺ مما يكون في أخر الزمان، منكرين بذلك قدرة الله، نافين لحكمته.
أما أهل الإيمان الذين يؤمنون بالغيب وبقدرة الله وحكمته، وأن الله على كل شيء قدير فكانت عقيدتهم في ذلك الإيمان والتسليم، وعدم الدخول فيما لا علم لهم به وعدم التكلف والتنطع في ذلك، فإن الكلام في مثل هذه الأمور ليس من موضوع علوم الفلك ونحوها (٣)، وإنما يتكلم فيه حسب النصوص الشرعية، مع الجزم واليقين بوقوعها لأن الله أخبرنا بذلك، قال
стр. 160
تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (١)، وقال تعالى مخبراً عن حال الراسخين في العلم مع القرآن: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢).
ثم إن الإيمان بهذه الأخبار - إذا تحققنا صحتها- هو من الإيمان بالله، والإيمان برسوله ﷺ ، إذ كيف نؤمن بالله ورسوله ثم لا نصدق بخبرهما! .
ووقوع تلك المغيبات على النحو الذي جاءت به الأخبار يثبت الإيمان ويقويه، وقد يكون ذلك مدخلاً لدعوة الآخرين إلى هذا الحق الذي جاءنا من ربنا.
وكذلك تثبيت الإيمان بيوم القيامة، فالقيامة وأهوالها من الغيب الذي أخبرنا به الله ورسوله ﷺ ، والإيمان به إحدى دعائم الإيمان، ووقوع الوقائع في الدنيا على النحو الذي جاءت به النصوص دليل واضح بَيِّن على صدق كل الأخبار ومنها أخبار الساعة، فالكل من عند الله ﵎.
стр. 161
المطلب الثالث: المخالفات العقدية في الدراسات العلمية
حول الآيات الكونية المستقبلية
بالإضافة إلى ما سبق ذكره من المخالفات العقدية في التفسير العلمي عموماً (١)، فإن الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية يتعلق بها بعض المخالفات لتعلقها بالإيمان بالغيب.
أولاً: الرجم بالغيب فيما يحصل للكون، والخوض في تفصيلات بعض الآيات الكونية المستقبلية دون مراعاة للضوابط الشرعية، وعدم الرجوع إلى ما ورد في الكتاب والسنة (٢).
ثانياً: تفسير القرآن وإخضاعه لتلك الدراسات (٣) دون رجوع لفهم الصحابة والسلف لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، قال ابن مسعود ﵁ لما سمع رجل يقص على أصحابه: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (٤)، قال: " من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم، فإن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (٥) " (٦).
стр. 162
ثالثاً: التنطع والتكلف في السؤال عن الأمور الغيبية (١)، وإشغال النفس بها مع أن العلم بها لا يترتب عليه عمل شرعي.
رابعاً: تحكيم العقل في فهم النصوص الواردة في الكتاب والسنة عن الآيات الكونية المستقبلية بحجة عدم موافقتها لتلك الدراسات العلمية (٢).
خامسا: إنكار المغيبات المستقبلية بحجة أنه لا يمكن الوصول إلى يقين علمي بشأنها إلا عن طريق التجربة والمشاهدة، وأن إنكارهم يقوم على دعامتين من العلم التجريبي، والعقل المادي (٣)، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (٤).
سادساً: الإيمان بما أخبر الله به ورسوله مع الشك والتردد في ذلك، والتصديق بما في بعض تلك الدراسات مما لم يؤيده كتاب ولا سنة، فهو يؤمن ببعضها، ويكذب ببعضها الأخر، فاتبع في إيمانه غير سبيل المؤمنين.
سابعاً: التحريف لبعض الآيات الواردة في الكتاب والسنة عن الآيات الكونية المستقبلية؛
لأن الغيبيات والمعجزات لا تقع غالبا تحت الحس، ولا تخضع لمألوف العقل البشري، ولا تجري على السنن المعتادة، ولذا أقدم بعضهم على إنكارها؛ وحاول آخرون تحريفها (٥).
