← Акыда

Акыда · id 115127

الدلالات العقدية للآيات الكونية

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (702 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (١) ذكر سبحانه بعدها الأدلة القاطعة حسا وعقلا على وجود الصانع الحكيم، وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة، وذكر منها -النوم- فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (٢)، ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ (٣). "ففي هذه الآيات الكونية الليل والنهار والنوم، الليل وسكونه، والنوم وراحته، والنهار وحركته دليل واضح على وجود الإله الخالق القادر المتصرف في الكون، فجعل الله لكل ظرف ما يناسبه تماما ويحقق المقصود على أكمل وجه" (٤). ثانياً: توحيد الربوبية: يقول تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥)، ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (٦). فهذه الآيات فيها"دليل على قدرة الله، وأن جميع الأشياء مسخرة مدبرة

стр. 527

لا تملك من التدبير شيئا، فخلقه تعالى الأضداد، والضد من ضده بيان أنها مقهورة" (١). فهو سبحانه المتصرف في الوجود وهو الذي يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى والوفاة الصغرى -النوم-. وكان النبي ﷺ إذا أراد أن ينام قال: "باسمك اللهم أموت وأحيا، وإذا استيقظ من منامه قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" (٢). فالإنسان يعتمد على الله"ويجعل كل شيء بيد الله ، ويعظم الله ويعلم بأن كل شيء بقدرته ومشيئته وإرادته، وهو المحيي والمميت" (٣). ثالثاً: توحيد الأسماء والصفات: ١ - نفي السِنة والنوم عن الله -: من عقيدة أهل السنة والجماعة نفي السنة والنوم عن الله كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة؛ وذلك لكمال حياته وقيوميته (٤). قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (٥). وعن أبي موسى ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور -أو النار-لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه (٦) ما انتهى إليه بصره من خلقه" (٧).

стр. 528

٢ - رؤية الله في المنام: رؤية الله يقظة لا تحصل في الدنيا لأحد من الناس حتى الأنبياء ﵈ (١)، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وقال ﷺ : " لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت" (٣)، أما رؤيته أثناء النوم فقد تحصل على الوجه اللائق بكمال الله تعالى وجلاله، كما أن الرؤية تختلف بحسب حال العبد الرائي. قال الشيخ: عبدالعزيز بن باز ﵀: " ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وآخرون أنه يمكن أنه يرى الإنسان ربه في المنام (٤)، ولكن يكون ما رآه ليس هو الحقيقة؛ لأن الله لا يشبهه شيء ، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٥) فليس يشبهه شيء من مخلوقاته، لكن قد يرى في النوم أنه يكلمه ربه، ومهما رأى من الصور فليست هي الله جل وعلا؛ لأن الله لا يشبهه شيء ، فلا شبيه له ولا كفو له. وذكر الشيخ تقي الدين ﵀ في هذا أن الأحوال تختلف بحسب حال العبد الرائي (٦)، وكل ما كان الرائي من أصلح الناس وأقربهم إلى الخير كانت

стр. 529

رؤيته أقرب إلى الصواب والصحة، لكن على غير الكيفية التي يراها، أو الصفة التي يراها؛ لأن الأصل الأصيل أن الله لا يشبهه شيء . ويمكن أن يسمع صوتاً، ويقال له كذا، وافعل كذا، ولكن ليس هناك صورة مشخصة يراها تشبه شيئا من المخلوقات؛ لأنه سبحانه ليس له شبيه ولا مثيل " (١). رابعاً: توحيد الألوهية: يذكر الله من الأدلة على تفرده بالألوهية تفرده بالربوبية والخلق، وقهره لجميع المخلوقات وأنه المالك المتصرف في جميع المخلوقات ومنها هذه الآية الكونية -النوم- (٢). قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (٣). ولما كان النائم بمنزلة الميت، والنوم أخوت الموت؛ علّم النبي ﷺ وأرشد من أراد النوم أن يدعو ربه ويسلم نفسه إليه، وأن يفوض أمره إليه وأن يوجه وجهه إليه مخلصاً له ويتوكل عليه (٤)، فقال ﷺ : " اللهم أسلمت نفسي

стр. 530

إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك، رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبرسولك الذي أرسلت، فإن مات مات على الفطرة" (١). وقد أمر الله عباده بخوفه ورجاءه، ونهاهم عن الأمن من مكره فقال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٣)، وفيما يتعلق بهذه الآية الكونية -النوم- فقد توعد الله من أمن مكره أن يأتيهم العذاب وهم نائمون، وهذا من مكر الله بهم، فقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ (٤)، وقال تعالى عن أصحاب الجنة: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ (٥). فالواجب على العبد أن يجعل خوفه مع الرجاء، ورجاءه مع الخوف، وأن لا يأمن من مكر الله كما لا يقنط من رحمة الله، فالخوف من مكر الله توحيد وإيمان، والأمن من مكر الله ينافي التوحيد؛ لأنه يدل على عدم الخوف من الله (٦). خامساً: الإيمان بالملائكة: رأي النبي ﷺ في اليقظة جبريل ﵇ وله ستمائة جناح (٧)، أما غير النبي

