المبحث السادس الحياة والموت
الحياة والموت في اللغة:
الحياة نقيض الموت كُتِبَتْ في المصحف بالواو ليعلم أَن الواو بعد الياء في حَدِّ الجمع وقيل على تفخيم الأَلف.
وحَيَّ يَحْيَا ويَحَيّ فهو حَيٌّ، وللجميع حَيُّوا بالتشديد، ولغة أُخرى حَيَّ، وللجميع حَيُوا خفيفة
والموت: الميم والواو والتاء أصلٌ صحيح يدلُّ على ذَهاب القُوّة من الشيء. منه المَوْتُ: خلاف الحياة، وقد مات يموت ويمات أيضاً.
ورجل مَيِّتٌّ ومَيْتٌ، وقيل المَيْتُ الذي ماتَ، والمَيِّتُ والمائِتُ الذي لم يَمُتْ بَعْد، وقومٌ مَوتى وأَمواتٌ ومَيِّتُون ومَيْتون، والأُنثى مَيِّتة ومَيْتَة ومَيْتٌ والجمع كالجمع (١).
وفي الاصطلاح:
الحياة. يواجه معظم الناس بعض الصعوبات، في التمييز بين الكائنات الحية
стр. 492
والجماد، ويعد الناس الأشياء كائنات حية إذا كان لديها القدرة على القيام ببعض الأنشطة مثل النمو والتكاثر ... أما علماء الأحياء فيجدون صعوبات شديدة في تعريف الحياة، على الرغم من معرفتهم الواسعة بالأحياء. وتكمن هذه الصعوبة في تحديد الخط الفاصل بين الكائنات الحية والجماد. فالفيروس على سبيل المثال، يعد جسيما بدون حياة وهو خارج الخلية الحية، ولكنه يكون أكثر نشاطا ويتكاثر بسرعة داخل الخلية الحية. وبدلا من إيجاد التعريف الدقيق للحياة، ركز علماء الأحياء بعمق على فهم الحياة عن طريق دراسة الكائنات الحية نفسها. ويطلق على العلم الذي يهتم بدراسة الحياة اسم علم الأحياء (١).
أما الموت فهو خروج الروح إلى بارئها، حيث ينتقل الشخص بعد ذلك إلى حياة برزخية ثم تقوم قيامته؛ وهو نهاية الحياة؛ فكل شيء حي نهايته الموت، ولكن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يستطيع أن يدرك الموت ويتخيله.
أما الأوجه الطبية للموت: فقد لاحظ العلماء ثلاثة أنواع للموت. وهذه الأنواع هي: البلى الفيزيولوجي، والنخر، والموت الجسدي.
والبلى الفيزيولوجي أو البلي الوظيفي: هو استمرار موت وتجدد الخلايا كل على حده أثناء الحياة. فباستثناء الخلايا العصبية فإن كل خلايا الكائن يستمر تجددها بمعدل ثابت. وعلى سبيل المثال، تتكون خلايا الجلد الجديدة تحت السطح لأن الخلايا القديمة تموت وتزول.
ويعني النخر: موت الأنسجة أو حتى العضو كله. فأثناء النوبة القلبية، على سبيل المثال، يوقف تجلط الدم وصوله إلى جزء من القلب، فيموت الجزء المتأثر، ولكن الكائن الحي يستمر في الحياة ما لم يكن التلف شديدا.
والموت الجسدي، نهاية كل عمليات الحياة في الكائن. فالشخص الذي يتوقف قلبه ورئتاه عن العمل قد يعتبر ميتا سريريا، ولكن الموت الجسدي ربما لا يكون قد حدث بعد؛ لأن الخلايا المنفردة تستمر في الحياة لعدة
стр. 493
دقائق. وقد يعود الشخص إلى الحياة مرة أخرى إذا عاود القلب والرئتان العمل مرة ثانية، وأعطيت الخلايا حاجتها من الأكسجين. وبعد حوالي ثلاث دقائق تبدأ خلايا الدماغ وهي الأكثر حساسية لنقص الأكسجين في الموت، وغالباً ما يتبعها موت الإنسان في الحال، وتستحيل إعادة الحياة إلى جسده. وتدريجيا تبدأ خلايا الجسم الأخرى كذلك في الموت. وآخر ما يموت خلايا العظم والشعر والجلد التي قد تستمر في النمو لعدة ساعات (١).
وقد ورد لفظ الحياة في القرآن في (٧١) مواضعاً (٢)، وورد لفظ الموت في (٣٥) موضعا (٣).
