Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
وامتثالا لأمر أبيهم يعقوب أعاد فريق من أبنائه الكرة، تاركين الفريق الآخر مع أبيهم، فرحلوا إلى مصر من جديد، واتخذوا جميع الوسائل للمثول مرة أخرى بين يدي عزيز مصر -وهو في الحقيقة أخوهم يوسف- طالبين منه إسعافهم بالتموين اللازم لهم، مقابل أخذه منهم بضاعة قليلة جاؤوا بها، ولم يكتموا عنه طمعهم في أن يوفي لهم الكيل، ورجاءهم في أن يتصدق عليهم بما تجود به نفسه الكريمة. ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ والضر يشمل المجاعة التي أصابت بلادهم، والهم الذي نزل بعائلتهم ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ أي بضاعة قليلة ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾.
وفي هذه المناسبة انتهز يوسف الفرصة، فكشف عن وجهه النقاب، وعرفهم بأن " عزيز مصر " الذي يتحدثون إليه الآن هو أخوهم يوسف بالذات، وأن أخاهم الذي حجزه عنده في المرة الماضية هو أخوه بنيامين، وإذن فهم الآن أفراد أسرتهم، وأمام واحد منهم، وذكرهم بما فعلوه به وبأخيه، ناسبا ذلك الفعل إلى ما كانوا عليه في حال الفتوة من جهل بحقائق الأمور، وغفلة عن خفايا الأقدار، واستعرض أمامهم نعمة الله عليه وعلى أخيه، وأن مصير كل من اتقى وصبر، هو الفوز والظفر ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
стр. 1017
وعندما عرفوا حقيقة الأمر اعترفوا بفضل الله على أخيهم يوسف، وبإيثار ربه له عليهم، لحكمة يعلمها - ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] واعترفوا في نفس الوقت بالخطيئة التي ارتكبوها في حقه، لكنه أجابهم بجواب كله حلم وصفح، وعفو ورحمة ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ من " الخطيئة " بمعنى المعصية، لا من " الخطأ " ضد الصواب، فمن الخطأ يقال " مخطئ " لا " خاطئ ". ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ أي لا ملامة عليكم، ولا تعنيف لكم ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
ثم أعطى يوسفُ لإخوته بعد اعترافهم واعتذارهم قميصَه الخاص ليحملوه إلى أبيه يعقوب، شاهداً بحياته، مع دعوة رسمية منه إليه والى كافة أفراد عائلته بالقدوم عليه إلى مصر ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
وما كادت العير التي يرافقها أبناؤه تفارق أرض مصر وهم في طريقهم إليه يحملون معهم قميص يوسف، حتى أخذ يعقوب يحدث بقية أبنائه الذين بقوا ملازمين له بأنه يجد رائحة قميص يوسف من بعيد، وخشي من استبعادهم لهذا الإحساس الخاص، ومن تفنيدهم له، لأنهم لا يدركون سره ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أي فارقت مصر ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ أي لمن بقي معه ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾.
وما كاد من معه من أبنائه يسمعون مقالة أبيهم يعقوب، حتى
стр. 1018
استغربوها، وتذكروا قولة إخوتهم في شأنه من قبل ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ استغرابا منهم لإفراطه في محبة يوسف والشغف به، فرددوا مثلهم نفس الفكرة والعبارة، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾. قال قتادة: أي من حب يوسف، لا تنساه ولا تسلاه. " يقال سلى يسلى وسلا يسلو ". ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أي ما كاد البشير يلقي أمامه " قميص الفرحة " حتى شفاه الله من كل أثر " لقميص القرحة ". وهكذا اختار يوسف أن تكون بشرى أبيه في النهاية بقميص، كما كانت فاجعته في البداية بقميص ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾.
