← Акыда

Акыда · id 115127

الدلالات العقدية للآيات الكونية

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (702 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (١)، فيجب على المرء الإيمان به ويكل علمه إلى الله تعالى" (٢). وقال ابن تيمية ﵀ في الرد على من فسر السجود والتسبيح بنفوذ مشيئة الرب وقدرته فيها ودلالتها على الصانع فقط: " وأما تفسير سجودها وتسبيحها بنفوذ مشيئة الرب وقدرته فيهما ودلالتها على الصانع فقط فالاقتصار على هذا باطل؛ فإن هذا وصف لازم دائم لها لا يكون في وقت دون وقت، وهو مثل كونها مخلوقة محتاجة فقيرة إلى الله تعالى وعلى هذا فالمخلوقات كلها لا تزال ساجدة مسبحة، وليس المراد هذا فإنه قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ (٣). وقال: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ (٤)، فقد أخبر عنه أنه يعلم ذلك، ودلالتها على الرب يعلمه عموم الناس" (٥). فبيّن ﵀: " أن دلالتها على الصانع فقط والاقتصار عليه باطل، وذلك لأن الدلالة لا تكون في وقت دون وقت، فإن الله أخبر عن الجبال أنها تسبح مع داود ﵇ بالعشي والإشراق، ولو كان المراد الدلالة على الصانع لكان ذلك في كل وقت" ... ثم ذكر ﵀ أن الله ذكر أن سجودها يكون طوعاً وكرهاً، ولو كان متعلقاً بانفعالها لمشيئة الرب وقدرته فإن ذلك لا ينقسم إلى طوع وكره، فقال:

стр. 72

"وأيضا فإنه قسم السجود إلى طوع وكره، وانفعالها لمشيئة الرب وقدرته لا ينقسم إلى طوع وكره، ولا يوصف ذلك بطوع منها ولا كره؛ فإن دليل فعل الرب فيها ليس هو فعل منها ألبتة. والقرآن يدل على أن السجود والتسبيح أفعال لهذه المخلوقات، وكون الرب خالقا لها إنما هو كونها مخلوقة للرب ليس فيه نسبة أمر إليها، يبين ذلك أنه خص الظل بالسجود بالغدو والآصال، والظل متى كان وحيث كان مخلوق مربوب" (١). ثم بيّن ﵀ أن كونها ساجدة مسبحة" آية دالة وشاهدة للخالق تعالى بصفاته لكونها مفعولة له، وهذا معنى ثابت في المخلوقات كلها لازم لها، وهي آيات للرب بهذا الاعتبار، وهي شواهد ودلائل وآيات بهذا الاعتبار؛ لكن ذاك معنى آخر، كما يفرق بين كون الإنسان مخلوقا وبين كونه عابدا لله، فهذا غير هذا، هذا يتعلق بربوبية الرب له، وهذا يتعلق بتألهه وعبادته للرب" (٢). وقال أيضاً في الرد على من قال يلزم لسجودها أن يكون لها سبعة أعضاء، ووضع الجبهة على الأرض: " ولا يجب أن يكون سجود كل شيء مثل سجود الإنسان على سبعة أعضاء ووضع جبهة في رأس مدور على التراب؛ فإن هذا سجود مخصوص من الإنسان ومن الأمم من يركع ولا يسجد، وذلك سجودها كما قال تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (٣)، وإنما قيل ادخلوه ركعا. ومنهم من يسجد على جنب كاليهود، فالسجود اسم جنس ولكن لما شاع سجود الآدميين المسلمين صار كثير من

стр. 73

الناس يظن أن هذا هو سجود كل أحد" (١). وقال ابن القيم ﵀ في الرد على من قال أن تسبيح الشجر وورقه هو دلالته على صانعه فقط، بعد أن بين الحكمة في خلقها وأنها ساجدة لله مسبحة بحمده: " وكلها ساجدة لله مسبحة بحمده، قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (٢)، ولعلك أن تكون ممن غلظ حجابه فذهب إلى أن التسبيح دلالتها على صانعها فقط، فاعلم أن هذا القول يظهر بطلانه من أكثر من ثلاثين وجها قد ذكرنا أكثرها في موضع آخر، وفي أي لغة تسمى الدلالة على الصانع تسبيحا وسجودا وصلاة وتأويبا وهبوطا من خشيته، كما ذكر تعالى ذلك في كتابه فتارة يخبر عنها بالتسبيح وتارة بالسجود وتارة بالصلاة، كقوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ (٣)، افترى يقبل عقلك أن يكون معنى الآية قد علم الله دلالته عليه، وسمى تلك الدلالة صلاة وتسبيحا، وفرق بينهما وعطف أحدهما على الأخر، وتارة يخبر عنها بالتأويب، كقوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (٤)، وتارة يخبر عنها بالتسبيح الخاص بوقت دون وقت كالعشى والإشراق، أفترى دلالتها على صانعها إنما يكون في هذين الوقتين، وبالجملة فبطلان هذا القول اظهر لذوي البصائر من أن يطلبوا دليلا على بطلانه والحمد لله" (٥).

стр. 74

المبحث الثاني: الهدي القرآني والنبوي تجاه الآيات الكونية وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الهدي القرآني تجاه الآيات الكونية. المطلب الثاني: الهدي النبوي تجاه الآيات الكونية. المطلب الثالث: تأييد الله لأنبيائه بالآيات الكونية. المطلب الرابع: الآيات الكونية وأركان الإسلام.

