← Акыда

Акыда · id 115127

الدلالات العقدية للآيات الكونية

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (702 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الطرف الأول: غلا في إثبات الأسباب، وأن هذه أمور طبيعية. والطرف الثاني: أنكر الأسباب، ورد جميع ما قاله أهل الهيئة من حق وباطل. والوسط: أن كسوف الشمس له أسباب حسية يقدرها الله ، وأنه آية يخوف الله بها عبادة. وأن أسباب الكسوف وحسابه والنظر في ذلك ليس من علم الغيب، وأن حدوث الكسوف آية يخوف الله بها عبادة، وأن ذلك لا يتعارض مع الأسباب الحسية ومعرفتها. وأنه ليس من شرط التخويف أن لا يكون له سبب. وأن التخويف الذي يحصل لأهل الإيمان من هذه الآية من وجوه متعددة، أوضحها: أن ذلك مذكر بالكسوفات التي تكون بين يدي الساعة، ويمكن أن يكون ذلك الكسوف منها، ولذلك قام النبي ﷺ فزعًا يخشى أن تقوم الساعة، وكيف لا وقد قال الله : ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (١)؟ . وكذلك يقال في خسوف القمر، وأنه آية من آيات الله يخوف الله به عباده. سادساً: الجزم بوقوع الخسوف: سبق في المبحث السابق: الشمس (٢) أن من المخالفات العقدية الجزم بوقوع الكسوف، وبيان أن معرفة وقوع الكسوف لا يلزم منه وقوعه، وأن أخبار الحسابين كأخبار بني إسرائيل، لا تصدق ولا تكذب. وكذلك يقال في خسوف القمر، وأنه لا يجوز الجزم بوقوعه، وأن أمر الحسابين في ذلك لا يصدق، ولا يكذب.

стр. 317

سابعاً: إنكار انشقاق القمر: إن من دلائل نبوة محمد ﷺ انشقاق القمر له ﵊، وقد أنكر كفار قريش ذلك، وقالوا: إنه سحر (١)، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة. قال: فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السّفَّار، فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. قال: فجاء السّفَّار فقالوا: ذلك" (٣). ثامناً: سب القمر: سبق في المبحث السابق: الشمس (٤) بيان أن من المخالفات العقدية سب الشمس، وذكر الحديث الوارد في ذلك، وفيه النهي أيضاً عن سب القمر، فعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تسبوا الليل ولا النهار، ولا الشمس ولا القمر، ولا الرياح فإنها ترسل رحمة لقوم، وعذابا لقوم" (٥).

стр. 318

وبيان أن سبها يعود على خالقها، وأن الله تعالى قال في الحديث القدسي: "يؤذني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر اقلب الليل والنهار" (١). تاسعاً: استقبال القمر عند الدعاء كاستقبال القبلة عند الصلاة: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية استقبال الهلال عند الدعاء كما تستقبل القبلة عند الصلاة، "وكل ذلك لا يجوز؛ لما تقرر في الشرع أنه لا يستقبل بالدعاء إلا ما يستقبل بالصلاة" (٢). عن على ﵁ قال: "إذا رأى أحدكم الهلال فلا يرفع به رأسا، بل يكفي أحدكم أن يقول: ربي وربك الله" (٣). وعن ابن عباس ﵄ " أنه كره أن ينتصب للهلال، ولكن يعترض فيقول: الله أكبر الحمد لله الذي أذهب هلال كذا وكذا، وجاء بهلال كذا وكذا" (٤).

стр. 319

الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية: ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها: ١ - سحر القمر: عن ابن عباس ﵄ قال: "كُسِفَ القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: سُحِر القمر، فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (١) " (٢). ٢ - الشمس والقمر ثوران عقيران في النار: سبق في المبحث السابق: الشمس (٣) بيان ضعف الحديث الوارد في ذلك وأنه لا يصح. ٣ - خشوع القمر عند تجلي الله: في بعض ألفاظ حديث الكسوف: "إن الشمس والقمر خَلْقان من خَلْق الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله إذا تَجَلى لشيء من خلقه خشع له". وسبق في المبحث السابق: الشمس بيان ضعف هذالزيادة في الحديث وأنها لا تصح (٤).