ولم يلبث يعقوب ﵇ أن ذكر أبناءه جميعا بقوله من قبل ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ والتفت إليهم قائلا: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فما كان منهم إلا أن أقبلوا عليه يسألونه العفو عنهم، وطلب المغفرة لهم، معترفين بخطيئتهم ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
ولبَّى أب يوسف وأمه وإخوته جميعا دعوته، فاستقبلهم رسل يوسف أحسن استقبال، وبمجرد ما مثلوا بين يديه رغبهم في الإقامة معه بمصر آمنين مطمئنين، أعزاء محترمين ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أي انحنوا أمام يوسف بصفته " عزيز مصر "، انحناءة الإجلال والتوقير، طبقا " للتشريفات " المعتادة في ذلك العصر، وليس المراد أنهم سجدوا له السجود
стр. 1019
المعهود في عبادة الله ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ يشير إلى رؤياه ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ وهم إخوته ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ وهما أبوه وأمه ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾. ثم حكى كتاب الله ما نطق به يوسف، من شكر لله على فضله ولطفه إذ قال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
стр. 1020
الربع الثالث من الحزب الخامس والعشرين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ
стр. 1021
وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)
١٣ - سورة الرعد مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ
стр. 1022
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)
стр. 1023
الربع الثالث من الحزب الخامس والعشرين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
حصة هذا اليوم تتناول الربع الثالث من الحزب الخامس والعشرين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى في سورة يوسف المكية: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ونهايته قوله تعالى في سورة الرعد المكية أيضا: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
ــ
أول آية في هذا الربع هي آخر آية وردت في موضوع قصة يوسف بالذات، وهي تشير إلى الأثر العميق الذي تركه في نفس يوسف جمع شمله مع أبويه وإخوته، وتوذن ببالغ شكره لله على سابغ نعمته، واعتماده المطلق على رعايته وولايته:
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ في هذا إشارة إلى ولايته
стр. 1024
لمنصب العزيز لدى ملك مصر، وما أدركه من السلطة والنفوذ فيها بحكم ذلك المنصب.
﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ في هذا إشارة إلى ما أكرمه الله به من نفاذ البصيرة، وصدق الفراسة، مما ظهر أثره في تعبيره رؤيا ملك مصر، وتعبير رؤيا صاحبيه في السجن، وتأويل رؤياه نفسه التي جاءت مثل فلق الصبح.
﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ هذه مناجاة من يوسف لربه، وتضرع بين يديه، وتوكل عليه.
﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ هذا دعاء من يوسف إلى الله بحسن الخاتمة والموت على الإسلام، واللحاق بالصالحين في دار السلام، حتى يتم الله عليه نعمته في الآخرة كما أتمها عليه في الدنيا.
وكلمة (الصالحين) متى وردت في الذكر الحكيم فالمراد بها كل مؤمن أدى ما عليه من حقوق الله وحقوق العباد، من أي جيل كان، قديما أو حديثا، ولو كان مجهول القبة مجهول التاريخ، لا قبة عليه ولا ضريح، فالعبرة في هذا اللقب لقب " الصلاح " و (الصالحين) إنما هي بمجرد العمل الصالح المقبول عند الله، لا بما سواه.
وقوله تعالى هنا حكاية عن يوسف ﵇ ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ لا يلزم أن يكون سؤالا ناجزا للموت وتمنيا لها في الحين، كما فهمه بعض المفسرين، وإنما هو من باب الدعاء
стр. 1025
المعتاد كقول الداعي: (اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين). وقد نهى رسول الله ﷺ عن سؤال الموت وتمنيها. روي في الصحيحين وفي مسند الإمام أحمد أن رسول الله ﷺ قال: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إما محسنا فيزداد، وإما مسيئا فلعله يستعتب -أي يسترضي ربه ويتوب- ولكن ليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرا لي).
وقوله تعالى عند انتهاء قصة يوسف ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ تعليق على هذه القصة وما شابهها من قصص الأنبياء، بأن العلم بها والإطلاع على دقائقها، دليل جديد يضاف إلى دلائل النبوة، فهي من قبيل العلم بالمجهول، الذي كان مغيبا عن الرسول، إذ الرسول ﵇ لم يعاصر يوسف ولا إخوته، ولم يشاهد الظروف التي لابست قصته، ومع ذلك فإن الوحي يأتيه بلبها، ويكشف له عن سرِّها، لما فيها من حِكَم وعِبَر، يتَّعظ بها من تقدم ومن تأخر.