стр. 75

المطلب الأول: الهدي القرآني تجاه الآيات الكونية إن تناول القرآن لحقائق الكون ومشاهده، ودعوته إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض والأنفس، لا يُراد منه إلا مخاطبة العقول والفطر البشرية، وتوجيه عامة الناس وخاصتهم إلى مكان العظة والعبرة، ولفتهم إلى آيات قدرة الله وحكمته ودلائل وحدانيته، من جهة ما لهذه الآيات والمشاهد من روعة في النفس وجلال في القلب، لا من جهة ما لها من دقائق النظريات وضوابط القوانين (١). فالآيات الكونية التي يتحدث عنها القرآن الكريم تتميز بأنها حقائق ضخمة، وخلق عظيم، لا يقدر قدرها إلا الذي أبدعها وخلقها سبحانه وبحمده، وقد أراد الله تعالى أن تكون تلك الآيات الكونية شواهد حق على صدق القرآن الكريم، وبراهين صدق على المبلغ له. ولهذا نجد أن للقرآن الكريم الهدي الواضح تجاه هذه الآيات الكونية، ويمكن تقسيم ذلك إلى ثلاثة أقسام رئيسة (٢):

стр. 76

القسم الأول: الهدي المتعلق بذات الآيات الكونية أولاً: بيان عجزها عن التصرف . إن من الهدي القرآني تجاه الآيات الكونية أن يبين عجزها، وأنها لا تملك لنفسها ولا لغيرها شيئاً (١)، للاستدلال بذلك على إثبات وجود الله، وتقرير وحدانيته وعظمته وقدرته، قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٢). قال إبراهيم ﵇ في مناظرته لقومه مبيناً عجز هذه الآلهة التي تدعى من دون الله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣). قال ابن كثير ﵀: " وبين - يعني إبراهيم ﵇ في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل، وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة ... فبين أولاً أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية؛ لأنها مسخرة مقدرة بسير معين، لا

стр. 77

تزيغ عنه يمينًا ولا شمالا ولا تملك لنفسها تصرفا، بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة، لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق، ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال. ومثل هذه لا تصلح للإلهية. ثم انتقل إلى القمر فبين فيه مثل ما بين في النجم. ثم انتقل إلى الشمس كذلك. فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ " (١). فالمعبود لا بد أن يكون قائماً بمصالح من عبده، ومدبرا له في جميع شؤونه، فأما الذي لا يستطيع أن يفعل ذلك، فمن أين يستحق العبادة؟ (٢). ثانياً: الاستدلال بانتظامها وحركتها على وجوب إفراده بالعبادة ، كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٣)، فالله الذي بعزته دبر هذه المخلوقات العظيمة، بأكمل تدبير، وأحسن نظام، وهذا دليل ظاهر على عظمة الخالق، وعظمة أوصافه، وأنه ليس معه آلهة أخرى؛ ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (٤). ثالثاً: بيان خلق الله وتقديره وهدايته لها ، قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي

стр. 78

أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (١). فالله هو الذي خلق كل شيء فسواه، فأكمل صنعته، وبلغ به غاية الكمال الذي يناسبه. وقدر لكل مخلوق وظيفته وغايته فهداه إلى ما خلقه لأجله. قال ابن سعدي ﵀: " يأمر تعالى بتسبيحه المتضمن لذكره وعبادته، والخضوع لجلاله، والاستكانة لعظمته، وأن يكون تسبيحا، يليق بعظمة الله تعالى، بأن تذكر أسماؤه الحسنى العالية على كل اسم بمعناها الحسن العظيم، وتذكر أفعاله التي منها أنه خلق المخلوقات فسواها، أي أتقنها وأحسن خلقها، ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ﴾ تقديرًا، تتبعه جميع المقدرات ﴿فَهَدَى﴾ إلى ذلك جميع المخلوقات. وهذه الهداية العامة التي مضمونها أنه هدى كل مخلوق لمصلحته" (٢). رابعاً: بيان خضوعها لله -. أخبر الله في آيات كثيرة عن خضوع هذه الآيات الكونية له، طوعاً وكرهاً، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٤). فجميع ما خلقه في السماوات وما دب على الأرض ومشى على ظهرها

стр. 79

من مخلوقات كلها خاضعة لربها، تسجد له ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (١). خامساً: بيان موافقتها للفطرة . إذا تدبر الإنسان كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وجد أن الله قد أنزل الوحي موافقا للفطرة، والواقع المحسوس، لا يستطيع أن ينكر ذلك إلا مكابر قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٢). قال ابن القيم ﵀: " وتأمل حال العالم كله علوية وسفلية بجميع أجزائه تجده شاهدا بإثبات صانعه وفاطره ومليكه، فإنكار صانعه وجحده في العقول والفطر بمنزلة إنكار العلم وجحده لا فرق بينهما، بل دلالة الخالق على المخلوق والفعال على الفعل والصانع على أحوال المصنوع عند العقول الزكية المشرقة العلوية والفطر الصحيحة أظهر من العكس. فالعارفون أرباب البصائر يستدلون بالله على أفعاله وصنعه إذا استدل الناس بصنعه وأفعاله عليه، ولا ريب أنهما طريقان صحيحان كل منهما حق والقرآن مشتمل عليهما" (٣). ومن رحمة الله بهذا المخلوق أن وضع الدلائل المساندة للفطرة والموضحة له الطريق الصحيح في السلوك لما يريده خالقه منه، وأعقب ذلك بإرسال الرسل ﵈ بالوحي لزيادة التوضيح والبيان لكيفية سلوك هذا الطريق فجاءت معاني النصوص ودلالاتها موافقة لما في الكون من الآيات والحقائق.

