← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وقال ابن عباس: " رؤيا الأنبياء وحي ". وقد تكلم المفسرون على تعبير هذه الرؤيا فقالوا إن الأحد عشر كوكبا عبارة عن إخوة يوسف، وكانوا أحد عشر أخا سواه، والشمس والقمر عبارة عن أمه وأبيه، ووقع تفسير هذه الرؤيا بعد أربعين سنة، وذلك حين رفع يوسف أبويه على العرش -وهو سريره الذي كان يجلس عليه لمباشرة شؤون الدولة -وإخوته بين يديه ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾. وقوله تعالى حكاية عن يعقوب ﵇: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ دليل على معرفة يعقوب بتأويل الرؤيا، وأنها ترمز إلى ظهور يوسف على إخوته وتقدمه عليهم، ولذلك نهى ابنه يوسف عن ذكرها لإخوته، وأمره بكتمانها عنهم، خوفا من أن يحتالوا للقضاء عليه والتخلص منه. وخوفُ يعقوب من كيدهم إما أن يكون مبنيا على حكم العادة الشائعة بين بعض الإخوة وبعض الأقرباء إذا كانوا غير أشقاء، وإما أن يكون مبنيا على شعوره بغيرة إخوته منه وكرههم له، نظرا لشغف أبيه به دونهم. أما يعقوب نفسه فلم يبال بما ترمز إليه الرؤيا من علو مقام ابنه يوسف، لأن الأب يود عادة أن يكون ابنه خيرا منه، ولا يضيق بذلك صدرا. قال ابن كثير: " ومن هنا -أي من قوله تعالى: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ -يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر، كما ورد في حديث ﴿استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ

стр. 982

الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ حكاية لما قاله يعقوب لابنه يوسف، متنبئا بما سيؤول إليه أمره في مستقبل الأيام. وقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف في شأن أبيهم يعقوب: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، إشارة إلى أنه كان لا ينزلهم من نفسه منزلة أخيهم يوسف، بينما محل الولد من أبيه هو أن ينزله منزلة سائر أولاده دون تفضيل، فالمراد هنا " بضلاله " إفراطه في حب يوسف وأخيه. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): " فيه دليل على أن بكاء المرء لا يدل دائما على صدق مقاله، لاحتمال أن يكون تصنعا، ومن الناس من يقدر من التطبع على ما يشبه الطبع ". وقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ تضمن إشارة إلى السباق، والأصل فيه الجري على الأقدام لمعرفة السابق من اللاحق، والسباق مندوب إليه شرعا، قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): " المسابقة شرعة في الشريعة، وخصلة بديعة، وعون على الحرب، وقد فعلها النبي ﷺ بنفسه وبخيله، فروي أنه سابق عائشة فسبقها، وأنه سابقها فسبقته، فقال لها هذه بتلك، وروي أنه سابق بين الخيل التي أضمرت، من الحيفاء إلى ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر، من الثنية إلى مسجد بني زريق، وفي ذلك من الفوائد رياضة النفس والدواب، وتدريب

стр. 983

الأعضاء على التصرف، ولا مسابقة إلا بين الخيل والإبل خاصة ". وقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ إشارة إلى الدم الذي أراد إخوة يوسف أن يجعلوه علامة على صدقهم، لكن القميص كان سالما من التمزيق. قال ابن عباس: لو أكله السبع لخرق القميص، والعلامات إذا تعارضت تعين الترجيح، فيقضي بجانب الرجحان، ولا خلاف في الحكم بالتهمة إذا ظهرت، كما أشار إلى ذلك يعقوب ﵇ فيما حكته عنه الآية: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ إذ أن إخوة يوسف لم يكن من فعلهم ما يناسب الشفقة عليه، فيشهد بصدقها، بل كان الذي سبق منهم هو تبرمهم به، كما نبه إليه القاضي أبو بكر (ابن العربي). وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ السيارة هنا مؤنث سيار، والمراد بها القافلة من المسافرين، و (الوارد) هنا هو الذي يستقي الماء للجماعة. وقوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ﴾ -أي باعوه- ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ عبارة عن قلتها، وهو يفيد أن الأثمان عندهم كانت تجري عددا لا وزنا، ولا شك أن في العدد تخفيفا عن الخلق، لكثرة المعاملة ومشقة الوزن. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ المراد بالأرض هنا أرض مصر، والمراد

стр. 984

" بتأويل الأحاديث " البراعة والإصابة في تعبير الرؤيا. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ إشارة إلى عزم امرأة العزيز على الإيقاع بيوسف في شركها، لكن يوسف لم يقع في ذلك الشرك بإعانة الله له، فتغلب على حديث النفس الذي لم يبلغ إلى درجة العزم، وحصنه الله من الوسواس الخناس، وصرفه عن السوء والفحشاء. والتعبير بلفظ " همت به " " وهم بها " بالنسبة لكل من الاثنين إنما هو من باب ﴿المشاكلة﴾ اللفظية لا غير، لاختلاف الموقفين واختلاف المعنيين. قال ابن جزي في تفسيره: " أكثر الناس الكلام في هذه الآية حتى ألفوا فيها التآليف، فمنهم مفرط ومفرط، والصواب إن شاء الله أنها همت به من حيث مرادها، وهم بها كذلك لكنه لم يعزم، بل كان همه خطرة خطرت على قلبه لم يطعها ولم يتابعها، ولكنه بادر بالتوبة عن تلك الخطرة حتى محاها من قلبه، لما رأى برهان ربه، ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾.

