← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

التيسير في أحاديث التفسير من إملاء سماحة الشيخ محمد المكي الناصري الجزء الأول دار الغرب الإسلامي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ التيسير في أحاديث التفسير

стр. 3

الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م دار الغرب الإسلامي

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم مقدمة منذ عهد مبكّر يسّر الله الأسباب للتمرّس بالقرآن الكريم، قراءةً وتجويداً، تلقّياً وتلقيناً، دراسة وتدريساً. ومن حُسْنِ الحظ أن أخذت علم التفسير على شيوخ كبار، بعضهم في المغرب وبعضهم في المشرق، فتعرّفت عن كثب، وأدركت عن بيّنة، عظمة رسالة القرآن، التي هي أكبر نعمة أنعم الله بها على الإنسان، واقتنعت كامل الاقتناع بأنّ مَنْ أهّلته الأقدار لتلقي هذه الرسالة يجب عليه أن يقوم بنشرها على أوسع نطاق، وأن يبذل النفس والنفيس في سبيل تبليغها إلى الناس كافة. وكان من ذلك ما تطوّعت به في العشرينات والثلاثينات من إلقاء دروس ومحاضرات في تفسير بعض السور وبعض الآيات، بمساجد الرّباط ومساجد تطوان. ثم ما كرّست له قسماً كبيراً من وقتي وجهدي في الأربعينات، من الإقبال على تفسير القرآن الكريم كل يوم بين العشاءين، خلال سنتين متواليتين بالمسجد الأعظم بطنجة، وخلال سنة ثالثة بالمسجد المحمدي والمسجد العتيق بالدّار البيضاء. وكانت هذه الدروس العامة التي احتككت فيها بالشعب المؤمن احتكاكاً يومياً مباشراً فرصة للتأكد من جديد -إن كانت هناك حاجة إلى التأكيد- بما يحدثه كتاب الله من تعبئة روحية، وتأثير عميق، وانقلاب سريع في نفوس المؤمنين والمؤمنات. فكتاب الله هو الذي أحيا من المسلمين الموات،

стр. 5

وأعدّهم للبذل والعطاء وعظيم التضحيات، فانطلقوا كالسيل الجارف، الجيش الزاحف، يدكّون صروح الاستعمار، في مختلف الدّيار. وبعد استرجاع الاستقلال في أواسط الخمسينات واصلت العمل على نشر رسالة القرآن، فألقيت عدة أحاديث ومحاضرات في موضوعات مختلفة من الدّراسات القرآنية المتنوعة، كان من بين ما عالجته فيها موضوع " المنهج العلمي لتفسير القرآن " وموضوع " كيف يعيش الإنسان طبقاً لتعاليم القرآن " وموضوع " دستور العمل في شريعة القرآن " وموضوع " رسالة القرآن رسالة خالدة " وموضوع " إعجاز القرآن على ضوء العلم الحديث ". كما قمت خلال نفس الفترة بتفسير عدة سور مفردة، في مناسبات متعددة، لكن دون التزام بعقد مجالس عامة للتفسير بصورة منتظمة. وذات يوم من أسعد أيام الستينات تلقيت دعوة ملحّة من الإذاعة الوطنية بالمغرب للقيام بإلقاء أحاديث يومية في تفسير القرآن الكريم، لفائدة المواطنين والمواطنات، وكافة المؤمنين والمؤمنات، وذلك برواية ورش عن نافع، التي هي القراءة المتبعة عند المغاربة منذ عدة قرون، فوجدت هذه الدعوة النبيلة هوى في النفس، وحنيناً في القلب، واستجابة روحية كاملة. لكنني أحسست في نفس الوقت بثقل المسؤولية، وصعوبة التكليف، فقد كانت الدُروس والمحاضرات التي اعتدت إلقاءها من قبل قاصرة على الجمهور الذي يتسع له هذا المسجد أو ذاك، وهذه القاعة أو تلك، وذلك الجمهور مهما يكن عدده كثيراً ووفيراً فإنه لا نسبة بينه وبين الجمهور الجديد والعديد الذي يستمع إلى الإذاعة الوطنية كل يوم، من مختلف الأذواق والمشارب المستويات، داخل المغرب وخارجه. وشاء الله تعالى أن يهديني سواء السبيل عندما عثرت على المفتاح، الذي يمكن أن يكون أول خطوة في طريق التوفيق والنجاح، فقد تبين لي