стр. 531

- ﷺ فإنهم لم يروا الملائكة إلا إذا تحول الملائكة إلى صورة بشرية، قال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (١) وقد رأى الصحابة ﵃ جبريل ﵇ (٢). أما رؤية الملائكة في المنام فهي جائزة (٣) ويدل لذلك حديث عبدالله بن عمر ﵄، قال ﷺ : " فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا ملك آخر، فقال: لم ترع" (٤). وهذا لا يعني وصف حقيقة الملائكة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان، ويتخيلها على حقيقتها، بل هي خلاف ما يتخيله، ويتصوره في منامه، ويقظته، وإن كان ما رآه مناسباً ومشابهاً لها" (٥). سادساً: الإيمان بالرسل: ١ - الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم: ومما اختص الله تعالى به الأنبياء أنّ أعينهم تنام وقلوبهم لا تنام (٦)، قال

стр. 532

- ﷺ عن نفسه: " إنّ عيني تنامان ولا ينام قلبي " (١). ٢ - رؤية النبي ﷺ في المنام: عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة" (٢). وعن جابر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " من رآني في النوم فقد رآني، فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي " (٣). فقد دلت هذه الأحاديث على أن النبي ﷺ يُرى في المنام وأن من رآه فقد رآه حقيقة فإن الشيطان لا يتمثل به (٤). ٣ - رؤيا الأنبياء وحي: قال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥). فهذه الآية إخبار من الله عن إبراهيم ﵇ أنه رأى في المنام أنه يذبح ابنه، ثم بين الله أن هذه رؤيا حق حيث أن إبراهيم سعى لتنفيذ رؤياه ﴿فَلَمَّا

стр. 533

أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فأخبر الله أن إبراهيم قد صدق هذه الرؤيا (١). ٤ - الرؤيا الصالحة: كان أول ما بدئ به الوحي الرؤيا الصالحة، فكان ﷺ إذا رأى الرؤيا تأتي كفلق الصبح (٢)، فكان ذلك إرهاصا للنبوة وتمهيدا لها لمدة ستة أشهر، وأخبر ﵊ أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة؛ ولذا قال ﷺ : " الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له جزء من ست وأربعين جزءاً من النبوة" (٣). فالرؤيا الصالحة من المبشرات وفيها إشعار للمؤمن بخير سيقع ليغتنمه أو شر ليحذر منه (٤). سابعاً: الإيمان باليوم الآخر: من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بجميع ما أخبر الله به أو أخبرت به رسله -عليهم الصلاة والسلام- من البعث والجزاء، وقد بين الله من الأدلة على ذلك وعلى صدق ما جاءت به الرسل أنه سبحانه جعل النوم سباتاً أي راحة للأبدان (٥)، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً

стр. 534

ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ (١). "فالمساء والصيرورة إلى النوم بمنزلة الموت والمصير إلى الله، ولهذا جعل الله سبحانه في النوم والانتباه بعده دليلا على البعث والنشور لأن النوم أخو الموت والانتباه نشور وحياة" (٢). ومما يتعلق أيضاً بهذه الآية الكونية من أمور الآخرة: "أن الجنة لا نوم فيها بإجماع المسلمين" (٣). ثامناً: صفة الشيطان: أخبر النبي ﷺ أن الشيطان يبول في أذن من نام حتى أصبح ولم يصل (٤)، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: " ذكر عند النبي ﷺ رجل فقيل: ما زال نائما حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة، فقال: بال الشيطان في أذنه" (٥). فيستفاد منه وقت بول الشيطان (٦). كما أخبر النبي ﷺ أن الشيطان يأتي الإنسان عند النوم فينومه حتى لا يقول الأذكار، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : " خلتان من حافظ عليهما، أدخلتاه الجنة، وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل" قالوا: وما هما يا رسول الله؟ قال: "أن تحمد الله وتكبره وتسبحه

стр. 535

في دبر كل صلاة مكتوبة عشرا، عشرا، وإذا أويت إلى مضجعك تسبح الله وتكبره وتحمده مائة مرة، فتلك خمسون ومائتان باللسان، وألفان وخمس مائة في الميزان، فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمس مائة سيئة؟ " قالوا: كيف من يعمل بهما قليل؟ قال: " يجيء أحدكم الشيطان في صلاته، فيذكره حاجة كذا وكذا، فلا يقولها، ويأتيه عند منامه، فينومه، فلا يقولها، قال: ورأيت رسول الله ﷺ يعقدهن بيده" (١). كما أخبر النبي ﷺ إن الحلم من الشيطان، عن أبي قتادة عن أبيه ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلما يخافه فليبصق عن يساره، وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره" (٢). وإضافة الحلم إلى الشيطان بمعنى أنها تناسب صفته من الكذب والتهويل وغير ذلك، بخلاف الرؤيا الصادقة فأضيفت إلى الله إضافة تشريف وإن كان الكل بخلق الله وتقديره (٣).