стр. 985

الربع الأخير من الحزب الرابع والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ

стр. 986

لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢) وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ

стр. 987

فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)

стр. 988

الربع الأخير من الحزب الرابع والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتتاول الربع الأخير من الحزب الرابع والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ ــ ترتبط الآية الأولى من هذا الربع، ارتباطا وثيقا بالآيات السابقة قبلها في نهاية الربع الماضي، ذلك أن امرأة العزيز التي راودت يوسف عن نفسه فصرف الله عنه السوء والفحشاء، ابتدأت تروج الإشاعات عن مراودتها له بين نسوة كبار القوم، مع توجيه اللوم لها والتشنيع عليها سراً. وسعياً منها في إيقاف تلك الإشاعات عند حدها، والقضاء عليها في مهدها دعتهن إلى مأدبة في قصرها، وكان من جملة ما قدمت إليهن في تلك المأدبة فواكه وسكاكين صغيرة معدَّة

стр. 989

لتقشيرها وقطعها، وعندما كانت بأيديهن الفواكه والسكاكين الخاصة بها، أمرت فتاها يوسف -وكان إذ ذاك لا يزال مملوكا لزوجها- بالخروج فجأة على النسوة الحاضرات والمرور أمامهن، فما كاد يباغتهن يوسف مقبلا ومدبرا، حتى بهت ضيوف امرأة العزيز من مرآه، وجرحن بالسكاكين أيديهن، بدلا من تقشير الفواكه، دون شعور منهن، وعند ذلك اتجهت إليهن امرأة العزيز، مبررة أمامهن ما وقع لها قبلهن من الشغف به، ثم أخبرت ضيوفها بأنها قد راودته فعلا، لكنه امتنع امتناعا باتا، ومضت في حديثها أمامهن تهدده بالسجن والإهانة إن لم يفعل ما تأمره به، ولم يلبث ضيوفها من النساء أن عذرنها ووقفن إلى جانبها ينصرنها، ويطالبن يوسف معها بإلحاح أن يستجيب لامرأة العزيز، وأن يحقق رغبتها، وذلك بعدما كن يلمنها قبل رؤية يوسف، لكن يوسف لم يتراجع عن موقفه أمام تهديد امرأة العزيز، ولا أمام إغراء ضيوفها، وأصر على الاعتصام بحبل التقوى والعفاف، وأخذ يتضرع إلى الله أن يصرف عنه كيد امرأة العزيز وصاحباتها حتى لا يقع في الشرك. وإلى هذا الجزء من قصة يوسف تشير الآيات الكريمة التالية: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ والمراد " الفتى " هنا الخادم المملوك ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أي أعدت لهن مجلسا مفروشا ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي أعظمن شأنه ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ أي حززن أيديهن بالسكاكين،

стр. 990

من فرط الدهشة وشدة الإعجاب ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ تنزيها لله وتعجبا من قدرته على خلق مثل يوسف ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي طلب العصمة وامتنع مما أردته منه ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ أي يعامل بالصغار، والإهانة والاحتقار ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. يقال صبا يصبو إذا مال إلى الشيء ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقول يوسف هنا فيما حكاه عنه كتاب الله ﴿السِّجْنُ - أَحَبُّ - إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ لا يقصد من قوله ﴿أَحَبُّ﴾ المعنى الحقيقي للتفضيل، وإنما هو وارد هنا على غرار قول القائل: " الجنة أحب إلي من النار، والعافية أحب إلي من البلاء ". إلا أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فقد أخذ خبر امرأة العزيز يزداد انتشارا، ورأى العزيز وصحبه أنه لا بد من اتخاذ تدبير زجري ضد يوسف، ولو كان هذا التدبير تدبيرا ظالما، وذلك دفاعا عن شرف امرأة العزيز، وصرفا للأنظار عنها إلى تثبيت التهمة في يوسف، رغم براءته عندهم وعند الله، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾. ومن حِكَم الأقدار أن يوسف دخل السجن معه فَتيان آخران، وكلاهما من فِتيان قصر الملك، وكانا يصحبانه ويرافقانه

