← Акыда

Акыда · id 115127

الدلالات العقدية للآيات الكونية

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (702 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ذلك، فإن الرعد مصدر رعد يرعد رعداً، وكذلك الراعد يسمى رعداً، كما يسمى العادل عدلا. والحركة توجب الصوت، والملائكة هي التي تحرك السحاب، وتنقله من مكان إلى مكان. وكل حركة في العالم العلوي والسفلي فهي عن الملائكة. وصوت الإنسان هو عن اصطكاك أجرامه الذي هو شفتاه، ولسانه، وأسنانه ولهاته، وحلقه، وهو مع ذلك يكون مسبحا للرب، وآمرا بمعروف وناهيا عن منكر، فالرعد إذًا صوت يزجر السحاب" (١). سادساً: الإيمان بالرسل: الصواعق جند من جند الله يؤيد بها رسله، وقد بعث النبي ﷺ رجلاً مرة إلى رجل من فراعنة العرب يدعوه إليه، فذهب إليه، وقال: يدعوك رسول الله ﷺ . قال: وما الله؟ أمن ذهب هو أو من فضة أو من نحاس؟ فأخبر النبي ﷺ بذلك، فأرسل إليه النبي ﷺ مراراً، وهو يقول مثل هذا، فأرسل الله عليه صاعقة فذهبت بقحف (٢) رأسه (٣)، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (٤) "أي يرسلها نقمَةً ينتقم بها ممن يشاء" (٥).

стр. 352

سابعاً: الإيمان باليوم الآخر: في بيان حال الناس يوم القيامة عند مرورهم على الصراط بحسب أعمالهم بين النبي ﷺ أن أولهم يمر كالبرق، ففي حديث أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " فيأتون محمدا ﷺ ، فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتى الصراط يمينا وشمالا فيمر أولكم كالبرق". قال: قلت بأبي أنت وأمي: أي شيء كمر البرق؟ قال: " ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرجال، تجرى بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجئ الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا - قال -: وفى حافتى الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج، ومكدوس فى النار" (١). وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون: اللهم سلم سلم، قيل يا رسول الله: وما الجسر؟ قال دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد، فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاود الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم" (٢). ثامناً: الإيمان بالقدر: من مراتب الإيمان بالقدر الإيمان بمشية الله، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن.

стр. 353

وقد أخبر الله أنه يصيب بالصواعق من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، وأن ذلك بحسب ما اقتضاه حكمه القدري (١)، قال تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (٢). تاسعاً: مسائل الأسماء والأحكام: بين الله في أول سورة البقرة أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مؤمنين خلص، وكفار خلص، ومنافقين. وهؤلاء المنافقون قسمان: خلص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون، تارة يظهر لهم لمع من الإيمان وتارة يخبو وهم أصحاب المثل المائي (٣) -الذي ذكر الله فيه الرعد والبرق والصواعق- قال تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤). وقد استدل أهل السنة والجماعة بهذه الآية على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان، وشعبة من نفاق، إما اعتقادي مخرج عن الإسلام، أو عملي لا يخرج عن الإسلام (٥).

стр. 354

عاشراً: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال: ضرب الأمثال: من منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال ضرب الأمثلة لتوضيح الحقائق وتقريبها، وقد ضرب الله مثلاً في أول سورة البقرة للإسلام وحال المنافقين، - ذكر فيه الرعد والبرق والصواعق-، قال تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (١). فالمطر الإسلام، وقلوب المنافقين في حال شكهم وكفرهم وترددهم كالمطر من السماء الذي فيه ظلمات ورعد وبرق، والظلمات ما فيه من البلاء والمحن، والرعد: ما فيه من الوعيد والمخاوف في الآخرة؛ فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع، ، والبرق ما فيه من الوعد والوعيد، وما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان، من نور الإيمان. والصواعق: جمع صاعقة، وهي نار تنزل من السماء وقت الرعد الشديد. ثم قال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ (٢) " لشدته وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم، وعدم ثباتها للإيمان ... فكلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه، وتارة تعْرِض لهم الشكوك أظلمت قلوبهم فوقفوا حائرين" (٣).

стр. 355

المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -الرعد والبرق والصواعق -: أولاً: اعتقاد أن البرق أحد أسلحة الآلهة: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية اعتقاد أن البرق أحد أسلحة الآلهة الباطلة، فقد ظن قدماء الإغريق والرومان أن البرق هو أحد أسلحة الآلهة. وفي بعض المجتمعات الإفريقية كانوا يعتقدون أن الناس والأماكن التي يصيبها البرق ملعونة. وحتى القرن الثامن عشر، كان بعض الناس في أوروبا وأمريكا يعتقدون بإمكان تفادي حدوث البرق إذا دقوا أجراس الكنائس (١). ثانياً: اعتقاد أن قوس قزح (٢) هو إله الرعد والبرق عند العرب:

