← Акыда

Акыда · id 115127

الدلالات العقدية للآيات الكونية

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (702 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

رسول الله ﷺ إنما هو من الوحي الذي أوحاه الله تعالى إليه. وقد جاء في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أنه عندما سأل رسول الله ﷺ عن كتابة كل ما يسمعه منه فأوما ﷺ بأصبعه إلى فيه، وقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق" (١). فهذا يدل على أن كل ما جاء في السنة المطهرة حق لا شك فيه سواء كان إشارة إلى حقيقة علمية، أو قضية تاريخية عن نبي من الأنبياء، أو عن أحد من أهل زمانه أو غير ذلك، وهو موافق لما جاء في القرآن. ولما كان الأمر كذلك فلا بد أن تكون وجوه الإعجاز فيها هي نفس وجوه الإعجاز في القرآن الكريم اللهم إلا فيما كان راجعاً إلى الصفة الإلهية في القرآن الكريم كإعجازه اللغوي والنحوي والصرفي والأسلوبي (٢). ويمكن تقسيم الهدي النبوي تجاه هذه الآيات الكونية، كالتقسيم السابق للهدي القرآني تجاهها إلى ثلاثة أقسام رئيسة (٣):

стр. 107

القسم الأول: الهدي المتعلق بذات الآيات الكونية أولاً: بيان عبودية هذه الآيات الكونية لله وأنها تسبح له . أخبر النبي ﷺ عن عبودية هذه الآيات الكونية لربها، وأنها تسبحه وتلبي مع الملبي، عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل (١)، وقال ﷺ : " ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه، أو عن شماله من شجر أو حجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا" (٢)، فهذا إخبار بأن الحجر يلبي تلبية حقيقية. ثانياً: الإخبار عن بعض صفاتها وأعمالها . أخبر النبي ﷺ عن بعض صفات وأعمال هذه الآيات الكونية، فقال عن جبل أحد: "أحد جبل يحبنا ونحبه" (٣). وأخبر عن حجر كان يسلم عليه قبل مبعثه ﵊، فقال: "إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن" (٤).

стр. 108

القسم الثاني: الهدي المتعلق بطريقة السنة في عرضها للآيات الكونية وأسلوب ذكرها وإيرادها. أولاً: استعمال الاستفهام لتقرير الأمور الغيبية المتعلقة بالآية الكونية . كان من هدي النبي ﷺ في التعليم استخدام الاستفهام في بيان المسألة. فعن أبى ذر ﵁ قال دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس فلما غابت الشمس، قال: "يا أبا ذر هل تدرى أين تذهب هذه؟ " قال: قلت الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تذهب فتستأذن فى السجود فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها ارجعى من حيث جئت فتطلع من مغربها" (١). ثانياً: ضرب الأمثال بها . فمن أساليب تعليم النبي ﷺ ضرب الأمثال في الأمور المهمة بالأمور المحسوسة المعقولة (٢) فعن أبي هريرة ﵁: أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تضارون (٣) في الشمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا يا

стр. 109

رسول الله، قال: "فهل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه حجاب؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: "فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك" ... ثم ذكر حشر الناس يوم القيامة، ومن يجوز الصراط ثم قال: "وبه كلاليب مثل شوك السعدان. أما رأيتم شوك السعدان؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله". ثم ذكر صفة الذين يخرجون من النار من أهل السجود فقال: "فيُخرجونهم قد امتحشوا (١)، فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة فينبتون نبات الحبة (٢) في حميل السيل (٣) " الحديث (٤).

стр. 110

القسم الثالث: الهدي المتعلق بالغرض والغاية الذي سيقت لأجله تلك الآيات الكونية. أولاً: التوسل إلى الله بربوبيته لها (١): كان من هدي النبي ﷺ حينما كان يتوجه إلى ربه بالدعاء أن يذكر في دعائه خصائص الربوبية والأسماء والصفات الدالة على توحيد الإثبات والمعرفة، والتي لها علاقة بدلائل الآيات الكونية؛ لأنها من أعظم الدلائل على وحدانية الله سبحانه، فكان ﷺ يدعو عند الكرب فيقول: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم" (٢)، وكان ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم" (٣). ثانياً: بيان المسائل العقدية عند حدوث التغيرات الكونية . فمن هدي النبي ﷺ أن يبين بعض المسائل العقدية عند حصول تغيرات كونية، ويبين السبب في حدوث ذلك. فقد أخبر النبي ﷺ عند شدة الحر وشدة البرد أن هذه الشدة من فيح

стр. 111

جهنم، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم"، وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " واشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين، نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير" (١)، إلى غير ذلك. ثالثاً: التنبيه على المخالفات العقدية عند حدوث التغيرات الكونية: كان من هدي النبي ﷺ الواضح التنبيه على المخالفات العقدية خصوصاً عند وجود مناسبة لذلك، فلما كسفت الشمس في اليوم الذي توفي فيه ابنه إبراهيم، وكان من الاعتقادات في الجاهلية أن كسوف الشمس أو القمر يحصل عند موت عظيم أو حياته وربط بعض الصحابة هذه الآية بحالة الوفاة، قطع النبي ﷺ هذا الاعتقاد من أصله، فقال: "الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله فإذا رأيتموهما فصلوا" (٢). رابعاً: الأمر بالتوجه والتعلق بالله عند حدوث تغيرات كونية . فعند حصول أي تغير في هذه الآيات الكونية نجد أن الرسول ﷺ يحث أمته على التوجه إلى الخالق والتعلق به، مع بيانه أن هذه الآيات مربوبة مخلوقة يتصرف الله فيها كيف يشاء. ففي أحاديث الكسوف يأمر ﷺ بالإسراع إلى الصلاة والتوجه إلى الله سبحانه، وأن الجرمين السماويين الذي ينتج عنهم أثر الخسوف والكسوف ما هي إلا مأمورة بأمر خالقها تؤدي ما وجب عليها من فعل وليس