وذكر أهل التفسير أن الحياة في القرآن على خمسة أوجه (٤): -
أحدها: نفخ الروح في الحيوان بالخلق الأول، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ (٥) أي: نطفا فنفخ فيها الروح. وقال تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (٨)، وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ (٩).
стр. 494
والثاني: إحياء الموتى بعد خروج الأرواح منهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (٢).
والثالث: الهدى، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ (٥).
والرابع: البقاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٨).
والخامس: حياة الأرض بالنبات، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ (٩).
أما الموت فقد ذكر بعض المفسرين أنه في القرآن على سبعة أوجه (١٠): -
أحدها: الموت نفسه. ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (١١)،
الدلائل العقدية للآيات الكونية - الحياة والموت -:
قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (١).
في هذه الآيات التعظيم للخالق والتأكيد على تفرده بالربوبية والألوهية.
وأنه خلق الموت والحياة ليبلو الناس أيهم أحسن عملا. ومن لوازم تفرده بكل ذلك ألا يعبد غيره , ولا يقصد سواه بدعاء أو رجاء أو طلب , ولا يشرك في عبادته أحد , وأن ينزه فوق كل وصف لا يليق بجلاله.
وفيها أيضاً بيان حكمة الرب وكمال قدرته ومشيئته في خلق الضدين -الحياة والموت- إذ بذلك تعرف ربوبيته وقدرته وملكه وعجز المخلوقين (٢).
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (٣).
وهذه سنة الله في خلقه، منذ خلق آدم ﵇ وحتى يوم القيامة فالبشرية مهما أوتيت من قوة وعلم فلن تستطيع أن تخلق أحدا، ولن تجد لها من الموت مهرباً ومخرجاً، قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ
стр. 498
اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (٢).
قال ابن القيم ﵀ مبيناً شأن هذه الآيات الكونية: " فصل وإذا تأملت ما دعى الله سبحانه في كتابه عباده الى الفكر فيه أوقعك على العلم به ، وبوحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله من عموم قدرته وعلمه وكمال حكمته ورحمته وإحسانه وبره ولطفه وعدله ورضاه وغضبه وثوابه وعقابه، فبهذا تعرّف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته، ونذكر لذلك أمثلة مما ذكرها الله سبحانه في كتابه يستدل بها على غيرها، فمن ذلك خلق الإنسان وقد ندب سبحانه إلى التفكر فيه والنظر في غير موضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ (٥).
وهذا كثير في القرآن يدعو العبد إلى النظر والفكر في مبدأ خلقه ووسطه وآخره، إذ نفسه وخلقه من أعظم الدلائل على خالقه وفاطره، وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه وفيه من العجائب الدالة على عظمة الله ما تنقضي الأعمار
стр. 499
في الوقوف على بعضه، وهو غافل عنه معرض عن التفكر فيه، ولو فكر في نفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عن كفره، قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (١)، فلم يكرر سبحانه على أسماعنا وعقولنا ذكر هذا لنسمع لفظ النطفة والعلقة والمضغة والتراب، ولا لنتكلم بها فقط ولا لمجرد تعريفنا بذلك بل لأمر وراء ذلك كله، هو المقصود بالخطاب وإليه جرى ذلك الحديث" (٢).
وهو أن تظهر للعباد قدرة الرب في خلق المتضادات المتقابلات، وفي ذلك أدل الدلائل على كمال قدرة الله وعزته وسلطانه وملكه (٣).
أولاً: وجود الله:
قد دلت هذه الآية الكونية على وجود الله، فإن خلقها ووجودها بعد العدم، وتسخيرها دليل قاطع على وجود الله ، وذلك لافتقار المخلوق إلى الخالق، واحتياج المحدَث إلى المحدِث (٤).
"وشواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليها، فلا بد لهما من صانع، وهو الله لا إله إلا هو، خالق كل شيء وإلهه ومليكه" (٥).
وأخبر الله عن محاجة إبراهيم ﵇ للنمرود في وجود الله، وكان النمرود ينكر وجود الله ، وأن يكون ثم إله غيره، وأنه يحي ويميت،
стр. 500
فاستدل إبراهيم ﵇ على وجود الله، وأنه المالك المتصرف المستحق للعبادة وحده -بأن الله هو الذي يحي ويميت- بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١).
"فحدوث هذه الأشياء المشاهدة وإيجادها بعد العدم، وعدمها بعد الوجود دليل على وجود الله؛ لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من موجد أوجدها وهو الرب, الذي يحيي ويميت والذي يتصرف في الوجود، في خلق ذواته، وتسخير كواكبه وحركاته" (٢).