стр. 6

بما لا يدع مجالاً للشك أن المهمة الجلّى والكبرى التي يجب أن تؤديها "أحاديث التفسير" لجمهور المسلمين الكبير - بصفتها أحاديث يومية عامة - هي وضع أيديهم، كل مطلع فجر، على الكنوز التي أودعها الله في القرآن، وتذكيرهم بالرّسالة "الأصليّة" للقرآن، التي هي رسالة الحياة في كل يوم، رسالة التوجيه الإلهي والتربية الرّبانيّة، التي يجب أن يتجلّى أثرها الطيب والدائم في حياتهم اليومية، ذلك أن آيات القرآن الكريم ليست قصّة من قصص الماضي السحيق يكتفي بحكايتها والتبرّك بها في فترات الرّاحة والاسترخاء، ولا خبراً من أخبار الغابرين يقتصر على التلهّي بها في مجالس التسلية والسمر. وإنما هي رسالة الحياة المتجددة في كل عصر وجيل، وقصة اليوم والغد والحاضر والمستقبل، وهي مرآة المسلم الصافية التي يجب أن ينظر وجهه فيها كل مطلع شمس، ويعيّر سلوكه بمعيارها، ويكيف حياته بها في كل حين. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. ومن منن الله علينا أن كتاب الله العزيز جعله الله " تبياناً لكل شيء " فوضَّح لنا فيما وضَّحَ، ما هي رسالة القرآن، بأعجز وأوجز بيان؟ فقال تعالى في سورة الأعراف - الآية ٢٠٣: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وقال تعالى في سورة إبراهيم - الآية ٥٢: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وقال تعالى في سورة القصص - الآية ٤٣: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. فلتدر إذن " أحاديث التفسير اليومية " في فَلَك هذه الآيات البيّنات، التي حددت بمنتهى الدقة والوضوح رسالة القرآن " الأصلية " ولْتُقدِّم للجمهور المسلم معاني القرآن، خالصة من جميع الشوائب التي تتنافى مع

стр. 7

روح القرآن، ولْتُبَرِّئ ساحة القرآن من كل ما لا يمت بسبب ولا نسب إلى القرآن، أو السنّة الصحيحة التي هي بيان القرآن، وَلْتَسْتَعِنْ على بسط ما هو مجمل، وتقييد ما هو مطلق، وتخصيص ما هو عام، وتوضيح ما قد يعرض في فهمه إشكال أو غموض، بمقارنة الآيات القرآنية الواردة في كل موضوع موضوع وكل ميدان ميدان، فكتاب الله من بدايته إلى نهايته كتاب واحد يفسر بعضه بعضاً، ويكمل بعضه بعضاً، وهو بمجموعه وبكافة سوره يُكَوّن " وحدة " متلاحمة لا تقبل التناقض ولا تعرف الاختلاف. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. فصلت - الآية٤٢. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ - النساء - الآية ٨٢. وتسهيلاً للوصول من أقصر الطرق وأيسرها إلى الغاية المتوخاة من " أحاديث التفسير اليومية " ارتأيت أن أقدّم بين يدي الآيات التي أنا مقبل على تفسيرها، والتي يكون المستمع مقبلاً على سماعها تدبرها، مدخلاً تمهيديّاً لتلك الآيات، ونظرة عامة عليها، حتى يستعد في يسر وأناة وتدرّج لفهمها واستيعابها، ويتبيّن له المحور الذي تدور عليه من أوّلها إلى آخرها. وفي هذا المدخل التمهيدي أُدرج مسبقاً بطريقة أو بأخرى - ما يصلح أن يكون شرحاً لبعض المفردات المستعملة في تلك الآيات، إعانة له على فهمها، مما لا يجده اليوم مستعملاً بكثرة، أو لا يجده مستعملاً بالمرّة، حتى إذا ما واجه آيات الحصّة واجهها بمنتهى الوعي وكامل الإدراك، وحصل منها على الفائدة المرجوّة. وعندما يضيق الوقت المخصص في الإذاعة لحصّة التفسير عن استيعاب القول في جميع الآيات الداخلة في نطاق الحصّة أكون مضطراً إلى التركيز على قسم من تلك الآيات، وأؤجل القول في بعضها الباقي

стр. 8

إلى أن يأتي ما يماثلها في حصة أخرى من نفس السورة، أو ما يماثلها في غيرها من السور. حتى إذا ما حلَّت المناسبة المرتقبة جمعت الآيات المتعلقة بنفس الموضوع في صعيد واحد، وتناولت السابق منها واللاحق بالتفسير الكافي والشرح الوافي، بقدر الاستطاعة، وبذلك تكون أحاديث التفسير قد تناولت في مجموعها الجميع. وحتى لا يتشعب القول في هذه الأحاديث، ولا تخرج عن الغرض الذي من أجله وقع التفكير في إملائها لم أجعل منها معرضاً للمصطلحات العلمية، ولا مرجعاً للخلافات المذهبية، ولا معتركاً للجدل والفضول وكثرة القيل والقال، والتوسع الزائد عن الحاجة المؤدي إلى الإملال، ولم أشحنها بذكر " القواعد العلمية " التي تضبط كل فرع من فروع الثقافة الإسلامية، ولم أشرْ إليها إلا لماماً وعند الضرورة، إذ الغاية الأولى والأخيرة من هذه الأحاديث هي المساهمة العملية واليومية في التثقيف الشعبي والدّيني الذي هو حق كل مسلم ومسلمة، وإعداد برنامج إذاعي خاص، للتعريف كل يوم برسالة القرآن الجامعة، وهدايته النافعة "ولكل مقام مقال". على أنّ ما نقدّمه ضمن هذه الأحاديث من البيانات والإِيضاحات والفهوم، كله مبني وقائم على أساس نفس "القواعد العلمية" التي حرّرتها وضبطتها تلك العلوم، إذ بدونها وبتجاهلها لا يمكن لأحد منا أن يضرب في علم التفسير بسهم، ولا أن يفهم كتاب الله فهماً صحيحاً لا لغوياً ولا شرعياً. أما الأسلوب الذي اخترته لإملاء هذه الأحاديث فهو أسلوب مبسَّط وَسَط يفهمه الأمّي ويرتاح إليه المتعلم، بحيث لا ينزل، حتى يُبْتَذل عند الخاصة، ولا يعلو، حتى يصعب على العامة، بل هو بين بين، يتجافى عن استعمال الوحشي والدخيل والغريب، ويتفادى كل ما