стр. 356

من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات اعتقاد أن قوس قزح هو إله الرعد والبرق والمطر عند العرب (١). ثالثاً: بعض الأدعية والأقوال المخالفة: ومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -الرعد والبرق والصواعق- ذكر بعض الأدعية والأقوال المخالفة، منها: ١ - قول"غضبت السماء" عند نزول الصواعق: في سؤال وجه لفضيلة الشيخ عبد الرحمن البراك - حفظه الله-: "هل تصح هذه العبارة (غضبت السماء)؟ وهي تكثر عند الأدباء والشعراء". فأجاب بقوله: " الذي يظهر أن هذه العبارة تقال إذا نزلت شهب أو صواعق مرعبة أو بَرَد مدمر أو طوفان مغرق، فهذه الأمور يجوز أن يقال عنها: إنها نقم سماوية أو مصائب سماوية، على معنى أنها جاءت من جهة السماء، وأما أن تنسب إلى غضب السماء فلا يجوز، لأن ذلك يتضمن أن السماء تغضب، ولا دليل على هذا، ويتضمن أن هذه الكوارث بفعل السماء، وليس كذلك، بل هي بفعل الله، فيلزم منه الشرك في الربوبية، وإذا أريد بقول القائل: (غضبت السماء) التجوز بذلك عن غضب الله، فهو أقبح، فإنه يتضمن إضافة صفة الله إلى غيره، أو تشبيه غيره تعالى به، وبكل حال فلا يجوز استعمال هذه العبارة، والله أعلم. ويشبه هذه العبارة قول بعضهم (عدالة السماء)، يريد بها الأحكام الشرعية، المشتملة على غاية العدل والحكمة" (٢).

стр. 357

الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية: ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها: ١ - الرعد والبرق والصواعق فوق السماء السابعة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " رأيت ليلة أسري بي، لما انتهينا إلى السماء السابعة، فنظرت فوقي، فإذا أنا برعد وبرق وصواعق". الحديث (١). ٢ - البرق والرعد والصواعق غضب من الله: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا سمع الرعد والصواعق قال: "اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "قال ربكم : لو أن عبيدي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولما أسمعتهم صوت الرعد" (٣).

стр. 358

المبحث السادس المطر والثلج والبرد المطر في اللغة: الميم والطاء والراء أصل صحيح فيه معنيان: أحدهما الغيث النازل من السماء، والآخر جنس من العدو. فالأول المطر، ومطرنا مطرا. وقال ناس: لا يقال أمطر إلا في العذاب، قال الله تعالى: ﴿أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ (١). وتمطر الرجل: تعرض للمطر. ومنه المستمطر: طالب الخير. والثاني قولهم: تمطّر الرجل في الأرض، إذا ذهب. والمتمطّر: الراكب الفرس يجري به. وتمطّرت به فرسه: جرت (٢). وفي الصحاح: المطر: واحد الأمطار. ومطرت السماء تمطرا مطرا، وأمطرها الله، وقد مطرنا. وناس يقولون: مطرت السماء وأمطرت بمعنى. ومطر الرجل في الأرض مطورا، أي ذهب. وتمطّر مثله. ويقال: ذهب البعير فلا أدرى من مطّر به (٣). وفي الاصطلاح: المطر شكل من أشكال قطرات الماء المتساقطة. وتتشكل قطرات المطر عندما تتحد قطيرات الماء في السحب، أو عندما تنصهر أشكال التساقط مثل الجليد والمطر الثلجي والبَرَد. وتسقط الأمطار

стр. 359

على معظم أنحاء العالم، ويكون التساقط في المناطق المدارية على شكل أمطار. أما في القارة المتجمدة الجنوبية وفي بعض الأماكن الأخرى في العالم فيكون التساقط ثلجًا. وتتفاوت قطرات المطر في أحجامها تفاوتًا كبيرًا، كما تتفاوت في سرعة سقوطها (١). والمطر في القرآن على وجهين (٢): أحدهما: المطر المعروف. ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ (٣). والثاني: الحجارة. ومنه قوله تعالى في قصة قوم لوط: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ (٤). الثلج في اللغة: الثاء واللام والجيم أصل واحد، وهو الثلج المعروف. ومنه تتفرع الكلمات المذكورة في بابه. يقال أرض مثلوجة إذا أصابها الثلج (٥). وفي الاصطلاح: الثلج ماء متجمّد يتكون عندما تنخفض درجة حرارة المياه إلى درجة الصفر المئوية على أسطح البحيرات، والأنهار، والشوارع والأرصفة المبتلة. ويعد الجليد، والمطر الثلجي، والصقيع، والبَرَد صورًا من الثلج (٦).