стр. 536

المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -النوم -: أولاً: ترك النوم تعبداً: من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية، ترك النوم تعبداً، والظن أن ذلك من القربات، وهذا أمر لم يشرعه الله وأنكره النبي ﷺ (١). عن أنس ﵁: " أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ سألوا عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء وقال بعضهم لا آكل اللحم، وقال بعضهم لا أنام على فراش، فحمد الله وأئنى عليه، فقال: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٢). ثانياً: الاعتماد على الرؤى في الأحكام: سبق أن الرؤيا الصالحة من المبشرات (٣)؛ ولكن هذه الرؤيا -وإن كانت رأى فيها النبي ﷺ فلا يجوز أن يؤخذ منها الأحكام، ويخالف بها أحكام الشريعة دون أن يعرضها على الكتاب والسنة (٤).

стр. 537

فأخذ الأحكام من المنامات مخالف لقول النبي ﷺ : " تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله " (١) فجعل ﷺ النجاة من الضلالة في التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فقط لا ثالث لهما، ومن اعتمد على ما يراه في نومه فقد زاد لهما ثالث (٢). فعلى من رأى رؤيا أن يعرضها على"الأحكام الشرعية فإن سوغتها عمل بمقتضاها وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة وأما استفادة الأحكام فلا" (٣). أما الرؤى التي رآها الصحابة وعُمل بها كرؤيا عبدالله بن زيد ﵁ في الأذان. فإن النبي ﷺ لما سمعها أقرها، وقال: " إنها لرؤيا حق لقد أراك الله حقا" (٤)، فكانت سنة تقرير كما يقرر بعض الناس على بعض الأفعال (٥).

стр. 538

الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية: ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها: ١ - ما وقع في نفس موسى: ﵇ هل ينام الله ؟ عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى ﵇ على المنبر، قال: "وقع في نفس موسى: هل ينام الله؟ فأرسل الله إليه ملكًا فأرقه ثلاثًا ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما". قال: "فجعل ينام تكاد يداه تلتقيان فيستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى، حتى نام نومة فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان" قال: "ضرب الله له مثلا : أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض" (١). ٢ - الدجال تنام عيناه ولا ينام قلبه: عن أبي بكرة ﵁، عن أبيه قال: وصف رسول الله ﷺ ذات يوم صفة الدجال، وصفة أبويه، قال: " يمكث أبوا الدجال ثلاثين سنة لا يولد لهما، ثم يولد لهما ابن مسرور مختون، أقل شيء نفعا وأضره، تنام عيناه، ولا ينام قلبه" (٢).

стр. 539

المبحث الثامن النبات النبات في اللغة: نبت: النون والباء والتاء أصل واحد يدلّ على نماءٍ في مزروع، ثم يستعار. فالنَّبت معروفٌ، يقال نَبَت. وأنْبَتَتِ الأرض. ونَبَّتُّ الشَّجرَ: غَرستُه. وكلُّ ما أَنْبَتَ الله في الأَرض فهو نَبْتٌ والنَّباتُ فِعْلُه، ويَجري مجْرى اسمِه، يقال: أَنْبَتَ اللهُ النَّبات إِنْباتاً ونحو ذلك (١). وفي الاصطلاح: هي مجموعة رئيسية من الكائنات الحية، تشتمل على نحو ٣٥٠,٠٠٠ نوع، من أمثلتها الأشجار والأزهار والأعشاب والشجيرات والحشائش. وتقسم النباتات إلى مجموعتين تبعاً لطريقة حصولها على غذائها. وتعرف جيمع النباتات الخضراء بأنها ذاتية التغذية، حيث تحتوي على يخضور (كلوروفيل)، يمكنها من اقتناص ضوء الشمس واستخدامه في إنتاج الغذاء، والمواد الأخرى التي تحتاج إليها في النمو. وتعرف الأنواع الأخرى من النباتات بأنها غير ذاتية التغذية، وتفتقر إلى اليخضور (الكلوروفيل)، ولا تستطيع إنتاج غذائها، وقد تكون متطفلة، أو رمِّية (٢).

стр. 540

وقد ورد لفظ النبات في القرآن في (٤) مواضع (١)، وورد في السنة في (٥١) حديثاً (٢). وذكر بعض المفسرين أن النبات في القرآن على أربعة أوجه (٣): أحدها: النبات بعينه. ومنه قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ (٥). والثاني: الإخراج، ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ (٦). والثالث: الخلق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (٧). الرابع: التربية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ (٨).