стр. 320

المبحث الرابع: النجم النجم في اللغة: النون والجيم والميم أصلٌ صحيح يدلُّ على طلوع وظهور، ونَجَمَ النَّجمُ: طَلَعَ، ونجم السن والقرنُ: طلعا. والنجم الثريا، اسم لها. وإذا قالوا طلع النجم، فإنهم يريدونها. وليس لهذا الحديث نجم، أي أصل ومَطْلَع (١). وفي الصحاح: النجم: الكوكب. والنجم الثريا، وهو اسم لها علم، فإذا قالوا طلع النجم يريدون الثريا، وإن أخرجت منه الألف واللام تَنَكّر (٢). وفي الاصطلاح: النَّجمة كرة ضخمة من غاز متوهج في السماء (٣). وفي الموسوعة الفلكية: النجم: كرة غازية مضيئة، وذات درجة حرارة عالية (٤). النوء في اللغة: نوى: النون والواو والحرف المعتلّ أصلٌ صحيح يدلُّ على معنيين: أحدهما مَقْصَدٌ لشيء، والآخر عَجَمُ شيء. وبالهمز كلمةٌ تدلُّ على النُّهُوض وناءَ ينوءُ نوءاً: نَهَضَ .... والنَّوْءُ من

стр. 321

أنواءِ المطَر كأنَّه ينهَض بالمطر (١). وفي الصحاح: نوأ: ناء ينوء نوءا: نهض بجهد ومشقة. وناء: سقط وهو من الأضداد، والنوء: سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع رقيبه من الشرق يقابله من ساعته، والجمع أنواء (٢). الكوكب في اللغة: في معجم مقاييس اللغة: معنى كوكب في مادة"كب"، وهذا الباب أصل صحيح يدل على جمع وتجمع، ولا يشذ منه شيء، يقال لما تجمع من الرمل كُباب، ومن الباب كوكب الماء وهو معظمه ... والكوكب يسمى كوكباً من هذا القياس (٣). وفي الصحاح: الكوكب النجم، يقال كوكب وكوكبة، كما قالوا: بياض وبياضة، وعجوز وعجوزة. وكوكب الشئ: معظمه (٤). وقد ورد لفظ النجم في القرآن في (٤) مواضع، وبلفظ الجمع في (٩) مواضع (٥)، أما لفظ النوء فلم يرد في القرآن. وأما لفظ الكوكب فقد ورد في القرآن في (٣) مواضع، وبلفظ الجمع في موضعين (٦). وقد وردت النجوم والكواكب في السنة في (٦٠) حديثاً (٧).

стр. 322

الدلائل العقدية للآية الكونية - النجم -: النجم آية من آيات الله التي تدل على خالقها وعلى قدرته وعلمه وحكمته، فهو آية عظيمة على عظمة الرب وكبريائه، وقد ذكرها الله ضمن جملة من آياته في سورة النحل، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١)، ثم قال: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢). وقد سبق في المبحثين السابقين - عن الآيتين الكونية الشمس والقمر (٣) - كلام ابن القيم ﵀ بأن الله لم يقسم بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر. "وهو سبحانه يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لتضمنه الآيات والعجائب الدالة عليه، وكلما كان أعظم آية وأبلغ في الدلالة كان إقسامه به أكثر من غيره، ولهذا يعظم هذا القسم" (٤) كقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (٦).

стр. 323

أولاً: وجود الله: سبق في المبحثين السابقين - الشمس والقمر- (١) الاستدلال بهما في مناظرة إبراهيم ﵇ على قومه على وجود الله ووحدانيته، وأنه المستحق للعبادة (٢)، وكذلك استدل إبراهيم ﵇ بالكوكب - وهو النجم- من ضمن أدلته على وجود الله وأنه المستحق للعبادة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣). وهذه النجوم التي خلقها الله، وجعلها مصابيح وزينة للسماء، وعلامات يهتدى بها، "من أدل الدلائل على وجود الخالق وقدرته وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيته" (٤). ثانياً: توحيد الربوبية: الرب هو الخالق المدبر المتصرف، والله يخبر أنه رب السماوات والأرض وما بينهما، ومن ذلك النجوم (٥)، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ

стр. 324

يَعْقِلُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣)، فدلائل"التسخير والاضطرار عليها من لزومها حركة لا سبيل لها إلى الخروج عنها، ولزومها موضعا من الفلك لا تتمكن من الانتقال عنه، واطراد سيرها على وجه مخصوص لا تفارقه البتة أبين دليل على أنها مسخرة مقهورة على حركاتها، محركة بتحريك قاهر لا متحركة بإرادتها واختيارها" (٤). فلا تصرف لها في نفسها بوجه ما، بل ربها وخالقها سبحانه يتصرف بها كيف شاء، وهذا من أدلة ربوبية الله ووحدانيته، ومن أعظم الأدلة"وأوضحها على أن العالم مخلوق لخالق حكيم قدير عليم، قدره أحسن تقدير، ونظمه أحسن نظام، وأن الخالق له يستحيل أن يكون اثنين، بل إله واحد لا إله إلا هو، تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا" (٥). وقد أخبر الله بأنه رب الشعرى - وهو نجم-، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ (٦)، "وخصها الله بالذكر، وإن كان رب كل شيء، لأن هذا النجم مما عبد في الجاهلية، فأخبر تعالى أن جنس ما يعبده المشركون

