Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
إبراهيم فعل ذلك بأمر الله، لقولها (أي هاجر) له في هذا الحديث: آالله أمرك بهذا؟ قال نعم. ولما كان بأمر منه أراد تأسيس الحال وتمهيد المقام، وخط الموضع للبيت الحرام والبلدة الحرام ".
وقوله: ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ خصها من جملة الدين، لفضلها فيه، ومكانتها منه، وهي عهد الله عند العباد، قال النبي ﷺ : (خمس صلوات كتبهن الله على عباده في اليوم والليلة، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة). رواه مسلم في صحيحه.
ثم حكى كتاب الله جزءا آخر من قصة إبراهيم في مرحلة لاحقة، وفي هذا الجزء ورد ذكر ولديه إسماعيل وإسحاق، والإشارة إلى فرحه بهما، وشكره لله عليهما، وقد كان إسماعيل أكبر سنا من أخيه، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
وسجل كتاب الله الدعاء الإبراهيمي الذي يعتبر نموذجا للدعاء الصالح بالنسبة لكل مؤمن، فقال تعالى حكاية لدعاء إبراهيم ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾. وها هنا نجد إبراهيم ﵇ يحصر دعاءه للمرة الثانية في إقامة الصلاة التي هي عماد الدين، كما حصره فيها في المرة الأولى إذ قال: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ونجده يدعو لذريته ووالديه
стр. 1087
والمؤمنين، وهكذا ينبغي لكل داع أن لا يخص نفسه بالدعاء، بل أن يدعو لنفسه ووالديه وذريته وكل من له حق عليه، وأن يدعو لكافة المؤمنين.
وقد نبه علماء التفسير في هذا المقام إلى أن دعاء إبراهيم لوالديه معا حسبما ورد في هذه الآية كان سابقا على معرفته بما سيستقر عليه أمر والده، وإلى ذلك يشير قوله تعالى في سورة التوبة ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [الآية: ١١٤].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ إلى آخر الآية، تنبيه عام من الله تعالى موجه لكل ذي عقل وبصيرة من عموم الناس، إلى أن الله تعالى إذا أمهل الظالمين فإنه لا يهملهم، إذ إليه يرجعون، وسيعاقبهم على ما يعملون.
وجدد كتاب الله الخطاب لرسوله، يأمره بتبليغ الرسالة وإنذار الخلق، حتى تقوم عليهم الحجة، ولا يبقى لهم أي عذر في التخلف عن إجابة الدعوة، فقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ خطاب عام من الله تعالى موجه إلى كل ذي عقل وبصيرة من عموم الناس، بأن لا يشك أدنى شك في إنجاز أي وعد وعد الله به، أيا كان الشخص الموعود به، ولاسيما الوعد الذي وعد الله به رسله أنفسهم. قال أبو القاسم ابن جزي:
стр. 1088
" قدم (الوعد) في قوله ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ وهو المفعول الثاني على قوله ﴿رُسُلَهُ﴾ وهو المفعول الأول، ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا على الإطلاق، ثم قال: ﴿رُسُلَهُ﴾ ليعلم أنه إذا لم يخلف وعد أحد من الناس فكيف يخلف وعد رسله وخيرة خلقه، فقدم الوعد أولا بقصد الإطلاق، ثم ذكر الرسل بقصد التخصيص ".
وإذا كان توجيه الخطاب إلى عموم الناس في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أمرا مفهوما ومعقولا، فإن من غير المفهوم وغير المعقول أن يعتبر الخطاب فيهما موجها إلى الرسول نفسه ﵇، لأنه لا يتصور في حق الرسول أن يسيء الظن بالله أو يشك في إنجاز وعده الحق، قال أبو حيان في تفسيره: " الخطاب بقوله ﴿ولا تحسبن الله غافلا﴾ للسامع الذي يمكن منه حسبان مثل هذا، لجهله بصفات الله، لا للرسول ﷺ فإنه مستحيل ذلك في حقه، والنهي عن الحسبان في قوله ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ كهو في قوله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا﴾ ".
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ إشارة إلى ما يعتور الكون من تغيير وانقلاب لا يبقى معهما على صورته المألوفة، وذلك عند قيام الساعة. يقال: تبدل فلان إذا تغيرت أخلاقه، ويقال: بدلت الدراهم دنانير، وبدلت الحلقة خاتما. وهكذا يطلق (التبديل) ويراد به إما تغيير شيء بآخر بدلا
стр. 1089
منه، وهو التبديل في الذوات، وإما تغيير الشيء الواحد من حالة إلى أخرى ومن شكل إلى آخر، وهو التبديل في الصفات.