стр. 112

لها تأثير في حياة أو موت وإنما المحي والمميت هو خالقها سبحانه، ولذلك جاء في الحديث السابق: "فإذا رأيتم - يعني الكسوف- فصلوا وادعوا الله". خامساً: الخوف والوجل من الله عند حدوث التغييرات الكونية . فقد كانت حاله ﷺ بخلاف حال الناس، من الخوف من الله حتى يعرف ذلك من فعله وحاله، فلما كسفت الشمس قام فزعاً يخشى أن تكون الساعة (١). وعن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ ضاحكا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يبتسم، قالت: وكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف في وجهه، قالت: يا رسول الله، إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية؟ فقال: "يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟ عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (٢) " (٣).

стр. 113

المطلب الثالث: تأييد الله لأنبيائه بالآيات الكونية أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين، وحجة على العالمين، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (١)، وحتى لا يحتج أحد على الله فيقول: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ (٢). وما بعث الله رسولاً إلا أيده بالآيات الدالة على صدق رسالته وصحة دعواه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (٣)، وقال ﷺ : " ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة" (٤). فمعجزات الأنبياء هي الآيات التي يعجز الله بها البشر أن ياتوا بمثلها ويكون ذلك تأييداً لأنبيائه. قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " معجزات الأنبياء هي الآيات التي أعجزوا بها البشر أن يأتوا بمثلها والله تعالى يسميها آيات، وهي علامات دالة على صدق الرسل صلوات الله وسلامه عليهم فيما جاؤوا به من الرسالة" (٥). وقال ابن القيم ﵀ في بيان أن طريقة الاستدلال بالآيات الكونية

стр. 114

المأخوذة عن طريق الحس لمن شاهدها، واستفاضة الخبر لمن غاب عنها، وأنها من أقوى الطرق وأصحها، وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله، ودلالة ذلك على تأييد الله لأنبيائه: " وهذه الطريق من أقوى الطرق وأصحها، وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله، وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها، فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل، ودلالتها ضرورية بنفسها، ولهذا يسميها الله سبحانه آيات بينات، وليس في طرق الأدلة أوثق ولا أقوى منها، فإن انقلاب عصا تقلها اليد ثعبانا عظيما يبتلع ما يمر به ثم يعود عصا كما كانت من أدل الدليل على وجود الصانع وحياته وقدرته وإرادته وعلمه بالكليات والجزئيات، وعلى رسالة الرسول وعلى المبدأ والمعاد، فكل قواعد الدين في هذه العصا" ... ثم ذكر بعض الأمثلة، ثم قال: " وأمثال ذلك مما هو من أعظم الأدلة على الصانع وصفاته وأفعاله وصدق رسله واليوم الآخر" (١). وقال ابن سعدي ﵀ في بيان كيف يقرر القرآن نبوة محمد ﷺ ، وأنه يكون أحيانا عن طريق الآيات الكونية: " وتارة يقرر رسالته بما أظهر على يديه من المعجزات، وما أجرى له من الخوارق والكرامات، الدالِّ كل واحد منها بمفرده - فكيف إذا اجتمعت - على أنه رسول الله ﷺ ـ الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى" (٢). وقال أيضا في بيان آيات الرسل والفرق بينها وبين طلبات واقتراحات المكذبين، وكيف يكون تأييد الله لرسله: " القاعدة الخمسون: آيات الرسول: هي التي يبديها الباري ويبتديها، وأما ما أبداه المكذبون له

стр. 115

واقترحوه، فليست آيات، وإنما هي تعنتات وتعجيزات. وبهذا يعرف الفرق بينها وبين الآيات: وهي البراهين والأدلة على صدق الرسول وغيره من الرسل، وعلى صدق كل خبر أخبر الله به، وأنها الأدلة والبراهين التي يلزم من فهمها على وجهها صدق ما دلت عليه ويقينه" (١). وقد ذكر الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ في فوائد آيات الأنبياء ومعجزاتهم: "أنها دليل على قدرة الله، وأنها دليل على صحة ما جاءت به الرسل، وأنه لا يمكن للمرء إلا أن يصدق برسالة الرسول الذي جاء بها حيث جاء بما لا يقدر عليه أحد سوى الله " (٢). ثم بين من فوائد هذه الآيات أيضاً: " بيان رحمة الله بعباده، فإن هذه الآيات التي يرونها مؤيدة للرسل تزيد إيمانهم وطمأنينتهم لصحة الرسالة، ومن ثم يزداد يقينهم وثوابهم ولا يحصل لهم حيرة ولا شك ولا ارتباك" (٣). فرحمة الله بالرسول الذي أرسله حيث ييسر قبول رسالته بما يجريه على يديه من الآيات ليتسنى إقناع الخلق بأمور لا يستطيعون معارضتها ولا يمكنهم ردها إلا جحودا وعنادا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾، أي لما يرون من الآيات الدالة على صدقك. ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٤) أي ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم (٥). ومن الآيات التي حصلت للنبي محمد ﷺ تأييد له من الله : " ما