стр. 80

قال تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١). قال ابن كثير ﵀: " يخبر تعالى عما دار بين الكفار وبين رسلهم من المجادلة، وذلك أن أممهم لما واجهوهم بالشك فيما جاءوهم به من عبادة الله وحده لا شريك له، قالت الرسل: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾؛ فإن الفطر تشهد بوجوده والاعتراف به؛ ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده. ومن ذلك النظر في هذا الكون، ومن خلقه وأوجده على غير مثال سابق، ولهذا قالت الرسل لأقوامهم ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سابق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليهما، فلا بد لها من صانع، وهو الله لا إله إلا هو، خالق كل شيء وإلهه ومليكه" (٢). وقال ابن القيم ﵀: " فطرق العلم بالصانع فطرية ضرورية ليس في العلوم أجلى منها، وكل ما استدل به على الصانع فالعلم بوجوده أظهر من دلالته، ولهذا قالت الرسل لأممهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ فخاطبوهم مخاطبة من لا ينبغي أن يخطر له شك ما في وجود الله سبحانه، ونصب من الأدلة على وجوده ووحدانيته وصفات كماله الأدلة على اختلاف أنواعها، ولا يطيق حصرها إلا الله، ثم ركز ذلك في الفطرة ووضعه في العقل جملة ثم بعث الرسل مذكرين به ... ومفصلين لما في الفطرة والعقل العلم به جملة. فانظر كيف وجد الإقرار به وبتوحيده وصفات كماله ونعوت جلاله وحكمته في خلقه وأمره المقتضية إثبات رسالة رسله ومجازات المحسن

стр. 81

بإحسانه والمسيء بإساءته مودعا في الفطرة مركوزا فيها، فلو خُلّيت على ما خلقت عليه لم يعرض لها ما يفسدها ويحولها ويغيرها عما فطرت عليه، لأقرت بوحدانيته ووجوب شكره وطاعته، وبصفاته وحكمته في أفعاله، وبالثواب والعقاب، ولكنها لما فسدت وانحرفت عن المنهج الذي خلقت عليه أنكرت ما أنكرت وجحدت ما جحدت" (١). فالقرآن يخاطب الفطرة بجملتها، يخاطبها من أقصر طريق، ومن أوسع طريق وأعمق طريق.

стр. 82

القسم الثاني: الهدي المتعلق بطريقة القرآن الكريم في عرضها وأسلوب ذكرها وإيرادها . أولاً: التنوع في صيغ الحث على التفكر في آيات الله الكونية ، فتارة بالأمر، وتارة بالاستنكار، وتارة بختم الآيات بالتعقل والتفكر، ووصف أصحابها بالعقل، وأولي الألباب، لقوم يعقلون، لقوم يتفكرون. قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (٢). فأكثر الآيات القرآنية التي سيقت فيها الآيات الكونية، تختم غالباً بالدعوة والحث على النظر والتفكر والتأمل (٣). قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٤)، وفي موضع ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥)، و ﴿يَعْلَمُونَ﴾ (٦)، و ﴿يَعْقِلُونَ﴾ (٧)، و ﴿ ... يَذَّكَّرُونَ﴾ (٨).

стр. 83

ثانياً: عرضها بأبسط السبل ولعامة الناس دون الحاجة إلى التعمق والتكلف . فالآيات الكونية تعرض في القرآن لجميع الناس على اختلاف مستوياتهم وعقولهم، ولذلك جاءت هذه الآيات بأبسط وأوضح صورة ليعقلها جميع الناس. فلا يشق على آحاد الناس وعامتهم إدراكها. وبذلك فهي سهلة الإدراك، لا تحتاج إلى أدوات علمية ولا إلى تقنية عصرية. ولا يعني هذا أن العالم والأمي يستويان في درجة الإدراك، بل المقصود أنهما يستويان في حصول أصل الإدراك، وإن تفاوتا في درجته ومبلغه (١). قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (٢). فالمشاهد التي تعرض في هذه الآيات في حاجة إلى العلم لإدراك التدبير والتفكر، وهي معروضة للإنسان حيثما كان، السماء والأرض والجبال والحيوان، وأياً كان حظ الإنسان من العلم فهي داخلة في عالمه وإدراكه، داعية له حين يوجه نظره وقلبه إلى دلالتها بإفراد الله بالربوبية والألوهية. وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (٣). فاختلاف الليل والنهار تعاقبهما، ويشمل كذلك اختلافهما طولاً وقصراً، وكلتاهما ظاهرتان مشهودتان يعقلهما كل أحد. وما خلق الله في السماوات والأرض على اختلاف إشكاله وأنواعه يعقله

стр. 84

كل أحد إن في ذلك كله: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾. ولذلك لم يكن من الهدي القرآني استخدام الأسلوب الجدلي الذي جد فيما بعد عند المتكلمين والفلاسفة؛ لأن بعض هذا الأسلوب لا يصل إلى القلوب ولا يوافق العقل والفطرة، ولكن الهدي القرآني في عرضه للآيات الكونية بهذا الأسلوب الواضح البسيط هو أقوى الأدلة المقنعة للقلب والعقل جميعاً. ثالثا: التدرج في عرضها والبدء بالأهم، فنجد من الهدي القرآني عند عرضه للآيات الكونية البدء بالأهم ، ويمهد لذلك بالقضايا المسلمة ثم ينتقل إلى الأصعب حتى يصل إلى المراد، قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (١). فنلاحظ من خلال الآيات التدرج معهم بالقضايا المسلمة مما أقروا به، ثم الترقي من الأمر السهل إلى الأمر الصعب. قال ابن سعدي ﵀: " أي قل لهؤلاء المكذبين بالبعث، العادلين بالله غيره، محتجا عليهم بما أثبتوه وأقروا به من توحيد الربوبية وانفراد الله بها، على ما أنكروه من توحيد الإلهية والعبادة، وبما أثبتوه من خلق المخلوقات العظيمة على ما أنكروه من إعادة الموتى الذي هو أسهل من ذلك: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾، ... ثم انتقل إلى ما هو أعظم من ذلك، فقال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، ... ثم انتقل إلى إقرارهم بما