стр. 325

مربوب مدبر مخلوق، فكيف تتخذ إلها مع الله" (١). وأقسم الله بالنجوم، وعظم ذلك القسم، قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (٢)، وهو" سبحانه إنما يقسم من مخلوقاته بما هو من آياته الدالة على ربوبيته ووحدانيته" (٣). ثالثاً: توحيد الألوهية: قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٤)، لما ذكر تعالى ما خلقه من المخلوقات العظيمة - ومنها النجوم-، وما أنعم به من النعم العظيمة، ذكر أنه لا يشبهه أحد، وأنه الخالق لجميع المخلوقات، وهو الفعال لما يريد، فكما أنه المنفرد بالخلق والتدبير فهو أحق بالعبادة كلها، وهو واحد في خلقه وتدبيره وواحد في إلهيته وتوحيده وعبادته (٥). ١ - اليقين والإخلاص: سبق في المبحثين السابقين الشمس والقمر (٦) بيان أن رؤية الآيات الكونية - ومنها الشمس والقمر- والتفكر فيها يزيد القلب يقيناً وإيماناً، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٧)، "أي نريه ذلك ليكون عالماً وموقناً" (٨).

стр. 326

وبيان قول إبراهيم ﵇ بعد غياب الشمس والقمر، وأنه تبرأ من الشرك، ووجه وجهه لله ، مخلصاً له. وفي أول الآيات ذكر الله قول إبراهيم ﵇ عن الكوكب - وهو النجم-، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (١). ثم ذكر بعدها توجه إبراهيم ﵇ إلى ربه، وبراءته من الشرك وإخلاصه العبادة للذي فطر السماوات والأرض: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) ٢ - القسم: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا يجوز له أن يقسم إلا بالخالق وأسمائه وصفاته (٣). وقد أقسم الله تعالى بالنجم عند هويّه أي سقوطه في الأفق في أخر الليل، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤)، كما أقسم تعالى بالسماء وما جعل فيها من النجوم فقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ (٥). " لأن في ذلك من آيات الله العظيمة، ما أوجب أن أقسم به" (٦)، وغاية

стр. 327

هذا الإقسام من الله" التنبيه على كمال ربوبيته وعزته وحكمته وقدرته وتدبيره، وتنوع مخلوقاته الدالة عليه المرشدة إليه، بما تضمنته من عجائب الصنعة، وبديع الخلقة، وتشهد لفاطرها وبارئها بأنه الواحد الأحد الذي لا شريك له، وأنه الكامل في علمه وقدرته ومشيئته وحكمته وربوبيته وملكه، وأنها مسخرة مذللة منقادة لأمره، مطيعة لمراده منها" (١). رابعاً: الإيمان بالكتب: قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (٢). لما قال الكفار ما قالوا عن القرآن من أنه سحر وشعر وكهانة (٣) أقسم الله تعالى بالنجوم ومواقعها أي مساقطها في مغاربها، وعظم هذا المقسم به" لأن في النجوم وجريانها، وسقوطها عند مغاربها، آيات وعبرا لا يمكن حصرها" (٤). أقسم بذلك على"إثبات القرآن، وأنه حق لا ريب فيه، ولا شك يعتريه، وأنه كريم" (٥)، في كتاب معظم محفوظ موقر. وسبق بيان إقسام الله تعالى بالنجم عند هويه (٦)، ومن جملة المقسم عليه " صحة ما جاء به الرسول ﷺ من الوحي الإلهي، لأن في ذلك مناسبة عجيبة، فإن الله تعالى جعل النجوم زينة

стр. 328

للسماء، فكذلك الوحي وآثاره زينة للأرض، فلولا العلم الموروث عن الأنبياء، لكان الناس في ظلمة أشد من الليل البهيم" (١). خامساً: الإيمان بالرسل: كان من علامة مبعث النبي ﷺ رمي الجن بالنجوم، ومنعها من استراق السمع، عن ابن عباس ﵄ قال: "كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا، فأما الكلمة فتكون حقا، وأما ما زادوه فيكون باطلا، فلما بعث رسول الله ﷺ منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله ﷺ قائماً يصلي بين جبلين أراه قال: بمكة، فلقوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض" (٢). وسبق بيان إقسام الله تعالى بالنجم عند هويه (٣)، ومن جملة المقسم عليه "تنزيه الرسول ﷺ عن الضلال في علمه، والغي في قصده، ويلزم من ذلك أن يكون مهتديا في علمه، هاديا، حسن القصد، ناصحا للأمة بعكس ما عليه أهل الضلال من فساد العلم، وفساد القصد" (٤).