стр. 9

فيه تعقيد أو غموض، من بعيد أو قريب، ويتحدث إلى أهل العصر بلغة العصر، ويضع نفسه في جو المشاكل التي يتخبط فيها هذا العصر، وفي نفس المستوى الثقافي للعصر. وهذا النوع المتميز بالسهولة واليسر من أساليب البيان، يتجاوب كل التجاوب مع توجيهات القرآن، فقد قال تعالى في سورة القمر المكية ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وأعاد كتاب الله هذه الآية بنفس النص في نفس السياق أربع مرات، فكانت هي الآية السابعة عشرة، والثانية والعشرين، والثانية والثلاثين، والآية الأربعين، كل ذلك ليؤكد معناها، ويلفت النظر إلى مغزاها. وبديهيّ أن "تيسير القرآن" الذي يؤدي إلى التذكُّر والتدبُّر لا يقف عند حد تيسر تلاوته وحفظه، وإنما يشمل ويضع في الدّرجة الأولى تيسير فهمه وعلمه والعمل به، مصداقاً لقوله تعالى في نفس الآية: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وقوله تعالى في آية أخرى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وما دام الأسلوب الذي وقع عليه الاختيار لتحقيق هذا الغرض النبيل مستمداً ومستوحىً من نص التنزيل القائل ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ففي إمكان قراء هذه الأحاديث أن يطلقوا عليها اسم (التيسير في أحاديث التفسير)، أو يطلقوا عليها بناءً على ما بَسَطناه من مختلف الاعتبارات اسم (النهج القَوِيم في تفسير الذكر الحكيم). هذه كلمات مختصرة وضعتها بين أيدي هذه الأحاديث، قصد تعريف القرّاء الأعزّاء بالظروف التي أوحت بها، والغاية المتوخاة منها، والطريقة المتبعة في إملائها، حتى يكونوا على بَيِّنة من أمرها، وعسى أن تكون هذه الأحاديث فاتحة عهد جديد، بصفتها أول تفسير إذاعي للمصحف الكريم عرفته الإذاعات العربية والإسلامية، في ميدان التوعية الدينية.

стр. 10

أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل عملاً مقبولاً، وأن يجعله لِعَفوه ورضاه سَنَداً موصولاً، وأن ينفعني وينفع به جمهرة المستمعين والقرّاء، إنه سميع الدعاء. أما حَمَلة "علم القرآن" في مختلف البلدان فإنني أرجو منهم قبول المعذرة عما قد يكون في هذا العمل من خللٍ أو نقصان، وعما قد أكون تعرضت له من خطأ أو نسيان، أو سبق لسان، وشفيعي لدى الجميع حسن النّية وسلامة القصد، والحرص على الوفاء بما لله ورسوله في ذمة "أهل الذكر" من الميثاق والعهد، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ صدق الله العظيم. رباط الفتح محمد المكي الناصري

стр. 11

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عباد الله ــ القرآن الكريم هو الذِّكْرُ الحكيم الذي أنزله الله هداية خالدة لبني الإنسان، ونوراً ساطعاً لأهل الإيمان، وقد تعهّد الحق بحفظه من كل تحريف أو تبديل، كما قال في محكم التنزيل: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ - إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فكان بفضل التحصين الإلهي الدائم هو الكتاب المقدّس الوحيد الذي يمثّل الوحي السماوي أصدق تمثيل. ومما اقتضتهُ الحكمة الربَّانية أن يكون هذا الكتاب المنزّل مقسماً على ١١٤ سورة تحتوي في مجموعها على ٦٠٦١٦ من الآيات البيِّنات، واقتضت أن يكون نزول آياته مُنجَّماً حسب الوقائع والأحداث، تسهيلاً لحفظه، وتيسيراً لتدبره، وعَوناً على الانتفاع به علماً وعملاً ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾. وسيراً في نفس الاتجاه، وخدمة لنفس الغاية، ارتأى علماء القرآن أن يجزّئوا تلاوة المصحف الكريم وحفظه إلى عدة أجزاء، وأن يقسِّموا الجزء الواحد إلى عدة أحزاب، كما يقسّمون الحزب الواحد إلى الأثمان والأرباع والأنصاف.