стр. 991

في السجن، وأدركا أن ليوسف مواهب خاصة، وأن له قدرة على تعبير الرؤيا، فقصا عليه ذات يوم رؤياهما، وكانت رؤيا الأول أنه رأى نفسه يعصر خمرا، فعبر له رؤياه بأنه سيفارق السجن بعد قليل، وسيسقي بعد إطلاق سراحه سيده خمرا ويكون ساقيه الخاص، وطلب إليه إذا عاد إلى القصر أن يذكر لملكه أمر يوسف ويحدثه عنه، عسى أن ينصفه من امرأة العزيز ويطلق سراحه. وانتهز يوسف فرصة اهتمام صاحبيه في السجن بتعبير رؤياهما وإصغائهما إليه، ليحدثهما بشيء من عقيدته ودينه، وهما أهم شيء لديه، عسى أن يهتديا على يديه إلى عقيدة التوحيد، وينصرفا عن عبادة الأصنام والأوثان. غير أن الفتى الذي فارق السجن ما كاد يعود إلى قصر سيده حتى نسي وصية يوسف الذي عبر به رؤياه، فلم يذكر لملكه أمر يوسف، ومضت سنوات أخرى على يوسف وهو في السجن دون أن يتذكره أحد، إلى أن رأى ملك مصر نفسه رؤيا أقضَّت مَضجَعه، وأثارت وساوسه، فأخذ يبحث عمن يعبِّرها له التعبير اللائق. وعندئذ تذكَّر ساقيه الخاص -وهو الفتى الذي كان في السجن مع يوسف، والذي عبر له يوسف رؤياه تعبيرا صادقا- أن يوسف لا يزال في السجن، وأنه أحسن من يعبر لملك مصر رؤياه، فاستأذن سيده، وذهب إلى السجن يسأل عن يوسف ويعرض عليه رؤيا الملك، فما كان من يوسف إلا أن عبر له الرؤيا أحسن تعبير، وما كان من ملك مصر إلا أن دعاه إلى مجلسه، لكن يوسف أصر على عدم مغادرة السجن إلا بعد نظر الملك نفسه في قضيته، وإعلان براءته، واعتراف الجميع

стр. 992

بعفته وعصمته، وذلك ما تشير إليه الآيات الكريمة: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ * وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي عند سيدك، لكن ذلك الفتى نسي أمر يوسف بمجرد ما فارق السجن ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ أي قضى يوسف في السجن سنوات أخرى من جراء نسيان صاحبه له وإهمال أمره ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي تذكر بعد مدة ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ إلى آخر الآيات. أما رؤيا الملك فخلاصتها أنه رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبعُ بقراتٍ مَهازيل، ضعاف في غاية الهزال، كما رأى

стр. 993

سبع سنبلات خضر، وسبع سنبلات يابسات، وهذه الرؤيا هي التي جاء يعرضها على يوسف رفيقه في السجن من قبل، ذلك الرفيق الذي أصبح ساقيا للملك عقب إطلاق سراحه، فقال له فيما حكته الآيات الكريمة ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فما كان من يوسف ﵇ إلا أن أفتاه في أمر هذه الرؤيا وعبرها له أصدق تعبير، مبينا للملك وملإه أنهم سيستقبلون سبع سنوات كلها رخاء وخصب، تزدهر فيها الحقول، وتزكو الغلات، ويصفو العيش وتطيب الحياة، ثم يستقبلون في أعقابها سبع سنوات من الجدب والقحط، لا يفي فيها (النيل) بوعده، ولا يمدهم برفده، ولا يجدون قائما يحصد، ولا حصيدا يخزن، ثم بعد سنوات الجدب السبع يظلهم عام خصيب يغاثون فيه، فتجود عليهم الأرض بما يأكلون، ويجدون ما يأتدمون به ويعصرون، ومنبها لهم في نفس الوقت إلى أنه من الخير لهم أن لا يأكلوا كل ما يأتيهم من محاصيل سنوات الرخاء، وأن يدخروا أكبر قسم منها في أهرائهم ودورهم دون أن يخرجوه من سنابله، حتى يبقى مصونا فيها من فعل الحشرات وفعل الرطوبة، وذلك احتياطا لسنوات الجدب التي تليها. وهذه المعاني هي التي تشير إليها بقية الآيات الكريمة: ﴿قَالَ﴾ أي يوسف ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ أي على الدوام وبغير انقطاع، من (دأَب) على العمل إذا داوم عليه ﴿فَمَا

стр. 994

حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ أي اتركوه بعد الحصاد في سنبله غير مدروس، ولا تدرسوا منه إلا ما تحتاجون لأكله، علما منه بأن الحبة إذا بقيت في غشائها انحفظت، وهذا المعنى يتفق معه ما وصل إليه العلم الحديث، من أن ترك الحب في سنابله عند تخزينه فيه وقاية له من التلف، الذي يحدث عادة بسبب العوامل الجوية وغيرها من الآفات. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي ثم تأتي بعد ذلك سبع سنين ذات شدة وجوع، تستهلكون فيها ما ادخرتموه في سنابله من سنوات الرخاء السبع، إذ تجدونه صالحا للأكل والاقتيات ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ أي لا يفضل لكم مما كنتم خزنتموه وادخرتموه إلا القليل ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ من الغيث بمعنى المطر، أو من الغوث بمعنى الفرج ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ إشارة إلى ما سيكون فيه من غلات صالحة للعصر في المعاصر كالزيتون والعنب والسمسم. فلما بلَّغ ساقي الملك الخاص إلى سيده تعبير يوسف لرؤياه، وفطن لما في تعبير يوسف من نصح بالغ وحسن تدبير، أدرك أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن يوسف ليس شخصا عاديا، فبالإضافة إلى عفته التي يعلم عنها الحقيقة ها هو يخترق حجب الغيب بما علمه الله من تأويل الأحاديث، وها هو يرى البعيد قريبا، ولا يكون في النهاية إلا مصيبا ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي سيدك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾، فلم يَسَع