أما مظاهر التبديل والتغيير الذي يلحق الكون فقد خصص لها كتاب الله عدة آيات في عدة سور، منها: سور الدخان والطور والقمر والواقعة والحاقة والقيامة والمرسلات والنبأ والنازعات والتكوير والانفطار والانشقاق والزلزلة والقارعة، وفيها القول الفصل فيما سيؤول إليه أمر العالم في اليوم الموعود، طبقا لمشيئة الله القاهر فوق عباده، كقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ، يغشى الناس﴾ [الدخان: ١٠، ١١] وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ٩، ١٠] وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٣، ١٤] وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ [القيامة: ٧، ٨، ٩، ١٠]. وقد اضطر العلم الحديث إلى الاعتراف بأمر هذا الانقلاب الكوني المنتظر، فصدَّق الخُبْر الخبر.
وكما بُدئت سورة إبراهيم المكية بالحديث عن كتاب الله والتنويه بمزاياه ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ختمت السورة بنفس الحديث عن كتاب الله، وما يتضمنه من دعوة الناس إلى توحيد الله، وتذكيرهم بالله، فقال تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
стр. 1090
الربع الأول من الحزب السابع والعشرين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
١٥ - سورة الحجر مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ
стр. 1091
الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ
стр. 1092
أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)
стр. 1093
الربع الأول من الحزب السابع والعشرين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
حصة هذا اليوم تتناول الربع الأول من الحزب السابع والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في مطلع سورة الحجر المكية: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾.
ــ
في نهاية الربع الماضي ختمنا بفضل الله " سورة إبراهيم المكية "، وفي بداية هذا الربع نشرع بعون الله في تفسير " سورة الحجر المكية "، أيضا، وسميت هذه السورة سورة الحجر، أخذا من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
وسورة الحجر مبدوءة بحروف الهجاء المقطعة ﴿أ. ل. ر.﴾
стр. 1094
نظير كل من: سورة يونس، وسورة هود، وسورة يوسف، وسورة الرعد، وسورة إبراهيم الواردة قبلها على التوالي دون فاصل بينها، والمفتتحة كلها بنفس النوع من الحروف الهجائية المنفصلة، على نفس النهج الذي بدئت به كل من سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة الأعراف، وقد تكرر في هذه المجموعة من السور التسع حرف الألف وحرف اللام، وتكرر حرف الراء في ست منها، وتكرر حرف الميم في أربع منها، وورد حرف الصاد في واحدة منها.
وهناك مجموعة أخرى من السور على هذا النمط يبلغ عددها العشرين، وهي حسب ترتيب كتابتها في المصحف الكريم: سورة مريم، وسورة طه، وسورة الشعراء، وسورة النمل، وسورة القصص، وسورة العنكبوت، وسورة الروم، وسورة لقمان، وسورة السجدة، وسورة يس، وسورة ص، وسورة غافر، وسورة فصلت، وسورة الشورى، وسورة الزخرف، وسورة الدخان، وسورة الجاثية، وسورة الأحقاف، وسورة ﴿ق﴾ وسورة ﴿ن﴾. وقد تكرر حرف الميم في ثلاث عشرة منها، وتكرر حرف الحاء في سبع منها، وورد حرف الطاء وحرف السين فيها أربع مرات، وورد فيها كل من حرف الصاد وحرف الياء وحرف الهاء مرتين، وورد فيها كل من حرف الكاف وحرف القاف وحرف النون مرة واحدة.
وكل هذه السور المفتتحة بالحروف المقطعة يأتي في مطلعها الحديث عن معجزة القرآن، والتنويه بها تنويها خاصا، ومن بين من نبه على ذلك ابن كثير، ودل عليه الاستقراء في علم
стр. 1095
التفسير، كقوله تعالى هنا في سورة الحجر التي نحن بصدد تفسيرها ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾.
وكأن إيراد الحروف الهجائية المقطعة في مطلع هذه السور إشارة إلى أن حكمة الله البالغة اقتضت أن تحول الحروف العادية الجارية على ألسنة الناس، والتي لا يصوغون منها أي كلام معجز للبشر، إلى مادة إعجاز إلهي يقف الجنس البشري كله أمامها مبهوتا ومبهورا، سواء من آمن منه أو من كفر، كما هو الأمر بالنسبة إلى مواد أخرى هي في متناول البشر جميعا، ولكنهم عاجزون عن أن يصنعوا منها أي شيء خارق للعادة، بينما القدرة الإلهية تصنع منها أعجب الأعاجيب، وفي طليعتها الإنسان المخلوق من طين، والطين في متناول كل الناس، ولكنهم عاجزون عن أن يصنعوا منه بأيديهم حتى أخس الحشرات، وأضعف الجراثيم، فضلا عما هو أعلى وأدق، ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١].