стр. 12

وجرياً على هذه الخطة المحكمة النافعة، سيستمع المومنون والمومنات في مثل هذه الحصة من كل يوم إلى تلاوة ربع حزب من المصحف الكريم، وسيتبع هذه التلاوة حديث توجيهي خاص يلفت انتباه المستمعين والمستمعات، إلى ما شنفوا به أسماعهم من الآيات البينات، تيسيراً لفهم القسم المتلو من كتاب الله، والمزيد من تدبره والتفقه فيه، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ - وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 13

الربع الأول من الحزب الأول في المصحف الكريم (ق) ــ ١ - سورة الفاتحة مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) ٢ - سورة البقرة مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)

стр. 14

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ

стр. 15

بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)

стр. 16

وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)

стр. 17

الربع الأول من الحزب الأول في المصحف الكريم (ت) واليوم نتحدث في مدخل هذه الحصة بكلمة عامة عن سورة الفاتحة وسورة البقرة، ثم نتبع الكلمة العامة بإلقاء نظرة خاصة على الموضوع الرئيسي الذي عالجته الآيات البينات الواردة في هذا الربع الأول، من أول حزب في المصحف الكريم. ــ أما (سورة الفاتحة) فقد أطلق عليها هذا الاسم لاعتبارات متعددة، أولا أنها سورة تفتتح بها كتابة المصحف الكريم، ثانيا أنها أول سورة تفتتح بها قراءة القرآن العظيم، ثالثا أنها أول ما يتلوه المصلي في صلاته فرضا كانت أم نفلا، وهو يرددها كل يوم وليلة سبع عشرة مرة في صلواته المفروضة. ثم إنها بالنسبة لكتاب الله كبراعة الاستهلال بالنسبة لغيره، إذ كل كلمة من كلماتها، وكل آية من آياتها، تشير من قريب أو بعيد، إلى جملة محتويات القرآن الكريم، ومقاصده المتعددة، وموضوعاته المتنوعة، بما فيها من عقائد وعبادات، وشرائع وأخلاق، وما يتصل بحياة الإنسان في مبدئه ومعاده، في دنياه وآخرته على السواء، ولهذه المعاني - والله أعلم - أطلق عليها أيضا في الحديث النبوي الشريف (أم القرآن)، و (أم الكتاب)، كما جاء في حديث

стр. 18

خرجه الترمذي في سننه، ووصفه بأنه حديث حسن صحيح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الحمد لله أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني). ففي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إشارة إلى ما للخالق من حقوق على خلقه، خصوصا حق العبادة والطاعة، وحق الشكر والثناء، وحق الحساب والجزاء. وفي قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا﴾ إشارة إلى ما للمخلوقين من حاجة دائمة إلى إمداد خالقهم، تقتضيهم باستمرار طلب الهداية وطلب المعونة من رب العالمين، الرحمان الرحيم. وفي قوله تعالى: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إشارة إلى التوجيه السماوي الذي أكرم الله به المؤمنين والقانون الإلهي الذي شرعه لخيرهم ونفعهم، ضبطا للصلة القائمة بين المخلوق والخالق، وتنظيما للعلاقة القائمة بين الإنسان وأخيه الإنسان. وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إشارة إلى سلسلة النور، التي برزت أول حلقة من حلقاتها منذ أقدم العصور، من النبيئين والصدّيقين والشهداء والصالحين، الذين تعاقبوا على عرش الخلافة الإلهية في هذه الأرض، فعاشوا على هدىً من ربهم، مؤدين الرسالة، مبلغين الأمانة، وكان لقاؤهم مع الله لقاء من سبقت له الحسنى ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وفي قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ إشارة إلى الفئات المنحرفة من بني الإنسان، التي لم تستجب لنداء الرحمان،

стр. 19

والتي قابلت الهداية الإلهية بالتمرد والعصيان، والجحود والكفران ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال " يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل. إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى علي عبدي. فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجدني عبدي. وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ". وأما (سورة البقرة) فقد أطلق عليها هذا اللقب، أخذا من المعجزة التي أيد الله بها نبيه موسى الكليم عندما قتل إسرائيلي أحد أقربائه رغبة في إرث ماله، ولم يعرف من هو القاتل، بالرغم من جميع الوسائل، فأوحى الله إلى موسى أن يأمر بني إسرائيل بذبح بقرة وضرب القتيل بعضو منها، فتعود إليه الحياة بأمر الله، ويكشف بهذه الطريقة عن هوية القاتل، ويكون ذلك معجزة لموسى الكليم تضاف إلى معجزة العصا التي اشتهرت باسم (عصا موسى)، وإلى هذه القصة تشير الآيات الواردة في هذه السورة حيث تقول: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ - إلى قوله تعالى:

стр. 20

﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ * وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وسورة البقرة هذه واحدة من تسع عشرة سورة كلها نزلت على رسول الله بالمدينة، علاوة على ٩٥ سورة أخرى سبق نزولها عليه بمكة قبل الهجرة. وتعتبر سورة البقرة أطول سورة من سور القرآن، وأول سورة نزلت بالمدينة بعد هجرة الرسول ﵊ إليها. ونظرا لتنوع ما احتوت عليه السورة من حكم وأحكام، وكونها تحتوي على أكبر جزء من الدستور التشريعي للإسلام، فقد قضى عمر بن الخطاب اثني عشرة سنة في تعلمها والتفقه فيها، ولما ختمها نحر جزورا احتفالا بختمه لها، بينما ابنه عبد الله بن عمر صرف في تعلمها مدة ثمان سنين كما في موطأ الإمام مالك. ونقل القاضي أبو بكر المشهور (بابن العربي) المعافري عن بعض أشياخه أنه قال: "في سورة البقرة ألف أمر، وألف نهي، وألف حكم، وألف خبر". وفي فضل هذه السورة روى الإمام مسلم عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اقرؤا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة ". ورغما عن تعدد الموضوعات التي تشتمل عليها هذه السورة الكريمة، فإن هناك محورا يضمها، ويربط بينها جميعا، ذلك هو الحديث عن الجماعة الإسلامية الناشئة التي أخذت تنمو وتقوى