стр. 116

أظهره الله شاهداً على صدقه من الآيات الأفقية كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١)؟ . ولذلك أمثلة: المثال الأول: انشقاق القمر، فقد انشق القمر وصار فرقتين، وشاهد الناس ذلك، وقد أشار الله إلى ذلك في القرآن، فقال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ (٢) وقد أجمع العلماء على وقوع ذلك في عهد النبي ﷺ قبل الهجرة، وقد رآه الناس بمكة. وقال النبي ﷺ حين رآه: " اشهدوا اشهدوا" (٣)، وقدم المسافرون من كل وجه فأخبروا أنهم رأوه" (٤). والمثال الثاني: " نزول المطر باستسقائه مباشرة، وإقلاع المطر باستصحائه مباشرة" (٥)، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: " أصابت سنة - أي جدب - على عهد رسول الله ﷺ ، فبينا النبي ﷺ يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا. فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة (٦)، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي أو قال غيره، فقال: يا رسول الله، تهدم البناء

стр. 117

وغرق المال، فادع الله لنا. فرفع يديه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا" فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجوبة (١)، وسال الوادي وادي قناة (٢) شهراً، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود" (٣). ومن الآيات الكونية التي أخبر ﷺ بأنها ستقع، ووقعت كما أخبر: "إخباره ﷺ عن ظهور نار في أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى (٤)، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى" (٥). فقد خرجت هذه النار (٦) في جمادى الآخرة سنة ٦٥٤ هـ شرقي المدينة فأقامت نحواً من شهر وملأت تلك الأودية وشاهد الناس أعناق الإبل ببصرى" (٧). قال ابن تيمية ﵀: " وهذه النار كانت تحرق الحجر" (٨).

стр. 118

المطلب الرابع: الآيات الكونية وأركان الإسلام أولاً: الآيات الكونية والشهادتان: يزخر القرآن الكريم بالعديد من الآيات الكونية، وصور من نشأتها ومراحل تكونها، والسنن الإلهية التي تحكمها، وما يستتبعه كل ذلك من استخلاص للعبرة وتفهم للحكمة، وما يستوجبه من إيمان بالله، وشهادة بكمال صفاته وأفعاله، وهو الخالق البارئ المصور الذي أبدع الخلق بعلم وقدرة وحكمة. وهي مع ذلك دليل على صدق نبوة محمد ﷺ . قال ابن سعدي ﵀ بعد أن ذكر تقرير الله لربوبيته وإلهيته، وذكر الأدلة العقلية الأفقية الدالة على ذلك وعلى كماله، في أسمائه وصفاته، من الشمس والقمر، والسماوات والأرض وجميع ما خلق فيهما من سائر أصناف المخلوقات، وأخبر أنها آيات: "وحاصل ذلك أن مجرد خلق هذه المخلوقات بهذه الصفة، دال على كمال قدرة الله تعالى وعلمه وحياته وقيوميته. وما فيها من الإحكام والإتقان والإبداع والحسن دال على كمال حكمة الله وحسن خلقه وسعة علمه. وما فيها من أنواع المنافع والمصالح يدل ذلك على رحمة الله تعالى واعتنائه بعباده وسعة بره وإحسانه. وما فيها من التخصيصات دال على مشيئة الله وإرادته النافذة. وذلك دال على أنه وحده المعبود والمحبوب المحمود، ذو الجلال والإكرام والأوصاف العظام" (١). أما المكتشفات العلمية فهي دالة على الربوبية من جهة التفاصيل الدقيقة

стр. 119

المؤكدة على افتقار الكون إلى خالق مدبر، دون أن تكون معرفة هذه التفاصيل شرطاً في كمال اليقين، كما تعتبر هذه المكتشفات دالة على النبوة من جهة عدم تكذيبها لشيء مما جاء به النبي ﷺ (١). ثانياً: الآيات الكونية والصلاة (٢). إن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، ونجد أن لها ارتباطاً وثيقاً بالآيات الكونية، وأول ما يذكر الفقهاء من شروط الصلاة الوقت وتحديده، وهو مرتبط ببعض الآيات الكونية، فصلاة الظهر مثلاً إذا زالت الشمس، وصلاة المغرب إذا غربت وهكذا بقية الصلوات الخمس تعرف أوقاتها بهذه الآيات الكونية (٣). وأفضل الصلاة صلاة جوف الليل (٤). وصلاة العيد من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى الزوال (٥). وقد جاء النهي عن الصلاة في بعض الأوقات: عند طلوع الشمس حتى ارتفاعها قيد رمح، وعند غروبها لأن المشركين يسجدون لها، وعند انتصاف النهار لأن النار تسجر (٦).