стр. 163
ثامناً: إنكار قدرة الله تعالى، واستبعاد وقوع ما أخبر الله به، وأخبر به رسوله ﷺ .
قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١).
فمن آمن أن الله على كل شي قدير، فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره (٢).
стр. 164
الفصل الرابع: الأسباب، وصلتها بالآيات الكونية
وفيه تمهيد وأربعة مباحث:
المبحث الأول: أنواع الأسباب.
المبحث الثاني: منزلة الأسباب في الشريعة.
المبحث الثالث: صلة الأسباب بالآيات الكونية.
المبحث الرابع: العلم بوقت حدوث هذه الآيات الكونية وأسبابها الحسية لا ينافي كونها آية من آيات الله.
стр. 165
تمهيد
الأسباب جمع سبب، والسبب في اللغة يطلق على عدة معان (١):
فقد يقصد به ما يتوصل به إلى غيره، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ (٢).
وقد يأتي بمعنى الحبل، كما في قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ (٣) أي بحبل (٤). وهو من الحبال القوي الطويل.
وقد يأتي بمعنى الباب، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ (٥) أي أبواب السماوات (٦).
وقد يأتي بمعنى الشفيع، كما في قولهم: "وجعلت فلانًا لي سبباً إلى فلان في حاجتي"، أي وصلة وذريعة.
وقد يأتي بمعنى الحياة، كما في قولهم: " قطع الله به السبب"، أي الحياة؛ لأنه يتوصل به إلى المقصود.
وقد يأتي بمعنى المودة، يقال: تقطعت بهم الأسباب أي الوصل
стр. 166
والمودات، قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ (١).
وقد يأتي بمعنى الطريق؛ لأنه بسلوكه يوصل إلى الموضع الذي تريد (٢)، قال تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ (٣) الآية.
والخلاصة أن السبب في اللغة معناه: كل ما يتوصل به إلى المقصود.
والسببية تعني العلاقة بين السبب والمسَبَّب (٤).
وفي الاصطلاح عند الأصوليين: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته.
فهو أمر ظاهر منضبط، جعله الشارع علامة على مسبَّبه، ويلزم من وجوده وجود المسبَّب، ومن عدمه عدمه لذاته (٥).
стр. 167
المبحث الأول: أنواع الأسباب
تنقسم الأسباب إلى نوعين (١):
النوع الأول: أسباب حسية:
وهي الأسباب التي عرفت عن طريق الحس (٢) والتجربة، مثل الأدوية، وحصول الكسوف بسب وقع القمر بين الشمس وبين أبصار الناس (٣)، ونزول المطر عند تراكم السحب.
النوع الثاني: أسباب شرعية:
وهي الأسباب التي يكون الأصل في اعتبارها أسباباً النصوص الشرعية، كحصول الكسوف تخويفاً من الله لعباده، ونزول المطر بسب الاستغفار.
وتنقسم الأسباب من حيث الظهور والخفاء إلى نوعين:
النوع الأول: أسباب غير ظاهرة (خفية): وهي ما كان من علم الغيب الذي استأثر الله به، ولا يمكن أن تعلم إلا عن طريق الشرع، كولادة عيسى ﵇ من غير أب حيث كانت من غير سبب ظاهر موجب للحمل، قال تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى
стр. 168
أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١).
النوع الثاني: أسباب ظاهرة: وهي ما كان معلوماً بالتجربة والحس (٢)، كولادة عموم الناس.
وقد يجتمع في الشيء الواحد سبب ظاهر وسبب خفي، فالكسوف والخسوف لهما أسباب ظاهرة يعلمها الناس عن طريق الحساب وعلوم الفلك، ولهما أسباب غير ظاهرة لا تعلم إلا عن طرق الشرع، فهما آيتان يخوف الله بهما عباده (٣).