وقوله تعالى هنا: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ إخبار عن الكافرين بأنهم سيندمون على ما هم فيه، وسيتمنون عندما يعرفون حقيقة الإسلام أن لو كانوا مسلمين، ولاسيما عندما يكون أحدهم في حالة الاحتضار وتتجلى أمامه الحقائق الرهيبة، وهذا أمر واقع ما له من دافع، فكم من الكفار يقارنون معتقداتهم الباطلة بعقيدة التوحيد الحق، ويقارنون تشريعاتهم الإباحية بشريعة الإسلام الأخلاقية، ويتمنون لو أنهم كانوا على عقيدة الإسلام الصحيحة، وشريعته الفاضلة، ونفس
стр. 1096
الموقف سيقفه الكفار عندما يواجهون عذاب الله في الدار الآخرة، كما قال تعالى في آية ثانية في سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الآية: ٢٧]. ولفظ (رب) يأتي غالبا للتقليل، وأحيانا للتكثير، و (ربما) الواردة هنا من هذا القبيل.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ إشارة إلى سنة الله التي خلت من قبل في الأمم والشعوب عندما ترتكس في أوحال الضلال، وتصر على السير في طريق الخبال، فإن الله يسلط عليها أسباب الإبادة والهلاك، وعلى مدنها وقراها عوامل الخراب والاضمحلال. وبين كتاب الله أن هناك قانونا ثابتا لا يتخلف لارتقاء الأمم وسقوطها، وسعادتها وشقائها، وعزها وذلها، فقال تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ومعنى ذلك أن الله جعل لكل أمة عمرا كأعمار الأفراد، وأجلا لحياتها كأجل العباد.
ثم عرض كتاب الله بعض الادعاءات والاتهامات التي اعتاد توجيهها إلى الرسل والأنبياء خصوم النبوات والرسالات، فقال تعالى حكاية عن مشركي قريش -وهم يخاطبون الرسول الأعظم ﵊ ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ على غرار ما قالته الأقوام السابقة لمن جاء قبله بالرسالة، إذ وصفوهم بالغباوة والسفاهة والضلالة.
وقول المشركين لرسول الله ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ لم يصدر منهم على أنه اعتراف حقيقي بأنه رسول يوحى
стр. 1097
إليه من عند الله، وإلا لأصبحوا مؤمنين، وإنما صدر منهم في صورة استخفاف بدعواه، كأنهم يقولون له: يا أيها الذي يزعم أنه نزل عليه الذكر، وما هم له بمؤمنين.
وردا على استخفافهم، وإبطالا لادعائهم، عقب كتاب الله على قولهم في نفس السياق فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. وهكذا ركز كتاب الله جوابه حول المعنى الذي دار عليه كلامهم وهو: ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ فجاء بما يثبت ذلك المعنى ويؤكده تأكيدا قاطعا، وأخبر بأن الله تعالى هو الذي نزل الذكر على رسوله حقيقة لا خيالا، وصدقا لا ادعاء، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾.
ثم أضاف إلى ذلك ما هو أجل وأخطر، وهو أنه سبحانه قد تعهد، لا بتنزيل القرآن من عنده فحسب، بل تعهد بصيانة القرآن وحفظه من كل خلل على مر الأعصار، ورغم أنف جميع الخصوم والأعداء، فهو محفوظ بحفظ الله في الصدور والسطور من كل تبديل أو تغيير، وهو محفوظ بحفظ الله، من جميع العوارض التي تعرض للبشر عادة فيما يتناقلونه ويتحملونه على عهدتهم، ويتولون حفظه بأنفسهم، وإذا كان غير القرآن من الكتب المنزلة قد لحقه تغيير وتبديل، وتحريف وسوء تأويل، فإن ذلك آت من أن الله تعالى قد ابتلى أهلها عندما وكل حفظها إليهم، فضيعوها ولم يحافظوا عليها، كما قال تعالى في شأنهم في سورة المائدة: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [الآية: ٤٤].
стр. 1098
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ يصف فيه كتاب الله جميع الكفار والمنافقين المعاندين الذين أصموا آذانهم عن سماع دعوة الدين، وتلقي الحق المبين، والمراد هنا أن هذا الصنف من الخلق لو رأوا بأعينهم أعظم خارق للعادة، وعرج بهم إلى السماء، والتحقوا بالملأ الأعلى، لأنكروا أمره، وادعوا أنه مجرد سحر أو تخييل، على غرار ما قاله فرعون وملأوه لموسى الكليم.