ثم عقب كتاب الله على ذلك كله بأنه مهما كان حرص الرسول عظيما على إيمان الناس وهدايتهم بجميع الوسائل، فإنه لا سبيل إلى إلجائهم للإيمان وإكراههم عليه ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى أن نصح الرسول للناس، وقيامه بدعوتهم
стр. 1026
إلى الحق إنما تطوُّع منه في سبيل الله، امتثالا لأمره، وقياما بحقه، فلا مطمع له من ورائه في مال أو جاه، وإنما هدفه الوحيد منه ربط صلتهم بالله، وكلما كانت دعوة الداعي لغيره خالية من الطمع فيه، كانت أقرب إلى التأثير عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ إشارة إلى ما عليه عمي البصائر والأبصار من الغفلة عن ملكوت الله، والذهول عن آياته الباهرة، رغما عن كونها معروضة على أقوى وجه وأحسنه في كتاب الكون الفسيح، وهي بمرأى ومسمع من جميع الناس، في جميع الأزمان، وفي كل مكان.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ يندرج تحته مشركو العرب الذين كانوا يعبدون الأصنام ويقولون إنها تقربهم إلى الله زلفى، ويندرج تحته اليهود الذين يقولون: عزير ابن الله، والنصارى الذين يقولون: المسيح ابن الله، كما يندرج تحته كل من نسب الضر والنفع والعطاء والمنع إلى غير الله، وكل من علق أمله ورجاءه على المخلوق، لا على الخالق، وكل من حلف بغير الله، بدلا من أن يحلف باسم الله، وكل من عمل عملا ليرائي به الناس، دون أن يقصد به وجه الله، فهؤلاء جميعا يندرجون بوجه أو آخر تحت قوله تعالى هنا ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. روى الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: (من حلف بغير الله فقد أشرك). وروى أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الرقى والتمائم
стр. 1027
والتولة - أي السحر وما أشبهه - شرك). وروى أحمد والنسائي أن رسول الله ﷺ قال: (من تعلق شيئا وكل إليه). وروى أحمد من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : (من علق تميمة فقد أشرك). وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (يقول الله أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه). وروى أحمد أن رسول الله ﷺ قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله. قال: الرياء). وخطب أبو موسى الأشعري فقال: " يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل ".
ومن هنا رفع عدد من علماء الإسلام عقيرتهم ضد بعض المظاهر المبتدعة التي يرتكبها العوام عند زيارة مدافن أهل الفضل وأضرحتهم، وإنما رفع أولئك العلماء عقيرتهم ضدها، نصحا منهم لعوام المسلمين، حتى لا يقعوا بسببها تحت طائلة الشرك الخفي الذي هو أخفى من دبيب النمل كما قال عبد الله بن مسعود ﵁، وفي طليعة العلماء الذين جاهروا بالنصح في هذا السبيل حجة الإسلام الغزالي نفسه، وهو من كبار العارفين في كتابه الشهير (الإحياء)، فقد قال ﵀ في أواخر كتابه ﴿الإحياء﴾ عند كلامه على زيارة القبور ما نصه: " زيارة القبور مستحبة على الجملة للتذكر والاعتبار، والمستحب في زيارة القبور أن يقف - أي الزائر - مستدبر القبلة، مستقبلا بوجهه الميت، وأن يسلم ولا يمسح القبر، ولا يمسه، ولا يقبله، فإن ذلك من عادة
стр. 1028
النصارى " وكفى بحجة الإسلام " حجة في هذا المقام.
وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ إشارة إلى ما يترتب على الغفلة عن الله، والإعراض عن تدبر آياته، وعدم الاعتبار بسننه التي جرى عليها في خلقه، من مداهمة العذاب، والمفاجأة بالعقاب، بينما العقل السليم يقضي بوجوب الاستعداد لكل الطوارئ، والتسلح لمواجهتها بالإيمان الخالص، والعمل الصالح، والتزود بزاد التقوى، لكن الغفلة التي استولت على الغافلين، جعلتهم آمنين مكر الله، أو شبه آمنين، ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩].
ثم اتجه الخطاب الإلهي إلى الرسول الأعظم قائلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وفي هذا الخطاب يأمر الله رسوله بأن يبلغ الناس أجمعين أن ملة الإسلام هي السبيل الوحيد إلى الله ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] كما أمره بأن يبلغ الناس أجمعين أن الدعوة التي جاء بها هي دعوة إلى الله، مجردة من كل غرض، إلا ابتغاء مرضاة الله ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ وأن دعوته منبثقة عن إيمان صحيح، ويقين تام، وحجة قائمة، فهو منها على بينة ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾، وأن الدعوة خالدة مستمرة، يقوم بها ويبلغها إلى الناس ما دام على قيد الحياة، ويقوم بها من بعده ورثته وأتباعه
стр. 1029
إلى يوم الدين ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أي أدعو إلى الله أنا ومن اتبعني.
وقوله تعالى على لسان رسوله ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ضرب للمثل، حتى يقوم كل داع إلى الله بتنزيهه عما لا يليق به، وحتى يتبرأ من الشرك وأهله براءة تامة.
ثم تحدث كتاب الله عن الرسل السابقين، وعن عاقبة الكافرين بهم والمكذبين، داعيا الذين خلفوهم من بعدهم، وساروا على نهجهم، أن يعتبروا بهم، ويتراجعوا عن غيهم، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وقوله تعالى في بيان عاقبة المتقين ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أضيفت فيه " الدار " إلى " الآخرة " على غرار قولهم: مسجد الجامع ويوم الخميس كما نص عليه ابن كثير.