стр. 995

الملك إلا أن يدعو امرأة العزيز وصاحباتها، ويحقق بنفسه من جديد ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾، فكان جوابهن تأكيدا لعفته، وإعلانا لبراءته ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾، تبرئة ليوسف ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي تبين وظهر ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي من الصادقين في كونه بريئا من مراودتي، أو محاولة الاعتداء على كرامتي. ومضت توضح السر في اعترافها بمحاولتها مع يوسف دون أدنى نتيجة، معلنة براءة يوسف براءة مطلقة، مؤكدة أنها لا تريد أن تصر عل اتهامه كذبا وزورا بعدما تجلى الحق وظهر ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾.

стр. 996

الربع الأول من الحزب الخامس والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ

стр. 997

وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا

стр. 998

وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)

стр. 999

الربع الأول من الحزب الخامس والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله حصة هذا اليوم تتناول الربع الأول من الحزب الخامس والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. ــ في بداية هذا الربع أورد كتاب الله ضمن ما حكاه من كلام امرأة العزيز اعتذارها الصريح عما أصابها من نزغات الشيطان، إذ قالت: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فهذا الاعتذار على لسانها، بعد اعترافها ببراءة يوسف مندرج في كلامها، فحكاه كتاب الله في جملة ما حكى من أقوالها. قال ابن كثير: " وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام، وقد حكاه المارودي في تفسيره، وانتدب لنصره الإمام أبو العباس ابن تيمية ﵀، فأفرده بتصنيف على حِدَة ".

стр. 1000

وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ إشارة إلى قرار ملك مصر، الصادر بجعل يوسف من حاشيته وخاصته، وأهل مشورته ووزارته، تقديرا لمواهبه، وانتفاعا بملكاته. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ إشارة إلى ما قاله الملك ليوسف عند تنصيبه له، وتعريفه إياه بأنه قد أصبح يتمتع لدى ملكه بسلطة ونفوذ، فهو ﴿مَكِينٌ﴾ أي متمكن وذو سلطان، وهو في نفس الوقت ﴿أَمِينٌ﴾ أي مؤتمن على شؤون الدولة، التي أصبح من كبار رجالها، وصفة (الأمانة) صفة أساسية في كل من يراد الانتفاع بمشورتهم ونصيحتهم، إذ " المستشار مؤتمن ". وقوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ هذا ليس طلبا من يوسف للولاية من أصلها، فقد ولاه الملك بمجرد ما دعاه إليه وقال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾، وإنما هو تنبيه من يوسف للملك إلى نوع العمل الخاص الذي يرى نفسه أهلا للقيام به، بعد تكليفه من طرف الملك تكليفا عاما، فقد كان يوسف يعلم أن مصر مقبلة على أيام شدة وأيام رخاء، كما فهمه من رؤيا الملك التي عبرها له أحسن تعبير، وكان يحس من أعماق نفسه أنه إذا وضعت خزائن مصر تحت إشرافه المباشر تصرف في غلاتها التصرف الأحوط والأرشد والأصلح لعموم الناس، واستعد الاستعداد اللازم للطوارئ المنتظرة في السنوات المقبلة.

стр. 1001

فلفت نظر الملك إلى نوع المسؤولية التي يستطيع تحملها على بينة وعن جدارة، حتى لا يكلفه الملك بمسؤولية أخرى يكون حظ نجاحه فيها أقل. وقوله في هذا السياق ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ تبرير منه لهذا الاختيار، فهو يعرف من نفسه أنه موصوف بالحفظ والصيانة، اللازمين لكل خزانة، وهو على خبرة بالعلم المناسب لهذا النوع من العمل، ولكل عمل علمه الخاص به. وقد اعتمد يوسف في مجال المسؤولية والخدمة العامة على ما أكرمه الله به من حفظ وعلم، وهما من الخصال المعنوية البحتة، ولم يعرج مطلقا على ما آتاه الله من حسن وحسب ونسب، إذ لا دخل لها في الموضوع. وهذا المعنى الذي فسرنا به الآية لا يتعارض في شيء مع قوله ﷺ لعبد الرحمان بن سمرة فيما رواه مسلم: (لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها)، ولا مع قوله ﷺ في حديث آخر رواه مسلم أيضا (إنا لا نستعمل على عملنا من أراده). إذ موضوع الحديثين هو التهالك على الولاية العامة وطلبها من أصلها، لا مجرد اختيار نوع العمل، بعد الاستدعاء لها والتكليف بها. وتساءل البعض كيف استجاز يوسف ﵇ لنفسه أن يَقبَل الولايةَ من كافر، وأجيب عنه بأنه يجوز للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر، إذا علم أنه يُصلِح بعضَ الأحوال " نص على ذلك أبو القاسم ابن جُزّي في تفسيره ". كما أجيب عنه بأن