стр. 329

سادساً: الإيمان بالملائكة: سبق في مبحث الآية الكونية القمر (١) بيان الإقسام من الله بالسماء والطارق، والمقسم عليه أن كل نفس عليها من الله حافظ من الملائكة يحرسها من الآفات (٢)، كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٣). سابعاً: الإيمان باليوم الآخر: أخبر النبي ﷺ أن الجنة درجات، وأن أهل الدرجات العلى يراهم من تحتهم كما يرون النجم الطالع في أفق السماء، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر، وعمر منهم وأنعما" (٤). وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أهل الجنة ليتراءون الغُرفة في الجنة، كما تراؤون الكوكب في السماء" (٥). وفي بيان صورة أهل الجنة عند دخولهم الجنة بين ﷺ أن الزمرة الثانية على أشد نجم في السماء، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم

стр. 330

على أشد نجم في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل" (١). وفي حديث أخر بين ﷺ أنهم على صورة أضواء كوكب دري، فقال: "إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوإ كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب" (٢). وأخبر ﷺ أنه أعطي الحوض، وأن عدد آنيته عدد النجوم، وفي رواية أكثر من عدد النجوم، فعن أنس ﵁ قال: "بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفا سورة فقرأ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (٣)، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي ، عليه خير كثير وحوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج (٤) العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي؟ فيقول: ما تدري ما أحدثت بعدك" (٥). وعن أبي ذر ﵁ قال: قلت يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: "والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها ألا في الليلة المظلمة المصحية، آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه

стр. 331

ميزابان من الجنة، من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى أيلة، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل" (١). ثامناً: منزلة الصحابة: عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" (٢). في هذا الحديث تشبيه منزلة الصحابة للأمة بمنزلة النجوم للسماء (٣)؛ فالنجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر وكذلك الصحابة، والنجوم زينة للسماء، ورجوم للشياطين حائلة بينهم وبين استراق السمع لئلا يلبسوا بما يسترقونه من الوحي الوارد إلى الرسل من الله على أيدي ملائكته، وكذلك الصحابة زينة للأرض ورجوماً لشياطين الإنس والجن الذي يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا (٤)، فإذا انطمست النجوم، أوشك أن تضل الهداة، وهو"إشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض عصر الصحابة من طمس السنن وظهور البدع وفشو الفجور في أقطار الأرض" (٥).

стр. 332

تاسعاً: النهي عن مشابهة المشركين واليهود والنصارى: سبق في المبحث السابق: الشمس الاستدلال بها على النهي عن مشابهة المشركين (١) في السجود لها عند غروبها، وفيما يتعلق بالنجم ورد في الحديث أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد، وهو النجم - وسمي النجم شاهدا؛ لأنه يشهد بمغيب الشمس ودخول الليل (٢). عن أبي بصرة الغفاري ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ العصر بالمخَمَّص (٣) فقال: "إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد" (٤). كما أن النبي ﷺ أخبر أن تأخير الفطر حتى تشتبك النجوم وكذلك تأخير صلاة المغرب عادة أهل الكتاب - اليهود والنصارى- وقد أمرنا بمخالفتهم (٥)، قال ﷺ : " لا تزال أمتي بخير - أو قال على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم" (٦)، وكذلك فعلت الرافضة (٧)، فالحديث

стр. 333

"يدل على استحباب المبادرة بصلاة المغرب وكراهة تأخيرها إلى اشتباك النجوم، وقد عكست الروافض القضية فجعلت تأخير صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم، مستحبا والحديث يرده" (١).

стр. 334

المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - النجم -: أولاً: عبادة النجوم: سبق في المبحثين السابقين: الشمس والقمر (١)، بيان أنهما عبدا من دون الله ، وأنهما جعلا آلهة وأرباباً (٢)، وجعلوا لهما مصحفاً، ويسبحون لهما ويدعونهما. كماسبق أيضاً في المبحثين السابقين: الشمس والقمر كلام ابن القيم ﵀ عن تعظيم المشركين للشمس والقمر والكواكب، وأنهم يسجدون لها، ويتذللون لها، ويسبحونها تسابيح لها معروفة في كتبهم، ودعوات لا ينبغي أن يدعى بها إلا خالقها وفاطرها وحده. وأنهم جعلوا للكواكب مصحفاً، وتسبيحةً خاصة، وأن في مصحف الكواكب من مخاطبته بالخطاب الذي لا يليق إلا بالله ، ولا ينبغي لأحد سواه، ومن الخضوع والذل والعبادة. وهذه النجوم والكواكب من مخلوقات الله، تحت قهره وتسخيره، وتسجد لخالقها، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٣).