ثم بين كتاب الله أن الله تعالى لا يخذل رسله أبدا، وأن نصره ينزل عليهم في أحرج الأوقات وأشد الأزمات، وذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ ومعنى الآية: حتى إذا استيأس الرسل من كفار قومهم، واستأخر العذاب عن أولئك الكافرين، وظن الكافرون أن الرسل كاذبون في إنذارهم، جاء النصر من عند الله، فنجى الله القوم المؤمنين، وعذب القوم المجرمين ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
стр. 1030
وكما بدئت سورة يوسف بقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ ختمت أيضا بتأكيد ما في قصص الرسل وأممهم من هدى وبيان، مما يوجب تلاوة كتاب الله بمزيد التدبر والإمعان، فقال تعالى، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾ - أي في حكاية أخبارهم - ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ - أي العقول - ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
стр. 1031
الربع الأخير من الحزب الخامس والعشرين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧) اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ
стр. 1032
بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا
стр. 1033
فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨)
стр. 1034
الربع الأخير من الحزب الخامس والعشرين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب الخامس والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
ــ
في الحصة الماضية فرغنا من تفسير سورة يوسف المكية، ولم يتسع الوقت للشروع مباشرة في تفسير سورة الرعد المكية أيضا، واليوم نشرع في تفسيرها مستعينين بالله، إنه ولي التوفيق.
وأول ما نلفت إليه النظر تسمية هذه السورة الكريمة باسم " سورة الرعد " أخذا من قوله تعالى في هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾.
وثاني شيء نلفت إليه النظر، بمناسبة ابتداء هذه السورة بحروف الهجاء المقطعة " أ. ل. م. ر " أنه ما من سورة بُدئت
стр. 1035
بهذه الحروف إلا وجاء في أعقابها الانتصار للقرآن، وتبيين أنه نزل من عند الله، وأنه حق لا شك فيه ولا ريب، كما نص على ذلك كثير من المفسرين، ولاسيما ابن كثير، بناء على استقرائه في التفسير.
وثالث شيء نلفت إليه النظر التناسب الواقع بين نهاية سورة يوسف، وبداية سورة الرعد المكيتين، فقد ختمت سورة يوسف بالحديث عن القرآن ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ كما افتتحت سورة الرعد بالحديث عن القرآن ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾.
وتحدث كتاب الله عما أبدعه بديع السماوات والأرض من مختلف الأكوان في العالم العلوي والعالم السفلي، داعيا كل الناس على اختلاف الألوان والأجناس، إلى تأمل آياته الكونية، تمهيدا للإيمان بآياته الدينية، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
стр. 1036
ففي هذه الآيات الكريمة عرض سريع وخاطف لمظاهر متنوعة من صنع الله العجيب، وظواهر دقيقة من تدبيره المحكم، مما يبعث على التفكر والتدبر كل من عنده عقل أو فكر.
والوحي الإلهي الذي امتاز به الإسلام لا يتهيب أن يحتكم دائما إلى العقل الناضج والفكر السليم، وأن يعتمد عليهما، بل هو واثق بانتصاره أمام فحصهما، مطمئن إلى إقناعه لهما، لأنه منبثق من صميم الفطرة الأصيلة التي فطر الله الناس عليها، ولا يوجد أي تعارض أو تناقض بينه وبينها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى هنا ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ على غرار قوله تعالى في سورة لقمان ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الآية: ١٠]، وقد فهم بعض المفسرين أن الضمير في كلمة " ترونها " يعود على السماوات، تأكيدا لنفي العمد عنها، أي أن السماوات مرفوعة بغير عمد، كما ترونها، فهي لا ترتكز على أي شيء، ما عدا قدرة الله التي تمسكها ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥].
وذهب فريق آخر من المفسرين إلى أن الضمير في ﴿تَرَوْنَهَا﴾ عائد على العمد لا على السماوات، فيكون معنى ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ أن السماوات ليس لها عمد مرئية، ومفهوم ذلك أن للسماوات عَمَداً، لكن عمدها لا ترى، وإلى هذا التأويل ذهب
стр. 1037
ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغيرهم إذ قالوا: " لها عمد، ولكن لا ترى ".