стр. 1002

معاملة الأنبياء لغيرهم لم تكن على وتيرة واحدة، بل كانت أحيانا بالسلطة والاستعلاء، وأحيانا بالسياسة والابتلاء، وهذا منها، كما نص عليه أبو بكر (ابن العربي) في أحكام القرآن. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ إشارة إلى ما أكرم الله به يوسف من الحرية والسعة والنفوذ والتصرف في أرض مصر، بعدما ابتلاه فيها بالرق والضيق والسجن الطويل. ثم عقب كتاب الله على ذلك بقوله: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، إشارة إلى الفرج والنصر، اللذين يأتيان في أعقاب الثبات والصبر. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ إشارة إلى قدوم إخوة يوسف إلى مصر بقصد الحصول على القوت اللازم لهم، إذ كانت بلاد كنعان حيث يستقر يعقوب ﵇ قد أصابها القحط والجدب، وكانت أخبار عزيز مصر وإحسانه إلى الناس قد بلغت أصداؤها إليهم، وبهذه المناسبة دخلوا على يوسف وهو في أبهة الرياسة وهيبة السلطة فعرفهم يوسف، دون أن يتعرفوا عليه، على خلاف العادة في الجماعة. والسر في ذلك أنهم فقدوا يوسف وهو في سن الصبا، فتغيرت ملامح وجهه عما كانت عليه، ومنذ اشتراه العزيز لامرأته واتخذاه فتى لهما كان كالمكتوم عن الناس، ثم أقام محبوسا ما شاء الله أن يقيم، وبطول المدة عمي أمره، وخفي خبره على أبيه

стр. 1003

وإخوته. يضاف إلى ذلك أن أحدا منهم لم يكن يتخيل أن يصل الأمر بمثله إلى ما وصل إليه من الجاه والنفوذ ومظاهر السلطان، ثم إن المركز الذي أصبح يحتله في الدولة يدعوهم إلى أن يتهيبوه عند المخاطبة لشدة حاجتهم إليه، وكل هذه الأسباب تجعل تعرفهم عليه، فضلا عن إطالة النظر إليه، أمرا عسيرا، بينما يوسف في هذه الحال متمكن من الأمر، متفرغ الذهن، لا يصعب عليه تأمل ملامحهم وملاحظة أحوالهم ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾. وقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف لأبيهم ﴿يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ إشارة إلى ما طالبهم به يوسف من إحضار أخ لهم من أبيهم، ومراده بذلك أخوه الشقيق (بنيامين) كشرط للسماح لهم بالحصول في المستقبل على التموين الضروري لأسرتهم، وكان هذا الإجراء من يوسف تلطفا في إحضار أخيه ثم لقاء أبيه بالوجوه التي أباحها الله. ومما تنبغي ملاحظته في هذا السياق استعمال إخوة يوسف - بغية اطمئنان أبيهم يعقوب على أخيهم بنيامين - نفس العبارة التي استعملوها ليطمئن على أخيهم يوسف من قبل، فكما قالوا لأبيهم أولا بخصوص يوسف ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ قالوا لأبيهم أخيرا بخصوص بنيامين شقيق يوسف ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. وهذا هو السر فيما رد عليهم به أبوهم يعقوب، إذ قال لهم فيما حكاه عنه كتاب الله ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾. ثم عقب على تعهدهم القديم بحفظ يوسف، وتعهدهم الجديد بحفظ أخيه

стр. 1004

بنيامين، مؤكدا لهم أن الحافظ من كل سوء على وجه التحقيق هو الله تعالى وحده دون سواه ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. ثم صارحهم بعد ذلك بأنه لن يغامر بإرسال ابنه بنيامين معهم هذه المرة، إلا إذا أعطوه المواثيق والعهود، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي إلا أن تغلبوا فلا تطيقون الإتيان به ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. وقوله تعالى حكاية عن يعقوب ﵇ مخاطبا لأولاده ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ تنبيه من يعقوب لأبنائه إلى عدم الدخول إلى مصر من باب واحد، حتى لا يستلفتوا الأنظار، وحتى لا تصيبهم الأعين الشريرة بشررها. قال ابن قيم الجوزية: " فإن النفس الخبيثة الحاسدة تتكيف بكيفية خبيثة، وتقابل المحسود، فتؤثر فيه بتلك الخاصية، وأشبه الأشياء بهذا: الأفعى، فإن السم كامن فيها بالقوة، فإذا قابلت عدوها انبعثت منها قوة غضبية، وتكيفت نفسها بكيفية خبيثة مؤذية ". وقال القاضي أبو بكر (ابن العربي) ما خلاصته: " لا خلاف بين الموحدين أن العين حق، ومن أبدع ما خلق الله النفس، ركبها في الجسم، وجعلها معلومة للعبد ضرورة، لكنها مجهولة الكيفية، إن جاء ينكرُها لم يقدر، لما يظهر من تأثيرها على البدن وجودا وعدما، وإن أراد المعرفة لها لم يستطع، لأنه لا يعلم لأي شيء ينسبها، ولا على أي معنى يقيسها ... ولها آثار