стр. 85

هو أعم من ذلك كله، فقال: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ " (١). رابعاً: ذكرها على سبيل العموم والإجمال في الغالب ، فالألفاظ القرآنية التي في سياق ذكر آيات الكون تتسم بعموم وإجمال، دون الخوض في تفاصيل وأجزاء الآيات الكونية؛ لأن الغرض والغاية من تلك الحقائق الكونية المذكورة في القرآن الكريم الاستدلال بها على المسائل الكبرى في هذا الدين، وتفاصيل وأجزاء تلك الحقائق الكونية غير مرادة (٢)؛ لأنها لا تحقق الهدف، فإن أكثر الناس لا يدرك تفاصيل الحقائق الكونية، مما يجعله لا يستوعب الحديث عنها بهذا القدر التفصيلي. ولا يعنى هذا أن القرآن الكريم لم يرد فيه مواضع جاءت مفصلة، إذ وردت ألفاظ في غاية الدقة والانتقاء لتعبر عن أوصاف دقيقة، كقوله تعالى في وصف مراحل تخلّق الجنين في رحم أمه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٣). قال الشيخ محمد بن عثيمين (٤) ﵀ في تفسير سورة البقرة في فوائد قوله

стр. 86

تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ (١): "ومنها: أنه ينبغي النظر إلى الآيات على وجه الإجمال والتفصيل؛ لقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾: مطلق؛ ثم قال تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ ... الخ؛ فيقتضي أن نتأمل أولاً في الكون من حيث العموم، ثم من حيث التفصيل؛ فإن ذلك أيضاً يزيدنا في الإيمان" (٢). خامساً: الاستفهام: وقد تعددت طرقه ، فتارة يكون بالاستفهام التقريري عن الخلق والخالق، وتارة يكون بالاستفهام عن انتظام الكون واتزانه (٣)، إلى غير ذلك (٤). فالاستفهام التقريري هو: " الذي يرد في صورة عرض مقدمات أو قضايا مسلمة عند الخصم على صيغة الاستفهام ثم التدرج معه حتى يصل به للإقرار بالقضية المنكرة وينقاد للحق ويسلم له" (٥). ويتوصل به إلى إثبات مقاصد القرآن العظمى كالتوحيد والبعث والوحي، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٦).

стр. 87

قال ابن كثير ﵀: " ثم شرع تعالى يبين أنه المنفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره ... فهم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له، ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا يرزق، وإنما يستحق أن يفرد بالعبادة من هو المتفرد بالخلق والرزق؛ ولهذا قال: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي أإله مع الله يعبد؟ وقد تبين لكم، ولكل ذي لب مما يعرفون به أيضًا أنه الخالق الرازق" (١). "وهذه الآيات مألوفة ولكن طبيعة قوة الاستفهام أضفت على هذه الآيات الجدة والحداثة بحيث بدت كما لو أنها أول مرة يرى فيها البصر هذا الكون ويرى فيه القدرة الإلهية المتفردة تدبره وتحكمه، ووجه الاستدلال ما يتبدى من هذا الاستفهام من تقدم قضية الخلق على بقية القضايا المعروضة، لشرفها وعظمتها ولأنها كالأم لبقية القضايا" (٢). ومن منهجه في الاستفهام أن يتخذ أسلوب السبر والتقسيم وذلك بأن يحصر جميع الافتراضات الواردة في القضية ثم يبدأ في تفنيد كل افتراض على حده ويبين أنه غير صالح ولا وجه لقبوله حتى يصل للافتراض الصحيح في المسألة، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٣). قال ابن سعدي ﵀: " وهذا استدلال عليهم بأمر لا يمكنهم فيه إلا التسليم للحق، أو الخروج عن موجب العقل والدين، وبيان ذلك: أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذبون لرسوله، وذلك مستلزم لإنكار أن الله خلقهم. وقد تقرر في العقل مع الشرع أن ذلك لا يخلو من أحد ثلاثة أمور:

стр. 88

إما أنهم خلقوا من غير شيء، أي لا خالق خلقهم، بل وجدوا من غير إيجاد ولا موجد، وهذا عين المحال. أم هم الخالقون لأنفسهم، وهذا أيضا محال، فإنه لا يتصور أن يوجد أحد نفسه. فإذا بطل هذان الأمران، وبان استحالتهما، تعين القسم الثالث وهو: أن الله هو الذي خلقهم، وإذا تعين ذلك، علم أن الله تعالى هو المعبود وحده، الذي لا تنبغي العبادة ولا تصلح إلا له تعالى" (١). سادساً: الاستدلال بالآيات الكونية في الحوار والمجادلة ، وذلك من أجل إظهار الحق وتفنيد الباطل. ومن ذلك ما جاء في حوار بعض الأنبياء ﵈ مع أقوامهم، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). والملاحظ عند الاستدلال بهذه الآيات مناسبة هذه الآية الكونية لموضوع الحوار وطبيعته وتوقيته (٣)، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤). قال ابن سعدي ﵀: " قد اشتملت الآية الأولى على معجزة، وتسلية، وتطمين قلوب المؤمنين، واعتراض وجوابه من ثلاثة أوجه، وصفة المعترض وصفة المسلّم لحكم الله دينه" ...