وهذا التأويل الثاني هو الذي يتمشى معه ما ذهب إليه بعض المعاصرين في تفسير هذه الآية، من أن كتل الأجرام السابحة في الفضاء الفسيح، الهائلة ثقلا وكثافة وحيزا، وإن كان يظهر لنا أنها لا ترتكز على شيء يدعمها ويرفع ثقلها الهائل، فإن هناك شيئا محققا يمسكها ويتحكم فيها قبضا وبسطا، بإرادة الله وحسن تدبيره، وهذا الشيء الخفي هو " قانون الجاذبية "، الذي اهتدى إلى إدراكه علماء الطبيعة بعد جهد جهيد، فالعمد التي لا ترى هي " الجاذبية " التي تجذب الثقيل إلى الأثقل، والكبير إلى الأكبر، وصدق الله العظيم.
وقوله تعالى هنا ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ لا يناقض مبدأ أن الأرض مكورة، فالمد واقع من جهة أن كل قطعة من الأرض على حدتها ممدودة، والتكوير واقع من جهة أن جملة الأرض لها شكل كروي، ولا تعارض بين الأمرين.
وقوله تعالى هنا: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ معناه الظاهر، والمحسوس، أنه سبحانه خلق من الثمرات أنواعا متعددة، وخلق من نوع الثمرة الواحدة عدة أصناف، مختلفة الأشكال والألوان والروائح والطعوم والأحجام والمنافع، مما يدل على عظيم قدرته، وجليل حكمته، فهناك مثلا عنب أسود وأبيض، وتفاح حلو وحامض، وهناك تمر تجاوز أصنافه العشرات
стр. 1038
حتى تصل إلى المئات، إلى غير ذلك من مختلف الثمرات، وأعم من هذه الآية قوله تعالى في سورة طه: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ [الآية: ٥٣].
ويمكن أن تفسر هذه الآية بالمعنى العلمي الدقيق الذي كشف عنه النقاب " علم الحياة النباتي الجديد "، ألا وهو أن الله أودع في الثمرات عناصر ذكورة وعناصر أنوثة، وجعل بينها تزاوجا وتلاحقا مستمرا ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] وسيأتي في سورة يس وسورة الذاريات ما يفيد تعميم هذا المعنى بالنسبة للثمرات وغيرها، وذلك قوله تعالى في الأول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الآية: ٢٦] وقوله تعالى في الثانية: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الآية: ٤٩].
وقوله تعالى ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ المراد بالصنوان الأصول المجتمعة في منبت واحد، كالرمان والتين وبعض النخيل، والمراد بغير الصنوان ما كان على أصل واحد كسائر الأشجار.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ من الممكن أن تحمل الأغلال هنا على معناها المجازي، إشارة إلى ما هم مقيدون به من سلاسل التقليد الأعمى، التي تشدهم إلى الأوهام الباطلة، والمعتقدات الضالة، مما يحول بينهم وبين تفتح الأذهان، وإدراك حقيقة الإيمان، وهذا المجاز يجري مجرى " الطبع " و " الختم على القلوب "، الواردين في
стр. 1039
مثل هذا السياق في عدة آيات كريمة.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ أي يستعجلون النقمة بدلا من النعمة، والغاشية بدلا من العافية، وذلك على سبيل التحدي للرسول والاستخفاف بعذاب الله. و " المثلات " جمع مثلة بفتح الميم وضم الثاء، وهي العقوبة العظيمة من الله، التي تماثل الذنب وتجعل من نزلت به مضرب الأمثال بين الناس.
وقوله تعالى ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ عقب قوله ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ يشبهه قوله تعالى في آية أخرى ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: " يقول الله تعالى أنت يا محمد منذر، وأنا هادي كل قوم "، فالمعنى إذن إنما عليك الإنذار، والله هو الهادي لمن يشاء إذا شاء. قال أبو القاسم ابن جزي في تفسيره: " وقد يكون المعنى: إنما أنت نبي منذر، ولكل قوم هاد من الأنبياء ينذرهم، فليس أمرك ببدع ولا مستنكر ". وهذا المعنى يشبهه قوله تعالى في آية أخرى ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤].
وانتقل كتاب الله إلى الحديث عما انفرد به الحق من علم الغيب والإطلاع على " سر السر "، بحيث لا تخفى عليه خافية، ومن ذلك خفايا الأرحام وما تنطوي عليه عند الإنسان وغيره من الحيوان، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ فالله
стр. 1040
تعالى هو المنفرد يعلم ما في الأرحام على وجه التحقيق، أذكر أم أنثى، أوحيد أم توأم ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾، وهو المنفرد وحده بعلم ما يقع في الأرحام من زيادة أو نقص، وسلامة أو آفة، وتعجيل أو تأجيل ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾، وهو المنفرد وحده بعلم النسمات ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ إشارة إلى عدل الله المطلق وحكمته البالغة، وأنه لا يسلب النعم، ويبتلي بالنقم، إلا من غير طريقته في الشكر والطاعة، فأعرض عن الله، ونأى عنه بجانبه، فإذا انتقل من المعصية إلى الطاعة، ومن الكفر إلى الشكر، ومن الانحراف إلى الاستقامة، أكرمه الله بعفوه ورضاه، وسلك به مسالك النجاة، فردا كان أو أمة.