стр. 1005

يخلقها الباري في الشيء عند تعلقها به، منها العين، وهو معنى يحدث بقدرة الله على جري العادة في المعين إذا أعجب منظره العائن فيلفظ به. ولهذا المعنى نهي العائن عن التلفظ بالإعجاب، لأنه إن لم يتكلم لم يضر اعتقاده عادة. وكذلك سبق من حكمة الله أن العائن إذا برك -أي قال تبارك الله- أسقط قوله بالبركة قوله بالإعجاب، وامتنع ضرره، وإن اغتسل العائن شفي معينه، وهذه خواص شرعية، بحكم إلهية، يشهد لصدقها وجودها كما وصفت " انتهى كلام ابن العربي. وروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: (العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين). وفي سنن أبي داود عن عائشة ﵂ قالت: (كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المَعِين). وقوله تعالى حكاية عن يعقوب ﵇ في نفس السياق ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الآية: ٦٧] إشارة إلى أن هذا التدبير الذي نصحهم به أبوهم إنما هو تدبير احتياطي مظنون النفع، وإلا فإن الأمر في الحقيقة بيد الله " ولا ينفع حذر من قدر "، ولذلك وقع التعقيب بعده بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾. والمعنى أن ذلك الإجراء الذي نصحهم به يعقوب لا يدفع قضاء الله، وإنما هو قضاء لحاجة كانت في نفسه هي شفقته عليهم من أن يصيبهم في هذه المرة ما أصابهم في المرة الأولى،

стр. 1006

فيرجعوا إليه وقد فقدوا أخاهم بنيامين، كما رجعوا إليه من قبل وقد فقدوا أخاهم يوسف. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إشارة إلى ما قابل به يوسف إخوته جميعا من كرم الضيافة وحسن الصلة، وإلى ما قابل به أخاه الشقيق بنيامين بالخصوص من عطف خاص، عندما اختلى به وعرفه بأنه هو أخوه يوسف، وطمأنه على مصيره، رغما عن الإجراءات الظاهرة التي سيتخذها للاحتفاظ به عنده، كرهينة خاصة في مقابل (صاع الملك) الذي سيوجد في رحله، والذي سيكون وضعه فيه بمعرفة يوسف ومساعديه الأقربين، ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ وذلك في انتظار أول فرصة يستقبل فيها أباه وإخوته جميعا، حيث يرتفع الستار عن آخر مشهد لهذه القصة الخالدة، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.

стр. 1007

الربع الثاني من الحزب الخامس والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩) فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١)

стр. 1008

وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ

стр. 1009

فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ

стр. 1010

بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)

стр. 1011

الربع الثاني من الحزب الخامس والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثاني من الحزب الخامس والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. ــ في بداية هذا الربع تشير الآية الكريمة إلى قول إخوة يوسف بعد أن وجد (صاع الملك) في رحل بنيامين شقيق يوسف، وكان وضعه في رحله بمعرفة يوسف نفسه، كمبرر للاحتفاظ بأخيه عنده، في انتظار الفرصة المواتية لدعوة أبيه وجمع الشمل مع أعضاء عائلته كلهم في المستقبل القريب ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ وغرضهم من هذا القول فيما يظهر هو أن يبرئوا ساحتهم، ويلقوا المسؤولية على أخيهم بنيامين شقيق يوسف، مع ادعاء أن أخاه من قبل - يعنون به يوسف - كان قد سبق منه نفس العمل، وكأنهم يريدون أن يقولوا: إن هناك استعدادا نفسيا أو وراثيا خاصا في كل من هذين الأخوين لمثل

стр. 1012

هذا التصرف، مرده إلى أنهما تناسلا من أم أخرى غير الأم التي تناسلوا هم منها، ولذلك كانوا برءاء، وكان يوسف وشقيقه متهمين ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ عندما قالوا ذلك وهم ماثلون أمامه بصفته عزيز مصر، وكانوا لم يعرفوا بعد أنه هو يوسف نفسه، لكنه فيما بينه وبين نفسه ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ تعليقا على زعمهم في تبرئتهم لأنفسهم. ثم أخذ إخوة يوسف يستعطفون عزيز مصر - وهو نفس يوسف في هذا العهد - محاولين استرجاع أخيهم للأب، ولو بتعويضه بآخر منهم ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، لكن خطة يوسف الحكيمة كانت تقتضي الاحتفاظ بشقيقه بنيامين بالخصوص إلى نهاية المطاف ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾. وهاهنا أكد يوسف ﵇ مبدأ المسؤولية الفردية، والتبعة الشخصية، وهو أنه " لا تزر وازرة وزر أخرى " ولا يؤاخذ أحد بما فعل غيره، انسجاما مع ظاهر الحال في هذه الواقعة. ولما أدرك إخوةَ يوسف اليأسُ من نجاح محاولتهم في استرداد بنيامين، أو تعويضه بآخر منهم، اجتمعوا وتناجوا فيما بينهم ماذا يكون موقفهم تِجاه أبيهم يعقوب، وماذا يبرِّرون به حجز أخيهم بنيامين، وبقاءه في مصر دونهم، وكان من شدة وقع هذه الحادثة في أنفسهم أن انفصل عنهم أخ ثالث هو أكبرهم