وفي" ضمن هذه المناظرة من حسن الاستدلال بأفعال الرب المشهودة المحسوسة التي تستلزم وجوده وكمال قدرته ومشيئته وعلمه ووحدانيته من الإحياء والإماتة المشهودين الذين لا يقدر عليهما إلا الله وحده، وإتيانه تعالى بالشمس من المشرق لا يقدر أحد سواه على ذلك" (٣)، وهذا برهان لا يقبل المعارضة بوجه.
ثانياً: توحيد الربوبية:
يخبر الله أنه مالك الملك وأن له الملك المطلق والتدبير كله، وذكر من ذلك بعض التصاريف التي انفرد بها ومنها الإحياء والإماتة.
وهذا أعظم دليل على قدرة الله، وأن جميع الأشياء مسخرة مدبرة لا تملك من التدبير شيئا (٤)، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٥).
ومن الأدلة على تفرد الله بالخلق والتدبير والإماتة والإحياء قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٦).
فهذا الرجل الذي مر على قرية خاوية على عروشها قد باد أهلها وفني مكانها، قال جهلاً بقدرة الله: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فأماته الله وحماره، ثم أحياه وحماره، وفي هذا أعظم دليل على تفرده سبحانه بالإحياء والإماتة (٧).
كما أخبر الله في عدة آيات أن له ملك السماوات والأرض وأن هو المحيي المميت فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٨). وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
стр. 501
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (١).
فقوله: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: "لتصوير معنى الملك في أتم مظاهره المحسوسة للناس المسلم بينهم أن ذلك من تصرف الله تعالى لا يستطيع أحد دفع ذلك ولا تأخيره" (٢).
ومن الأدلة على تفرد الله بالخلق أنه خلق آدم ﵇ من غير أب ولا أم، وخلق عيسى ﵇ من أم بلا أب، وخلق باقي الخلق من أم وأب، قال تعالى عن آدم وعيسى i: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣)، وقال أيضا عن عيسى ﵇: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤) وقال عن بقية الخلق: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ (٧).
стр. 502
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا " (١).
وفيه إثبات خلق الله لآدم ﵇ (٢).
ثالثاً: توحيد الأسماء والصفات:
١ - التسبيح:
أخبر الله أنه يسبح له ما في السماوات والأرض، فقال: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣) ثم علل ذلك التسبيح بأن له ملك السماوات والأرض فله ملك العوالم العليا والعالم الدنيوي، ومن ضمن ذلك أنه يحيي ويميت، فقال تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤).
"فالإحياء والإماتة مما يشتمل عليه معنى ملك السماوات والأرض؛ لأنهما من أحوال ما عليهما، وتخصيص هذين بالذكر للاهتمام بهما لدلالتهما على دقيق الحكمة في التصرف في السماء والأرض، ولظهور أن هاذين الفعلين لا يستطيع المخلوق ادعاء أن له عملا فيهما، وللتذكير بدليل إمكان البعث الذي جحده المشركون، وللتعريض بإبطال زعمهم إلهية أصنامهم كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (٥) " (٦).
стр. 503
٢ - العلم:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١).
في هذه الآية بيان سعة علم الله، وأن ما ذكر فيها من مفاتيح الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها؛ ومنها أنه لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه الله تعالى سواه، وكذلك لا تدري نفس بأي أرض تموت في بلدها أو غيره من أي بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك (٢).
كما أخبر الله عن عموم علمه وسعة اطلاعه وإحاطته بكل شيء، وأنه هو الذي يخلق الخلق، وأنه يعلم ما تحمل كل أنثى وما تسقطه الأرحام قبل التسعة الأشهر، وما تزد فوق التسعة (٣)، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (٤).
وكان رسول الله ﷺ يدعو ربه: الحياة على الخير أو الوفاة على الخير، ويتوسل إليه بصفة العلم والقدرة على الخلق: "اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي" (٥).
٣ - المحيي والمميت:
وهاتان الصفتان ثابتة بالكتاب والسنة، وهما صفتان فعليتان (٦)، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٨) وفي الحديث: "اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي" (٩).
стр. 504
وقد ذكر إبراهيم ﵇ هاتين الصفتين في خصائص المعبود الحق، فقال في وصف رب العالمين (١): ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ (٢).