стр. 89

ثم قال جوابا عن الشبهة: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾: " ولكنه تعالى مع هذا لم يترك هذه الشبهة حتى أزالها وكشفها مما سيعرض لبعض القلوب من الاعتراض، فقال تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم مجيبا: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي فإذا كان المشرق والمغرب ملكا لله، ليس جهة من الجهات خارجة من ملكه، ومع هذا يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ومنه هدايتكم إلى هذه القبلة التي هي من ملة أبيكم إبراهيم، فلأي شيء يعترض المعترض بتوليتكم قبلة داخلة تحت ملك الله؟ لم تستقبلوا جهة ليست ملكا له، فهذا يوجب التسليم لأمره بمجرد ذلك، فكيف وهو من فضل الله عليكم وهدايته وإحسانه أن هداكم لذلك، فالمعترض عليكم معترض على فضل الله حسدا لكم وبغيا" (١). وكذلك وقوعها موقع الدليل القوى لرد ودحض حجة المجادلين المعاندين بأقوى البراهين الرادعة الزاجرة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ في فوائد الآية: "ثم إن إبراهيم ﵇ انتقل إلى أمر لا يمكن الجدال فيه، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ ". ثم قال: "ومنها-أي الفوائد-: حكمة إبراهيم ﵇ وجودته في المناظرة" (٣)، حيث آتى بالأدلة الواضحة التي لا تحتمل المعارضة فعجز المعارض عن الرد.

стр. 90

سابعاً: التنويع البديع في عرض الآيات الكونية لإقامة الحجة بها على الجاحدين ، والإيضاح والتبيين؛ لأن تعدد أنواع الأدلة يزيد المقصود وضوحاً (١)، ويكون سبباً لهداية من أراد الله له الهداية (٢). فالتنوع والتعدد في عرض الآيات الكونية ينتج عنه انتفاء الملل والسأم لتعدد وتنوع ما يذكر من الآيات الكونية، فمرة تتحدث الآيات عن الأفلاك والعوالم العلوية، ثم ما تلبث تتحدث عن الجبال والأرض والعوالم السفلية. وتستحوذ على اهتمام الناس بمختلف مستوياتهم ومشاربهم، إذ الناس مختلفون فيما يستوقفهم ويسترعي انتباههم. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤). ويستخدم في عرض الآيات الكونية أساليب مختلفة: فتارة تعرص مجملة، وتارة مفصلة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ (٥). فقد جاء القرآن بالتوحيد، وسلك إلى تقرير هذه العقيدة وإيضاحها طرقاً شتى، وأساليب متنوعة، ووسائل متعددة ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ فالتوحيد لا يحتاج إلى أكثر من التذكر والرجوع إلى الفطرة ومنطقها (٦)، وإلى الآيات الكونية ودلالتها؛ ولكن الكفار يزيدون نفوراً كلما سمعوا هذا القرآن. ويستخدم كذلك مفهوم المقابلة بين هذه الآيات الكونية"بذكر الشيء مع

стр. 91

ما يوازيه في بعض صفاته ويخالفه في بعضها وتكون بالأضداد وغيرها" (١). فوصف السماء يقابله الأرض، ووصف الليل يقابله النهار وهكذا. قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ (٢)، فوصْف الأرض فراشاً يقابل وصف السماء بناءً، وقد جاء هذا الوصف عن السماء مع الأرض قراراً، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ (٣). ومنه قوله تعالى في المقابلة بين الليل والنهار: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥). ثامناً: الإقسام من الله بها لبيان أهمية هذا المقسم به والمقسم عليه ، ولبيان آيات العبرة والقدرة التي تظهر في هذا الكون الذي خلقه الله ونظمه (٦). والقسم في الخطاب من أساليب تأكيد القضية وتقريرها، ودفع الخصم إلى الاعتراف بما يجحد وينكر، أو يتردد ويتخوف منه. قال السيوطي (٧) ﵀ مبينا غاية القسم: "القصد بالقسم تحقيق الخبر

стр. 92

وتوكيده" (١). وقال ابن القيم ﵀: " والمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه فلابد أن يكون بما يحسن فيه ذلك كالأمور الغائبة والخفية إذا أقسم على ثبوتها فأما الأمور الظاهرة المشهورة كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض فهذه يقسم بها ولا يقسم عليها" (٢). ويتنوع القسم بالآيات الكونية حسب تنوعها من آيات فلكية وآيات زمنية وآيات جوية (٣). قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (٤). وهذا القسم بهذه الآيات من باب التعظيم والتكريم لهذه المخلوقات وأنها شواهد ودلائل على عظمة الخالق وقدرته وتوحيده. قال ابن كثير ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (٥): "والذي عليه الجمهور أنه قسم من الله ، يقسم بما شاء من خلقه، وهو دليل على عظمته" (٦).

стр. 93

ولذلك يقسم الله بهذه الآيات الكونية على أمور عظيمة (١)، ومن ذلك القسم بالزاجرات - وهي الملائكة- تزجر السحاب، وعلى القول الأخر فأنه قسم بالصافات - وهي الطير تصف أجنحتها في الهواء - (٢)، والسحاب والطير من آيات الله الكونية أقسم بها على التوحيد، قال تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ (٣). وعلى أن القرآن الكريم حق وصدق ومنزل من عند الله قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤). وعلى أن محمداً ﷺ صادق القول وأن كلامه وحي من الله، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٥). والقسم بهذه الآيات الكونية على نمط جلي واضح، وهو القسم بالظاهرة وأحوالها المنتظمة الدالة على عظمة خالقها، ومشيئته وحكمته ليفرد بالتأله والعبادة كما أفرد بالربوبية، ومن ذلك قسمه سبحانه بالليل في جميع أحواله قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ (٨)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾

стр. 94

(١)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ (٣). تاسعاً: ضرب الأمثال بها للتوضيح والتقريب "بتنزيل المعقول منزلة المشهود فيكون التصديق أتم، ومعرفته أكمل، وضبطه أسهل" (٤). فإن في ضرب الأمثال تقريبا"للمعاني المعقولة من الأمثال المحسوسة شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد، وهذا من رحمة الله وحسن تعليمه، فله أتم الحمد وأكمله وأعمه" (٥). ولهذا أكثر الله تعالى في كتابه من ضرب الأمثلة بالآيات الكونية وتنوعها، ففيه التمثيل بالظلمات والنور، والتمثيل بالنبات، والتمثيل بالريح وهكذا (٦). قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