وقوله ﴿يَعْرُجُونَ﴾ أي يصعدون، وقوله حكاية عنهم: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ إما من السكر ضد الصحو، فيكون معنى: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾: كنا في غيبوبة، ورأينا الأمر على غير حقيقته، أو من السكر بمعنى السد، فيكون معنى: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. حبست أبصارنا ومنعت من النظر، وهذا تصوير لادعائهم الكاذب، ولتهربهم بجميع الوسائل من الاعتراف بالحق.
وانتقل كتاب الله إلى التذكير بآيات الله في السماوات والأرض، التي هي أكبر من خلق الناس، عسى أن يتدبروها، ويدركوا ما فيها من حكم عامة لجميع المخلوقات، مصالح خاصة للإنسان وغيره من الحيوان، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا
стр. 1099
خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ * وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾. والمراد بالبروج ما يشمل منازل الشمس والقمر، والكواكب والشهب، والمذنبات والمجرات، وكل ما هو سابح في الفضاء من عوالم السماء.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ إشارة إلى حكمة الله الدقيقة في أنواع النبات والثمرات، مما يتجدد خلقه دون انقطاع، حسب نواميس ثابتة لا تتخلف، وموازين دقيقة لا تختل ولا تضطرب.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ فيه إشارة إلى خزائن الله الواسعة التي بثها ووزعها في العالم العلوي والعالم السفلي، والتي خزن فيها كل ما يتوقف عليه الإنسان، في مختلف العصور والأزمان، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وفيه إشارة أيضا إلى أن هذه الخزائن لا يطلع الله عليها الإنسان جملة واحدة، ولا يضعها تحت تصرفه دفعة واحدة، وإنما يتم ذلك " بقدر معلوم "، أي بمقدار محدود، طبقا لحكمة الله العليا، المسيرة لهذا الكون، والسارية في جميع أجزائه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ إشارة إلى المياه التي يكرم الله بها عباده للشرب والسقي والنبات، وأنه سبحانه قادر على أن يذهبها ويغورها فلا يبقى منها عين ولا أثر، لكنه رحمة بعباده، يدخر منها لصالحهم في جوف الأرض، ما يرتفقون به من
стр. 1100
العيون والآبار، ويدخر منها على سطح الأرض ما تجري به الوديان والأنهار، وهكذا يتولى الله خزنها رحمة منه بالإنسان، إذ قيام الإنسان بخزنها كلها والمحافظة عليها ليس في الإمكان.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ إشارة إلى أن علم الله محيط بكل شيء، وأنه لا يخفى عليه شيء، أزلا وأبدا، من الأوائل والأواخر، ثم أكد كتاب الله أنه سيجمعهم وسيحشرهم جميعا في اليوم الموعود ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾، والتعبير بقوله ﴿هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾ للتنبيه على أن جمعهم جميعا وحشرهم في صعيد واحد- رغما عن كثرتهم وتفرقهم وتطاول أعصارهم -هو وحده القادر عليه، وليس على الله بعزيز.
وانتقل كتاب الله من الحديث عن خلق السماوات والأرض إلى الحديث عن قصة خلق الإنسان، وما جاهر به إبليس آدم وبنيه من العداوة والبغضاء والحسد، مبينا أن مشيئة الله اقتضت أن يخلق الإنسان ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. وأن حكمته اقتضت أن يأمر ملائكته بالسجود لآدم بعد أن يسويه وينفخ فيه روح الحياة، تكريما لما خصه به سبحانه من الخصائص والمزايا التي لم يمنحها لسواه، وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾.
ومعنى قوله: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ من الوجهة اللغوية: " من طين يابس غير مطبوخ "، ومعنى قوله:
стр. 1101
﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾: أنعمت عليه بنعمتي الإيجاد والإمداد، وليس هناك نفخ ولا منفوخ، وإنما هو تمثيل وتصوير لما أمر به الحق من تجهيز الإنسان وتزويده بالأجهزة الضرورية لحياته فوق سطح الأرض ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
وقوله تعالى في نهاية هذه القصة، خطابا لإبليس اللعين: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ هو الذي سيضطر إلى الاعتراف به إبليس اللعين، عندما يفتضح أمره يوم الدين، قائلا لأتباعه الغاوين، فيما حكاه كتاب الله في سورة إبراهيم: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الآية: ٢٢]، فما نفاه الحق سبحانه عن إبليس في البداية ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ هو الذي أقر به إبليس في النهاية - ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾، وصدق الله العظيم إذ قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥].
وختم هذا الربع بالحديث عما ينتظر المؤمنين المتقين في جنات النعيم فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ أي يقال لهم: سلام عليكم ادخلوها سالمين ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ أي إخوانا في الآخرة كما كانوا إخوة في الدنيا -إنما المؤمنون إخوة- ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ أي تعب ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾.