стр. 541

الدلائل العقدية للآية الكونية - النبات -: ورد ذكر النباتات وإنباتها وإخراجها من الأرض وإثمارها، في كثير من آيات القرآن الكريم، وخصوصاً الآيات المكية. وهذا لم يكن"لمجرد تعداد نعم الله فحسب، إنما جاء في آيات ترتبط بعملية الخلق والإحياء والبعث والنشور، وفي آيات تحض الناس على التبصر والتأمل، والتعقل والتدبر، وفي آيات تبطل ما ينكره الكافرون من قدرة الله على الإحياء وخلق الحي من الميت، وبعث الناس من قبورهم بعد موتهم وهلاكهم" (١). قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢). ومن يتأمل في هذه النباتات والثمار كيف نوعها الخالق في أحجامها وأشكالها وألوانها وروائحها ومذاقها، وهي في بقعة واحدة، وتسقى بماء واحد. قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٣). فإنه سيرى:

стр. 542

عجائبُ لا تنتهي في النبات ... تَدَلُّ على الخالق المقتدرْ (١). قال ابن القيم ﵀ مبيناً شأن هذه الآية الكونية: " فهذا النبات يغذي، وهذا يصلح الغذاء، وهذا ينفذه، وهذا يضعف، وهذا سم قاتل، وهذا شفاء من السم، وهذا يمرض، وهذا دواء من المرض، وهذا يبرد، وهذا يسخن، وهذا إذا حصل في المعدة قمع الصفراء من أعماق العروق، وهذا إذا حصل فيها ولد الصفراء واستحال اليها، وهذا يدفع البلغم والسوداء، وهذا يستحيل اليهما، وهذا يهيج الدم، وهذا يسكنه، وهذا ينوم، وهذا يمنع النوم، وهذا يفرح، وهذا يجلب الغم إلى غير ذلك من عجائب النبات التي لا تكاد تخلو ورقة منه ولاعرق ولا ثمرة من منافع تعجز عقول البشر عن الاحاطة بها وتفصيلها. وانظر إلى مجاري الماء في تلك العروق الرقيقة الضئيلة الضعيفة التي لا يكاد البصر يدركها إلا بعد تحديقه، كيف يقوى قسره واجتذابه من مقره ومركزه إلى فوق، ثم ينصرف في تلك المجاري بحسب قبولها وسعتها وضيقها، ثم تتفرق وتتشعب وتدق إلى غاية لا ينالها البصر. ثم انظر إلى تكون حمل الشجرة، ونقلته من حال إلى حال كتنقل أحوال الجنين المغيب عن الأبصار ترى العجب العجاب، فتبارك الله رب العالمين، وأحسن الخالقين، بينا تراها حطبا قائما عاريا لا كسوة عليها إذ كاسها ربها وخالقها من الزهر أحسن كسوة، ثم سلبها تلك الكسوة، وكساها من الورق كسوة هي أثبت من الأولى، ثم اطلع فيها حملها ضعيفا ضئيلا بعد أن أخرج ورقها صيانة وثوبا لتلك الثمرة الضعيفة لتستجب به من الحر والبرد والآفات،

стр. 543

ثم ساق إلى تلك الثمار رزقها وغذاها في تلك العروق والمجاري فتغذت به كما يتغذى الطفل بلبان أمه، ثم رباها ونماها شيئا فشيئا حتى استوت وكملت وتناهى ادراكها، فأخرج ذلك الجني اللذيذ اللين من تلك الحطبة الصماء. هذا وكم لله من آية في كل ما يقع الحس عليه ويبصره العباد وما لايبصرونه، تفنى الأعمار دون الإحاطة بها وجميع تفاصيلها" (١). أولاً: توحيد الربوبية: بين سبحانه قدرته العظيمة على خلق السموات والأرض، وما فيهما وما بينهما، ومن ذلك النباتات فقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (٢). ثم بين أن هذا الذي ذكره في الآية هو خلقه سبحانه وتقديره وحده لا شريك له في ذلك (٣)، فقال: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ

стр. 544

الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١). فالله هو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما -ومن ذلك النباتات- بالحق، ليستدل بهما العباد على عظمة خالقهما، وأنه وحده المتصرف المدبر لهما، وفيها أيضاً بيان كمال قدرة الخالق (٢). فلو اجتمعت البشرية جميعا على صناعة شجرة واحدة من العدم لما استطاعت، بل غصنا واحدا، بل ورقة واحدة، بل بذرة واحدة. فهو سبحانه: ﴿الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣). البركة: أخبر النبي ﷺ عن بعض النباتات أنها مباركة ومن ذلك النخلة، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: بينا نحن عند النبي ﷺ جلوس إذا أتي بجمار نخلة فقال النبي ﷺ : " إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم، فظننت أنه يعني النخلة، فأردت أن أقول: هي النخلة يا رسول الله، ثم التفت فإذا أنا عاشر عشرة، أنا أحدثهم فسكت، فقال النبي ﷺ : هي النخلة" (٤). وقال ﷺ : " من الشجر شجرة تكون مثل المسلم، وهي النخلة " (٥). "وبركة النخلة موجودة في جميع أجزائها، مستمرة في جميع أحوالها، فمن

стр. 545

حين تطلع إلى أن تيبس تؤكل أنواعا، ثم بعد ذلك ينتفع بجميع أجزائها، حتى النوى في علف الدواب والليف في الحبال وغير ذلك مما لا يخفى، وكذلك بركة المسلم عامة في جميع الأحوال، ونفعه مستمر له ولغيره حتى بعد موته" (١). ثانياً: توحيد الأسماء والصفات: ١ - كلام الله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢). عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن، مثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن، مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر" (٣). فمثل النبي ﷺ في الحديث بهذه النباتات. وفي هذا الحديث أيضا دليل على"أن التلاوة غير المتلو، فالتلاوة عمل العبد، وهي مخلوقة، وأما المتلو، فهو كلام الله منزل غير مخلوق، ولهذا بوب البخاري ﵀ بهذه الترجمة حتى قال: "لا تجاوز حناجرهم" فدل على