стр. 21

بالمدينة، وعن الجماعات الأخرى المناهضة للإسلام التي واجهت المسلمين بالسوء، وعلى رأسها الجالية الإسرائيلية التي كانت قد هاجرت إلى تلك البقاع منذ أمد بعيد، فهذه السورة تشرح كيف استقبل بنو إسرائيل الدعوة الإسلامية، وكيف كان موقفهم من الرسول وأتباعه المهاجرين والأنصار، ويمتد الحديث في نفس الموضوع حتى يشمل الأطوار التي مر بها بنو إسرائيل عبر التاريخ، من سعادة إلى شقاء، ومن قوة إلى ضعف، ومن نصر إلى هزيمة، ومن اختيار لحمل الأمانة، إلى تجريد منها ودمغ بالخيانة، ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. كما يتناول الحديث فيها توضيح المنهج الذي اختاره لسلوك المسلمين في عباداتهم ومعاملاتهم، وتحديد النظام الإسلامي الذي شرعه لتنظيم حياتهم الخاصة، وحياتهم العامة فيما بينهم بعضهم مع بعض، وفيما بينهم وبين الملل الأخرى، وتتحدث سورة البقرة عن الأمانة الكبرى التي ادخرها الله للمسلمين، واختارهم لحملها إلى كافة الأمم، بعدما نكل عنها أولئك الذين نقضوا عهد الله وميثاقه من أهل الكتاب، وتحذر السورة المسلمين من عثرات بني إسرائيل وانتكاساتهم المتوالية، وتبصرهم بما نالهم من سوء العاقبة، جزاءا وفاقا لعنادهم وتمردهم على الله ورسله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. وهكذا جعل القرآن الكريم من بني إسرائيل مضرب المثل للمسلمين في حالتي السعادة والشقاء، والهدى والضلال، والرضى

стр. 22

والغضب، حتى يعتبروا بما وقع لهم، ويحذروا من أن يسلكوا سبيلهم. والآن نلقي نظرة سريعة بالخصوص على الآيات الأولى من سورة البقرة: لقد وصف القرآن الكريم في هذه الآيات ثلاث طوائف عايش بعضها بعضا في بدء الهجرة المحمدية إلى المدينة، وهذه الأصناف من البشر وجدت في كل جيل مضى وتوجد في كل جيل لاحق، فوصف القرآن الكريم لها وصف كاشف لها في جميع الأجيال والعصور. تلك الطوائف الثلاث هي طائفة (المؤمنين) الذين أكرمهم الله بالايمان، فساروا على هدى الأنبياء والرسل، وطبقوا التعاليم الإلهية على حياتهم الخاصة وحياتهم العامة. ثم طائفة (الكافرين) الذين تمردوا على طاعة الله وتنكروا لهدايته، وأشهروا الحرب، بالقول والفعل، على دعوته. وأخيرا طائفة (المنافقين) الذين هم أخطر على المؤمنين من الكافرين، والذين يلعبون أدوارا شيطانية ملتوية تخفى على الكثير من الناس، ولشدة خطر هذه الطائفة جعل الله عقابها أشد عقاب. فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾. فهذه الطوائف الثلاث التي عايشت كل الرسالات وعاصرت جميع الدعوات، ألقى عليها التنزيل الحكيم من أضوائه القوية ما كشف عنها القناع، فوضح سمات المؤمنين التي لا لبس فيها ولا

стр. 23

غموض في أربع آيات: ﴿فِيهِ هُدًى لِلمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُومِنُونَ بالغَيبِ ويُقِيمُونَ الصّلاةَ وَمِمَّا رَزَقنَاهُم يُنفِقُونَ* والَّذينَ يُومِنُونَ بِمَا اُنزِلَ إِلَيكَ ومَا أُنزِلَ مِن قَبلِكَ وبالآخِرَة هُمْ يُوقِنُون * أُولَئكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِم وَأولئِكَ هُمُ المُفلِحُون﴾. ووضح سمات الكافرين المعلنين بالكفر في آيتين ﴿إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيهِمءَأَنذَرتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُومِنُون (٦) خَتَمَ الله عَلَى قُلُوبِهِم وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُم عَذَابٌ عَظِيم﴾. ثم تطرق كتاب الله لوصف الطائفة الثالثة طائفة المنافقين، فأطال الحديث عنها، وخصص للكشف عن نفاقها ثلاث عشرة آية كاملة، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وإنما طال الحديث عن طائفة المنافقين بما لم يطل به عن الطائفتين الأخريين، لأن طائفة المنافقين ذات ألوان مختلفة، وأقنعة متعددة، والكشف عن جوهرها المعقد، وعن شخصيتها المزدوجة، وعن تناقض مظهرها مع مخبرها، يحتاج إلى مزيد من الأضواء، وتنويع في الصور، وتكثير من الأمثال، وذلك حتى يكون المؤمنون على كامل البينة ومنتهى الحذر من دسائس المنافقين ومؤامراتهم وأخطارهم، ويعرفوهم بسيماهم معرفة كاشفة.