стр. 335

ثانياً: نسبة الحوادث إلى حركة النجوم: سبق في المبحثين السابقين: الشمس والقمر (١) بيان أن من المخالفات العقدية نسبة الحوادث إلى حركة الشمس والقمر، وما تقتضيه هذه الحركة من السعود والنحوس، وما تعطيه من السعادة والشقاوة، وتهبه من الأعمار والأرزاق والآجال، والصنائع والعلوم والمعارف، والصور الحيوانية والنباتية والمعدنية، وسائر ما في هذا العالم من الخير والشر. وكذلك يقال في نسبة الحوادث والسعود والنحوس إلى النجوم والبروج، فقد جعلوا لكل نجم ولكل برج من البروج تأثيراً في الحوادث وعلامة عليها، وربط لها بالاعتقادات الباطلة. وقد كانت العرب إذا رمي بنجم تقول: ولد رجل عظيم، أو مات رجل عظيم، وتدعي نسبة ما يحدث في هذه المدة من مطر أو ريح أو برد أو حر إلى النجم الساقط، أو النجم الطالع (٢). عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ رمي بنجم فاستنار فقال لهم رسول الله ﷺ : " ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول الله ﷺ : فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته؛ ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال: فيستخبر بعض

стр. 336

أهل السماوات بعضا، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم ويرمون به، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون (١) فيه ويزيدون" (٢). وعلم التنجيم ينقسم إلى قسمين (٣): الأول: علم التأثير، وهو أن يستدل بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية; فهذا محرم باطل، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد" (٤). وقال ﷺ في الشمس والقمر: " إنهما آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته" (٥)، فالأحوال الفلكية لا علاقة بينها وبين الحوادث الأرضية. الثاني: علم التسيير، وهو ما يستدل به على الجهات والأوقات; فهذا جائز، وقد يكون واجبا أحيانا، كما قال الفقهاء: إذا دخل وقت الصلاة يجب على الإنسان أن يتعلم علامات القبلة من النجوم والشمس والقمر (٦)،

стр. 337

قال الله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢). ونسبة الحوادث إلى الكواكب على أقسام (٣): القسم الأول: نسبة الفعل للكوكب، وادعاء أنه هو يفعل بذاته فهذا كفر أكبر؛ لأن الخلق والأمر لله وحده، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٤). القسم الثاني: اعتقاد أن الفعل من عند الله، مع نسبته إلى الكوكب والنوء نسبة سبب، فهذا من الشرك الأصغر، وقد دلت الأدلة على تحريمه، منها: قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (٥)، فهذه الآية نزلت في الذين يقولون: مطرنا بنوء كذا، ولا ينسبونه إلى الله تعالى. وعن ابن عباس ﵄ قال: مطر الناس على عهد النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : " أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر". قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ حتى بلغ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (٦) " (٧). وعن زيد بن خالد الجهني ﵁ أنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة

стр. 338

الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" (١). القسم الثالث: جعل الأنواء علامة على المطر مع عدم نسبته إليه لا قولاً ولا اعتقاداً، وهذا جائز، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٣). وقد دلت الآيات السابقة على جواز جعل الرياح علامة على المطر بحسب ما جرت به العادة، وكذلك الأنواء يجوز جعلها علامة على ما جرت به العادة، بشرط أن يعتقد أن النوء لا تأثير له في نزول المطر، ولا هو فاعل، وأن المنفرد بإنزاله هو الله وحده (٤). وعن سعيد بن المسيب (٥) ﵀ قال: "قد حدثني من لا أتهم أنه شهد

стр. 339

المصلى مع عمر بن الخطاب ﵁ وهو يستسقي بالناس عام الرمادة، قال: فدعا والناس طويلاً، واستسقى طويلاً، وقال للعباس بن عبد المطلب: يا عباس كم بقي من نوء الثريا؟ فقال له العباس ﵁: يا أمير المؤمنين إن أهل العلم بها يزعمون أنها تعترض بالأفق بعد وقوعها سبعاً. قال: فوالله ما مضت تلك السبع حتى أغيث الناس" (١). قال الشافعي ﵀: " إنما أراد عمر بن الخطاب ﵁ بقوله: كم بقي من وقت الثريا؟ ليعرفهم بأن الله قدر الأمطار في أوقات فيما جربوا، كما علموا أنه قدر الحر والبرد بما جربوا في أوقات" (٢). ثالثاً: تحريف معنى سجود النجوم: سبق في المبحثين السابقين: الشمس والقمر (٣)، بيان أن من المخالفات العقدية تحريف معنى سجود الشمس والقمر، في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٤). فقال بعضهم: أن المراد بهذا السجود الخشوع والانقياد، وقيل: المراد

стр. 340

بالسجود الدلالة على الله. وكذلك قيل في سجود النجوم، وأن سجودها سجود ظلها كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ (١)، وقيل: أن سجوده طلوعه (٢). والجواب أنه قد سبق في مبحث عبودية الكائنات (٣) أن هذه الآيات الكونية تسجد لله سجوداً حقيقياً الله أعلم بكيفيته، وأن هذا السجود من الأمور الغيبية التي يجب أن نصدق بها ونسلم، وأن كل شيء يسجد لله طوعا وكرها، وأن سجود كل شيء مما يختص به (٤)، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (٥). رابعاً: نسبة علم النجوم إلى إبراهيم ﵇ -: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية نسبة علم النجوم إلى إبراهيم ﵇ استدلالاً بقوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٦)، وهذا من"الكذب والافتراء على خليل الرحمن ﵇؛ فإنه ليس في الآية أكثر من أنه نظر نظرة في النجوم، ثم قال لهم: إني سقيم، فمن ظن من هذا أن علم أحكام النجوم من علم الأنبياء، وأنهم كانوا يراعونه ويعانونه فقد كذب على الأنبياء، ونسبهم إلى ما لا يليق، وهو من جنس من نسبهم إلى