стр. 360

البرد في اللغة: الباء والراء والدال أصول أربعة: أحدها خلاف الحر، والآخر السكون والثبوت، والثالث الملبوس، والرابع الاضطراب والحركة. وإليها ترجع الفروع (١). والبرَد بالتحريك: حب الغمام، وحب المزن (٢). وفي الاصطلاح: البَرَدُ مطر جامد ينزل من السماء على شكل كتل جليدية كروية، أو غير منتظمة، وتُسمى هذه الكتل حبُّ البرد. ويتراوح حجم هذه الكتل، بين حجم حبة البازلاء، وحجم البرتقالة، ويمكن أن يكون أكبر من ذلك (٣). وقد ورد لفظ المطر في القرآن في (٦) مواضع (٤)، ولفظ الثلج لم يرد في القرآن، ولفظ البرد في موضع واحد (٥). وورد المطر في السنة في (٤٩) حديثاً (٦).

стр. 361

الدلائل العقدية للآيات الكونية - المطر والثلج والبرد - (١): المطر والثلج والبرد من آيات الله الكونية، وقد ذكر الله إنزال المطر في معرض الامتنان على عباده، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢)، وفي موضع آخر بعد أن ذكر إنزال المطر من السماء نهى عن جعل الند له ، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣). "والله سبحانه إنما يدعو عباده إلى النظر والفكر في مخلوقاته العظام لظهور أثر الدلالة فيها وبديع عجائب الصنعة والحكمة فيها واتساع مجال الفكر والنظر في أرجائها" (٤)، قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥). أولاً: وجود الله: قد أمر الله بالتفكر في آياته المشاهدة المحسوسة ومنها المطر، قال

стр. 362

تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١)، وقد سبق نقل كلام ابن القيم ﵀ على هذه الآية (٢)، وأن الأمور المذكورة فيها" مرتبة بالأبصار، مشاهدة بالحس فإذا نظر فيها ببصر قلبه - وهو عقله - استدل بها على وجود الرب تعالى وقدرته وعلمه ورحمته وحكمته، وإمكان ما أخبر به من حياة الخلائق بعد موتهم كما أحيا هذه الأرض بعد موتها، وهذه أمور لا تدرك إلا ببصر القلب - وهو العقل - فإن الحس دل على الآية، والعقل دل على ما جعلت له آية، فذكر سبحانه الآية المشهودة بالبصر، والمدلول عليه المشهود بالعقل" (٣). ثانياً: توحيد الربوبية: قد بين الله عظيم قدرته في مخلوقاته وأنه الخالق لها المتصرف فيها، ومن ذلك ما ذكره الله عن المطر والبرد في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٤)، فمن أدلة عظمته وربوبيته أنه يسوق السحاب قطعا متفرقة، ثم يؤلف بين تلك القطع، فيجعله سحابا متراكما مثل الجبال، فينزل منه المطر وينتفع به الناس، وتارة ينزل الله من

стр. 363

ذلك السحاب بردا يتلف ما يصيبه بحسب ما اقتضاه حكمه القدري، وحكمته التي يحمد عليها، فالذي أنشأها وساقها لعباده المفتقرين، وأنزلها على وجه يحصل به النفع وينتفي به الضرر، كامل القدرة، نافذ المشيئة، واسع الرحمة" (١). ومن آيات الله التي يستدل بها على توحيد الربوبية"إنزال المطر الذي تحيا به البلاد والعباد، وقبل نزوله مقدماته من الرعد والبرق الذي يُخاف ويُطمع فيه، فهذه الآيات دالة على عموم إحسانه وسعة علمه وكمال إتقانه، وعظيم حكمته وأنه يحيي الموتى كما أحيا الأرض بعد موتها" (٢)، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٣). وكان من هدي النبي ﷺ أن يفسر عن ثوبه عند نزول المطر، فسئل عن ذلك فقال: "إنه حديث عهد بربه" (٤) أي قريب العهد بخلق الله تعالى له (٥)، قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٦). ومن أدلة ربوبية الله استجابته لدعاء الداعي، ومن مواطن الاستجابة عند نزول المطر (٧)، قال ﷺ : " ثنتان لا تردان، أو قل ما تردان، الدعاء عند

стр. 364

النداء، وتحت المطر" (١). أما الاستمطار وهو: "عملية إسقاط المطر من السحب بطريقة علمية بحته تُجْرَى على السحب المتكوِّنة في الجو. ويسمى أيضًا تطعيم السحب. يستخدم الناس هذه الطريقة، لزيادة كمية المياه بمنطقة معيَّنة، أو لتوفير المياه للري، أو لتوليد الطاقة الكهربائية من المحطات الكهرومائية. وتُستخدم أيضًا لمنع سقوط الأمطار الغزيرة، في المناطق الزراعية خوفًا من تلف المحاصيل" (٢)، فهذا لا يتم إلا في ظروف خاصة كتوفر السحب، ودرجة معينة لها، إلى غير ذلك من الشروط، ولا يزال العلماء غير قادرين على إثبات أثرها العلمي في كل الحالات (٣). وعلى هذا فإنه يجب الإيمان بأن الله تعالى هو الذي ينزل المطر في كل الأحوال، والإنسان بما يسميه الاستمطار الصناعي لم يصنع المطر، ولم يسقطه إلى الأرض، بل يتسبب من خلال ما وفقه الله وهداه إليه من العلم ببعض السنن الكونية التي جعلها الله تعالى في هذا الكون على توفير سبب نزول المطر، ويبذل سبباً، والأمر إلى الله تعالى أولاً وأخراً، إن شاء انزل المطر، وإن شاء منعه.