стр. 24

ومن معجزات القرآن الكريم أن الأوصاف التي وصف بها هذه الطوائف الثلاث (المؤمنين، والكافرين، والمنافقين) كانت ولا تزال هي السمات البارزة والثابتة في كل طائفة منهم، تحقيقا لمدلول هذه الآيات البينات، التي أوحى بها خالق النفوس العليم الخبير بخلجات القلوب. صدق الله العظيم وبلغ رسوله المصطفى الكريم.

стр. 25

الربع الثاني من الحزب الأول في المصحف الكريم (ق) ــ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)

стр. 26

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ

стр. 27

فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)

стр. 28

الربع الثاني من الحزب الأول في المصحف الكريم (ت) عباد الله حصة التلاوة في هذا اليوم تشمل الربع الثاني من أول حزب في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ ونهاية هذا الربع قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾. ــ الإشارة في مطلع هذه الآيات إلى الأمثال التي يضربها الله للناس في كتابه الحكيم، مثل قوله تعالى في وصف المنافقين في الربع الأول لهذا الحزب: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾. وذلك زيادة في كشف المعنى، وتوضيح المراد، وإقامة الحجة ﴿وَتِلكَ الأَمثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وقد كانت الأمثال ولا تزال في جميع اللغات وعند جميع الأمم لها من التأثير في الإقناع ما جعل استعمالها شائعا ذائعا، ولاسيما عند العرب، فنزل القرآن بلسان عربي مبين، وجرى على مألوف استعمالهم في ضرب الأمثال، غير أن الأمثال القرآنية تختلف عن الأمثال الأخرى التي عرفها العرب والعجم، بروعتها وإعجازها، وكونها على غير نمط

стр. 29

سابق، ومن هنا كان وقعها مختلفا باختلاف من يسمعها، فالمؤمن الذي خالطت قلبه بشاشة الإيمان يدرك مغزاها، ويزداد بواسطتها بصيرة ونورا، والكافر الذي أطبقت عليه ظلمة الكفر يقابلها بالتجاهل والتساؤل، والتساؤل الذي لا يقصد من ورائه الرغبة في المعرفة، وإنما تساؤل المنكر الممعن في الإنكار والاستهزاء، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. ورغما عن أن " البعوضة " في الظاهر عند الناس تعتبر كائنا حقيرا تافها قد يستغرب ضرب المثل بمثله، فإن الآية أشارت إلى أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا به، مادام الغرض من ضرب الأمثال هو مزيد الكشف والإيضاح للسامعين، ولذلك ضرب الله المثل بالنمل والعنكبوت في آيات أخرى. على أن العصور التالية منذ نزول القرآن حتى الآن، قد أثبتت ما لهذا الكائن الحقير الصغير (البعوضة) من خطورة وقوة وتأثير في الفتك والتخريب والتدمير، فقد أثبتت الدراسات الطبية أن فعل هذا الكائن بالإنسان، يفوق فعل الطاعون والطوفان، ولذلك جندت الدول لحربه ومقاومته كل ما في الإمكان، واتضح الآن لذوي الفكر المستنير حكمة ذكره في القرآن. ثم لابد أن نقف وقفة ولو قصيرة عند قوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾. ذلك أن كثيرا من الناس عندما تسبق إلى نفوسهم فكرة من الأفكار يتعصبون لها، ويجمدون عليها، ويعتقدونها اعتقادا أعمى، فإذا

стр. 30

ألقي إليهم بفكرة جديدة قالوا (قلوبنا غلف). كما أن كثيرا من الناس عندما يتورطون في نوع مرذول من أنواع السلوك، ويألفون جوه العفن، يصبحون أكثر الناس حذرا ومخافة من كل فكرة صالحة تلقي الأضواء على ما هم عليه من انحراف وشذوذ، باعتبار أن الفكرة الجديدة قد تكشف معايبهم، وتفضح أسرارهم، وتخرجهم عن مألوفاتهم التي أصبحوا أسراء لها، وتجعلهم حقراء مرذولين أمام أنفسهم أولا، وأمام الناس أخيرا، وهكذا يكتفي الفاسقون بإقفال أسماعهم عن سماع أية فكرة صالحة، بل يتصدون لها بالمقاومة والمحاربة سرا وعلنا، وبذلك يزدادون فسقا على فسق، وانحرافا فوق انحراف، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة ﴿ومَا يُضِلُّ بهِ إلا الفَاسِقينَ﴾ فقد أثبتت لهم هذه الآية صفة الفسوق أولا وسابقا، وبتأثير هذه الصفة الملازمة لهم والمسيطرة عليهم زادوا عتوا وضلالا، إذ الجريمة تدفع إلى أختها، والسيئة تعين على مثلها، على حد قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ وذلك بعكس (المتقين) الذين لازمتهم صفة التقوى، فانفعالهم من تلقاء أنفسهم يكون مزيدا من الهداية، ومزيدا من الرشد. ومن هنا انتقلت الآيات الكريمة إلى تحليل أوصاف (الفاسقين) بعدما حللت آيات أخرى سابقة في مطلع هذه السورة أوصاف المتقين ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. وتتلخص أوصاف (الفاسقين) كما حددتها الآيات في ثلاثة أشياء: (١) الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، (٢) ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، (٣) ويفسدون في الأرض.