стр. 1102
الربع الثاني من الحزب السابع والعشرين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠) فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣)
стр. 1103
وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ
стр. 1104
فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)
стр. 1105
الربع الثاني من الحزب السابع والعشرين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثاني من الحزب السابع والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.
ــ
في بداية هذا الربع قرر كتاب الله مبدأ أساسيا في العقيدة الإسلامية، عليه يقوم الثواب والعقاب، وبه يرتبط الخوف والرجاء، فقال تعالى في إيجاز وإعجاز: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ فمن أراد رحمة الله سعى لها سعيها، ومن أراد غير ذلك نال الجزاء الذي يستحقه، ولا يظلمون فتيلا.
وتناول كتاب الله بالذكر في هذا الربع قصة لوط وقومه، التي مر ذكرها في سورة هود، فقد كان العمل الذي ابتدعه قوم لوط في حد ذاته من أنكر المنكرات وأفحش الفواحش، مما أثار غضب الله عليهم، وأوجب ضرب المثل بخطيئتهم وبعقوبتهم،
стр. 1106
واحتقار الناس لهم ولمن سلك مسلكهم عبر الأجيال والقرون.
وبمناسبة ذكر قصة لوط وقومه أشار كتاب الله إلى جنوده من الملائكة الذين أرسلهم إلى قوم لوط وعرجوا في طريقهم على إبراهيم الخليل، واستضافوه فأكرم ضيافتهم، وبشروه بغلام عليم، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي قال إبراهيم إنا منكم خائفون ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ أي لا تخف: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ وهذا الغلام هو إسحاق الذي ولد لإبراهيم بعد أخيه إسماعيل ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ أي أبشرتموني بالولد، مع أنني قد كبر سني ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أي باليقين الثابت ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾، وهذا دليل على تحريم القنوط من رحمة الله ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ أي ما شأنكم وبأي شيء جئتم ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ والمراد هنا قوم لوط، وصفوا بالإجرام، لإقبالهم على الشذوذ الجنسي الذي هو من أكبر الآثام: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ أي فإنهم مستثنون من القوم المجرمين، وقد استثنى الله من آل لوط أنفسهم امرأته التي بقيت على ملة قومها ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي أن الله تعهد بنجاة آل لوط، ما عدا امرأته فإنها من الهالكين ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أي قال لهم لوط إنني أجهلكم ولا أعرفكم ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ
стр. 1107
يَمْتَرُونَ﴾ أي جئنا لإخبارك بعذاب قومك، ذلك العذاب الذي أنذرتهم به وكانوا يشكون في وقوعه، ويستهزئون بك من أجله ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي اخرج يا لوط من هذه الأرض الظالم أهلها برفقة أهلك، بعد مضي جزء من الليل ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ أي اجعل أهلك أمامك وسر خلفهم من ورائهم ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أي إذا سمعتم وقع الصيحة بالقوم المجرمين فلا تلتفتوا إليهم، واتركوهم فيما حل بهم من العذاب - ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي واصلوا السير إلى المكان الذي أمركم الله أن تسيروا إليه، ويفهم من هذه الآية أنه كان معهم من يدلهم على مقرهم الجديد ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ أي إن الله قضى أن يقطع دابر قوم لوط عند الصباح ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١].
﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي جاء قوم لوط المتساكنون بمدينتهم، مظهرين الفرح بضيوف لوط ناوين بهم سوءا، دون أن يعرفوا أن هؤلاء الضيوف إنما هم في الحقيقة جنود الله وملائكته الموكلون بعذابهم على فاحشتهم الكبرى، لكن الله أراد أن يقيم الحجة عليهم وهم شبه متلبسين بالجريمة، لأنهم عزموا عليها، فبادرهم نبيهم لوط: ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ * قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ أي أما نهيناك أن تضيف أحدا عندك، وذلك حتى يتمكنوا من ضيوفهم ويعتدوا على كرامتهم ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ
стр. 1108
كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ المراد إرشادهم إلى وجوب الاقتصار على الزواج بالإناث من قومه، وتذكيرهم بأن الله تعالى إنما خلق الذكر والأنثى ليزاوج بينهما من أجل عمران العالم واستمرار النوع البشري عن طريق التناسل جيلا بعد جيل، في حدود الشريعة والفضيلة، وأنه لا يرضى عن الشذوذ الجنسي الذي هو أكبر رذيلة ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ أي عند شروق الشمس، والمراد " بالصيحة " العذاب الذي رافقه صوت مزعج كصوت الرعد القاصف ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ أي قلبنا مدينتهم رأسا على عقب قلبا ماديا ومعنويا، ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾.