стр. 365

ثالثاً: توحيد الأسماء والصفات: ١ - صفة الرحمة: المطر من رحمة الله (١)، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، ثم قال: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٣) وكان النبي ﷺ إذا رأى المطر يقول: "رحمة" (٤). ٢ - حكمة الله: إن التأمل والتفكر في هذه الآيات الكونية - المطر والثلج والبرد - يدل على حكمة الله ، " في نزول المطر على الأرض من علو ليعم بسقيه وهادها وتلالها وظرابها وآكامها ومنخفضها ومرتفعها، ولو كان ربها تعالى إنما يسقيها من ناحية من نواحيها لما أتى الماء على الناحية المرتفعة إلا إذا اجتمع في السفلى وكثر، وفي ذلك فساد فاقتضت حكمته أن سقاها من فوقها ... ثم أنزله على الأرض بغاية من اللطف والحكمة التي لا اقتراح لجميع عقول الحكماء فوقها فأنزله ومعه رحمته على الأرض ... ثم تأمل الحكمة البالغة في إنزاله بقدر الحاجة حتى إذا أخذت الأرض

стр. 366

حاجتها منه وكان تتابعه عليها بعد ذلك يضرها اقلع عنها وأعقبه بالصحو" (١)، ولو استمر أحدهما -المطر أو الصحو - لحصل الفساد والضرر. "فاقتضت حكمة اللطيف الخبير أن عاقب بين الصحو والمطر على هذا العالم فاعتدل الأمر وصح الهواء ودفع كل واحد منهما عادية الأخر واستقام أمر العالم وصلح" (٢). ٣ - صفة العلو: سبق بيان أن من هدي النبي ﷺ أنه يحسر عن ثوبه عند نزول المطر (٣)، وعندما سئل عن ذلك قال: "إنه حديث عهد بربه"، لأنه نزل من جهة العلو (٤). وهذا من الأدلة التي فيها إثبات علو الله تعالى، وأنه فوق السماوات، وقد ذكر هذا الحديث الذهبي - رحمه- في كتابه العلو في سياق الأحاديث الدالة على علو الله (٥)، ولو كان على ما يقول المبتدعه من أن الله " في كل مكان، ما كان المطر أحدث عهداً بالله من غيره من المياه والخلائق" (٦). ٤ - الصفات الفعلية الاختيارية: الله يفعل ما يشاء ويختار، فهو سبحانه يفعل ما يشاء في أي وقت شاء، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي

стр. 367

الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (١)، وفي الحديث السابق أن النبي ﷺ قال عن المطر: "إنه حديث عهد بربه"، وذلك أن الله يخلق ما يشاء، وهذا المطر خلقه الله تعالى في حين نزوله، ويستفاد من ذلك"ثبوت الأفعال الاختيارية لله التي تقع بمشيئته" (٢). رابعاً: توحيد الألوهية: من منهج القرآن الكريم في تقرير توحيد الألوهية الاستدلال عليه بالربوبية؛ فإن الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، ومن ذلك الاستدلال على المشركين عباد الأصنام الذين يقرون بأن الله هو الخالق، - وبأنه الذي ينزل المطر وينبت الشجر - على إفراد الله بتوحيد العبادة، " والقرآن مناد عليهم بذلك محتج بما أقروا به من ذلك على صحة ما دعتهم إليه رسله" (٣)، قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (٥). فإذا كان الله هو الذي يفعل ذلك وحده، فهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، وأن تجعل جميع العبادات له وحده، وأن غيره مما

стр. 368

عبد من دون الله فألوهيته باطلة (١). ١ - التبرك: قد سمى الله المطر رحمة، وجعله مباركاً، وطهوراً، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ (٣). وعن أنس ﵁ قال: أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر، قال: فحسر رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر فقلنا: يا رسول الله: لم صنعت هذا؟ قال: "لأنه حديث عهد بربه تعالى" (٤). فهو حديث عهد بربه أي بتكوين ربه إياه، والمعنى أن المطر رحمة وهو قريب العهد بخلق الله تعالى فيتبرك بها (٥). خامساً: الإيمان بالملائكة: من الإيمان بالملائكة الإيمان بما ورد من أعمالهم في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ (٦)، ومن أعمالهم إنزال المطر، والموكل بذلك هو ميكائيل ﵇ (٧).

стр. 369

سادساً: الإيمان بالرسل: من دلائل نبوة نبينا محمد ﷺ استجابة الله لدعائه بنزول المطر (١)، عن أنس بن مالك ﵁: " أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائما ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغثنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلْع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت، قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائما، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر فانقلعت وخرجنا نمشى في الشمس" (٢). وهذا من دلائل نبوة محمد ﷺ " وعظيم كرامته على ربه بإنزال المطر سبعة أيام متوالية متصلا بسؤاله من غير تقديم سحاب ولا قزع ولا سبب آخر لا ظاهر ولا باطن" (٣).