стр. 341

الكهانة والسحر وزعم أن تلقيهم الغيب من جنس تلقى غيرهم ... ولا ريب أن هؤلاء أبعد الخلق عن الأنبياء وأتباعهم ومعرفتهم ومعرفة مرسلهم وما أرسلهم به" (١). وهذا الفعل والصنيع من صنائع المشركين وعلومهم، وقد بعثت الرسل بالإنكار على هؤلاء المشركين ومحقهم، ومحق علومهم وأعمالهم من الأرض، وهذا معلوم بالاضطرار لكل من آمن بالرسل صلوات (٢). خامساً: الأقوال والألفاظ المخالفة: ومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -النجم - ذكر بعض الأقوال المخالفة، منها: ١ - قول مطرنا بنوء كذا، ونحوه: وسبق بيان حكم ذلك والتفصيل فيه (٣).

стр. 342

الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية: ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها: ١ - الاستدلال بحديث "إذا ذكرت النجوم فأمسكوا" على التنجيم: عن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا ذكر أصحابي فامسكوا، وإذا ذكرت النجوم فامسكوا، إذا ذكر القدر فأمسكوا" (١). قال ابن القيم ﵀: " فهذا الحديث لو ثبت لكان حجة عليه لا له؛ إذ لو كان علم الأحكام النجومية حقا لا باطلا لم ينه عنه النبي ﷺ ، ولا أمر بالإمساك عنه؛ فإنه لا ينهى عن الكلام في الحق، بل هذا يدل على أن الخائض فيه خائض فيما لا علم له به، وأنه لا ينبغي له أن يخوض فيه، ويقول على الله ما لا يعلم، فأين في هذا الحديث ما يدل على صحة علم أحكام النجوم" (٢). ٢ - النهي عن السفر والقمر في العقرب: روي عن علي ﵁ أنه قال: "لا تسافروا في محاق الشهر، ولا إذا كان

стр. 343

القمر في العقرب" (١). قال ابن القيم ﵀: " وأما أحاديث النهي عن السفر والقمر في العقرب فصحيح من كلام المنجمين، وأما رسول رب العالمين فبريء ممن نسب إليه هذا الحديث وأمثاله ولكن إذا بعد الإنسان عن نور النبوة واشتدت غربته عما جاء به الرسول ﷺ جوز عقله مثل هذا" (٢).

стр. 344

المبحث الخامس: الرعد والبرق والصواعق الرعد في اللغة: الراء والعين والدال أصل واحد يدل على حركة واضطراب. وكل شيء اضطرب فقد ارتعد ... ومن الباب الرَّعْد، وهو مَصْع مَلَكٍ يسوق السَّحَاب. والمَصْع: الحركة والذهاب والمجيء (١). وفي الصحاح: الرعد: الصوت الذي يسمع من السحاب (٢). وفي الاصطلاح: الرَّعد تفريغ كهربائي من سحابة إلى أخرى أو من سحابة إلى الأرض، يصحبه انبعاث شرارات تعرف بالبرق. وهذه الشرارات تحدث حرارة عالية في مناطق الهواء التي تنبعث منها فتتمدد تلك المناطق على نحو فجائي، وهذه الحرارة تجعل جزيئات الهواء تتمدد أو تتطاير في كل الاتجاهات. وبينما تبحث الجزيئات عن حيز أكبر، فإنها تصطدم بعنف بطبقات الهواء البارد، محدثة موجة هوائية ضخمة يكون لها صوت الرعد (٣). البرق في اللغة: الباء والراء والقاف أصلان تتفرع الفروع منهما: أحدهما لمعانُ الشيء، والآخر اجتماع السواد والبياض في الشيء. والبرق: وَمِيضُ السَّحاب، يقال