ثم عقب كتاب الله على قصتهم بقوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي أن في عذاب قوم لوط وانتقام الله منهم آيات قاطعة، وبراهين ساطعة، يعتبر بها كل من عنده فراسة وبصيرة من المؤمنين، حتى لا يقع فيما وقعوا فيه ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أي أن مدينة قوم لوط التي قلبها الله عليهم انتقاما منهم واقعة على طريق مطروق يمر به الناس حتى اليوم، ليعتبروا ويتذكروا ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]. وتأكيدا لنفس العبرة المقصودة من قصتهم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي إن في ذلك لعبرة لمن آمن بالله وقدرته، حتى لا يعمل عمل قوم لوط المستهجن، ولا يسلك مسلكهم المرذول، وحتى لا يتعرض في ذاته لنوع من المسخ والقلب، إن لم يكن مسخا وقلبا ماديا كان على الأقل قلبا ومسخا معنويا.
стр. 1109
وقوله تعالى ضمن قصة لوط: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الظاهر أنه خطاب للوط ﵇، وتنديد بقومه الذين أصروا على الغواية والضلال. وذهب بعض المفسرين إلى أنه جملة معترضة، وجه الخطاب فيها إلى الرسول الأعظم ﵊. قال ابن كثير: " أقسم تعالى بحياة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا تشريف عظيم، ومقام رفيع، وجاه عريض ". وعن ابن عباس أنه قال: " ما خلق الله نفسا أكرم عليه من محمد ﷺ ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره ". قال الله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، وقال ابن جزي: " ﴿لَعَمْرُكَ﴾ قسم. والعمر الحياة، ففي ذلك كرامة للنبي ﷺ ، لأن الله أقسم بحياته ".
ثم أشار كتاب الله هنا بغاية الإيجاز إلى قصة شعيب وقومه، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾، وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب، والمراد " بالأيكة " الغيضة من الشجر الملتف، وقد أضرمها الله عليهم نارا لما ظلموا وتمردوا، قال ابن كثير: " وقد كانوا قريبا من قوم لوط في الزمان، ومسامتين لهم في المكان "، وذلك معنى قوله تعالى هنا: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أي أن مقر قوم لوط، ومقر قوم شعيب واقعان على طريق واضح يراه الناس ويمرون عليه باستمرار، للذكرى والاعتبار.
وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن قصة أصحاب الحجر، وبها سميت هذه السورة " سورة الحجر "، والمراد بهم ثمود، وهم
стр. 1110
قوم صالح ﵇، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. والحجر هنا اسم للمكان الذي كان قوم صالح نازلين به مستقرين فيه، وهو واقع بين المدينة والشام، وكانت بيوت ثمود ومنازلهم منقورة بالمعاول في الجبال، وقد بلغ تحديهم لنبيهم صالح منتهاه عندما عقروا ناقة الله، التي طالما أمرهم صالح بعدم المساس بها، والتي طالما دعاهم إلى تركها تأكل من أرض الله وتشرب من مائه، فعاقبهم الله على جرائمهم كلها عند عقرهم لها، وكان عقابهم بالصيحة صباحا، فهلكوا وبادوا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إشارة إلى أن الله تعالى لم يخلق خلقه عبثا، وإنما خلقهم لحكم دقيقة، بعضها معلوم، وبعضها استأثر الله بعلمه، ويشبهه قوله تعالى في آية ثانية: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]، وقوله تعالى في آية ثالثة: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧].
وقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ تنبيه من الله لرسوله إلى وجوب الصبر على معاملة المشركين وتحمل أذاهم، في سبيل الدعوة إلى الله. و " الصفح الجميل " هو الذي ليس معه أدنى مؤاخذة ولا عتاب.
стр. 1111
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ فيه إشارة إلى أم القرآن الكريم، وهي فاتحة الكتاب. و " المثاني " جمع مثنى، مشتق من التثنية وهي الإعادة والتكرير، لأن الفاتحة تتكرر قراءتها في الصلاة وغيرها، وعطف القرآن على السبع المثاني من عطف العام على الخاص. وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم)، قال ابن كثير: " فهذا نص في أن الفاتحة هي السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن ذلك لا ينافي وصف القرآن بكامله بذلك أيضا ". قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، فهو " مثاني " من وجه، و " متشابه " أي متماثل، من وجه آخر، وهو القرآن العظيم.