٤ - اليد:
صفة اليد من الصفات الثابتة لله ومما يتعلق بهذه الآية الكونية
-الموت- فقد ذكر النبي ﷺ أن الموت بيد الله .
стр. 505
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله قال لي أنفق أنفق عليك"، وقال رسول الله ﷺ : " يمين الله ملآى لا يغيضها سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماء والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه قال وعرشه على الماء وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض" (١).
ومعنى القبض الموت (٢).
٥ - التردد:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته" (٣).
في هذا الحديث أن الله يكره أن يفعل شيئاً يكرهه عبده المؤمن، وهو يتعلق بهذه الآية الكونية - الموت- فيتردد لا للشك أو كون هذا مصلحة أو غير مصلحة، أي ليس عن جهل، لكن يتردد من جهة ما يتعلق بالعبد، هل يفعله والعبد يكره ذلك، أم لا يفعله.
"فالتردد نوعان: تردد للشك في النتيجة، وهذا منزه عنه الله لأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء، وتردد بما يتعلق بالغيب مع العلم
стр. 506
بالنتيجة، وهذا يوصف الله به وليس فيه نقص بأي وجه من الوجوه" (١).
رابعاً: توحيد الألوهية:
في تقرير الله لألوهيته، واحتجاجه على المشركين بما يقرون به يقول تعالى منبهًا على قدرته التامة، وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء، وقهره لجميع المخلوقات وأنه المالك المتصرف في هذه الآية الكونية -الحياة والموت-، وهو المتفرد بذلك (٢):
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٤).
كما قرر الله هذا التوحيد، وأنكر على المشركين دعوتهم غير الله معه، وبأنه سبحانه هو الخالق للعباد وهو المحيي والمميت لهم، فإذا كان هو الذي يفعل ذلك وحده فيجب أن يعبد وحده (٥)، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ
стр. 507
الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ (٤).
وإبراهيم ﵇ تبرأ من جميع الآلهة التي تعبد إلا الله رب العالمين الذي يحيي ويميت (٥)، قال تعالى عن إبراهيم ﵇ أنه قال: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (٦).
١ - فضل التوحيد:
أخبر النبي ﷺ عن فضل التوحيد، وأنه من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، فعلق هذه الفضل بالموت عليه (٧)، عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار، وقلت: إنه من
стр. 508
مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة" (١). وفي حديث أبي ذر ﵁ أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ : " بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة" (٢).
٢ - الاستعاذة:
أمر النبي ﷺ بالاستعاذة بالله من فتنة المحيا والممات أي فتنة الحياة والموت (٣).
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال" (٤).
خامساً: الإيمان بالملائكة:
من الإيمان بالملائكة الإيمان بجميع ما أخبر الله عنه، وأخبر عن رسوله ﷺ عنهم وعن أسمائهم، ومن ذلك ملك الموت (٥)، وكذلك الإيمان بأعمالهم التي وكلهم الله بها، ومن ذلك الملائكة الموكلة بقبض الأرواح.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ (٦).
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ
стр. 509
الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ (٤).
ومن الملائكة الملك الموكل بالأرحام ونفخ الروح (٥)، عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: "حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق، إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك، مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد" (٦).
سادساً: الإيمان بالكتب:
أخبر الله أن القرآن الذي أنزله على نبينا محمد ﷺ مهيمنا على جميع الكتب، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٧)، كما أخبر تعالى عن فضل القرآن على غيره من
стр. 510
الكتب أنه لو كان في الكتب الماضية كتاب يكلم الموتى لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره (١)، وذلك "لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به، جاحدون له" (٢).
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٣).
ولما أخبر الله عن القرآن أنه منزل من عنده في قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٤) أيد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقية والنفسية، وذكر منها خلق الإنسان وإحياء الأرض بعد موتها، فقال: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥).
"فهذه كلها آيات بينات وأدلة واضحات على صدق هذا القرآن العظيم وصحة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالات أيضا على ما لله تعالى من الكمال وعلى البعث والنشور" (٦).
стр. 511
سابعاً: الإيمان بالرسل:
من الإيمان بالرسل الإيمان بالآيات التي أيد الله بها رسله، ومن تلك الآيات الآية التي أظهرها الله لقوم عيسى ﵇ وأنه كان يحيي الموت (١)، قال تعالى عن عيسى ﵇ ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
وأي"آية أعظم من جعل الجماد حيوانا، وإبراء ذوي العاهات التي لا قدرة للأطباء في معالجتها، وإحياء الموتى، والإخبار بالأمور الغيبية، فكل واحدة من هذه الأمور آية عظيمة بمفردها، فكيف بها إذا اجتمعت وصدق بعضها بعضها؟ فإنها موجبة للإيقان وداعية للإيمان" (٣).