ولا تنافي بينهما - أي السبب الظاهر والخفي-؛ لأن الأمور العظيمة كالخسف بالأرض، والزلازل، والصواعق، وشبهها التي يحس الناس بضررها، وأنها عقوبة، لها أسباب طبيعية يقدرها الله حتى تكون المسبَّبات، وتكون الحكمة من ذلك هي تخويف العباد، فالزلازل لها أسباب، والصواعق لها أسباب، والبراكين لها أسباب، والعواصف لها أسباب، لكن يقدر الله هذه الأسباب من أجل استقامة الناس على دين الله، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤)، "ولكن تضيق قلوب كثير من الناس عن الجمع بين السبب الحسي والسبب الشرعي، وأكثر الناس أصحاب ظواهر لا يعتبرون إلا بالشيء الظاهر" (٥).
стр. 169
المبحث الثاني: منزلة الأسباب في الشريعة - حكمها -
تنقسم الأسباب في الشريعة إلى ثلاثة أقسام:
أولاً: أسباب شرعية: وهي التي حثت الشريعة على العمل بها ودعت إليها، كالرقية الشرعية، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (١)، قال تعالى عن هود ﵇ أنه قال: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى عن العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (٣).
ثانيا: أسباب مباحة: وهي الأسباب التي عرفت عن طريق القدر (٤) - التجربة-، ولم يكن بها مخالفة شرعية، وأن يكون أثرها ظاهرًا مباشرًا، مثل الأدوية.
وهذان الشرطان حتى لا يقول أحد أني جربت هذا الأمر فوجدته نافعاً، كمن يلبس الحلقة ويعتقد أنها تنفع أو تضر فينتفع (٥).
ثالثا: أسباب غير شرعية: وهي الأسباب التي جاءت الشريعة بتحريمها أو لم يثبت كونها أسباباً عن طريق القدر - التجربة- (٦).
стр. 170
وقد تكون هذه الأسباب شركاً أكبر، أو شركاً أصغر، أو محرمة (١).
فتكون شركاً أكبر إذا كان السبب خفيا لا تأثير له إطلاقا، كأن يعتقد أن هذا النجم يفعل بذاته، فهذا شرك أكبر؛ لأنه يعتقد بهذا القول أن لهذا النجم تصرفا في الكون.
وتكون شركاً أصغر إذا اعتقد سبباً لم يثبت كونه سبباً لا شرعا ولا حسا; فهذا نوع من الشرك الأصغر، كأن يعتقد أن دخول النجم الفلاني سبب في نزول المطر; لأنه أثبت سببا لم يجعله الله سببا، فكان مشاركا لله في إثبات الأسباب (٢)، ولأن الأسباب قد يكون ارتباطها بمسبباتها ارتباطًا غيبيًا لا يدرك فكيف يقال: إن هذا الشيء سبب لهذا الشيء وهو غير محسوس؟ ففيه نوع من ادعاء علم الغيب.
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٣)، فسمى الله من يشرع أقوالا وأفعالا وأحكاما لم يأذن بها الله سماهم شركاء، فمن جعل سببا بسبب وهو ليس بسبب شرعي أو قدري كوني فقد وقع في الشرك الأصغر, لأن الله لم يأمرنا بهذه الأسباب، فكأنه شرع أسباباً لم يأذن الله بها (٤).
أو "أن يعتمد على سبب شرعي صحيح مع الغفلة عن المسبِّب، وهو الله وعدم صرف قلبه إليه; فهذا نوع من الشرك، ولا نقول شركاً
стр. 171
أكبر; لأن هذا السبب جعله الله سببا" (١).
فعن زيد بن خالد الجهني ﵁ أنه قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف، أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب " (٢).
فإضافة الآية إلى السبب على أنه فاعل بذاته أو أنه سبب ولم يجعله الله سبباً فهذا إخلال بتوحيد الربوبية (٣).
فإذا اعتقد أن الكوكب يفعل بذاته فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أنه سبب فهو شرك أصغر.