والمراد " بالسبع الطوال " عند من فسر بها " السبع المثاني " في هذه الآية: سور البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس. وقد ذهب إلى هذا التفسير ابن مسعود، وابن عمر، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك. وسميت السبع الطوال " مثاني " لأن الحدود والفرائض والأمثال ثنيت فيها حسبما روي عن ابن عباس.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ بعد امتنان الله على رسوله بالسبع المثاني والقرآن العظيم مباشرة، هذا تنبيه من الله لرسوله إلى أن ما أنعم به عليه من نعمة الوحي والإيمان، ومعجزة القرآن، يفوق كل نعمة أخرى أنعم بها على بني الإنسان، فكل النعم سواها
стр. 1112
تتضاءل دونها، ولا تبلغ درجتها، وما عند أصناف الكفار من متاع الدنيا على اختلاف أنواعه لا قيمة له بالنسبة لنعمة الوحي والرسالة.
قال أبو حيان: " هذا النهي وإن كان خطابا للرسول ﷺ فالمعنى نهي أمته عن ذلك، لأن من أوتي القرآن شغله النظر فيه، وامتثال تكاليفه، وفهم معانيه عن الاشتغال بزهرة الدنيا، و " مد العين " للشيء إنما هو لاستحسانه وإيثاره ".
وقال ابن كثير: " قوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي استغن بما آتاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية ". وهذه الآية تشبه قوله تعالى في آية ثانية: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: ١٣١]. والمراد " بالأزواج " في كلتا الآيتين أصناف الكفار وطبقات المترفين، المتعددة الأنواع والأشكال.
وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ تنبيه من الله لرسوله على مواصلة الإحسان في معاملة المؤمنين، تأليفا لقلوبهم، وتركيزا للإيمان في نفوسهم. و " خفض الجناح " استعارة للين الجانب والتواضع. على أن الأمر بخفض الجناح للمؤمنين ورد مقيدا في قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الآية: ٢١٥].
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ تنديد بالذين
стр. 1113
يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض من السابقين واللاحقين، وهم أولئك الذين يقولون في الوحي المنزل من عند الله أقوالا متناقضة، ويقفون من أحكامه وتعاليمه مواقف متعارضة، فيحقون ما وافقته آراؤهم، ويبطلون ما خالفته أهواؤهم، ومن ذوي السوابق في هذا الباب، " أهل الكتاب " الذين حرفوا الكتب المنزلة عليهم وجزأوها أجزاء، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.
وكلمة " عضين " جمع عضة بمعنى القطعة. يقال عضا الشاة " يعضوها إذا جعلها أعضاء وأجزاء وأقساما، وكلمة " المقتسمين " جمع " مقتسم " وهذا اللفظ له وجهان من الاشتقاق كلاهما وارد وصحيح:
- الوجه الأول اعتبار لفظ " المقتسم " مأخوذا من القسم وهو الحلف واليمين، ويصدق بهذا المعنى على أولئك الذين تحالفوا وتعاهدوا فيما بينهم على الطعن في كتاب الله، وصد الناس عن سبيل الله، فعبأوا جميع طاقاتهم لإعلان الحرب عليه وجها لوجه دون هوادة ولا تختل. ويندرج في هذا الصنف كل الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم في القديم والحديث. ومن السلف الطالح في هذا الباب الرهط الذين تقاسموا على اغتيال صالح وأهله ليلا، وإنكار العلم باغتياله نهارا، واليهم يشير قوله تعالى في سورة النمل: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الآيتان: ٤٨، ٤٩].
стр. 1114
- الوجه الثاني اعتبار لفظ " المقتسم " مأخوذا من القسمة والتجزئة، ويصدق بهذا المعنى على أولئك الذين اختاروا للطعن في كتاب الله، وصد الناس عن سبيل الله، طرقا ملتوية، مطبوعة بطابع الدس والمخاتلة والخداع، فوزعوا فيما بينهم أدوار الهدم والتخريب، وتصدى كل فريق منهم لجانب من الجوانب التي يحسن فيها التمويه والتضليل والتدجيل، وذلك في نفس الوقت الذي يتظاهرون فيه بالاهتمام بالإسلام، ويعربون عن إعجابهم ببعض جوانبه، وهكذا نجد البعض منهم يخصص وقته للطعن في عقيدة الإسلام، والبعض الآخر يكرس جهوده لإبطال شريعة الإسلام، ونجد أحدهم يأخذ على عاتقه تشويه تاريخ الإسلام، والآخر ينكر وجود أية حضارة للإسلام، ومن هؤلاء فريق غير قليل من المستشرقين، وكثير من المستغربين. ومن السلف الطالح في هذا الباب ما سجله التاريخ عن بضعة عشر نفرا من مشركي قريش اجتمعوا تحت رياسة كبيرهم الوليد بن المغيرة قبل حلول موسم الحج، وقرروا أن يقتسموا مداخل مكة عندما يحضر الموسم، فقعدوا عند حلول موسم الحج في كل مدخل، متفرقين في طرقها وجبالها وفجاجها، لينفروا الوافدين عليها من الاتصال برسول الله ﷺ ومن الإيمان به. يقول أحدهم: لا تغتروا به فإنه ساحر، ويقول الآخر: لا تغتروا به فإنه كذاب، ويقول الآخر: لا تغتروا به فإنه شاعر، ويقول الآخر لا تغتروا به فإنه كاهن، ويقول الآخر: لا تغتروا به فإنه من الغاوين، وليجمعوا أمرهم نصبوا الوليد بن المغيرة حكما عند باب البيت الحرام، ليزكيهم ويصدق مقالاتهم كلما سأله أحد الوافدين على البيت عن صدق
стр. 1115
ما قالوه، إلى آخر السلسلة الطويلة من البهتان وقول الزور، الذي حمل كل واحد منهم وزره، فلم يلبثوا أن أخذهم الله أخذا وبيلا.