стр. 546

أن تلاوة القارئ عمل له. أما المتلو، فهو كلام الله يقرؤه البر والفاجر" (١). والناس يتفاوتون في التلاوة فهي أعمالهم، وأعمالهم مخلوقة، وأما كلام الله فمنزل غير مخلوق (٢). ٢ - التسبيح: يسبح الله نفسه وينزهها عن أحوال المشركين تنزيها عن كل ما لا يليق بإلهيته وأعظمه الإشراك به (٣)، أو أنه يكون له ظهير، أو عوين، أو وزير، أو صاحبة، أو ولد، أو سَمِيٌّ، أو شبيه، أو مثيل في صفات كماله ونعوت جلاله، أو يعجزه شيء يريده (٤)، ويذكر في ذلك خلق النباتات، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٥). ولما ذكر الله بعض الأدلة على الألوهية والقدرة والبعث في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (٦). فهو سبحانه المتفرد بخلق النباتات وما يسره من الحرث والزرع، وأنه لو شاء لجعله

стр. 547

محطما لا نفع فيه ولا رزق، أمر بتسبيحه وتنزييه عن جميع النقائص (١)، قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (٢). ثالثاً: توحيد الألوهية: سبق في المبحث السابق: الأرض (٣) أن الله -تعالى- يذكر ويعدد من دلائل إنفراده بالتصرف والخلق - في الأرض وغيرها - مما هو مشاهد وأضح الدلالة على المشركين لإفراد الله بالعبادة (٤). قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٥). "فخلق هذه النبات وتنوعها دالة على وحدانية الله لأن هذا الصنع الحكيم لا يصدر إلا عن واحد لا شريك له" (٦). وقد ذكر الله في"تفاصيل ما به يعرف ويتعين أنه الإله المعبود وأن عبادته هي الحق وعبادة ما سواه هي الباطل" (٧) خلق النبات والأشجار فقال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ (٨). ولما سأل فرعون موسى عن ربه ومعبوده كان من ضمن إجابته أنه الذي

стр. 548

خلق الأزواج من النبات (١): ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ (٢). رابعاً: الإيمان بالملائكة: من الإيمان بالملائكة الإيمان بأعمالهم التي وكلهم الله بها، ومن ذلك ميكائيل الموكل بالنبات (٣). وأخبر النبي ﷺ أن الملائكة تتأذى من بعض النباتات كما يتأذى بنو آدم، فعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أكل من هذه البقلة -الثوم- وقال مرة: من أكل البصل والثوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" (٤)، "وهذا يدل على أن الملائكة تُنزه عن هذه الروائح" (٥). خامساً: الإيمان بالكتب: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ

стр. 549

لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١). فمثل الله " حالة إنزال القرآن واهتداء المؤمنين به والوعد بنماء ذلك الاهتداء، بحالة إنزال المطر ونبات الزرع به واكتماله. وهذا التمثيل قابل لتجزئة أجزائه على أجزاء الحالة المشبه بها: فإنزال الماء من السماء تشبيه لإنزال القرآن لإحياء القلوب، وإسلاك الماء ينابيع في الأرض تشبيه لتبليغ القرآن للناس، وإخراج الزرع المختلف الألوان تشبيه لحال اختلاف الناس من طيب وغيره، ونافع وضار، وهياج الزرع تشبيه لتكاثر المؤمنين بين المشركين. وأما قوله تعالى: ثم يجعله حطاما فهو إدماج للتذكير بحالة الممات واستواء الناس فيها من نافع وضار. وفي تعقيب هذا بقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٢)، إشارة إلى العبرة من هذا التمثيل" (٣). وفي معناه قول النبي ﷺ : " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلِم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" (٤).

стр. 550

سادساً: الإيمان بالرسل: من الإيمان بالرسل الإيمان بالآيات التي أيد الله بها رسله، ومن تلك الآيات التي أظهرها الله لنبيه محمداً ﷺ انقياد الأغصان والأشجار له عند قضاء حاجته. فعن جابر ﵁ قال: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا واديا أفيح، فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته، فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله ﷺ فلم ير شيئا يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصّف مما بينهما لأم بينهما -يعني جمعهما- فقال: التئما علي بإذن الله، فالتأمتا، قال جابر ﵁: فخرجت أحضر مخافة أن يحس رسول الله ﷺ بقربي فيبتعد، فجلست أحدث نفسي، فحانت مني لفتة فإذا أنا برسول الله ﷺ مقبلا وإذا الشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق" (١). وكذلك حنين الجذع للنبي ﷺ (٢)، عن ابن عمر ﵄ قال: "كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، فأتاه فمسح يده عليه" (٣).