стр. 1013

جميعا، إذ أحس بثقل المسؤولية، وتذكر الموثق الذي واثقوا عليه أباهم يعقوب، ولم يعد يستطيع أن يواجه أباه، خجلا منه، وخوفا من مؤاخذته، فقرر البقاء في مصر، إلى أن يسمح له أبوه ويأذن له بالعودة، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أي انفردوا عن غيرهم يناجي بعضهم بعضا ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ يريد الموضع الذي وقعت فيه الحادثة ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. ثم قال لباقي إخوته ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ أي بما علمنا من ظاهر الحال ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ إشارة إلى أنهم حين أعطوا الميثاق لأبيهم في شأن المحافظة على أخيهم لم يكونوا يعرفون أنه سيسرق، أو إشارة إلى أنهم لا يعرفون حقيقة الأمر الواقع في شأن السرقة المتهم بها أخوهم بنيامين ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ أي اسأل أهل القرية ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي اسأل أصحاب العير الذين رافقناهم في السفر، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. وعاد إخوة يوسف من رحلتهم المثيرة، وقد تركوا وراءهم بنيامين في قبضة عزيز مصر ظاهرا، وفي ضيافة شقيقه يوسف باطنا، وانفصل عنهم كبيرهم، فبقي في عين المكان الذي وقعت فيه الحادثة، فرارا من مواجهة أبيه يعقوب، وبذلك أصبح أبوهم فاقدا لثلاثة من أبنائه بدلا من واحد، ولم يسعه إلا أن يتهمهم بأن

стр. 1014

في الأمر مكيدة جديدة، كما اتهمهم من قبل بالمكيدة الأولى. وكما قال لهم في شأن الواقعة الأولى بخصوص يوسف ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ قال لهم في شأن الواقعة الثانية بخصوص بنيامين ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. و " الصبر الجميل " يطلق على الصبر الذي لا يصحبه جزع ولا شكوى. لكن أباهم يعقوب لم يفقد رجاءه في الله، ولا في حسن العاقبة له ولأبنائه الثلاثة، فقال ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. وثارت في نفس يعقوب بهذه المناسبة ذكريات ابنه يوسف الذي لم يعد يعرف عنه شيئا منذ فقده في طفولته، وكاد يفقد بصره من شدة الحزن عليه وكثرة البكاء، وهذا الحزن البالغ من طرف يعقوب على ابنه يوسف لا يستغرب منه، إذا تذكرنا أمرين في هذا المقام: أولهما ما كان عليه ابنه يوسف من الصفات والخصال النادرة التي امتاز بها عن بقية إخوته، حتى قالت في شأنه صاحبات امرأة العزيز ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ مما يحمل أي والد كان على الاهتبال بولد ممتاز من هذا النوع، ويدفعه إلى الشغف به والحزن على فقده إلى أقصى حد. وثانيهما ما ظنه يعقوب من أنه ارتكب في حق يوسف نوعا من التقصير والإهمال، عندما تركه أول مرة يرافق إخوته في سفرهم، ويوسف لا يزال في سن مبكرة، وهو يعرف أن إخوته يغارون منه أشد الغيرة، وكل واحد من هذين الأمرين كافٍ لأن

стр. 1015

يضاعف الكمد ويزيد في الحزن ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ أي أعرض عن أبنائه بعدما سمع كلامهم واعتذارهم دون أن يُصدّقهم فيما قالوا ﴿وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي من البكاء الناشئ عن الحزن العميق، حيث يزداد الضغط على العينين وتبدو العين بيضاء ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي كظم غيظه، وأقبل على الله يشكو إليه دون سواه، لكن أبناءه قاطعوه في غمرة الحزن، خوفا من أن تزداد حالته سوءا بذكر يوسف والأسف عليه، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ أي ضعيف القوة مشرفا على الهلاك ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. فما وسع يعقوب إلا أن رد عليهم في الحين قائلا: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ و " البث " هنا بمعنى الهم. وقوله في نفس السياق ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ تلويح إلى أنه لن يسيء ظنه بالله، وإشارة إلى شعوره الخاص بأن يوسف لا بد أن يكون على قيد الحياة، ولا بد أن تتحقق رؤياه في يوم من الأيام، مهما كانت الظواهر لا تدل على شيء، ولذلك دعا أبناءه إلى المزيد من البحث عن يوسف وأخيه بنيامين، ونهاهم عن اليأس من رحمة الله، اعتمادا على المعهود من لطفه الخفي بعباده المخلصين ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ و " التحسس " التعرف إلى الشيء عن طريق الحواس، والمراد هنا تتبع أخبار يوسف وأخيه ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ أي من رحمته ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.