ومن دلائل نبوة الأنبياء الكرامات التي يجريها الله على يدي أتباع الرسل، إجابة لدعوتهم ونصرة لهم، ومن ذلك ما أخبر الله به عن قوم موسى ﵇ حين أمرهم بضرب القتيل ببعض البقرة، فقام وأخبر بمن قتله، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٤).
ومن دلائل نبوة نبينا محمد ﷺ فيما يتعلق بهذه الآيات -الحياة والموت- أنه أخبر بطول حياة الصحابي رويفع ﵁، فوقع كما أخبر (٥)
стр. 512
حيث طالت حياته إلى سنة ٥٦ للهجرة (١).
فعن رويفع ﵁ قال: قال لى رسول الله ﷺ : " يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدى فأخبر الناس أنه من عقد لحيته أو تقلد وترا أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا ﷺ منه برئ " (٢).
ومن آيات الرسل أن الله يخبرهم عند قبض أرواحهم (٣)، عن أبي سعيد الخدري ﵁: " أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر، فقال: إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده فبكى أبو بكر، وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به" (٤).
ثامناً: الإيمان باليوم الآخر:
من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بما أخبرت به الرسل -عليهم الصلاة
стр. 513
والسلام- من البعث والجزاء، وقد بين الله من الأدلة على ذلك وعلى صدق ما جاءت به الرسل إحياء الموتى، وذكر على ذلك أمثلة فقال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣) وغيرها من الآيات.
فالذي أحيا هؤلاء الأموات قادر على أن يحيى جميع الخلق وفيه دليل على البعث (٤).
وفي جملة الأدلة التي استدل الله بها على منكري البعث ذكر الله أنه يحي ويميت، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٥).
"فكان افتتاحه بأن الله هو المتوحد بملك ما في السماوات والأرض فهو
стр. 514
يتصرف في الناس وأحوالهم في الدنيا والآخرة تصرفا لا يشاركه فيه غيره فتصرفه في أمور السماء شامل للمغيبات كلها، ومنها إظهار الجزاء بدار الثواب ودار العذاب وتصرفه في أمور الأرض شامل لتصرفه في الناس. ثم أعقب بتحقيق وعده، وأعقب بتجهيل منكريه، وأعقب بالتصريح بالمهم من ذلك وهو الإحياء والإماتة والبعث" (١).
كما استدل الله على البعث بأصل الخلق فقال تعالى في الإنكار على من استبعد وقوع البعث بعد الموت: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٤).
أما الآخرة فقد أخبر الله بأنه من قدم عليه مجرماً كافراً بالله فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ
стр. 515
جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ (١)، وقال أيضاً عن الكافر الأشقى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ (٢).
فالمعذب"فيها لا يموت ولا يحيا، لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة يتلذذ بها، وإنما حياته محشوة بعذاب القلب والروح والبدن، الذي لا يقدر قدره، ولا يفتر عنه ساعة، يستغيث فلا يغاث، ويدعو فلا يستجاب له" (٣).
وأخبر النبي ﷺ أنه يؤتى بالموت في الآخرة فيذبح، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : " يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ " (٤).
تاسعاً: الإيمان بالقدر:
من الإيمان بالقدر الإيمان بعلم الله وخلقه وقدرته ومشيئته، وقد نبه الله على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتضادة، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ (٦) إلى غيرها من الآيات.
стр. 516
وفي هذا دليل على علم الله ومشيئته وقدرته (١).
كما أخبر الله أنه لن تموت نفس إلا بإذنه وتقديره حتى تستوفي المدة التي ضربها الله لها (٢) وأنه لا ينفع ولا يدفع الحذر من القدر، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ (٣).
كما أخبر النبي ﷺ أن الآجال مكتوبة، فعن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد" (٤).
عاشراً: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال:
١ - ضرب الأمثال:
ضرب الله مثلاً للمؤمنين بالأحياء، والكافرين بالأموات، وأنهم لا يستوون (٥)، فقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٦).
٢ - استخدام الألفاظ الشرعية:
ورد في القرآن إطلاق لفظ الموت على الجمادات، وهو أيضا مشهور في لغة العرب (٧)، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ
стр. 517
يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (٣)، ففي هذا الرد على الغلاة نفاة الأسماء والصفات الذين ينفون الموت والحياة عن الجمادات، ويزعمون أن الجمادات لا يقال لها حية ولا ميتة، ويصح نفيها عما ليس قابلاً لهما (٤).