стр. 551

وعن جابر بن عبد الله ﵄: " أن النبي ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار أو رجل: يا رسول الله ألا نجعل لك منبراً، قال: إن شئتم. فجعلوا له منبرا، فلما كان يوم الجمعة دُفع إلى المنبر فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي ﷺ فضمه إليه، تئن أنين الصبي الذي يُسكَّن، قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها" (١). سابعاً: الإيمان باليوم الآخر: من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بجميع ما أخبر الله عنه وأخبرت عنه رسله -عليهم الصلاة والسلام- من البعث والجزاء، وقد ذكر الله من الأدلة عليه إحياء الأرض بعد موتها بالنبات من كل زوج وصنف وهو دليل عقلي مشاهد محسوس (٢). فقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤). كما أمر الله بالتفكر في تكوّن الحبوب والثمار التي بها طعام الإنسان،

стр. 552

فإن الأجساد تخرج من الأرض للبعث كما تخرج تلك النباتات (١)، قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (٢). وهذا المعنى كثير في القرآن، يضرب الله مثلا للقيامة بإحياء الأرض بعد موتها (٣). وأخبر النبي ﷺ في بيان كيف ينبت الموحدون بعد خروجهم من النار وسرعة ذلك وحسنه (٤)، وشبه ذلك بنبات الحِبة في حميل السيل (٥). عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم) فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحِبة تكون في حميل السيل، فقال رجل من القوم: كأن رسول الله ﷺ قد كان بالبادية " (٦).

стр. 553

كما أن النبي ﷺ شبه الخطاطيف التي على الجسر يوم القيامة بشوك السعدان، وهي شوكة عظيمة مثل المحك من كل الجوانب (١). فعن أبي سعيد الخدري ﵁: " قيل يا رسول الله وما الجسر؟ قال دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان" (٢). وقد ورد في الكتاب والسنة أن في الجنة أشجار ونباتات، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣). وقال تعالى عن نعيم أصحاب اليمين: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (٤). وقال تعالى عن الجنة: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (٦). وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها" (٧).

стр. 554

ثامناً: الإيمان بالقدر: من الإيمان بالقدر الإيمان بعلم الله وخلقه ومشيئته، وقد نبه الله على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد وما فيها من التفاوت والفرق ما هو مشاهد معروف، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ (٢) وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ (٤) وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٥). فهذا"الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع، في أشكالها وألوانها، وطعومها وروائحها، وأوراقها وأزهارها. فهذا في غاية الحلاوة وذا في غاية الحموضة، وذا في غاية المرارة وذا عَفِص، وهذا عذب وهذا جمع هذا وهذا، ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن الله تعالى. وهذا أصفر وهذا أحمر، وهذا أبيض وهذا أسود وهذا أزرق. وكذلك الزهورات مع أن كلها يستمد من طبيعة واحدة، وهو الماء، مع هذا الاختلاف الكبير الذي لا ينحصر ولا ينضبط، ففي ذلك آيات لمن

стр. 555

كان واعيا، وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار، الذي بقدرته فاوت بين الأشياء وخلقها على ما يريد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ " (١). وفي"تفاوتها أيضاً دليل عقلي على مشيئة الله تعالى، التي خصصت ما خصصت منها، بلونه، ووصفه، وقدرة الله تعالى حيث أوجدها كذلك، وحكمته ورحمته، حيث كان ذلك الاختلاف، وذلك التفاوت، فيه من المصالح والمنافع، ومعرفة الطرق، ومعرفة الناس بعضهم بعضا، ما هو معلوم. وذلك أيضا، دليل على سعة علم الله تعالى" (٢). وأخبر الله أن النبات إنما يخرج بإذن الله وإرادته، وليست الأسباب مستقلة بذلك (٣)، فقال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ (٤). تاسعاً: منزلة الصحابة: بين الله أن مثل الصحابة في الإنجيل في مناصرتهم للنبي ﷺ وتأييدهم ومآزرتهم له كمأزرة فراخ الزرع للزرع إلى أن يشب ويقوى. قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ (٥) فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ

стр. 556

مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١). وقيل هذا مثل ضربه الله لأصحاب محمد ﷺ في أنهم يكونون قليلاً ثم يكثرون ويزدادون (٢). وقيل: إن الصحابة"كالزرع في نفعهم للخلق واحتياج الناس إليهم، فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع وسوقه، وكون الصغير والمتأخر إسلامه، قد لحق الكبير السابق ووازره وعاونه على ما هو عليه، من إقامة دين الله والدعوة إليه، كالزرع الذي أخرج شطأه، فآزره فاستغلظ" (٣). عاشراً: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال: ضرب الأمثال: من منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال ضرب الأمثال للتوضيح والتقريب، وقد ضرب الله مثلاً للذين ينفقون أموالهم في سبيل الله وبيان شرف هذه النفقة كمثل حبة أنبتت سبع سنابل، فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤). "وهذا إحضار لصورة المضاعفة بهذا المثل، الذي كأن العبد يشاهده ببصره فيشاهد هذه المضاعفة ببصيرته، فيقوى شاهد الإيمان مع شاهد العيان، فتنقاد النفس مذعنة للإنفاق سامحة بها مؤملة لهذه المضاعفة الجزيلة والمنة الجليلة" (٥).