стр. 345

بَرَقَ السَّحَابُ بَرْقاً وبَريقاً. وأبْرَقَ أيضاً لغة (١). وفي الصحاح: برق السيف وغيره يبرق بروقا، أي تلالا. والاسم البريق. والبرق: واحد بروق السحاب. ويقال رعدت السماء وبرقت برقانا (٢). وفي الاصطلاح: البَرْق شرارة كهربائية عملاقة في السماء. وأغلب البرق الذي يراه الناس يكون بين السحابة وسطح الأرض. ولكن من الممكن حدوث البرق أيضًا داخل سحابة، أو بين السحابة والهواء، أو بين سحابتين (٣). الصواعق في اللغة: الصاد والعين والقاف أصل واحد يدلّ على صَلْقَةٍ وشِدَّة صوت. ومن ذلك الصعق، وهو الصوت الشديد. يقال حِمارٌ صَعِقُ الصوت، إذا كان شديده. ومنه الصَّاعقة، وهي الوقع الشديد من الرعد. ومنه قولهم: صَعِق، إذا مات، كأنَّه أصابته صاعقة (٤). وفي الصحاح: الصاعقة: نار تسقط من السماء في رعد شديد. يقال: صعقتهم السماء إذا ألقت عليهم الصاعقة. والصاعقة أيضا: صيحة العذاب (٥). وفي الاصطلاح: دوي حاد يسبقة عادة وميض البرق، وهو ناتج عن

стр. 346

انفجار شحنة كهربائية كامنة في السماء (١). وقد ورد لفظ الرعد في القرآن في موضعين (٢)، ولفظ البرق في (٥) مواضع (٣)، ولفظ الصاعقة في (٦) مواضع، وبلفظ الجمع في موضعين (٤). وورد الرعد والبرق والصاعقة في السنة في (٢١) حديثاً (٥).

стр. 347

الدلائل العقدية للآيات الكونية - الرعد والبرق والصواعق -: الرعد والبرق والصواعق من آيات الله الكونية، وجند من جنود الله التي لا يعلمها إلا هو. وأفرد القرآن الكريم سورة باسم الرعد ذكر الله تعالى فيها من آيات القدرة وعجائب الكون الدالة على وحدانيته وقدرته: الرعد والبرق والصواعق، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (١). أولاً: وجود الله: أمر الله بالتفكر في آياته المشاهدة المحسوسة ومنها البرق، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢) فجعل" إراءتهم البرق، وأنزل الماء من السماء، وإحياء الأرض به آيات لقوم يعقلون؛ فإن هذه أمور مرتبة بالأبصار، مشاهدة بالحس، فإذا نظر فيها ببصر قلبه - وهو عقله - استدل بها على وجود الرب تعالى وقدرته وعلمه ورحمته وحكمته، وإمكان ما أخبر به من حياة الخلائق بعد موتهم كما أحيا هذه

стр. 348

الأرض بعد موتها، وهذه أمور لا تدرك إلا ببصر القلب - وهو العقل - فإن الحس دل على الآية، والعقل دل على ما جعلت له آية، فذكر سبحانه الآية المشهودة بالبصر، والمدلول عليه المشهود بالعقل" (١). ثانياً: توحيد الربوبية: قد جعل الله البرق دليلاً على عظمته (٢)، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٣). ومن آيات الله التي يستدل بها على توحيد الربوبية إنزال المطر الذي تحيا به البلاد والعباد، وقبل نزوله مقدماته من الرعد والبرق الذي يُخاف ويُطمع فيه، فهذه الآيات دالة على عموم إحسانه وسعة علمه وكمال إتقانه، وعظيم حكمته وأنه يحيي الموتى كما أحيا الأرض بعد موتها (٤). وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٥). ثالثاً: توحيد الأسماء والصفات: ١ - التسبيح: أخبر الله أن الرعد يسبحه وينزهه عن كل عيب ونقص (٦)، قال تعالى:

стр. 349

﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (١). وعن عبد الله بن الزبير ﵁: أنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث، وقال: "سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته" (٢). رابعاً: توحيد الألوهية: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (٣). أخبر الله في هذه الآيات - فيما يتعلق بالبرق والرعد والصواعق- أنه يُري عباده البرق الذي يخاف منه الصواعق والهدم، وأنواع الضرر على بعض الثمار ونحوها ويطمع في خيره ونفعه، وأن الرعد يسبح بحمده، وأنه يرسل الصواعق على من يشاء من عباده بحسب ما شاءه وأراده (٤). فإذا كان الله هو الذي يفعل ذلك وحده، فهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، وأن تصرف جميع العبادات له وحده، وأن غيره مما عبد من دون الله فألوهيته باطلة (٥)، لذا قال بعدها: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ

стр. 350

مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ (١). خامساً: الإيمان بالملائكة: من الإيمان بالملائكة الإيمان بما أخبر به النبي ﷺ من أعمالهم، وقد سئل النبي ﷺ عن الرعد، فأخبر أنه ملك من الملائكة موكل بالسحاب، وأن الصوت الذي يسمع هو زجره السحاب (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: أقبلت يهود إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: "ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق (٣) من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله"، فقالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: "زجرة بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر، قالوا: صدقت" (٤). وهذا لا يخالف التفسير العلمي له، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وقد روي عن بعض السلف أقوال لا تخالف ذلك، كقول من يقول: إنه اصطكاك أجرام السحاب، بسبب انضغاط الهواء فيه، فإن هذا لا يناقض