الحادي عشر: مسائل الأسماء والأحكام:
من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الخلود في النار معلق بالموت على الكفر، وأن التوبة مقبولة ما لم يغرر العبد (٥)، وهم يرجون للمحسن، ويخافون على المسيء ولا يعلمون ما يختم للرجل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
стр. 518
وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (١).
أما التوبة قبل الموت، فقد قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٢).
وقال ﷺ : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرر " (٣).
стр. 519
القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية - الحياة والموت -:
أولاً: إنكار الحياة بعد الموت:
من القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية - الحياة والموت - إنكار الحياة بعد الموت، قال الله تعالى مخبراً عن المكذبين بالبعث: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ (١).
ورد الله عليهم قولهم بأن الذي بدأ الخلق فإن الإعادة عليه أهون (٢)، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ (٤).
ثانياً: نسبة الإحياء والإماتة إلى الدهر:
من القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية - الحياة والموت- نسبة الإحياء والإماتة إلى الدهر، قال تعالى مخبراً عن حال المشركين: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (٥) فأكذبهم الله في قولهم هذا فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (٦)، ثم بين أن الذي
стр. 520
يحيى ويميت هو الله تعالى (١)، فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
ثالثاً: القول بأن الموت أمر عدمي:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية - الحياة والموت- القول بأن الموت أمر عدمي، فإذا انعدمت الحياة مات المخلوق الحي، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ﴾ (٣) أي قدر.
وأهل السنة والجماعة على أن الموت أمر وجودي (٤).
ويؤكد ذلك حديث ذبح الموت الذي رواه أبوسعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يؤتي بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد: يا أهل الجنة , فيشرئبون وينظرون , فيقول لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم , هذا الموت. وكلهم قد رآه. ثم ينادي: يا أهل النار , فيشرئبون وينظرون , فيقول لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم , هذا الموت. وكلهم قد رآه , فيذبح , ثم يقول المنادي: يا أهل الجنة خلود فلا موت , ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ ﷺ قول الحق ﵎: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٥) " (٦).
стр. 521
رابعاً: إنكار ذبح الموت يوم القيامة:
من المخالفات المتعلقة بهذه الآية الكونية - الحياة والموت- إنكار ذبح الموت، وقد جاء بذلك الحديث الصحيح وأنه يؤتى بالموت في صورة كبش أملح (١) فقيل معنى: "ثم يذبح: "ذاك شيء يخلق الله عند ذبحه علما ضروريا في قلوبهم أنه لا موت بعد ذلك، ولو شاء لخلق العلم من غير ذبح أيضا، لكن لا يسأل عما يفعل، وإلا فالموت على تقدير فرض تجسمه وذبحه لا يوجب ذبحه العلم بعدم الموت بعد ذلك، لإمكان خلق مثله وإعادته كما أعاد الموتى المذبوحين منهم وغيرهم" (٢).
وقيل: "الموت معنى والمعاني لا تنقلب جوهرا وإنما يخلق الله أشخاصا من ثواب الأعمال وكذا الموت يخلق الله كبشا يسميه الموت ويلقى في قلوب الفريقين أن هذا الموت يكون ذبحه دليلا على الخلود في الدارين" (٣).
والصحيح أنه لا مانع من ذلك فالله على كل شيء قدير، وذلك أنه ينشئ من الأعراض أجساماً يجعلها مادة لها، كما ثبت في صحيح مسلم في حديث أن البقرة وآل عمران يجيئان كأنهما غمامتان (٤) ونحو ذلك من الأحاديث، وأن الأعمال توضع في ميزان والله على كل شيء قدير (٥).
стр. 522
الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:
ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:
١ - حديث قبض ملك الموت لداود ﵇ -.
عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "كان داود النبي فيه غيرة شديدة، وكان إذا خرج أغلقت الأبواب فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع"، قال: " فخرج ذات يوم، وأغلقت الدار، فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل الدار، والدار مغلقة، والله لتفتضحن بداود، فجاء داود فإذا الرجل قائم وسط الدار، فقال له داود: من أنت؟ قال: أنا الذي لا أهاب الملوك، ولا يمتنع مني الحجاب، فقال داود: أنت والله إذن ملك الموت، مرحبا بأمر الله، فرمل داود مكانه حيث قبضت روحه حتى فرغ من شأنه، وطلعت عليه الشمس، فقال سليمان للطير: أظلي على داود، فأظلت عليه الطير حتى أظلمت عليهم الأرض، فقال لها سليمان: اقبضي جناحا جناحا" (١).