وقوله تعالى ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ يشبه قوله تعالى في نفس السياق: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. والمراد التنبيه إلى أصوات الرعد الهائلة المماثلة للانفجار، وإلى ما يرافقها أحيانا من صواعق تحرق الأخضر واليابس، الأمر الذي يدل على قدرة الله، ويثير في النفوس الخوف من عذاب الله، مما يهز كيان الإنسان، ولو كان ضعيف الإيمان، ويضطره إلى تسبيح الله وتنزيهه ولو لم يكن ذلك باللسان.
стр. 1041
وسجود من في السماوات والأرض معناه الانقياد المطلق لقضاء الله وقدره، أحب من أحب وكره من كره، فالعارف بالله يخضع له طوعا، وغيره يخضع له كرها. أما سجود " الظلال " غدوة وعشية ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ فمعناه انقيادها في القبض والبسط لمشيئة الله، طبقا لما في كلتا الحالتين من مصلحة " لخلق الله "، بما في ذلك الإنسان والحيوان والنبات.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: هي التوحيد، أي أن إفراد الله بالعبادة والدعاء دون سواه هو الحق الذي لا حق دونه، أما التوجه إلى غيره سبحانه بهما أو بأحدهما فهو أبطل الباطل ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ إشارة إلى ضياع عبادتهم في الدنيا، لأنهم يقومون بها لمعبودات باطلة، وإلى إحباط أعمالهم في الآخرة، لأنهم يبنون أعمالهم على أساس فاسد ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾. قال أبو إسحاق ابن جزي في تفسيره: " هذا مثل ضربه الله للحق وأهله، والباطل وحزبه، فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزل من السماء،
стр. 1042
فتسيل به الأودية وينتفع به أهل الأرض، وبالذهب والفضة والحديد والصفر -أي النحاس الأصفر- وغيرها من المعادن التي ينتفع بها الناس، وشبه الباطل، في سرعة اضمحلاله وزواله، بالزبد الذي يرمي به السيل، وبزبد تلك المعادن، الذي يطفو فوقها إذا أذيبت، وليس في الزبد منفعة، وليس له دوام ".
وقوله تعالى: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ أي أخذ كل واد من الماء بحسبه، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها من جهة استعدادها سعة وضيقا، وقوله ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ مثل معدن الذهب والفضة، وقوله ﴿أَوْ مَتَاعٍ﴾ مثل معدن الحديد والنحاس، وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أي إذا اجتمع الحق والباطل فإن الباطل لا يثبت أمام الحق ولا يدوم، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء ولا مع ما يسبك في النار من مختلف المعادن، بل يذهب ويضمحل.
جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: (إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكان منها طائفة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا، وأصابت طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه الله بما بعثني، ونفع به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به). ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
стр. 1043
كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ * لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
стр. 1044
الربع الأول من الحزب السادس والعشرين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا
стр. 1045
بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩) كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ
стр. 1046
مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)
стр. 1047
الربع الأول من الحزب السادس والعشرين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
حصة هذا اليوم تتناول الربع الأول من الحزب السادس والعشرين في المصحف الكريم، وبداية قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ونهايته قوله تعالى: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾.
ــ
في الآية الأخيرة من الربع الماضي تحدث كتاب الله عن فريقين لا ثالث لهما ينقسم إليهما الناس بالنسبة لموقفهم من الدعوة والرسالة، الفريق الأول فريق الذين استجابوا لله، والفريق الثاني فريق الذين لم يستجيبوا له، وبين كتاب الله عاقبة الفريق الأول وهي حسن الجزاء، وعاقبة الفريق الثاني وهي سوء الحساب، فقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
стр. 1048
وفي الآية الأولى من حصة اليوم بين كتاب الله أن الفريق الذي استجاب لربه، والفريق الذي لم يستجب إليه، لا يستويان في شيء، بل هما على طرفي نقيض، فالذي آمن بأن ما أنزل إلى الرسول حق وصدق سليم البصر والبصيرة، ولذلك عرف الحق وصدقه واهتدى به، والذي كذب بما أنزل إلى الرسول أعمى البصر والبصيرة لأنه قد عطل جميع ملكاته عن النظر والبحث والمقارنة، وهل يستوي الأعمى والبصير ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾.