стр. 120

ومن شروط الصلاة القبلة، وقد اتفق الفقهاء على أن الشمس والقمر والنجوم - وهي من الآيات الكونية - من دلائل القبلة التي تعرف بها (١)، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٢). وتشرع بعض الأحكام المتعلقة بالصلاة عند حصول بعض التغيرات الكونية، فيجوز الجمع بين الصلاتين عند نزول المطر (٣)، وفي شدة الحر يشرع تأخير صلاة الظهر (٤). وتشرع صلاة الاستسقاء إذا أجدبت الأرض واحتبس القطر (٥). والصلاة مشروعة إذا كسفت الشمس أو خسف القمر (٦)، مع تغير في صفتها عن الصلاة المعتادة حيث زيد في عدد الركوعات، فصلى النبي ﷺ صلاة الكسوف أربع ركوعات في ركعتين (٧). ولو تأملنا في نفس الصلاة لوجدنا أن النبي ﷺ في دعاء الاستفتاح يقول: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب" (٨). وفي صلاة الليل يقول في استفتاحه متوسلاً إلى الله بخلقه لهذه الآيات الكونية العظيمة: "فاطر السماوات والأرض" (٩).

стр. 121

وإذا رفع من الركوع قال: "الحمد لله ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما" (١)، إلى غير ذلك. ثالثاً: الآيات الكونية والزكاة: الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وتجب بشروط منها تمام الحول. وإذا أطلق الحول والسنة عند الفقهاء فالمراد به السنة القمرية، والسنة القمرية هي التي تعتمد على ظهور الهلال واختفائه في بداية الشهر ونهايته (٢). وترتبط بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالزكاة بالآيات الكونية، فيختلف مقدار الزكاة في الزروع والثمار بحسب السقي، ففيما سقت السماء والعيون العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر (٣). وتجب زكاة الفطر بغروب شمس أخر يوم من رمضان، فمن ولد قبل غروب الشمس من أخر شهر رمضان وجب على وليه إخراج زكاة الفطر عنه، ومن ولد بعدها فلا تجب عليه (٤). رابعاً: الآيات الكونية والصيام: الصيام هو الركن الرابع من أركان الإسلام، ويثبت دخول شهره وخروجه برؤية الهلال أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً. وقد ورد عند رؤية هلاله أدعية مأثورة عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة (٥).

стр. 122

والصوم المشروع هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس (١). والنية لصيام الفرض تبيت من الليل (٢). خامساً: الآيات الكونية والحج: الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وأول أشهر الحج شوال (٣)، ويثبت دخوله برؤية هلاله أو إكمال عدة رمضان ثلاثين يوماً، ويثبت دخول شهر ذي الحجة برؤية هلاله أو إكمال عدة ذي القعدة ثلاثين يوما .. ويستحب للمحرم الإكثار من التلبية إذا علا مرتفعاً، أو هبط وادياً، ومن أخر الليل (٤). وإذا طلعت الشمس اليوم التاسع دفع الحاج إلى عرفة، والسنة لمن جاء عرفة أن ينزل بنمرة كما فعل النبي ﷺ إلى أن تزيغ الشمس، فإذا زاغت صلى الظهر والعصر جمع تقديم، ثم أتى الموقف (٥). ومن وقف في عرفة من ليل أو نهار صح حجه، ومن لم يقف بعرفه حتى طلع الفجر يوم النحر فقد فاته الحج، والوقوف إلى غروب الشمس واجب، ويدفع الناس من عرفة بعد غروب الشمس (٦). ويبدأ الانصراف من مزدلفة للضعفة بعد مغيب القمر، وقيل بعد منتصف

стр. 123

الليل، ولغيرهم قبل طلوع الشمس (١). وقد قال النبي ﷺ في يوم النحر في حجة الوادع: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر بين جمادى وشعبان" (٢). ويبدأ رمى الجمرات بعد زوال الشمس من اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر لمن تأخر (٣). وإن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل غروب الشمس من اليوم الثاني عشر، وإن غربت الشمس وهو بها لم يخرج حتى يرمي من غد بعد الزوال (٤). فأنت ترى أن أعمال الحج لها ارتباط واضح بهذه الآيات الكونية، إما في بداية العمل أو نهايته أو خلاله.

стр. 124

الفصل الثالث: التفسير العلمي للآيات الكونية، والدراسات المستقبلية عنها وصلتها بالعقيدة . وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة. المبحث الثاني: مسائل متعلقة بالتفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة. المبحث الثالث: الآيات الكونية المستقبلية والدراسات حولها وصلتها بالعقيدة.

стр. 125

المبحث الأول: التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة . وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: المراد بالتفسير العلمي. المطلب الثاني: موقف العلماء من التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة. المطلب الثالث: موافقة الحقائق العلمية للقرآن والسنة. المطلب الرابع: المخالفات العقدية في التفسير العلمي للآيات الكونية.

стр. 126

المطلب الأول: المراد بالتفسير العلمي ظهر في أوائل القرن الرابع عشر الهجري مصطلح" التفسير العلمي للقرآن" وما في معناه من المصطلحات الحادثة، والتي تشير إلى تأويل أو تفسير القرآن بما يتفق مع النظريات العلمية أو الاكتشافات الحديثة. وأصل هذا التفسير كان قديماً في وقت الدولة العباسية؛ ولكنه في أول الأمر كان عبارة عن محاولات يُقصد منها التوفيق بين القرآن وما جَدَّ من العلوم، ثم وجِدت الفكرة مركَّزة وصريحة عند الغزالي (١)، ثم إن هذه الفكرة طُبِّقت علمياً وظهرت في مثل محاولات الفخر الرازي (٢) ضمن تفسيره للقرآن، ثم وجِدت بعد ذلك كتب مستقلة في استخراج العلوم من القرآن، وتتبع الآيات الخاصة بمختلف العلوم؛ ولكنها لم تكن مثل العصر الحديث كثرةً ولا مقارباً له (٣)، فراجت هذه الفكرة في العصر المتأخر رواجاً كبيراً،