وتكون الأسباب محرمة إذا استعمل ما حرمه الله لجلب منفعة أو دفع مضرة، فعن طارق بن سويد الجعفي ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن الخمر؟ فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: "إنه ليس بدواء ولكنه داء " (٤).
والناس في الأسباب طرفان ووسط:
الأول: من ينكر الأسباب ، وأنه ليس لها تأثير البتة وهذا فيه مكابرة للمعقول.
стр. 172
الثاني: من يغلو في إثبات الأسباب حتى يجعل ما ليس بسبب سببًا، بل جعل بعضهم الأسباب فاعلة بذاتها وهذا شرك بالله تعالى.
الثالث: من يؤمن بالأسباب وتأثيراتها، ولكنهم لا يثبتون من الأسباب إلا ما أثبته الله سبحانه ورسوله ، سواء كان سببًا شرعيًا أو كونيًا (١).
فإنكار الأسباب بالكلية قدح في الشرع والالتفات والاعتماد عليها بالكلية شرك أكبر والأخذ بها مع التوكل على الله هو دين الإسلام (٢)، قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٣).
قال ابن القيم ﵀: " وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وتقييد، فالالتفات إلى الأسباب ضربان: أحدهما: شرك، والآخر: عبودية وتوحيد، فالشرك أن يعتمد عليها ويطمئن إليها، ويعتقد أنها بذاتها محصلة للمقصود، فهو معرض عن المسبِّب لها، ويجعل نظره والتفاته مقصورا عليها، وأما إن التفت إليها التفات امتثال وقيام بها وأداء لحق العبودية فيها وإنزالها منازلها فهذا الالتفات عبودية وتوحيد، إذا لم يشغله عن الالتفات إلى المسبِّب.
وأما محوها أن تكون أسبابا فقدح في العقل والحس والفطرة، فإن أعرض عنها بالكلية كان ذلك قدحا في الشرع وإبطالا له.
стр. 173
وحقيقة التوكل القيام بالأسباب، والاعتماد بالقلب على المسبِّب، واعتقاد أنها بيده، فإن شاء منعها اقتضاءها، وإن شاء جعلها مقتضية لضد أحكامها، وإن شاء أقام لها موانع وصوارف تعارض اقتضاءها وتدفعه" (١).
ثم قال ﵀: " فإذا جمعت بين هذا التوحيد وبين إثبات الأسباب استقام قلبك على السير إلى الله، ووضح لك الطريق الأعظم الذي مضى عليه جميع رسل الله وأنبيائه وأتباعهم، وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم" (٢).
إلى أن قال ﵀: " وقد جمع النبي ﷺ بين هذين الأصلين في الحديث الصحيح حيث قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز" (٣)، فأمره بالحرص على الأسباب والاستعانة بالمسبِّب، ونهاه عن العجز، وهو نوعان: تقصير في الأسباب وعدم الحرص عليها، وتقصير في الاستعانة بالله وترك تجريدها، فالدين كله، ظاهره وباطنه، شرائعه وحقائقه تحت هذه الكلمات النبوية" (٤).
ثم إن الإيمان بالقدر لا ينافي فعل الأسباب، وما سبق في علم الله وحكمه لا ينافي إثباتها، ولا يقتضي إسقاطها، قال ابن القيم ﵀: " وما سبق به علم الله وحكمه حق، وهو لا ينافي إثبات الأسباب ولا يقتضي إسقاطها، فإنه سبحانه قد علم وحكم أن كذا وكذا يحدث بسبب كذا وكذا، فسبق العلم
стр. 174
والحكم بحصوله عن سببه، فإسقاط الأسباب خلاف موجب علمه وحكمه، فمن نظر إلى الحدوث بغير الأسباب لم يكن نظره وشهوده مطابقا للحق؛ بل كان شهوده غيبة ونظره عمى، فإذا كان علم الله قد سبق بحدوث الأشياء بأسبابها فكيف يشهد العبد الأمور بخلاف ما هي عليه في علمه وحكمه وخلقه وأمره" (١).