ثم تولى كتاب الله وصف النوع المتبصر الذي يوجد عنده استعداد خاص للتأمل والتدبر في آيات الله الكونية والدينية، وحلل الصفات التي تميز بها هذا النوع من الناس، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾.
وأول صفة وصف الله بها هذا النوع المتبصر المفضل من الناس - وهم ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ في لغة القرآن - هي صفة الوفاء بالعهد، التي تعتبر بالنسبة إلى غيرها بمنزلة الأصل من الفرع، إذ الوفاء بالعهد يستلزم القيام بجميع الفروض والواجبات، والوفاء بكل العقود والالتزامات، والأداء لكافة الحقوق والأمانات، وفي طليعتها العهد الأول الذي أخذه الله على الإنسان، وهو لا يزال في صلب أبيه آدم بالتزام الإيمان، ثم العهد الذي يترتب على
стр. 1049
الإقرار بالشهادتين، الذي هو شرط أساسي للدخول في الدين (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله) فإن الإقرار بهما يلزم عهودا، ويربط عقودا، وينشئ تكليفا بعدة أنواع من الالتزامات الشرعية، الأدبية والمادية، ومنها كما قال أبو بكر (ابن العربي): " الوفاء بالعرفان، والانكفاف عن العصيان، والقيام بحق الإحسان " (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). وإلى صفة الوفاء هذه يشير قوله تعالى هنا: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾.
وثاني صفة وصف الله بها من أراد أن يكون من أولي الألباب صفة الحنان والمروءة ورقة الشعور، التي تتجلى في سلوكهم العام، ولاسيما في صلة الأرحام، وبذل المعروف للفقراء والمحتاجين والعطف عليهم، مما يعين على إقامة مجتمع متحاب فاضل ومتكافل، وإلى هذه الصفة يشير قوله تعالى هنا ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾.
وثالث صفة وصف الله بها أولي الألباب أن يكون لهم وجدان حي، قوي الحساسية، عميق الشعور، بحيث يراقبون الله في أعمالهم كل المراقبة، ويحرصون على الاستقامة في أحوالهم كل الحرص، سواء ما كان منها خصوصيا أو عموميا، وإلى هذه الصفة يشير قوله تعالى هنا: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾.
ورابع صفة وصف الله بها أولي الألباب أن تكون لهم قدرة على ضبط النفس والصبر الجميل، فهم بالمرصاد دائما لأنفسهم
стр. 1050
وشهواتهم، لا يطلقون لها العنان، ويلتزمون إزاءها حدود الاعتدال والمشروعية دون كبت ولا طغيان، وهم في حالة الرخاء صابرون، بحيث لا يطغون ولا يتعدون الحدود، وفي حالة الشدة صابرون، بحيث لا يسخطون على الموجود طمعا في المفقود. وإلى هذه الصفة يشير قوله تعالى هنا: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ فهم صابرون عن رضا لا عن سخط، وعن اختيار لا عن مجرد اضطرار، وهم قاصدون بصبرهم وجه الله ورضاه، أولا وأخيرا.
وخامس صفة وصف الله بها أولي الألباب أن يقيموا الصلاة، أي يقوموا بها على وجهها الكامل، بحيث لا يتركونها ولا يهملونها، ولا يقومون إليها كسالى، فهم على صلة بالله دون انقطاع، يناجونه ويشكرونه، ويؤدون حقه، ويطلبون عونه على الدوام والاستمرار، وإلى هذه الصفة يشير قوله تعالى هنا: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾.
وسادس صفة وصف الله بها أولي الألباب أن يحسنوا التصرف فيما آتاهم الله من رزق، وائتمنهم عليه من مال، بحيث يكونون أسخياء النفوس، ذوي فتوة وشهامة وكرم، يعتبرون المال وسيلة لا غاية، وغايته نفعهم ونفع الناس أجمعين، ولذلك فهم لا يبخلون بإنفاقه في وجوه الخير، وسبل النفع، وهم ينفقونه سرا كما ينفقونه علانية، حسب الظروف الطارئة والحاجات الملحة، والوضع الذي يكون فيه المنفق والمنفق عليه، لا يتقيدون بوجه دون وجه، ولا باب دون باب، فلأزواجهم وأولادهم وأقربائهم من أموالهم حظ معلوم، كما أن فيها حقا ثابتا للسائل والمحروم،
стр. 1051
وإلى هذه الصفة يشير قوله تعالى هنا: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾.