стр. 127

ونتج عن ذلك مؤلفات كثيرة تعالج هذا الموضوع، كما أُلِّفت بعض التفاسير التي تسير على ضوء هذه الفكرة (١). تعريف التفسير العلمي: التفسير في اللغة: الفاء والسين والراء كلمة واحدة تدلُّ على بيان شيء وإيضاحه (٢)، وهو مصدر فسّر بتشديد السين، والفسر: الإبانة وكشف المغطى، والتفسير مثله، وهو كشف المراد عن اللفظ المشكل (٣). ويراد منه الإيضاح والتبيين، وقد ورد بهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (٤)، أي أحسن بياناً وتفصيلاً (٥). وفي الاصطلاح: علم يُعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمه، واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات ويحتاج لمعرفة

стр. 128

أسباب النزول والناسخ والمنسوخ (١). وقد وصف التفسير هنا بأنه علمي نسبة إلى العلم. والعلم: هو إدراك الأشياء على حقائقها، أو هو صفة ينكشف بها المطلوب انكشافاً تاماً (٢). وأما عند الماديين المحدَثين فهو خاص باليقينيات التي تستند على الحس وحده (٣). والمقصود بالعلم في هذا المقام: العلم التجريبي، وما يتعلق به من علوم الطبيعة الموجودة في الكون، مثل: الفيزياء، والكيمياء، وطبقات الأرض، وعلم الإحياء، وعلم البحار، وعلم الفلك، وغيرها (٤)؛ ولذلك فإنه لا بد من تمييز هذا التفسير عن سواه، فلو قيل: " التفسير العلمي التجريبي للقرآن الكريم"، أو" التفسير العلمي بالعلوم التطبيقية أو الطبيعية للقرآن الكريم"؛ وذلك حتى لا يفهم أن التفاسير الأخرى ليست علمية (٥). وقد عرف التفسير العلمي بعدة تعريفات (٦) تدور حول كون التفسير العلمي هو التفسير:

стр. 129

١ - الذي يُحكَّم الاصطلاحات العلمية في ألفاظ القرآن. ٢ - ويُخضعها له. ٣ - ويجتهد أو يحاول في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية منها. ٤ - ويربط بين الآيات الكريمة ومكتشفات العلوم التجريبية والفلكية والفلسفية، ويكشف الصلة بينهما على ضوء ما تنتجه المختبرات ومراكز البحث في العلوم الدقيقة من معارف وحقائق علمية بغض النظر عن صحة النظرية أو خطئها، وبعضهم يقيد ذلك بما ترجحت صحته، وبعضهم يقيد ذلك بما ثبتت صحته من النظريات. ٥ - ويُظهر إعجاز القرآن وبيان صلاحيته لكل زمان ومكان. وهذه التعريفات نجد أنها تصف التفسير العلمي: بأنه"تحكيم" أو"إخضاع" للمصطلحات العلمية في فهم القرآن، وهذه عبارة غير صحيحة؛ لأنها جعلت فهم القرآن مرتبطاً بهذه المصطلحات الحادثة وجعلته خاضعاً لها، كذلك أدخلت الآراء الفلسفية ضمن هذا التفسير الذي الأصل فيه أن يكون علمياً (١)، وبعض هذه التعريفات فسر الآيات القرآنية بالنظريات بغض النظر عن صحتها أو خطئها. ولعل الأقرب أن يقال في تعريف التفسير العلمي: هو الكشف عن تفاصيل معاني الآية في ضوء ما ثبتت صحته من نظريات العلوم الكونية التجريبية (٢).

стр. 130

الفرق بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي (١): سبق تعريف التفسير العلمي، أما الإعجاز العلمي فهو: يعني تأكيد الكشوف العلمية الحديثة الثابتة والمستقرة للحقائق الواردة في القرآن الكريم والسنة المطهرة بأدلة تفيد القطع واليقين باتفاق المتخصصين (٢)، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول ﷺ (٣). ومن خلال التعريف يتضح أن الفرق بينهما: أن التفسير العلمي كشف عن معاني الآية أو تفاصيلها، أما الإعجاز العلمي فهو إخبار القرآن الكريم أو السنة النبوية بحقيقة علمية أثبتها العلم أخيراً، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول ﷺ (٤).