стр. 95

وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (١). ويلاحظ من خلال ضرب الأمثال البعد عن الغرابة الموهمة أو الغموض، فالغرابة غير مقصودة في أمثال القرآن وغير مرادة؛ فإن ضرب الأمثال إنما يكون" لتقريب المراد، وتفهيم المعنى، وإيصاله إلى ذهن السامع، وإحضاره في نفسه بصورة المثال الذي مثل به، فإنه قد يكون أقرب إلى تعقله وفهمه وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره؛ فإن النفس تأنس بالنظائر والأشباه الأنس التام، وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير؛ ففي الأمثال من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا يجحده أحد، ولا ينكره، وكلما ظهرت له الأمثال ازداد المعنى ظهورا، ووضوحا، فالأمثال شواهد المعنى المراد، ومزكية له فهي ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ (٢)

стр. 96

القسم الثالث: الهدي المتعلق بالغرض والغاية الذي سيقت لأجله تلك الآيات الكونية . أولاً: الاستدلال بها على أصول العقائد . فهذه الآيات الكونية وما تدل عليه من حقائق علمية، لم تذكر في القرآن الكريم لمجرد الذكر، أو من أجل بيانها للناس ودلالتهم عليها ابتداءً، وإنما هي سيقت تابعا للغرض والهدف الذي ذكرت في ثناياه، فهي سيقت في سبيل الاستدلال بها على قضايا كبرى كالألوهية والنبوات والبعث والإيمان بالملائكة والكتب واليوم الآخر، وهذا النوع كثير في القرآن (١). قال ابن القيم ﵀: " وهذه طريقة القرآن في إرشاده الخلق إلى الاستدلال بأصناف المخلوقات وأحوالها على إثبات الصانع وعلى التوحيد والمعاد والنبوات، فمرة يخبر أنه لم يخلق خلقه باطلا ولا عبثا، ومرة يخبر أنه خلقهم بالحق، ومرة يخبرهم وينبههم على وجوه الاعتبار والاستدلال بها على صدق ما أخبرت به رسله حتى يبين لهم أن الرسل إنما جاؤوهم بما يشاهدون أدلة صدقه، وبما لو تأملوه لرأوه مركوزا في فطرهم مستقرا في عقولهم، وأن ما يشاهدونه من مخلوقاته شاهد بما أخبرت به رسله عنه من أسمائه وصفاته وتوحيده ولقائه ووجود ملائكته، وهذا باب عظيم من أبواب الإيمان إنما يفتحه الله على من سبقت له منه سابقة السعادة وهذا أشرف علم يناله العبد في هذه الدار" (٢).

стр. 97

ومن ذلك الاستدلال بخلقها وملكها على وجوب إفراد الله بالعبادة كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١). قال ابن كثير ﵀ في بيان مضمون هذه الآية - بعد أن ذكر ما في هذه الآية من أن الله هو المنعم على عبيده بخلقهم وإسباغه عليهم النعم-: " ومضمونه أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يُشْرَك به غَيره؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ " (٢). وقد وصف الله سبحانه القرآن بأنه هدى ورحمة وبيان ورشاد للخلق جميعاً وفي الحق؛ ولذا يجب أن يُقتصر بتلك الآيات فهماً واستنباطاً على ما يحقق الغاية التي سيقت لها، فهذا الغرض والمقصد هو الهدف الأصيل لسياقها، وكل ما تحقق مع هذا الهدف فهو تبع له دائر في فلكه، لا يجوز أن يجنح بنا النظر والاستنباط عن هذه الدائرة (٣). ثانياً: الاعتبار والانتفاع بها . يبين الله تعالى أن سياق هذه الآيات الكونية وذكرها إنما هو للعظة والاعتبار، قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (٤)، أي يفهموا ما خلقوا من أجله، ويفقهوا الحقائق الشرعية، والمطالب الإلهية،

стр. 98

ويتدبروا عن الله آياته وحججه وبراهينه (١). "وظاهر الآية يدل على أنه تعالى ما صرف هذه الآيات إلا لمن فقه وفهم، فأما من أعرض وتمرد فهو تعالى ما صرف هذه الآيات لهم والله أعلم" (٢). فالنظر إلى الآيات الكونية والاعتبار بحكمة الله في خلقها، دليل عظيم ينتفع به أهل العقول، ولذلك لما عقل أهل الإيمان هذه الآيات حصل لهم الاعتبار والانتفاع فزاد إيمانهم وتعلقهم بربهم فحصلت لهم الهداية. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٣). أما من أعرض عن آيات الله ولم يتفكر فيها ويأخذ العبرة منها، فإن الآيات على كثرتها والنذر على قوتها لا تغني عن القوم الظالمين، قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤). ثالثاً: بيان امتنان الله بها على عباده والذي يستلزم إفراده بالعباده . فالله يمن على عباده بخلقه لهذه الآيات العظيمة، وتسخيرها للناس وتيسيرها لهم، وهو بذلك يدعوهم إلى عبادته وحده. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ

стр. 99

لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (١). قال ابن سعدي ﵀: " وهذا امتنان منه على عباده، يدعوهم به إلى توحيده وعبادته والإنابة إليه، حيث أنعم عليهم بما يسره لهم من الحرث للزروع والثمار، فتخرج من ذلك من الأقوات والأرزاق والفواكه، ما هو من ضروراتهم وحاجاتهم ومصالحهم، التي لا يقدرون أن يحصوها، فضلا عن شكرها، وأداء حقها" (٢). فتعرض هذه الآيات كلها في معرض نعم الله وفضله على الناس، وفي معرض الوحدانية وإخلاص الدين لله، وهي وإن كانت منناً يحق أن يشكرها الناس فإنها أيضاً دلائل إذا تفكر فيها المنعَمُ عليهم اهتدوا بها إلى أن الذي يخلق هذا ويبدعه بهذا التناسق هو الإله الحق الذي يجب أن يعبد وحده ويخلص له الدين وحده" (٣). رابعاً: بيان آثار صفات الله وأفعاله من خلاله ا. فإن من هدي القرآن تجاه الآيات الكونية لفت الأنظار والتفتيش والاعتبار بآثار ربوبية الله وصفاته من الإحياء والإماتة، والرزق وخلق السماوات والأرض والنبات، وإنزال المطر من السحب، وتعاقب الليل والنهار وغيرها كثير (٤)، للقيام بحق ربوبية الله وألوهيته، فلا يقصد في الحوائج غيره، ولا يتوكل على سواه، ولا يستعن إلا به، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فإذا

стр. 100

عرف العبد أن الله ربه وخالقه وأنه مفتقر إليه محتاج إليه عرف العبودية المتعلقة بربوبية الله وهذا العبد يسأل ربه ويتضرع إليه ويتوكل عليه" (١). وقال تعالى مبيناً أثراً من آثار صفاته - وهي صفة الرحمة -: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢). قال ابن جرير ﵀: " فانظر يا محمد ﷺ ، إلى آثار الغيث الذي ينزل الله من السحاب، كيف يحيي بها الأرض الميتة، فينبتها ويعشبها، من بعد موتها ودثورها، ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾. يقول جلّ ذكره: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد موتها بهذا الغيث، لمحيي الموتى من بعد موتهم، وهو على كل شيء مع قدرته على إحياء الموتى قدير، لا يعزّ عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه فعل شيء شاءه سبحانه" (٣)، " وفي هذا الحث على التذكر والتفكر في آلاء الله والنظر إليها بعين الاعتبار والاستدلال، لا بعين الغفلة والإهمال" (٤). وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (٥).

стр. 101

قال ابن القيم ﵀: " فأما المفعولات فأنها دالة على الأفعال، والأفعال دالة على الصفات؛ فإن المفعول يدل على فاعل فعله، وذلك يستلزم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه؛ لاستحالة صدور الفعل الاختياري من معدوم أو موجود لا قدرة له ولا حياة ولا علم ولا إرادة، ثم ما في المفعولات من التخصيصات المتنوعة دال على إرادة الفاعل، وأن فعله ليس بالطبع بحيث يكون واحدا غير متكرر، وما فيها من المصالح والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته تعالى، وما فيها من النفع والإحسان والخير دال على رحمته، وما فيها من البطش والانتقام والعقوبة دال على غضبه، وما فيها من الإكرام والتقريب والعناية دال على محبته، وما فيها من الإهانة والإبعاد والخذلان دال على بغضه ومقته، وما فيها من ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف ثم سوقه إلى تمامه ونهايته دال على وقوع المعاد، وما فيها من أحوال النبات والحيوان وتصرف المياه دليل على إمكان المعاد، وما فيها من ظهور آثار الرحمة والنعمة على خلقه دليل على صحة النبوات، وما فيها من الكمالات التي لو عدمتها كانت ناقصة دليل على أن معطي تلك الكمالات أحق بها، فمفعولاته من أدل شيء على صفاته وصدق ما أخبرت به رسله عنه، فالمصنوعات شاهدة تصدق الآيات المسموعات، منبهه على الاستدلال بالآيات المصنوعات" (١). خامساً: بيان الحكمة في خلق هذه الآيات الكونية، وأن ذلك بالحق، وأنها لم تخلق عبثاً . قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).

стр. 102

فأخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض بالحق، أي بالعدل والقسط، وأنه لم يخلق ذلك عبثًا ولا لعبًا (١)، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (٢). فالله ما خلق السماوات والأرض عبثا، ولا لعبا من غير فائدة، بل خلقها بالحق وللحق الذي لا يصلح التدبير إلا به، ليستدل بها العباد على أنه الخالق العظيم، المدبر الحكيم، الرحمن الرحيم، الذي له الكمال كله، والحمد كله، والعزة كلها، الصادق في قيله، الصادقة رسله، فيما تخبر عنه، وأن القادر على خلقهما مع سعتهما وعظمهما، قادر على إعادة الأجساد بعد موتها، ليجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته (٣). سادساً: التحدي بها إقامة للتوحيد ورداً للشرك ، فهي حجة دامغة وبرهان ساطع كما أخبر الله تعالى في قصة مناظرة إبراهيم ﵇ مع المشرك الجاحد بألوهية الله وربوبيته، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤). قال ابن القيم ﵀: " فإن من تأمل موقع الحجاج وقطع المجادل فيما تضمنته هذه الآية وقف على أعظم برهان بأوجز عبارة، فإن إبراهيم ﵇ لما أجاب المحاج له في الله بأنه الذي يحيي ويميت أخذ عدو الله معارضته

стр. 103

بضرب من المغالطة، وهو أنه يقتل من يريد ويستبقي من يريد فقد أحيا هذا وأمات هذا، فألزمه إبراهيم على طرد هذه المعارضة أن يتصرف في حركة الشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها إذا كان بزعمه قد ساوى الله في الإحياء والإماتة، فإن كان صادقا فليتصرف في الشمس تصرفا تصح به دعواه، وليس هذا انتقالا من حجة إلى حجة أوضح منها كما زعم بعض النظار، وإنما هو إلزام للمدعي بطرد حجته إن كانت صحيحة" (١).