بل إن فعل الأسباب مما أمر به الشرع، وهو حاصل بالقدر، ولهذا لما توجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشام وعلم في أثناء الطريق أنه قد وقع فيها الطاعون، فاستشار الصحابة ﵃ هل يستمر ويمضي في سيره، أو يرجع إلى المدينة؟ .
فاختلف الناس عليه، ثم استقر رأيهم على أن يرجع إلى المدينة، ولما عزم على ذلك جاءه أبو عبيدة عامر بن الجراح ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، " كيف ترجع إلى المدينة؟ أفرارا من قدر الله"؟ . فقال عمر ﵁: " نفر من قدر الله إلى قدر الله "، ثم بعد ذلك جاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكان متغيباً في بعض حاجته، فحدثهم أن النبي ﷺ قال عن الطاعون: " إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه" (٢).
ولما سُئل الرسول ﷺ ، أريت رقى نسترقيها، وأدوية نتداوى بها، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال: "هي من قدر الله" (٣).
стр. 175
فبين ﷺ : " أن الأسباب التي تدفع بها المكاره هي من قدر الله ليس القدر مجرد دفع المكروه بلا سبب" (١).
فالمسلم يأخذ بالأسباب؛ لأنه مأمور بالأخذ بها، ويعمل وفق السنة لأنه مأمور بمراعاتها، لا لأنه يعتقد أن الأسباب والوسائل هي المنشئة للمسببات والنتائج، فهو يرد الأمر كله إلى خالق الأسباب، ويتعلق به وحده من وراء الأسباب، بعد أداء الواجب والسعي والعمل واتخاذ الأسباب امتثالاً وطاعة لأمر الله (٢).
ويعتقد أن هذا السبب من الله، وأن الله لو شاء لأبطل أثره، ولو شاء لأبقاه، وأنه لا أثر للسبب إلا بمشيئة الله (٣).
ويعلم أن الأخذ بالأسباب بمسبباتها، فربط المطر بوجود السحاب، وربط إنجاب الولد بالزواج، وربط دخول الجنة بالعمل الصالح، فالمسبَّب لا يقع إلا إذا وقع سببه، لكن قد يقع السبب، ويختلف عنه سببه لحكمة يعلمها الله تعالى، فقد يوجد السحاب ولا يوجد المطر، لكن لا يوجد مطر إلا بسحاب، وقد يوجد الزواج ولا يوجد الولد، لكن لا يوجد ولد إلا بجماع بالأسباب المعتادة.
"ذلك أن شأن الأسباب تحصل عند مسبباتها، وقد يختلف ذلك بمعارضة أسباب أخرى مضادة لتلك الأسباب الحاصلة في وقت واحد، أو لكون السبب الواحد قد يكون سبباً لأشياء متضادة باعتبارات فيخطئ تعاطي السبب
стр. 176
في مصادفة المسبب المقصود" (١).
ثم إن الله وإن كان خالقاً للأسباب التي تترتب عليها مسبَّباتها حسب سننه تعالى، فإن ما كان منها شراً فإنه لا ينسب إليه سبحانه كما قال ﷺ : " والخير كله في يديك والشر ليس إليك" (٢).
فالسبب" قبيحا من فاعله فلا يقتضى أن يكون قبيحا من خالقه، كما أن كونه أكلا وشربا لفاعله لا يقتضى أن يكون كذلك لخالقه؛ لأن الخالق خلقه في غيره لم يقم بذاته، فالمتصف به من قام به الفعل لا من خلقه في غيره، كما أنه إذا خلق لغيره لونا وريحا وحركة وقدرة وعلماً كان ذلك الغير هو المتصف بذلك اللون والريح والحركة والقدرة والعلم، فهو المتحرك بتلك الحركة، والمتلون بذلك اللون، والعالم بذلك العلم، والقادر بتلك القدرة، فكذلك إذا خلق في غيره كلاما أو صلاة أو صياما أو طوافا كان ذلك الغير هو المتكلم بذلك الكلام وهو المصلي وهو الصائم وهو الطائف، وكذلك إذا خلق في غيره رائحة خبيثة منتنة كان هو الخبيث المنتن ولم يكن الرب تعالى موصوفا بما خلقه في غيره" (٣).