стр. 131

المطلب الثاني: موقف العلماء من التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة . بعد ثورة المكتشفات العلمية في الغرب في جو معاد للدين منفلت منه، وما أوحت به هذه الحال إلى بعض أبناء المسلمين من أن دينهم هو سبب تخلفهم انتدب طائفة من العلماء لإبطال هذا الأمر المزيف، والتأكيد على أن الإسلام دين العلم ومن ذلك العلم التجريبي، وفي سبيل إثبات ذلك تكلموا في التفسير العلمي للقرآن، وأن كثيراً من المكتشفات العلمية الحديثة مضمنة في الكتاب والسنة. واعتبروا ذلك فتحاً جديداً يساهم في خدمة تفسير القرآن، ودليلاً من أدلة إعجاز القرآن الكريم يخدم نشر الدعوة الإسلامية. وقابلتهم طائفة أخرى ترى أن التفسير العلمي للقرآن الكريم غير صحيح في منهجه، وضار بالدعوة الإسلامية، وينحرف بالقرآن عن غايته ويندفع به إلى مجالات لا تحمد عقباها (١). وبناءاً على ذلك اختلفوا في التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن والسنة على قولين:

стр. 132

القول الأول: المنع (١). ومن أدلتهم: الدليل الأول: أن القرآن الكريم كتاب هداية، وأن الله لم ينزله ليكون كتاباً يتحدث فيه إلى الناس عن نظريات العلوم، ودقائق الفنون، وأنواع المعارف، وإنما القرآن في تناوله لتلك الحقائق العلمية يهدف إلى ما هو أعظم من ذلك بكثير، وهو هداية ودلالة الخلق للإيمان بالله وعبادته وحده لا شريك له (٢)، قال تعالى: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). الدليل الثاني: أن القرآن في أعلى درجات البلاغة، فإذا قلنا بأن القرآن متضمن لكل العلوم، وألفاظه محتملة لهذه المعاني المستحدّثة، للزم أن من

стр. 133

أنزل عليهم القرآن يجهلون هذه المعاني. وإن قيل: إنهم كانوا يعرفونها. قيل: فلِمَ لم يتكلموا بها وتظهر نهضتهم من لدن نزول القرآن الذي حوى علوم الأولين والآخرين؟ ولِمَ لم تقم نهضتهم على هذه الآيات الشارحة لمختلف العلوم وسائر الفنون؟ . الدليل الثالث: أن التفسير العلمي للقرآن والسنة يعرضهما للدوران مع مسائل العلوم في كل زمان ومكان، والعلوم لا تعرف الثبات ولا القرار ولا الرأي الآخر، وقد اعترف علماء المادة في هذا القرن: "بأن العلوم المادية لا تعطى إلا علما جزئيا عن الحقائق" (١)، بينما القرآن هو تلك الحقائق الإلهية العلوية، القارة، الثابتة، المنزلة من عند الله الذي وسع علمه كل شيء. الدليل الرابع: قالوا: أن المعرفة لمعاني كتاب الله إنما تؤخذ من هذين الطريقين: من أهل التفسير الموثوق بهم من السلف، ومن اللغة التي نزل القرآن بها وهي لغة العرب (٢). الدليل الخامس: قالوا في جوابهم عن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣)، وأنه يشمل جميع العلوم: أن المراد بالكتاب في الآية: اللَّوح المحفوظ، ولم يذكر المفسرون في معناها ما يقتضى تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية (٤). الدليل السادس: أن التفسير العلمي للقرآن يحمل أصحابه والمغرمين به على التأويل المتكلف، واللهث وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا

стр. 134

تستقر، ثم يؤدي ذلك في الوقت القريب أو البعيد إلى صراع بين العلم والدين. الدليل السابع: قالوا: أنه ينبغي الاستفادة من النظريات العلمية دون إقحامها على القرآن الكريم أو اعتبار أن القرآن مطالب بموافقتها كلما تغيرت من زمن إلى زمن ومن تفكير إلى تفكير (١).

стр. 135

القول الثاني: الجواز (١). ومن أدلتهم: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢)، وهذه العلوم داخلة في عموم الآية. الدليل الثاني: جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ سئل عن الحمر الأهلية - عن صدقتها- فقال: "ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٣) " (٤)، وقالوا: هذا نص يشهد أن كل ما دخل تحت نص قرآني عام يعتبر قد نص عليه القرآن (٥). الدليل الثالث: واستدلوا أيضاً ببعض الآثار الواردة عن السلف مثل قول عبد الله بن مسعود ﵁: " من أراد علم الأولين والآخرين فليثور (٦) القرآن" (٧).

стр. 136

الدليل الرابع: واستدلوا كذلك بأن القرآن هو حجة الله البالغة على عباده أجمعين، وهذه الحجة قائمة إلى يوم الدين، والإعجاز العلمي والتفسير العلمي في هذه الحجة يعجز الملحدون عن أن يجدوا فيه موضعا للتشكيك لأنه دليل عقلي محسوس. الدليل الخامس: قالوا: إن القرآن الكريم يحتوي على كثير من الآيات الكونية، ويتوقف على فهمها في ضوء الحقائق العلمية تيسير الدعوة إلى دين الله في هذا العصر، عصر العلم (١). وقد وضع المجيزون لهذا النوع من التفسير بعض الضوابط والحدود، - وإن كان بعضهم لم يلتزم بها-، منها (٢): ١ - ضرورة التقيد بما تدل عليه اللغة العربية. ٢ - البعد عن التأويل في بيان إعجاز القرآن. ٣ - أن لا تُجعل حقائق القرآن موضع نظر، بل تجعل هي الأصل: فما وافقها قبل، وما عارضها رفض. ٤ - أن لا يفسر القرآن إلا باليقين الثابت من العلم، لا بالفروض والنظريات.