وسابع صفة وصف الله بها أولي الألباب، أن يكونوا على درجة كافية من الانتباه الشديد، والمحافظة على رصيدهم الخاص من الحسنات، حتى يظل رصيدا لا عجز فيه ولا تطغى عليه السيئات، بحيث يكونون ذوي وعي عميق وانتباه تام، وولوع بمحاسبة أنفسهم ونقدها الذاتي على الدوام، وهكذا كلما عملوا سوءا بجهالة أو تحت تأثير نزوة من النزوات، اهتموا بأن يعملوا في أعقابه مباشرة ما يمحو أثره، ويزيل مفعوله، من صالح الحسنات. وإذا أساء إليهم مسيء لم يقابلوا إساءته بالمثل، بل قابلوا إساءته بالإحسان، مساهمة منهم في وضع حد لروح الشر والعدوان، وإشاعة لروح التسامح والغفران، وإلى هذه الصفة يشير قوله تعالى هنا: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي يدفعون السيئة بالحسنة، مصداقا لقوله تعالى في آية ثانية ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقوله تعالى في آية ثالثة: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]، وقوله تعالى في آية رابعة: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
فهذه هي الصفات الرئيسية التي يعتبر من اتصف بها في نظر الإسلام - طبقا لمعيار الذكر الحكيم - من " أولي الألباب " أي من أصحاب العقول الناضجة والأفكار السليمة، وبقدر ما ينقص منها عند الشخص يكون ناقص العقل، فاقد اللب، غير معدود
стр. 1052
في عداد العقلاء الراشدين، فمن أراد أن يعرف نفسه أهو في عداد العقلاء الراشدين، أم في عداد السفهاء والحمقى والمجانين، فليعيرها بمعيار القرآن، فإنه خير معيار يعير به النقصان والرجحان في ميزان الإيمان. قال القاضي عبد الجبار: " حكى بعض الأئمة أنه سئل عن وصف ﴿المؤمن﴾ فتلا هذه الآية ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ إلى آخرها.
وبعدما حلل كتاب الله الصفات المعتبرة في أولي الألباب من المؤمنين الصادقين عرج على وصف ما ينتظرهم وينتظر الصالحين من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم من النعيم المقيم في دار السلام، فقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.
وقوله تعالى في هذا السياق: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ فيه إشارة واضحة إلى أن البيئة التي تشيع فيها مثل هذه الخصال ينتشر فيها الخير والبر، حتى يشمل جميع أعضائها وأفرادها، لأنهم يتنفسون في جو مفعم بالطهر والصلاح والقدوة الحسنة، فيرثون الصلاح خلفا عن سلف، وأبا عن جد.
وكما تحدث كتاب الله عن أولي الألباب وصفاتهم المثلى وما ادخر الله لهم من حسن العاقبة تعرض لمن هم على عكسهم عقيدة وعملا وسلوكا، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي
стр. 1053
الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.
وتناول كتاب الله الرد على المصرين المعاندين من مشركي العرب الذين قالوا للرسول: " لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح "، ومرادهم تسخير الريح لهم، " أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيي الموتى لقومه ". فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ أي لما آمنوا به، ما دام تسيير الجبال، وتقطيع الأرض، وتكليم الموتى، بالنسبة لهؤلاء المعاندين المصرين إنما هو مجرد تحد وإصرار، وعتو واستكبار، وليس الأمر أمر استجلاء للحقائق أو تطلع إلى استكناه الأسرار، فالمعنى المراد إذن أنهم " لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية ".
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ مواساة من الله لرسوله والمؤمنين، وتعريف لهم بأن الحرب التي تدور رحاها بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، مستمرة إلى يوم الدين، وأن أعداء الله وخصوم دينه لا بد أن يلاقوا جزاءهم، بشكل أو آخر على مر الأيام، فكلما انجلت عنهم قارعة وأمنوا مكر الله حلت بساحتهم قارعة أخرى أدهى وأمر، وهم بين القارعتين الماضية والآتية في خوف وهلع، واضطراب وجزع، كما جرى في حروبهم المتتالية، ولاسيما في الحربين العالميتين الأولى
стр. 1054
والثانية، وإن لم تحل القارعة بدارهم وتقض عليها، حلت بأقرب مكان إليها، وهكذا يمهلهم الله ولا يهملهم، وهو القاهر فوق عباده ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
стр. 1055
الربع الثاني من الحزب السادس والعشرين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥) وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ
следующие страницы →