стр. 177
المبحث الثالث: صلة الأسباب بالآيات الكونية
الكون كله أشياءه وأحياءه من خلق الله وإبداعه، أراده الله سبحانه فكان، وليس لشيء ولا لحي في هذا الكون من أمر الخلق ولا التدبير ولا المشاركة شيء بحال، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١).
كما أن هذا الكون قائم على أساس العدل والحق والنظام والإحكام، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (٣).
فهذا الكون العظيم خاضع لسنن تحكمه فتقوده لحكم عالية، وأغراض سامية، فليس بين هذه الأحداث والحوادث الجارية في هذا الكون ما هو خال عن حكمة متوخّاة، ولا ما هو جار على غير سنن ثابته تربطه بكل أجزاء الحياة، فكل هذا الكون يتم على مقتضى التقدير الأزلي الذي هو القضاء والقدر.
قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ
стр. 178
الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (١).
وفي آيات الله الكونية حقائق كثيرة تقف العقول حيارى أمامها، وقد تشهد آثارها ولا تستطيع تعرف كنهها، كحقيقة الروح والعقل.
"فمن أراد أن ينظر في خلق الله وقدرته عليه أن يذكر هذه الحقيقة، وهي ثبوت الحق والحكمة والنعمة في جميعها، وإمكان عجز عقله في بعض المواضع والأحوال عن إدراكها، فيكون عمله في خلق الله هو النظر والبحث والتحليل والاكتشافات واستجلاء الحقائق الكونية، واستخراج الفوائد العلمية والعملية إلى أقصى حد توصله إليه معلوماته وآلاته، حتى إذا انتهى إلى مشكل استغلق عليه اعترف بعجزه" (٢).
وقد دل القرآن على أن كل شيء يحدث بسب سواء كان هذا الحدث يتعلق بالجماد أو بالنبات أو بالحيوان أو بالإنسان أو بالأجرام السماوية أو الظواهر الكونية المادية المختلفة"فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسب، والله خالق الأسباب والمسبَّبات" (٣).
فمن الأسباب المادية قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤). ومن الأسباب المعنوية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٥).
стр. 179
والقرآن مملوء من ترتيب الأحكام الكونية والشرعية على الأسباب بطرق متنوعة (١).
والحوادث في عالم الكائنات سواء كانت من الذوات أو من الأفعال البشرية أو الحيوانية فلابد لها من أسباب متقدمة عليها، بها تقع في مستقر العادة، وعنها يتم كونها.
وكل واحد من هذه الأسباب حادث أيضا، فلابد له من أسباب أخر، ولا تزال تلك الأسباب مرتقية حتى تنتهي إلى مسبب الأسباب وموجدها وخالقها سبحانه لا إله إلا هو قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٢).
"وتلك الأسباب في ارتقائها تتفسح وتتضاعف طولا وعرضا ويحار العقل في إدراكها وتعديدها، فإذن لا يحصرها إلا العلم المحيط" (٣) - أي علم الله - قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٤).
ولا فرق في ذلك بين الحادث الذي يقع مرة واحدة، والحادث الذي يقع ملايين المرات فكلها تتوقف في بادئ الأمر على إرادة الخلق والإنشاء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٥)، فالخالق
стр. 180
هو الله ، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢).
وقد جعل الله لهذه الآيات الكونية أسباباً حسية وشرعية، جاء ذكرها في القرآن الكريم:
فالأسباب الكونية: هي ما أجراه الله من العادة من تعلق المسببات بأسبابها، فتراكم السحب سبب لنزول المطر، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (٣).
وفي بعض الظواهر الجوية جاء قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٤).
وفي أطوار النبات جاء قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٥).
وفي اختلاف الليل والنهار جاء قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