стр. 370

سابعاً: الإيمان باليوم الآخر: من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ مما يكون فيه، ومن ذلك الحوض، وفي وصف النبي ﷺ وصفه له بأنه أشد بياضاً من الثلج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إن حوضى أبعد من أيلة من عدن، لهو أشد بياضا من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم" (١). ثامناً: الإيمان بالقدر: من مراتب الإيمان بالقدر الإيمان بمشية الله، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن. وقد أخبر الله أنه يسوق السحاب قطعا متفرقة، ثم يؤلف بين تلك القطع فيجعله سحاباً متراكباً مثل الجبل، ثم ينزل منها البرد، فيصيب به من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، وأن ذلك بحسب ما اقتضاه حكمه القدري (٢)، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ (٣). وأخبر النبي ﷺ أنه ما من ساعة من ليل ولانهار إلا والسماء تمطر فيها، يصرفه الله حيث يشاء، فعن المطلب بن حنطب ﵁ أن النبي ﷺ قال: " ما

стр. 371

من ساعة من ليل ولا نهار إلا السماء تمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء " (١). تاسعاً: الإيمان بالغيب: إن للآيات الكونية ارتباطاً وثيقاً بعلم الغيب، حيث أن أوقات حدوثها لا يعلمه إلا الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢). وقد بين النبي ﷺ أن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وذكر منها المطر، فعن عبدالله ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله" (٣). عاشراً: مسائل الأسماء والأحكام: سبق الكلام في المبحث السابق - الرعد والبرق والصواعق (٤) - أن الله بين في أول سورة البقرة أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مؤمنين خلص، وكفار خلص، ومنافقين. وهؤلاء المنافقون قسمان: خلص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون، تارة يظهر لهم لمع من الإيمان وتارة يخبو وهم أصحاب

стр. 372

المثل المائي (١)، قال تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢). وقد استدل أهل السنة والجماعة بهذه الآية على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان، وشعبة من نفاق، إما اعتقادي مخرج عن الإسلام، أو عملي لا يخرج عن الإسلام (٣). الحادي عشر تكفير الذنوب: كان من هدي النبي ﷺ إذا افتتح صلاته أن يسأل الله أن يطهره الله من الخطايا بالماء والثلج والبرد، عن أبي هريرة ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة- قال: أحسبه قال: هنية - فقلت بأبي وأمي يا رسول الله: إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد" (٤). وذلك أن" الخطايا توجب للقلب حرارة ونجاسة وضعفا فيرتخي القلب وتضطرم فيه نار الشهوة وتنجسه؛ فإن الخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذي يمد النار ويوقدها، ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نار القلب

стр. 373

وضعفه، والماء يغسل الخبث ويطفئ النار، فإن كان باردا أورث الجسم صلابة وقوة، فإن كان معه ثلج وبرد كان أقوى في التبريد وصلابة الجسم وشدته فكان أذهب لأثر الخطايا" (١). وكذلك كان النبي ﷺ يدعو للميت بذلك، فعن عوف بن مالك ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: "اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر - أو من عذاب النار -، قال: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت" (٢). فجعل" الخطايا بمنزلة نار جهنم لأنها مستوجبة لها بحسب وعد الشارع، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (٣)، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيدا في الإطفاء وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيا عن الماء إلى أبرد منه وهو الثلج، ثم إلى أبرد من الثلج وهو البرد بدليل جموده؛ لأن ما هو أبرد فهو أجمد" (٤).

стр. 374

الثاني عشر: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال: ضرب الأمثال: من منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال ضرب الأمثلة لتوضيح الحقائق وتقريبها، وقد سبق في المبحث السابق - الرعد والبرق والصواعق (١) - أن الله ضرب مثلاً في أول سورة البقرة للإسلام وحال المنافقين، - ذكر فيه المطر -، قال تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (٢). "فالمطر الإسلام، وقلوب المنافقين في حال شكهم وكفرهم وترددهم كالمطر من السماء الذي فيه ظلمات ورعد وبرق" (٣). وأخبر النبي ﷺ أن الفتن تقع خلال البيوت كمواقع المطر، فعن أسامة ﵁ قال: أشرف النبي ﷺ على أطم (٤) من آطام المدينة فقال: "" هل ترون ما أرى؟ " قالوا: لا. قال: " إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كمواقع المطر " (٥). والتشبيه بمواقع المطر: في الكثرة والهرم (٦).

стр. 375

وضرب النبي ﷺ في بيان خيرية الأمة مثلاً بالمطر، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره" (١). ومعناه أن الدين"كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه إلى من بعدهم، كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها، وتثبيت الناس على السنة وروايتها وإظهارها، والفضل للمتقدم. وكذلك الزرع الذي يحتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني، ولكن العمدة الكبرى على الأول، واحتياج الزرع إليه آكد، فإنه لولاه ما نبت في الأرض، ولا تعلق أساسه فيها" (٢).