стр. 557

وضرب الله مثلاً للحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض من زرع وثمار، على اختلاف أنواعها وأصنافها، ثم أصبح هشيماً تذروه الرياح (١)، فقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣). وضرب النبي ﷺ مثلاً في بيان حال المؤمن الذي يقرأ القرآن، والذي لا يقرأ القرآن، والمنافق الذي يقرأ القرآن والذي لا يقرأ القرآن ببعض النباتات وذلك للتوضيح والتفريق بين حالهم (٤)، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر" (٥).

стр. 558

"فهذه أمثال ضربها الرسول ﷺ لبيان تفاوت الناس في هذه الأمور، وأن من كان عنده القرآن فإنه جمع بين خصلتين محمودتين: إيمان وقراءة القرآن، وشبهه بالأترجة التي طعمها حلو، وريحها طيب، وشبه المؤمن الذي لا يقرأ القرآن بالتمرة التي طعمها طيب ولكن لا ريح لها، والفاجر الذي لا يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب، ولكن طعمها مر، والفاجر الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها" (١). كما أن النبي ﷺ شبه المسلم بالنخلة في "كثرة خيرها، ودوام ظلها، وطيب ثمرها، ووجوده على الدوام، فإنه من حين يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتى ييبس، وبعد أن ييبس يتخذ منه منافع كثيرة، ومن خشبها وورقها وأغصانها فيستعمل جذوعا وحطبا وعصيا ومخاصر وحصرا وحبالا وأوانى وغير ذلك، ثم آخر شيء منها نواها وينتفع به علفا للابل، ثم جمال نباتها وحسن هيئة ثمرها، فهي منافع كلها، وخير وجمال، كما أن المؤمن خير كله، من كثرة طاعاته، ومكارم أخلاقه، ويواظب على صلاته وصيامه وقراءته وذكره، والصدقة والصلة وسائر الطاعات وغير ذلك" (٢). وعن عبدالله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي. قال عبدالله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله، قال: فقال هي النخلة، قال: فذكرت ذلك لعمر، قال: لأن تكون قلت هي النخلة أحب إلي من كذا وكذا" (٣).

стр. 559

الحادي عشر: مسائل الأسماء والأحكام: من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الناس يتفاضلون في الإيمان (١)، وقد بين النبي ﷺ ذلك، وضربه له مثلا ببعض النباتات والثمار، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر" (٢). "وإبراز هذه المعاني وتصويرها إلى المحسوسات ما هو مذكور في الحديث، ولم يوجد ما يوافقها ويلائمها أقرب ولا أحسن ولا أجمع من ذلك؛ لأن المشبهات والمشبه بها واردة على تقسيم الحاصل؛ لأن الناس إما مؤمن أو غير مؤمن، والثاني إما منافق صرف أو ملحق به، والأول إما مواظب على القراءة أو غير مواظب عليها، وعلى هذا فقس الأثمار المشبه بها، ووجه الشبه في المذكورات منتزع عن أمرين محسوسين طعم وريح وليس بمفرق" (٣).

стр. 560

المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - النبات -: أولاً: تسمية الله بالزارع (١): من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - النبات - تسمية الله بالزارع. من قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٢)، والصحيح أنه لا يجوز أن يقال لله تعالى: (الزارع) على أنه اسمًا له أو صفةً من صفاته وإنما يقال: هو الزارع على أنه خبر عن فعلٍ من أفعال الله تعالى، وليس كل فعلٍ فعله الله تعالى يشتق له منه اسمًا أو صفة (٣). قال الشيخ حافظ حكمي (٤) ﵀: " ومن الخطأ ما عده بعضهم، ومنهم ابن العربي المالكي في كتابه أحكام القرآن حيث سماه بالفاعل والزارع، فإن الفاعل والزارع إذا أطلقا بدون متعلق ولا سياق يدل على وصف الكمال فيهما، فلا يفيدان مدحا، أما في سياقها من الآيات التي ذكرت فيها فهي

стр. 561

صفات كمال ومدح وتوحيد، كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (١) .. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٢). الآيات، بخلاف ما إذا عدت مجردة عن متعلقاتها وما سيقت فيه وله" (٣). ثانياً: تحريف معنى سجود الأشجار: قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (٤) والنجم ما لا ساق له، والشجر ما له ساق (٥). فقيل في سجودهما أنهما يستقبلان الشمس إذا طلعت ثم يميلان معها حتى ينكسر الفيء. وقيل: سجودهما دوران الظل معهما، وقيل: إن معنى السجود أنها مسخرة لله فلا تعبدوها، وقيل: أصل السجود في اللغة الاستسلام والانقياد لله ، فهو من الموات كلها استسلامها لأمر الله وانقيادها له (٦). وقد سبق في مبحث عبودية الكائنات (٧) أن سجود هذه الكائنات سجود حقيقي الله أعلم بكيفيته لقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (٨).