стр. 104

المطلب الثاني: الهدي النبوي تجاه الآيات الكونية قد بين الله تعالى في كتابه العزيز أن ما فضل به رسول الله ﷺ على غيره من البشر إنما هو بالوحي. قال جل ذكره: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١). فهو ﷺ بشر من بني آدم، ليس له من الأمر شيء، وإنما فضله الله وخصه بالوحي الذي أوحاه إليه، وأمره بإتباعه والدعوة إليه (٢). والوحي يشمل القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ الذين جاء بهما محمد ﷺ من عند الله، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٤). وقد أمر الله بطاعة رسوله ﷺ في آيات كثيرة، وبين أن طاعته من طاعة الله تعالى، وليس ذلك إلا لأنه يتكلم بالوحي وينطق به ويأمر بشريعة الله تعالى ويبين سنن الهدى التي أمره الله تعالى أن يبلغها، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٥)،

стр. 105

وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (١). وقد ختمت الرسالات برسالة محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٢). فكان محمد ﷺ رسولاً للعالمين، وليس خاصاً بقومه من العرب كما كان الأنبياء والمرسلون قبله يرسلون إلى أقوامهم؛ وذلك لأن رسالته هي خاتم الرسالات، ودينه هو الباقي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤). وقال ﷺ : " وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون". وفي رواية: "كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود" (٥). وقد بين الله تعالى أنه علم هذا الرسول من العلوم ما لم يكن يعلم، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (٦). وقد أمره الله تعالى أن يدعوه بطلب زيادة العلم، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٧). فهذا العلم - ومنه العلم بالآيات الكونية - الذي جاء عن

стр. 106

رسول الله ﷺ إنما هو من الوحي الذي أوحاه الله تعالى إليه. وقد جاء في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أنه عندما سأل رسول الله ﷺ عن كتابة كل ما يسمعه منه فأوما ﷺ بأصبعه إلى فيه، وقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق" (١). فهذا يدل على أن كل ما جاء في السنة المطهرة حق لا شك فيه سواء كان إشارة إلى حقيقة علمية، أو قضية تاريخية عن نبي من الأنبياء، أو عن أحد من أهل زمانه أو غير ذلك، وهو موافق لما جاء في القرآن. ولما كان الأمر كذلك فلا بد أن تكون وجوه الإعجاز فيها هي نفس وجوه الإعجاز في القرآن الكريم اللهم إلا فيما كان راجعاً إلى الصفة الإلهية في القرآن الكريم كإعجازه اللغوي والنحوي والصرفي والأسلوبي (٢). ويمكن تقسيم الهدي النبوي تجاه هذه الآيات الكونية، كالتقسيم السابق للهدي القرآني تجاهها إلى ثلاثة أقسام رئيسة (٣):

стр. 107

القسم الأول: الهدي المتعلق بذات الآيات الكونية أولاً: بيان عبودية هذه الآيات الكونية لله وأنها تسبح له . أخبر النبي ﷺ عن عبودية هذه الآيات الكونية لربها، وأنها تسبحه وتلبي مع الملبي، عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل (١)، وقال ﷺ : " ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه، أو عن شماله من شجر أو حجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا" (٢)، فهذا إخبار بأن الحجر يلبي تلبية حقيقية. ثانياً: الإخبار عن بعض صفاتها وأعمالها . أخبر النبي ﷺ عن بعض صفات وأعمال هذه الآيات الكونية، فقال عن جبل أحد: "أحد جبل يحبنا ونحبه" (٣). وأخبر عن حجر كان يسلم عليه قبل مبعثه ﵊، فقال: "إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن" (٤).

стр. 108

القسم الثاني: الهدي المتعلق بطريقة السنة في عرضها للآيات الكونية وأسلوب ذكرها وإيرادها. أولاً: استعمال الاستفهام لتقرير الأمور الغيبية المتعلقة بالآية الكونية . كان من هدي النبي ﷺ في التعليم استخدام الاستفهام في بيان المسألة. فعن أبى ذر ﵁ قال دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس فلما غابت الشمس، قال: "يا أبا ذر هل تدرى أين تذهب هذه؟ " قال: قلت الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تذهب فتستأذن فى السجود فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها ارجعى من حيث جئت فتطلع من مغربها" (١). ثانياً: ضرب الأمثال بها . فمن أساليب تعليم النبي ﷺ ضرب الأمثال في الأمور المهمة بالأمور المحسوسة المعقولة (٢) فعن أبي هريرة ﵁: أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تضارون (٣) في الشمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا يا

стр. 109

رسول الله، قال: "فهل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه حجاب؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: "فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك" ... ثم ذكر حشر الناس يوم القيامة، ومن يجوز الصراط ثم قال: "وبه كلاليب مثل شوك السعدان. أما رأيتم شوك السعدان؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله". ثم ذكر صفة الذين يخرجون من النار من أهل السجود فقال: "فيُخرجونهم قد امتحشوا (١)، فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة فينبتون نبات الحبة (٢) في حميل السيل (٣) " الحديث (٤).

стр. 110

القسم الثالث: الهدي المتعلق بالغرض والغاية الذي سيقت لأجله تلك الآيات الكونية. أولاً: التوسل إلى الله بربوبيته لها (١): كان من هدي النبي ﷺ حينما كان يتوجه إلى ربه بالدعاء أن يذكر في دعائه خصائص الربوبية والأسماء والصفات الدالة على توحيد الإثبات والمعرفة، والتي لها علاقة بدلائل الآيات الكونية؛ لأنها من أعظم الدلائل على وحدانية الله سبحانه، فكان ﷺ يدعو عند الكرب فيقول: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم" (٢)، وكان ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم" (٣). ثانياً: بيان المسائل العقدية عند حدوث التغيرات الكونية . فمن هدي النبي ﷺ أن يبين بعض المسائل العقدية عند حصول تغيرات كونية، ويبين السبب في حدوث ذلك. فقد أخبر النبي ﷺ عند شدة الحر وشدة البرد أن هذه الشدة من فيح
следующие страницы →