стр. 523
المبحث السابع النوم
النوم في اللغة:
النون والواو والميم أصلٌ صحيح يدل على جمود وسكون حركة. منه النوم. نامَ ينام نَوْماً ومَناما. وهو نَؤُومٌ ونُوَمَة: كثير النَّوم.
وقد نام ينام فهو نائم. والجمع نيام، وجمع النائم نوم على الاصل، ونيم على اللفظ (١).
وفي الاصطلاح:
النوم فترة من الراحة يفقد النائم خلالها إدراكه بما يحيط به. ويختلف النوم عن الغيبوبة، في إمكانية إنهائه بسهولة.
وعندما ينام الإنسان، تتضاءل جميع أنشطته، وترتخي عضلاته. وتتباطأ ضربات القلب، وينخفض معدل التنفس، ويصبح الشخص كلما تعمق في نومه أقل إدراكا، لكل ما يجري حوله (٢).
стр. 524
الدلائل العقدية للآية الكونية - النوم -:
يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (١).
ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (٢).
فأخبر الله أن من علامات قدرته ورحمته تعالى التمكين من الراحة من التعب، والهدوء والاستقرار بالليل، وأن في هذه الآية من الدلالات والعبر لمن تدبرها وتأملها، وذلك من وجهين:
"أحدهما: أن هذين حالتان متعاورتان على الناس، قد اعتادوهما، فقل من يتدبر في دلالتهما على دقيق صنع الله تعالى، فمعظم الناس في حاجة إلى من يوقفهم على هذه الدلالة ويرشدهم إليها.
وثانيهما: أن في ما يسمعه الناس من أحوال النوم ما هو أشد دلالة على عظيم صنع الله تعالى مما يشعر به صاحب النوم من أحوال نومه؛ لأن النائم لا يعرف من نومه إلا الاستعداد له، وإلا أنه حين يهب من نومه يعلم أنه كان نائما، فأما حالة النائم في حين نومه ومقدار تنبهه لمن يوقظه، وشعوره بالأصوات التي تقع بقربه، والأضواء التي تنتشر على بصره فتنبهه أو لا تنبهه، كل ذلك لا يتلقاه النائم إلا بطريق الخبر من الذين يكونون أيقاظا في وقت نومه. فطريق العلم بتفاصيل أحوال النائمين واختلافها السمع، وقد يشاهد
стр. 525
المرء حال نوم غيره إلا أن عبرته بنومه الخاص به أشد، فطريق السمع هو أعم الطرق لمعرفة تفاصيل أحوال النوم، فلذلك قيل ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾، وأيضاً لأن النوم يحول دون الشعور بالمسموعات بادئ ذي بدء قبل أن يحول دون الشعور بالمبصرات" (١).
كما أن الله يضرب لنا مثل الموت والبعث كمثل النوم والاستيقاظ حتى يقرّب المعنى إلى عقولنا (٢)، فيقول تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في بيان شأن هذه الآية الكونية: "فهذا النوم من آيات الله ، تأتي القوم مثلا في حجرة أو في سطح أو في بر، وهم نيام كجثث موتى لا يشعرون بشيء، ثم هؤلاء القوم يبعثهم الله ، ثم إن الإنسان يعتبر بالنوم اعتبارا آخر، وهو إحياء الأموات بعد الموت، فإن القادر على رد الروح حين يصحو الإنسان ويستيقظ ويعمل عمله في الدنيا، قادر على أن يبعث الأموات من قبورهم، وهو على كل شيء قدير" (٤).
أولاً: وجود الله:
لما ذكر الله حال المعرضين عن التوحيد وجهلهم بقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ
стр. 526
يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (١) ذكر سبحانه بعدها الأدلة القاطعة حسا وعقلا على وجود الصانع الحكيم، وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة، وذكر منها -النوم- فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (٢)، ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ (٣).
"ففي هذه الآيات الكونية الليل والنهار والنوم، الليل وسكونه، والنوم وراحته، والنهار وحركته دليل واضح على وجود الإله الخالق القادر المتصرف في الكون، فجعل الله لكل ظرف ما يناسبه تماما ويحقق المقصود على أكمل وجه" (٤).
ثانياً: توحيد الربوبية:
يقول تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥)، ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (٦).