стр. 137

الترجيح (١): بالتأمل في القولين السابقين يتضح أن القائلين به من أهل الإسلام لا يريدون شيئاً إلا أن يثبتوا للعالم أجمع أن القرآن من عند الله، وأن منزله هو خالق الكون الذي وسع علمه كل شيء، وقد ضمنه هذه الحقائق العلمية، وأنهم بقدر ما يفعلون من ذلك يضيفون إلى أمجاد القرآن أمجاداً، وإلى براهين صدقه شيئاً جديداً. والمعارضون له يقولون: إن المقررات العلمية تكون عرضة للتبديل والتغيير، وهم لا يريدون أن يربطوا القرآن وتفسيره بعجلة المتغير، وكفى القرآن شرفاً ومجداً أنه حث على العلم والبحث والنظر ولم يقف حجرة عثرة في سبيل التقدم العلمي والفكري (٢). وليعلم المسلمون أن كتاب الله غني في إثبات صدقه عن العلوم الطبيعية التجريبية، لما فيه من النور والهدى، والشرائع الكاملة، والفصاحة البالغة، وغيرها من أوجه الإعجاز التي عدها العلماء (٣). وليس باللازم أن كل حقيقة علمية أو كل معلومة علمية تجد لها في القرآن

стр. 138

أصلاً؛ لأن القرآن لم يوضع لهذا. وعلى هذا يمكن أن يقال: أن التفسير العلمي للقرآن مرفوض إذا اعتمد على النظريات العلمية التي لم تثبت ولم تستقر ولم تصل إلى درجة الحقيقة العلمية. ومرفوض إذا خرج بالقرآن عن لغته العربية. ومرفوض إذا صدر عن خلفية تعتمد العلم أصلاً وتجعل القرآن تبعاً. ومرفوض إذا خالف ما دل عليه القرآن في موضع آخر أو دلت عليه السنة الصحيحة (١). وهو مقبول بشرط (٢) أن يدل نص الكتاب أو السنة على الحقيقة العلمية بطريق من طرق الدلالة الشرعية، وأن لا يخالف أصلاً في الشرع، وأن لا يتذرع به لنصرة بدعة، وأن يدل الواقع على صحة هذا التفسير. وأن يكون هذا التفسير وفقا لقواعد اللغة العربية ومقاصد الشارع وأصول التفسير، وأن لا يخرج عن أقوال السلف، ولا يضادها، مع عدم الجزم بهذا التفسير. وأن يكون ممن رزقه الله علماً بالقرآن الكريم وعلماً بالسنن الكونية من أهل العلم الشرعي الأصيل وعلوم القرآن واللغة والعقيدة (٣) ..

стр. 139

المطلب الثالث: موافقة الحقائق العلمية للقرآن والسنة القرآن كلام الله والكون خلق الله، ولا يمكن أن يتعارض كلامه وخلقه، قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (١). هذا ما يجب على كل مسلم أن يعتقده ويدين به، حتى يسلم له دينه، ولا يرتاب فيه، وأن لا يحمل القرآن كل نظرية علمية (٢). ولذا فلابد من هذه القاعدة الأصلية الراسخة وهي أنه لا" يكون في القرآن نص صريح يصادم حقيقة علمية ثابتة إلا إذا أخطا الناس في فهم الآية القرآنية أو جهلوا الحقيقة العلمية؛ لأنه لا تعارض بين القرآن والعلم مطلقاً" (٣). وكل ما يقال فيه أنه مخالف للحقائق العلمية فإنه لا يعدو أحد الاحتمالات التالية: ١ - إما أن يكون الذي نسب إلى العلم لم يصل إلى مرحلة العلم المقطوع به، كالنظريات التي لم تتأكد بعد، أو التي لا سبيل إلى إثباتها بأدلة علمية يقينية. ٢ - وإما أن يكون النص غير صحيح. ٣ - وإما أن يكون الفهم الذي فهم منه النص فهم خاطئ، أو حمل

стр. 140

عباراته على اصطلاحات لفظية حادثة (١). أما أن يكون النص قطعي الثبوت، وقطعي الدلالة، ثم يخالف الحقيقة والواقع فهذا غير موجود حتما، وليس من الممكن أن يوجد قطعاً (٢). ثم يقال لمن يحاول أن يوفق بين القرآن والسنة وبين الحقائق العلمية ويتكلف في ذلك حسبكم أن لا يكون في القرآن نص صريح يصادم حقيقة علمية ثابتة، وحسب القرآن أنه يمكن التوفيق بينه وبين ما جَدَّ ويَجِدّ من نظريات وقوانين علمية تقوم على أساس من الحق، وتستند إلى أصل من الصحة (٣). "ولا بد من الانتباه لما يدعيه الماديون أن فرضية من الفرضيات، أو نظرية من النظريات قد أصبحت حقيقة علمية غير قابلة للنقض أو التعديل، مع أن هذه النظرية لا تملك أدلة إثبات تجعلها حقيقة نهائية أو حقيقة موثقا بها. فهذه الحقائق حقائق غير نهائية، ولا قاطعة، وهي مقيدة بحدود تجارب

стр. 141

الإنسان، وظروف هذه التجارب وأدواتها، هذا بالقياس إلى الحقائق العلمية، والأمر واضح بالقياس إلى النظريات والفروض التي تسمى علمية، فهذه ليست حقائق علمية حتى بالقياس الإنساني، وإنما هي نظريات وفروض، كل قيمتها أنها تصلح لتفسير أكبر قدر من الظواهر الكونية إلى أن يظهر فرض أخر يفسر قدراً أكبر من الظواهر، أو يفسر تلك الظواهر تفسيراً أدق، ومن ثم فهي قابلة دائماً للتغيير والتعديل والنقص والإضافة؛ بل قابلة لأن تنقلب رأساً على عقب، بظهور أداة كشف جديدة، أو بتفسير جديد لمجموعة الملاحظات القديمة! " (١).