стр. 31

أما نقض الفاسقين لعهد الله فيتجلى في جحودهم له بعدما اعترفوا بألوهيته وربوبيته وشهدوا بذلك على أنفسهم وهم في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾. ويتجلى نقضهم لعهد الله في عصيانهم لرسله بعدما التزموا بطاعتهم، وفي كفرهم بكتبه وهجرهم لها بعد ما تعهدوا بإتباعها ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ومن كان له من الجرأة ما ينقض به عهد الله ويتحدى إرادته كان حريا بأن لا يكون له عهد، بل أن ينقض عهوده مع الناس جميعا. وأما قطع الفاسقين لما أمر الله به أن يوصل فيتجلى في قطعهم صلة الأرحام المشتركة، وفي قطعهم صلة العقائد المشتركة، وفي قطعهم صلة الروابط المشتركة، فهم أنانيون مغرقون في الأنانية لا يعرفون الرحمة ولا الإحسان، ولا يهمهم من العيش إلا أنفسهم، وشعارهم المميز: " أنا وبعدي الطوفان " ومن بلغت به الأنانية إلى هذا الحد لا يرجى منه خير، ولا ينتظر منه نفع، لا للقريب ولا للبعيد. وأما فساد الفاسقين وإفسادهم في الأرض، فيتجلى في سعيهم إلى تحطيم جميع المقدسات، وفي استهانتهم الظاهرة والباطنة بجميع القيم، وفي اعتدائهم المتوالي على حقوق الأفراد والجماعات، وفي إجبارهم للغير على الرضى بالفساد والعيش في ظله، ويتجلى بالأخص في محاربتهم لأوامر الله وانتهاكهم لحرماتهن والعمل بالخصوص على إقصاء تعاليمه وطردها من جميع مجالات العيش ومواكب الحياة.

стр. 32

وهذه الصفات الثلاث التي وصف الله بها "الفاسقين" من خيانة للعهد، وقسوة القلب، وإفساد في الأرض، كانت ولا تزال هي شعار "الفاسقين" لا تتخلف واحدة منها عن الأخرى في أي عصر ولا في أي جيل. وفي الآيات التالية من هذه الحصة عرض رائع لقصة آدم وترشيحه للخلافة عن الله في هذه الأرض ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾. وفي هذه القصة إشارة أولى إلى بيان فضل آدم على الملائكة، وأن هذا الفضل يتجلى في امتنان الله عليه بعلم ما لا يعلمونه، ومعرفة ما لا يعرفونه، ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. وفيها إشارة ثانية إلى الفرق الجوهري القائم بين الملك والإنسان، فالملائكة ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ والإنسان خلقه الله حرا مختارا بحيث يطيع ويعصي، ويتمثل ويتمرد ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ - ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ ولكن رحمة الله تنتظره في كل وقت بالتوبة المقبولة، والمغفرة المهداة، لقاء تحقيقه لمراد الله، وتنفيذه لأمره على سطح هذه الأرض، والقيام بعمارتها وإصلاحها وعبادة الله فيها ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وفي هذه القصة إشارة ثالثة إلى أن عصيان الإنسان لربه ليس نابعا من ذاته، وإنما هو بتأثير عامل خارجي عنه، قد يستبد به ويهيمن عليه، ألا وهو (الشيطان) الذي يوحي إليه بالعصيان

стр. 33

﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ ولو لم يكن هناك شيطان، ولا إيحاء منه بالعصيان، لاختار الإنسان طريق الخير الذي هو مجبول عليه ومندفع إليه دائما. وفيها إشارة رابعة إلى أن عداوة الشيطان للإنسان عداوة دائمة ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. وفي هذه الإشارة تنبيه قوي للإنسان، حتى يكون دائما على حذر من الشيطان، فلا يثق بتغريره وإغرائه، ولا يمكنه من الأخذ بتلابيبه. وأخيرا فيها إشارة خامسة إلى العهد الإلهي المتبادل بين الإنسان وربه، ألا وهو عهد إرسال الرسل وإنزال الكتب لهداية الإنسان، رحمة به وأخذا بيده، وعهد إتباع الرسل وإنزال الرسل وتطبيق الشرائع في حياة الإنسان طاعة وامتثالا ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فإتباع الهدى الإلهي هو الحصن الحصين للإنسان، من الوقوع في شبكة الشيطان، وهو الطريق الوحيد للحصول على السعادة والفلاح، بدلا من الشقاء والخسران ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾.

стр. 34

الربع الثالث من الحزب الأول في المصحف الكريم (ق) ــ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ

стр. 35

عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ

стр. 36

ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)

стр. 37

الربع الثالث من الحزب الأول في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم، نتناول الربع الثالث من الحزب الأول في المصحف الكريم، وبداية هذا الربع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ونهاية قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. ــ والحديث في هذا الربع متجه إلى بني إسرائيل المقيمين بالمدينة وما حولها، فقد كانت جالية كبيرة منهم تعايش الرسول وأصحابه المهاجرين والأنصار خلال الفترة التي تلت الهجرة النبوية، وكان لها نشاط هدام يتطلب من الإسلام يقظة وحذرا بالغين، وعن طريق هؤلاء يتجه الحديث في الحقيقة إلى جميع بني إسرائيل في العالم، وإلى الكتابيين جميعا. فبعدما استغربت الآيات الكريمة موقفهم من الإسلام والقرآن، وأشارت إلى أن اعتراف الدعوة الإسلامية برسالة موسى الكليم كان يقتضي مبادرتهم إلى تصديق هذه الدعوة والدخول تحت لوائها، وأن المعقول والمنتظر منهم هو أن يكونوا أسبق الكتابيين إلى الإيمان بالقرآن، لا أول الكافرين به كما ارتضوا ذلك لأنفسهم،