فهذه الآيات فيها"دليل على قدرة الله، وأن جميع الأشياء مسخرة مدبرة
стр. 527
لا تملك من التدبير شيئا، فخلقه تعالى الأضداد، والضد من ضده بيان أنها مقهورة" (١).
فهو سبحانه المتصرف في الوجود وهو الذي يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى والوفاة الصغرى -النوم-.
وكان النبي ﷺ إذا أراد أن ينام قال: "باسمك اللهم أموت وأحيا، وإذا استيقظ من منامه قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" (٢).
فالإنسان يعتمد على الله"ويجعل كل شيء بيد الله ، ويعظم الله ويعلم بأن كل شيء بقدرته ومشيئته وإرادته، وهو المحيي والمميت" (٣).
ثالثاً: توحيد الأسماء والصفات:
١ - نفي السِنة والنوم عن الله -:
من عقيدة أهل السنة والجماعة نفي السنة والنوم عن الله كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة؛ وذلك لكمال حياته وقيوميته (٤).
قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (٥).
وعن أبي موسى ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور -أو النار-لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه (٦) ما انتهى إليه بصره من خلقه" (٧).
стр. 528
٢ - رؤية الله في المنام:
رؤية الله يقظة لا تحصل في الدنيا لأحد من الناس حتى الأنبياء ﵈ (١)، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وقال ﷺ : " لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت" (٣)، أما رؤيته أثناء النوم فقد تحصل على الوجه اللائق بكمال الله تعالى وجلاله، كما أن الرؤية تختلف بحسب حال العبد الرائي.
قال الشيخ: عبدالعزيز بن باز ﵀: " ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وآخرون أنه يمكن أنه يرى الإنسان ربه في المنام (٤)، ولكن يكون ما رآه ليس هو الحقيقة؛ لأن الله لا يشبهه شيء ، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٥) فليس يشبهه شيء من مخلوقاته، لكن قد يرى في النوم أنه يكلمه ربه، ومهما رأى من الصور فليست هي الله جل وعلا؛ لأن الله لا يشبهه شيء ، فلا شبيه له ولا كفو له.
وذكر الشيخ تقي الدين ﵀ في هذا أن الأحوال تختلف بحسب حال العبد الرائي (٦)، وكل ما كان الرائي من أصلح الناس وأقربهم إلى الخير كانت
стр. 529
رؤيته أقرب إلى الصواب والصحة، لكن على غير الكيفية التي يراها، أو الصفة التي يراها؛ لأن الأصل الأصيل أن الله لا يشبهه شيء .
ويمكن أن يسمع صوتاً، ويقال له كذا، وافعل كذا، ولكن ليس هناك صورة مشخصة يراها تشبه شيئا من المخلوقات؛ لأنه سبحانه ليس له شبيه ولا مثيل " (١).
رابعاً: توحيد الألوهية:
يذكر الله من الأدلة على تفرده بالألوهية تفرده بالربوبية والخلق، وقهره لجميع المخلوقات وأنه المالك المتصرف في جميع المخلوقات ومنها هذه الآية الكونية -النوم- (٢).
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (٣).
ولما كان النائم بمنزلة الميت، والنوم أخوت الموت؛ علّم النبي ﷺ وأرشد من أراد النوم أن يدعو ربه ويسلم نفسه إليه، وأن يفوض أمره إليه وأن يوجه وجهه إليه مخلصاً له ويتوكل عليه (٤)، فقال ﷺ : " اللهم أسلمت نفسي
стр. 530
إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك، رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبرسولك الذي أرسلت، فإن مات مات على الفطرة" (١).
وقد أمر الله عباده بخوفه ورجاءه، ونهاهم عن الأمن من مكره فقال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٣)، وفيما يتعلق بهذه الآية الكونية -النوم- فقد توعد الله من أمن مكره أن يأتيهم العذاب وهم نائمون، وهذا من مكر الله بهم، فقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ (٤)، وقال تعالى عن أصحاب الجنة: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ (٥).
فالواجب على العبد أن يجعل خوفه مع الرجاء، ورجاءه مع الخوف، وأن لا يأمن من مكر الله كما لا يقنط من رحمة الله، فالخوف من مكر الله توحيد وإيمان، والأمن من مكر الله ينافي التوحيد؛ لأنه يدل على عدم الخوف من الله (٦).
خامساً: الإيمان بالملائكة:
رأي النبي ﷺ في اليقظة جبريل ﵇ وله ستمائة جناح (٧)، أما غير النبي