стр. 142

المطلب الرابع: المخالفات العقدية في التفسير العلمي للآيات الكونية من خلال الدراسة والتتبع لبعض تفسير الآيات الكونية في القرآن والسنة بالتفسير العلمي ظهر بعض المخالفات العقدية منها: أولاً: اتهام الجيل الأول من المسلمين- وفيهم رسول الله ﷺ بالخطأ في فهم شيء من القرآن ، أو خفائه عليهم (١)، مع أنهم أعلم الناس بما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ ، وكذلك التنقص لتفاسير السلف. ثانياً: فتح باب الاستدلال بالاحتمالات والظنيات والمتغيرات على المطالب اليقينية من توحيد الربوبية والنبوة والبعث ، وهذا يجعل المسلم يشك في دينه وفي كتاب ربه جل وعلا (٢)، " مع أن المطالب العقدية الكبرى لم يجعلها الله خاضعة للعلم التجريبي ولا يجوز الاستدلال عليها بوجوه هزيلة أو محتملة أو غامضة أو معقدة أو مشكوك فيها، خاضعة لاجتهاد الناس واختلاف قدراتهم وإمكاناتهم؛ وذلك أنها مطالب يقينة لا تحتمل الظنون والريب، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (٣) " (٤).

стр. 143

ثالثاً: ظن بعض الناس أن العلم - الذي يزعمونه- هو المهيمن والقرآن تابع ، ولذا فهم يحاولون تثبيت القرآن بهذا العلم، أو الاستدلال له من هذا العلم، مع أن القرآن كتاب كامل في موضوعه، ونهائي في حقائقه ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١)، وهذا العلم المزعوم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس (٢). رابعاً: زعم بعضهم بأن ما ذكر في القرآن من حجج أنه غير كاف، وأنه إنما يصلح للأميين والأعراب ، أما مع تقدم العلم العصري فإنه لا بد من حجج أخرى تدل الناس في عصر العلم إلى الإيمان (٣)، مع التركيز على أن الإعجاز العلمي والتفسير العلمي هما الوسيلة المقنعة للدعوة إلى الإسلام، وأن الوسائل الأخرى لم تعد تحرك في الناس ساكناً؛ لأننا في عصر العلم! (٤). وفي المقابل جعل بعضهم الآيات الكونية في القرآن والسنة مثار شبهات وتأويلات كثيرة في روايتها، وفي صحتها، وفي دلالتها، وأن هذه الآيات الكونية لم تكن لإقامة الحجة على نبوة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام- (٥)، وإنكارهم لتلك الآيات وأن الأنبياء لا يأتون بغير المعقول! ولا بما يبدل سنة الله ونظامه في الكون (٦).

стр. 144

خامساً: حصر دلالة المراد بالآيات الكونية على وجود الله ، وتوحيد الربوبية، وإثبات النبوة والبعث، مع عدم ذكرهم أو نسيانهم لتوحيد الألوهية ومسائل التوحيد والإيمان الأخرى، مع أن هذه الآيات الكونية والاكتشافات التفصيلية المتعلقة بها دالة على توحيد الربوبية ولو لم تكن جاءت في النص القرآني والسنة النبوية (١). ولهذا فإن المنهج الصحيح في الاستدلال بالمكتشفات العلمية على الربوبية أن يسن بها سنة ما ذكر في القرآن من دلالة المخلوقات على الخالق، فهي تدل على وجود الخالق وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته وجميع صفاته وكماله، دلالة الأثر على المؤثر، والصنعة على الصانع بما فيها من أمارات الحدوث وشواهد الإرادة المخصصة (٢). سادساً: الظن بأن توحيد الربوبية هو المطلوب للفلاح عند الله ، ولذا تجد التركيز عليه عند غالب من تكلم في هذا الموضوع مع عدم ربطه بما يستلزمه من توحيد الألوهية (٣). سابعاً: صرف الناس عن الغرض الأساس والمطلب الرئيس من القرآن وأنه كتاب هداية وإرشاد إلى أغراض أخرى (٤). ولكن هذا لا يعني ألا ننتفع بما يكشفه العلم من نظريات، ومن حقائق

стр. 145

عن الكون والحياة والإنسان في فهم القرآن (١)، قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (٢). ثامناً: التأويل المستمر- مع التمحل والتكلف- لنصوص القرآن وحملها على الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر، وكل يوم يجد فيها جديد (٣). تاسعاً: رد بعض الأحاديث الصحيحة أو تصحيح بعض الأحاديث الضعيفة بحجة أن التفسير العلمي لهذه الآيات الكونية يخالف أو يوافق ما ذكر في هذه الأحاديث (٤). عاشراً: إحداث طريقة مبتدعة لإثبات وجود الخالق وربوبيته وإثبات النبوة لم يكن عليها السلف ، وذلك بالنظر في المخلوقات والمعجزات على مقتضى قواعد وأصول محدثة (٥). مثل قول بعضهم: إن الرسالة لا تثبت إلا بعد النظر والتفحص لآيات الأنبياء، ثم نشهد لهم بذلك.
следующие страницы →