стр. 376

المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -المطر والثلج والبرد -: أولاً: نسبة المطر إلى الكواكب: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية نسبة المطر إلى الكواكب، عن زيد ابن خالد ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله: عام الحديبية، فأصابنا مطر ذات ليلة، فصلى لنا رسول الله ﷺ الصبح، ثم أقبل علينا، فقال: " أتدرون ماذا قال ربكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال: قال الله: أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر بي، فأما من قال: مطرنا برحمة الله، وبرزق الله، وبفضل الله، فهو مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنجم كذا وكذا، فهو مؤمن بالكوكب، كافر بي" (١). وسبق بيان حكم نسبة المطر إلى الكواكب، وأنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام (٢): القسم الأول: نسبة الفعل للكوكب، وادعاء أنه هو يفعل بذاته فهذا كفر أكبر؛ لأن الخلق والأمر لله وحده. القسم الثاني: اعتقاد أن الفعل من عند الله، مع نسبته إلى الكوكب والنوء نسبة سبب، فهذا من الشرك الأصغر. القسم الثالث: جعل الأنواء علامة على المطر مع عدم نسبته إليه لا قولاً ولا اعتقاداً، وهذا جائز.

стр. 377

ثانياً: قصر احتباس المطر على الأسباب المادية: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية قصر احتباس المطر على الأسباب المادية، ونسبة ذلك إلى طبائع الأماكن الأرضية والرياح (١) دون اعتقاد أن ذلك قد يكون بسب الذنوب والمعاصي، وأن ذلك ابتلاً أو اختباراً من الله لعباده ليعلم سبحانه من يصبر ويحتسب ويرجع إلى ربه، ومن يقنط ويسخط من قضاء الله (٢)، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤)، قال ابن قدامة (٥) ﵀: " فإن المعاصي سبب الجدب، والطاعة تكون سبباً للبركات" (٦).

стр. 378

ثالثاً: تحريف قوله ﷺ عن المطر" حديث عهد بربه ": من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية تحريف قوله ﷺ : " حديث عهد بربه" (١)، وأن المراد به ظهور متعلق الإرادة، وأن إرادة الله قديمة (٢). وأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله فعال لما يريد، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٤). فالله متصف بصفة الإدارة ولم يزل متصف بتلك الصفة، وإرادة الله جل وعلا متجددة، فما من شيء يحدث في ملكوت الله إلا وقد شاءه الله جل وعلا حال كونه وأراده، كما أنه جل وعلا شاءه في الأزل وأراده. فمشيئته في الأزل بمعنى إرادة إحداثه في الوقت الذي جعل الله جل وعلا ذلك الشيء يحدث فيه، لكن من حيث تعلقها بالمعين هذا متجددة (٥). وفي هذا الحديث إثبات الأفعال الاختيارية لله (٦).

стр. 379

الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية: ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها: ١ - المطر بالليل بسب طاعة الله: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "قال ربكم : لو أن عبيدي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولما أسمعتهم صوت الرعد". سبق تخريجه وبيان ضعفه (١). ٢ - النهي عن الإشارة إلى المطر والبرق: عن عروة بن الزبير ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا رأى أحدكم البرق أو الودق فلا يشر إليه، وليصف ولينعت" (٢). قال الشافعي ﵀: لم تزل العرب تكره الإشارة إليه في الرعد، ولعل ذلك خوفا من الصواعق (٣).

стр. 380

المبحث السابع: الريح والرياح الريح في اللغة: أصل الياء في الريح الواو، وإنما قلبت ياء لكسرة ما قبلها (١)، والريح: الغلبة والقوة (٢) في قوله تعالى: ﴿فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (٣). والريح: الهواء إذا تحرك (٤)، ونسيم الهواء، وكذلك نسيم كل شيء، وهي مؤنثة (٥). والريح: واحدة الرياح والأرياح، وقد تجمع على أرواح، لأن أصلها الواو، وإنما جاءت بالياء لانكسار ما قبلها، فإذا رجعوا إلى الفتح عادت إلى الواو، كقولك: أروح الماء، وتروحت بالمروحة. ويقال: ريح وريحة، كما قالوا: دار ودارة (٦). والرياح بلفظ الجمع تطلق ويراد بها الخير، والريح بلفظ المفرد تطلق ويراد بها العذاب أو الشر غالبًا إلا إذا قيد هذا المفرد بوصف خرج عن هذه القاعدة (٧).