стр. 351

ذلك، فإن الرعد مصدر رعد يرعد رعداً، وكذلك الراعد يسمى رعداً، كما يسمى العادل عدلا. والحركة توجب الصوت، والملائكة هي التي تحرك السحاب، وتنقله من مكان إلى مكان. وكل حركة في العالم العلوي والسفلي فهي عن الملائكة. وصوت الإنسان هو عن اصطكاك أجرامه الذي هو شفتاه، ولسانه، وأسنانه ولهاته، وحلقه، وهو مع ذلك يكون مسبحا للرب، وآمرا بمعروف وناهيا عن منكر، فالرعد إذًا صوت يزجر السحاب" (١). سادساً: الإيمان بالرسل: الصواعق جند من جند الله يؤيد بها رسله، وقد بعث النبي ﷺ رجلاً مرة إلى رجل من فراعنة العرب يدعوه إليه، فذهب إليه، وقال: يدعوك رسول الله ﷺ . قال: وما الله؟ أمن ذهب هو أو من فضة أو من نحاس؟ فأخبر النبي ﷺ بذلك، فأرسل إليه النبي ﷺ مراراً، وهو يقول مثل هذا، فأرسل الله عليه صاعقة فذهبت بقحف (٢) رأسه (٣)، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (٤) "أي يرسلها نقمَةً ينتقم بها ممن يشاء" (٥).

стр. 352

سابعاً: الإيمان باليوم الآخر: في بيان حال الناس يوم القيامة عند مرورهم على الصراط بحسب أعمالهم بين النبي ﷺ أن أولهم يمر كالبرق، ففي حديث أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " فيأتون محمدا ﷺ ، فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتى الصراط يمينا وشمالا فيمر أولكم كالبرق". قال: قلت بأبي أنت وأمي: أي شيء كمر البرق؟ قال: " ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرجال، تجرى بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجئ الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا - قال -: وفى حافتى الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج، ومكدوس فى النار" (١). وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون: اللهم سلم سلم، قيل يا رسول الله: وما الجسر؟ قال دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد، فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاود الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم" (٢). ثامناً: الإيمان بالقدر: من مراتب الإيمان بالقدر الإيمان بمشية الله، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن.

стр. 353

وقد أخبر الله أنه يصيب بالصواعق من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، وأن ذلك بحسب ما اقتضاه حكمه القدري (١)، قال تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (٢). تاسعاً: مسائل الأسماء والأحكام: بين الله في أول سورة البقرة أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مؤمنين خلص، وكفار خلص، ومنافقين. وهؤلاء المنافقون قسمان: خلص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون، تارة يظهر لهم لمع من الإيمان وتارة يخبو وهم أصحاب المثل المائي (٣) -الذي ذكر الله فيه الرعد والبرق والصواعق- قال تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤). وقد استدل أهل السنة والجماعة بهذه الآية على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان، وشعبة من نفاق، إما اعتقادي مخرج عن الإسلام، أو عملي لا يخرج عن الإسلام (٥).

стр. 354

عاشراً: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال: ضرب الأمثال: من منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال ضرب الأمثلة لتوضيح الحقائق وتقريبها، وقد ضرب الله مثلاً في أول سورة البقرة للإسلام وحال المنافقين، - ذكر فيه الرعد والبرق والصواعق-، قال تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (١). فالمطر الإسلام، وقلوب المنافقين في حال شكهم وكفرهم وترددهم كالمطر من السماء الذي فيه ظلمات ورعد وبرق، والظلمات ما فيه من البلاء والمحن، والرعد: ما فيه من الوعيد والمخاوف في الآخرة؛ فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع، ، والبرق ما فيه من الوعد والوعيد، وما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان، من نور الإيمان. والصواعق: جمع صاعقة، وهي نار تنزل من السماء وقت الرعد الشديد. ثم قال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ (٢) " لشدته وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم، وعدم ثباتها للإيمان ... فكلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه، وتارة تعْرِض لهم الشكوك أظلمت قلوبهم فوقفوا حائرين" (٣).

стр. 355

المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -الرعد والبرق والصواعق -: أولاً: اعتقاد أن البرق أحد أسلحة الآلهة: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية اعتقاد أن البرق أحد أسلحة الآلهة الباطلة، فقد ظن قدماء الإغريق والرومان أن البرق هو أحد أسلحة الآلهة. وفي بعض المجتمعات الإفريقية كانوا يعتقدون أن الناس والأماكن التي يصيبها البرق ملعونة. وحتى القرن الثامن عشر، كان بعض الناس في أوروبا وأمريكا يعتقدون بإمكان تفادي حدوث البرق إذا دقوا أجراس الكنائس (١). ثانياً: اعتقاد أن قوس قزح (٢) هو إله الرعد والبرق عند العرب:
следующие страницы →