стр. 38

فتحملوا وزرهم وأوزار جميع الكافرين الذين أتوا من بعدهم وقلدوهم، كما قال تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾. توالت الآيات البينات في كشف القناع، وإلقاء الأضواء، على المساوئ التي اتصف بها بنو إسرائيل ومن سلك طريقهم، فمن كتمان لحق وطمس لمعالمه، إلى تزييف للحق وتلبيس له بالباطل، إلى تبديل لكلمات الله وتحريف لمعانيها، إلى نفاق في السلوك وازدواج في الشخصية، ينشأ عنه تناقض صارخ بين الظاهر والباطن، واختلاف كبير بين الأقوال والأعمال، ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾، ﴿فَبَدَّلَ الذِينَ ظَلَمُوا قَولاً غَيرَ الذِي قِيلَ لَهُم﴾. ثم أخذت الآيات الكريمة في تذكير بني إسرائيل بالأطوار الغامضة المضطربة التي مروا بها، وفي تعريف غيرهم بتلك الأطوار حتى يحسبوا لها ألف حساب في الموعظة والاعتبار. فمن إشارة إلى المعاملة القاسية والمحنة الكبرى التي لاقوها على يد فرعون وقومه، وما نالهم بعدها على يد موسى الكليم من نجاة وحرية. ومن إشارة إلى ما أكرم الله به موسى من تكليم ووحي، وما أتى قومه من نعم وارفة الظلال، حيث ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأباح لهم أكل الطيبات من الرزق، وقبل منهم التوبة بعد ارتكاب أكبر الذنوب والموبقات.

стр. 39

ومن تعريض بما ارتكبوه من انحراف عن الحق وانتكاس عن الهدى، حيث عبدوا العجل عندما غاب عنهم موسى، ثم طالبوه برؤية الله عيانا متحدين له عندما عاد إليهم ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾، ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾. وواضح أن ما تذمه هذه الآيات وتنعاه على بني إسرائيل، من كتمان للحق، وتلبيس له بالباطل، ونفاق في السلوك، وجرأة على الله، وعناد لرسله، وتجاهل لنعم الله المتوالية وكفران بها-رغما عن أهميتها الكبرى-وإن كان الخطاب به متجها في الأصل إلى بني إسرائيل-ليس قاصرا عليهم وحدهم دون بقية الناس، بل إن ما فيه من الذم والنعي كما ينطبق عليهم بالأصالة، ينطبق بالتبع على جميع من سلك مسلكهم واقتدى بهم في خصالهم المستقبحة وسلوكهم المنحرف، وبذلك تعتبر هذه الآيات تنبيها دائما للمسلمين، وتحذيرا لهم، وإنذارا صريحا للمنحرفين منهم عن سواء السبيل، بسوء العاقبة وقبح المصير. ومما يناسب الوقوف عنده وقفة خاصة من هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَاّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾. ذلك أن الخطاب الإلهي في هذه الآيات يعتبر توجيها عاما لا خاصا، فقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. فيه لفت نظر

стр. 40

المؤمن العاقل إلى ما بين الصبر والصلاة من تلازم في الغاية، وإلى ما بين الصبر والصلاة من تكامل في الطبيعة، بحيث يعتبر مجموعهما وكل منهما عونا إلهيا على مجابهة متاعب الحياة، ومددا ربانيا للتغلب على مشاكلها اليومية. فبالصلاة يقوى الرجاء في الله، ويرتكز الإيمان بالقدر خيره وشره على أقوى أساس، وعن طريق الصلاة يستمد المؤمن الهداية والإعانة من ربه دون انقطاع. وبالصبر يواجه المؤمن مسؤولياته الملقاة على عاتقه، بحكم أمانة الاستخلاف عن الله، مطمئن القلب، منشرح الصدر، معتصما بالله، معتمدا عليه، وقد تكرر هذا المعنى في نفس سورة البقرة بخطاب إلهي موجه إلى المؤمنين بالذات، إذ قال تعالى: ﴿فَاذكُرُوني أَذكُركُمْ واشْكُرُوا لِي ولَا تَكفُرُونِ﴾ - ﴿يَأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا استَعِينُوا بالصَّبرِ وَالصَّلاةِ، إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. دعوة من الله إلى عباده المؤمنين للإقبال على مائدته، والتناول من بساط رزقه الممدود غير المحدود، لكن مع الاقتصار على (الطيبات) التي أحلها، والاكتفاء بها دون (الخبائث) التي حرمها ﴿وَيُحلُّ لَهُمُ الطَّيَباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الخَبَائِثَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾، وعد إلهي للمحسنين من عباده بالزيادة في رزقهم، وإغداق النعم عليهم، وكما يقتضي منطوق هذا النص وعدا للمحسنين بالمزيد من فضل الله وكرمه،
следующие страницы →