стр. 381

قال القرطبي: " فمن وحد الريح فلأنه اسم للجنس يدل على القليل والكثير. ومن جمع فلاختلاف الجهات التي تهب منها الرياح. ومن جمع مع الرحمة ووحد مع العذاب فإنه فعل ذلك اعتبارا بالأغلب في القرآن، نحو: ﴿الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ (١)، و ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ (٢)، فجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب، إلا في يونس في قوله: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ (٣) " (٤). وفي الاصطلاح: الرياح هواء متحرّك عبر سطح الأرض (٥)، وتموجات مكونات الغلاف الجوي من غازات وأبخرة وغبار حسب العوامل والمؤثرات. "وتحدث الرياح نتيجة التسخين غير المتساوي للغلاف الجوي، عن طريق الطاقة المنبعثة من الشمس. تُسخِّن الشمس سطح الأرض بطريقة غير متساوية، فالهواء الذي يعلو المناطق الحارة يتمدد ويرتفع، ويحل محله هواء من المناطق الأبرد، وتسمى هذه العملية دورة. فالدورة فوق الأرض بكاملها تسمى الدورة العامة، بينما تسمى الدورات النسبية الصغرى والتي يمكن أن تتسبب في حدوث تغيرات في الرياح يومًا بعد يوم، الدورات النسبية الشاملة للرياح.

стр. 382

أما الرياح التي من الممكن أن تحدث في مكان واحد فقط، فإنها تسمى الرياح المحلية" (١). وذكر بعض المفسرين أن الريح في القرآن على ثلاثة أوجه (٢): أحدها: الريح نفسها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ (٥). والثاني: الرائحة. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ (٦). والثالث: القوة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (٧). وقد ورد لفظ الريح في القرآن في (١٧) موضعًا، ولفظ الرياح في (١٠) مواضع (٨). وورد لفظ الريح والرياح في السنة في (٨٠) حديثاً (٩).

стр. 383

الدلائل العقدية للآية الكونية - الريح والرياح -: الريح والرياح من آيات الله الكونية، وقد ذكرها الله ممتن بها على عباده، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢). فهذه آيات عظيمة كثيرة دالة على القدرة القاهرة، والحكمة الباهرة، والرحمة الواسعة، وتصريف الرياح في هاتين الآيتين هي من الأمور التي امتن الله بها على عباده دالة من تفكر فيها وتأملها أن وراءها خالقاً حكيما (٣). وقد جعلها الله أحد جنوده المسخرين تأتمر بأمره وتنتهي بنهيه، يأمرها بالخير فتكون السحاب وتسوقه إلى حيث يشاء ثم ينزل المطر، ويأمرها فتلقح الأشجار والسحاب. ويأمرها فتلطف الجو وتحسنه، ويأمرها بغير ذلك مما شاء فتلحق الضرر والدمار بمن يشاء، إلى غير ذلك من مزاياها وخصائصها. "وهذه الريح فيها من المصالح ما لا يعلمه إلا الله، فتأمل مثلاً: كم سخر للسحاب من ريح حتى أمطر، فسخرت له المثيرة أولاً فتثيره بين السماء

стр. 384

والأرض، ثم سخرت له الحاملة التي تحمله على متنها كالجمل الذي يحمل الراوية، ثم سخرت له المؤلفة فتؤلف بين كِسفه وقطعه، ثم يجتمع بعضها إلى بعض فيصير طبقا واحدا، ثم سخرت له اللاقحة بمنزلة الذكر الذي يلقح الأنثى فتلقحه بالماء ولولاها لكان جهاما لا ماء فيه، ثم سخرت له المزجية التي تزجيه وتسوقه إلى حيث أمر فيفرغ ماءه هنالك، ثم سخرت له بعد إعصاره المفرقة التي تبثه وتفرقه في الجو فلا ينزل مجتمعا ولو نزل جملة لأهلك المساكن والحيوان والنبات بل تفرقه فتجعله قطرا" (١). أولاً: توحيد الربوبية: من آيات الله الدالة على قدرته وتدبيره وسلطانه، تسخيره البحر لتجري فيه الفلك بأمره، وإجرائه الهواء بقدر ما يحتاجون إليه لسيرهم، وتصرفه سبحانه في هذه الريح التي لو شاء لأسكنها حتى لا تتحرك السفن، بل تظل راكدة لا تجيء ولا تذهب، بل واقفة على ظهره. قال تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢). أي تقليبها في مهابها: قبولاً ودبوراً وجنوباً وشمالاً، وفي أحوالها: حارةً وباردةً وعاصفةً ولينة، وتارة مبشرة بين يدي السحاب، وطوراً تسوقه، وأوانةً تجمعه، ووقتاً تفرقه، وحيناً تصرفه. وتارة بالرحمة وتارة بالعذاب (٣)، آية من آيات الله يتصرف فيها، وذلك مما لا يقدر عليه أحد إلا الله، فلو أراد كل من في العالم قلب الريح من الشمال إلى الجنوب أو إذا كان الهواء ساكنًا أن

стр. 385

يحركه لتعذر (١)، وهذا من أدلة ربوبيته . قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (٢). "فهو سبحانه إذا شاء جعل الريح ساكنة فوقفت، وإن شاء أرسلها ريحًا قوية عاتية، فأخذت السفن وأحالتها عن سيرها المستقيم، فصرفتها ذات اليمين أو ذات الشمال، آبقة لا تسير على طريق، ولا إلى جهة مقصد؛ ولكن من لطفه ورحمته أنه يرسله بحسب الحاجة" (٣)، وهذا دليل على كمال قدرته وسلطانه (٤). وأخبر تعالى أنه مالك كل شيء، وأن كل شيء سهل عليه، يسير لديه، وأن عنده خزائن الأشياء من جميع الصنوف، وأنه ينزل من هذه الخزائن بقدر معلوم كما يشاء ويريد، لما له في ذلك من الحكمة البالغة، والرحمة بعباده. وأنه وحده تعالى يرسل الرياح اللواقح (٥)، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٦).