стр. 562

المبحث التاسع الأمراض المرض في اللغة: الميم والراء والضاد أصل صحيح يدل على ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة في أي شيء كان. منه العِلَّة. والمرض السقم نقيض الصحة يكون للإنسان والبعير، وهو اسم للجنس، ومرض فلان مرَضاً ومرْضاً فهو مارض ومَرِض ومريض، والأنثى مريضة. وشمس مريضة، إذا لم تكن مشرقة. والمَرْضُ والمرَضُ الشَّكُّ، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (١) أَي شكٌّ ونفاقٌ وضَعْفُ يَقِين، يقال المرَضُ والسُّقْم في البدَن والدِّينِ جميعاً، كما يقال الصِّحةُ في البدَن والدين جميعاً، والمرَضُ في القلب يَصْلُح لكل ما خرج به الإِنسان عن الصحة في الدين ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (٢)، ويقال قلب مَرِيضٌ من العَداوةِ وهو النِّفاقُ (٣). وفي الاصطلاح: المرض اعتلال الجسم أو العقل. وقد يكون المرض عارضا خفيفا مثل التهاب الحلق أو خطيرا مثل النوبة القلبية. ويمكن للأمراض أن تصيب أي جزء في الجسم. كما يمكنها أن تؤثر على صحة الشخص العقلية والوجدانية. وتحدث أمراض عديدة بسبب كائنات حية دقيقة مثل البكتيريا أو الفيروسات، تقوم بغزو الجسم. وهذه الكائنات الدقيقة تسمى عادة جراثيم

стр. 563

ولكن العلماء يسمونها أحياء مجهرية. وتسمى الأمراض الناتجة عن هذه الأحياء الأمراض المعدية، وتسمى الأمراض الأخرى أمراضا غير معدية (١). وقد ورد لفظ المرض في القرآن في (١٢) موضعاً (٢)، وورد في السنة في (١١) حديثاً (٣). وذكر بعض المفسرين أن المرض في القرآن على ثلاثة أوجه (٤): أحدها: مرض البدن. ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (٧). والثاني: الشك. ومنه قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (٨)، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ (٩)، وقوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ (١٠). والثالث: الفجور. ومنه قوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (١١).

стр. 564

الدلائل العقدية للآية الكونية - الأمراض -: الله حكيم عليم، لم يخلق شيئاً إلا وله فيه حكمة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (١)، ومن حكمته أن خلق الصحة وخلق ما يضادها من الأمراض، وهذا من آيات الله العظيمة التي أمر الله بالتفكر فيها (٢). "ومن تأمل خلق الأضداد فى هذا العالم، ومقاومة بعضها لبعض، ودفع بعضها ببعض، وتسليط بعضها على بعض، تبين له كمال قدرة الرب تعالى، وحكمته، وإتقانه ما صنعه، وتفرده بالربوبية والوحدانية والقهر، وأن كل ما سواه فله ما يضاده ويمانعه، كما أنه الغنى بذاته، وكل ما سواه محتاج بذاته" (٣). ولله في هذه الأمراض حكم عظيمة، فمن فوائد المرض وتمام نعمة الله على عبده، أنه ينزل بعبده من الضر والشدائد ما يلجئه إلى المخاوف، حتى يلجئه إلى التوحيد، ويتعلق قلبه بربه فيدعوه مخلصاً له الدين، قال الله تعالى عن نبيه أيوب ﵇: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٤). فكشف الله ضره وأثنى عليه، فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٥).

стр. 565

ومن فوائد المرض: انتظار المريض للفرج، الأمر الذي يجعل العبد يتعلق قلبه بالله وحده، وخصوصاً إذا يئس المريض من الشفاء من جهة المخلوقين وحصل له الإياس منهم وتعلق قلبه بالله وحده، وهو من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج. ومن فوائد المرض: أنه علامة على إرادة الله بصاحبه الخير، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من يرد الله به خيراً يصب منه " (١). ومن فوائد المرض: أن الله يستخرج به الشكر، فإن العبد إذا ابتلي بعد الصحة بالمرض، وبعد القرب بالبعد، اشتاقت نفسه إلى العافية، وبالتالي تتعرض إلى نفحات الله بالدعاء، فإنه لا يرد القدر إلا الدعاء، بل ينبغي له أن يتوسل إلى الله ولا يتجلد تجلد الجاهل؛ فإن الله أمر العبد أن يسأله تكرماً، وهو يغضب إذا لم تسأله، فإذا منح الله العبد العافية وردها عليه عرف قدر تلك النعمة؛ فلهج بشكره شكر من عرف المرض وباشر وذاق آلامه لا شكر من عرف وصفه ولم يقاس ألمه، فإذا نقله ربه من ضيق المرض والفقر والخوف إلى سعة الأمن والعافية والغنى فإنه يزداد سروره وشكره ومحبته لربه بحسب معرفته وبما كان فيه. ومن فوائد المرض: معرفة العبد ذله وحاجته وفقره إلى الله، فأهل السماوات والأرض محتاجون إليه سبحانه، فهم فقراء إليه وهو غني عنهم، ولولا أن سُلط على العبد هذه الأمراض لنسي نفسه، فجعله ربه يمرض ويحتاج، لتظهر بذلك عبوديته لربه، وفي الأمراض من الحِكم والأسرار ما لا يعمله إلا الله تعالى.
следующие страницы →