стр. 1016

وامتثالا لأمر أبيهم يعقوب أعاد فريق من أبنائه الكرة، تاركين الفريق الآخر مع أبيهم، فرحلوا إلى مصر من جديد، واتخذوا جميع الوسائل للمثول مرة أخرى بين يدي عزيز مصر -وهو في الحقيقة أخوهم يوسف- طالبين منه إسعافهم بالتموين اللازم لهم، مقابل أخذه منهم بضاعة قليلة جاؤوا بها، ولم يكتموا عنه طمعهم في أن يوفي لهم الكيل، ورجاءهم في أن يتصدق عليهم بما تجود به نفسه الكريمة. ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ والضر يشمل المجاعة التي أصابت بلادهم، والهم الذي نزل بعائلتهم ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ أي بضاعة قليلة ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾. وفي هذه المناسبة انتهز يوسف الفرصة، فكشف عن وجهه النقاب، وعرفهم بأن " عزيز مصر " الذي يتحدثون إليه الآن هو أخوهم يوسف بالذات، وأن أخاهم الذي حجزه عنده في المرة الماضية هو أخوه بنيامين، وإذن فهم الآن أفراد أسرتهم، وأمام واحد منهم، وذكرهم بما فعلوه به وبأخيه، ناسبا ذلك الفعل إلى ما كانوا عليه في حال الفتوة من جهل بحقائق الأمور، وغفلة عن خفايا الأقدار، واستعرض أمامهم نعمة الله عليه وعلى أخيه، وأن مصير كل من اتقى وصبر، هو الفوز والظفر ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

стр. 1017

وعندما عرفوا حقيقة الأمر اعترفوا بفضل الله على أخيهم يوسف، وبإيثار ربه له عليهم، لحكمة يعلمها - ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] واعترفوا في نفس الوقت بالخطيئة التي ارتكبوها في حقه، لكنه أجابهم بجواب كله حلم وصفح، وعفو ورحمة ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ من " الخطيئة " بمعنى المعصية، لا من " الخطأ " ضد الصواب، فمن الخطأ يقال " مخطئ " لا " خاطئ ". ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ أي لا ملامة عليكم، ولا تعنيف لكم ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. ثم أعطى يوسفُ لإخوته بعد اعترافهم واعتذارهم قميصَه الخاص ليحملوه إلى أبيه يعقوب، شاهداً بحياته، مع دعوة رسمية منه إليه والى كافة أفراد عائلته بالقدوم عليه إلى مصر ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وما كادت العير التي يرافقها أبناؤه تفارق أرض مصر وهم في طريقهم إليه يحملون معهم قميص يوسف، حتى أخذ يعقوب يحدث بقية أبنائه الذين بقوا ملازمين له بأنه يجد رائحة قميص يوسف من بعيد، وخشي من استبعادهم لهذا الإحساس الخاص، ومن تفنيدهم له، لأنهم لا يدركون سره ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أي فارقت مصر ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ أي لمن بقي معه ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. وما كاد من معه من أبنائه يسمعون مقالة أبيهم يعقوب، حتى

стр. 1018

استغربوها، وتذكروا قولة إخوتهم في شأنه من قبل ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ استغرابا منهم لإفراطه في محبة يوسف والشغف به، فرددوا مثلهم نفس الفكرة والعبارة، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾. قال قتادة: أي من حب يوسف، لا تنساه ولا تسلاه. " يقال سلى يسلى وسلا يسلو ". ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أي ما كاد البشير يلقي أمامه " قميص الفرحة " حتى شفاه الله من كل أثر " لقميص القرحة ". وهكذا اختار يوسف أن تكون بشرى أبيه في النهاية بقميص، كما كانت فاجعته في البداية بقميص ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. ولم يلبث يعقوب ﵇ أن ذكر أبناءه جميعا بقوله من قبل ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ والتفت إليهم قائلا: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فما كان منهم إلا أن أقبلوا عليه يسألونه العفو عنهم، وطلب المغفرة لهم، معترفين بخطيئتهم ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. ولبَّى أب يوسف وأمه وإخوته جميعا دعوته، فاستقبلهم رسل يوسف أحسن استقبال، وبمجرد ما مثلوا بين يديه رغبهم في الإقامة معه بمصر آمنين مطمئنين، أعزاء محترمين ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أي انحنوا أمام يوسف بصفته " عزيز مصر "، انحناءة الإجلال والتوقير، طبقا " للتشريفات " المعتادة في ذلك العصر، وليس المراد أنهم سجدوا له السجود

стр. 1019

المعهود في عبادة الله ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ يشير إلى رؤياه ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ وهم إخوته ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ وهما أبوه وأمه ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾. ثم حكى كتاب الله ما نطق به يوسف، من شكر لله على فضله ولطفه إذ قال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.

стр. 1020

الربع الثالث من الحزب الخامس والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ
следующие страницы →