стр. 386

ثانياً: توحيد الأسماء والصفات: صفة الرحمة: الرياح من المبشرات برحمة الله، وهي كذلك تسير الفلك وهذا من رحمة الله (١)، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ (٣) وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: "الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب فلا تسبوها، وسلوا الله من خيرها وتعوذوا به من شرها" (٤). والروح"بفتح الراء بمعنى الرحمة كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٥)، أي يرسلها الله تعالى من رحمته لعباده" (٦). ثالثاً: توحيد الألوهية: من منهج القرآن الكريم في تقرير توحيد الألوهية الاستدلال عليه

стр. 387

بالربوبية؛ فإن الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، ومن ذلك الاستدلال على المشركين الذين يقرون بأن الله هو الخالق المتصرف في الكون على إفراد الله بتوحيد العبادة، والإخلاص في جميع الأحوال. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (١). فالمشركون يتركون ما كانوا يعبدون من دون الله لعلمهم أنهم ضعفاء عاجزون عن كشف الضر، ويصرخون بدعوة فاطر الأرض والسماوات -الذي تستغيث به في شدائدها جميع المخلوقات- وأخلصوا له الدعاء والتضرع في هذه الحال (٢)، فإذا كان الله هو الذي يفعل ذلك وحده، وهو الذي يخلصهم من شر هذه الريح؛ فهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، وأن تجعل جميع العبادات له وحده، وأن غيره مما عبد من دون الله فألوهيته باطلة (٣). ولذلك يشرع للمسلم إذا عصفت الريح أن يقول ما حدثت به عائشة ﵂ أن النبي ﷺ إذا عصفت الريح قال: "اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به" (٤).

стр. 388

وقد أمر النبي ﷺ بالاستعاذة بالله عند شدة الريح، فعن عقبة بن عامر ﵁ قال: بينا أنا أسير مع رسول الله ﷺ بين الجحفة والآبواء؛ إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة، فجعل رسول الله ﷺ يتعوذ بـ: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (١)، و ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (٢)، ويقول: " يا عقبة! تعؤذ بهما؛ فما تعوذ متعوذ بمثلهما! ". قال: وسمعته يؤمنا بهما في الصلاة (٣). ومن الدلائل السماوية على ألوهية الله أن الله يرسل الرياح بين يدي السحاب الذي فيه مطر، يغيث به عباده المجدبين الأزلين القنطين، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، ثم قال تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤) أي أإله مع الله فعل هذا، فيستحق أن يعبد! . فإذا كان الله هو الذي يفعل هذا الأمر وحده إذا فهو المستحق للعبادة وحده (٥). وقد ذكر الله من الأدلة على تفرده بالإلهية تفرده بالخلق والملك والتصرف، ومما ذكر تصريف الرياح، تارة تأتي بالرحمة وتارة تأتي بالعذاب، تارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه، ثم تارة تأتي من الجنوب، وتارة من الشمال، وتارة من الشرق، وتارة من الغرب (٦)، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ

стр. 389

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١). وفي تعداد الآيات الدالة على تفرد الله بالألوهية في سورة فاطر بعد أن ذكر الله خلق السماوات والأرض، ذكر الرياح مستدلًا" بتصريف الأحوال بين السماء والأرض -وذلك بإرسال الرياح وتكوين السحاب وإنزال المطر" (٢) - على ألوهيته، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (٣) الآيات. رابعاً: الإيمان بالرسل: الريح من جند الله، يعز الله بها أولياءه، ويذل بها أعداءه، أكرم الله تعالى بها أنبيائه ونصرهم بها، فأكرم الله بها سليمان ﵇ (٤)، قال تعالى ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ (٦). ونصر بها نبينا ﷺ والمؤمنين، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ

стр. 390

بَصِيرًا﴾ (١)، وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور (٢) " (٣). ومن دلائل نبوة الأنبياء وصدقهم نصر الله لهم على أعدائهم وإهلاكهم، وقد أخبر الله أنه أهلك بعض الأمم المكذبة للرسل بإرسال الريح عليهم، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ (٥). وفي تسلية الله لنبيه ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه أخبر الله أنه عذب القوم المجرمين بالريح التي فيها عذاب اليم (٦)، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا
следующие страницы →