وقوله تعالى ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ عقب قوله تعالى هنا: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ تنبيه إلى أن أمر الله لرسوله بخفض جناحه للمؤمنين لا يعني إخراجهم من عهدة النذارة الملازمة لهم إلى يوم الدين، فهو نذير لهم وللناس أجمعين.
وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ عقب قوله ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ نظير قوله تعالى في آية أخرى: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] وهو إشارة إلى أن القول في النذارة للمؤمنين كالقول فيها لغيرهم من " المقتسمين "، فنذارة الرسول ﵇ شاملة وعامة للجميع على السواء، دون تمييز ولا استثناء.
وقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قسم من الله بذاته وربوبيته، مضاف إلى رسوله على جهة التشريف والتكريم، والضمير في " لنسألنهم " يعود على الجميع من كافر ومؤمن، فالسؤال عن العمل عام للخلق دون فرق، يسألون لماذا عملتم كذا ولم تعملوا كذا؟ على وجه الحساب، للثواب والعقاب، ولا يسألون هل عملتم كذا وكذا؟ لأن الله تعالى أعلم منهم بذلك، وهذا السؤال على وجه الاستفهام المحض هو المنفى في قوله تعالى في سورة الرحمان: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الآية: ٣٩].
стр. 1116
وقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أمر من الله لرسوله بإعلان الدعوة إلى الله، والجهر بالحق، رغما عن معارضة المشركين القوية، وأذاهم البالغ. قال عبد الله بن مسعود: " ما زال النبي ﷺ مستخفيا حتى نزلت ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فخرج هو وأصحابه ".
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ مواساة من الله لرسوله، وحض له على مواجهة أذى المشركين بسعة الصدر، والتجمل بالصبر، كما أن فيه حضا له على التسلح بسلاح العبادة والذكر، ولذلك كان ﷺ يصلي كلما حزبه أمر، واستمر على ذلك حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى في أعلى عليين، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.
стр. 1117
الربع الثالث من الحزب السابع والعشرين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
١٦ - سورة النحل مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ
стр. 1118
السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ
стр. 1119
مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)
стр. 1120
الربع الثالث من الحزب السابع والعشرين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
حصة هذا اليوم تتناول الربع الثالث من الحزب السابع والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في مطلع سورة النحل المكية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.
ــ
في نهاية الربع الماضي ختمنا بفضل الله سورة الحجر المكية، وفي بداية هذا الربع نشرع بعون الله في تفسير سورة النحل المكية أيضا، وقد سميت هذه السورة " سورة النحل " أخذا من قوله تعالى فيها: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى في بداية هذه السورة: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ إخبار عن قرب الساعة رغما عما يظهر من بعدها، فكل آت قريب، على غرار قوله تعالى في آية ثانية:
стр. 1121
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وقوله تعالى في آية ثالثة: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، ووضع الفعل الماضي في الآية موضع المستقبل، لتحقق وقوع " أمر الله " وهو يوم القيامة، إذ هو أمر واقع، ما له من دافع.
وقوله تعالى هنا: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ يشبه قوله تعالى في آية أخرى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨].
وقوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ المراد " بالروح " هنا النبوة والوحي، ويشبهه قوله تعالى في آية أخرى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥]، ويصدق هذا على " الذكر الحكيم " فهو بمنزلة الروح التي يحيى بها المؤمن، إذ يكيف حياته في الدنيا فيجعلها حياة طيبة، ويعده للحياة الدائمة في الدار الآخرة، فيفوز بالخلود في جنات النعيم.
وبخصوص التعبير " بالروح " عن القرآن الكريم جاء قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، فالقرآن روح حقيقية ومعنوية، أحيا الله بها الإنسانية دينا ودنيا، وقد كان نزوله نقطة تحول في تاريخ النوع
стр. 1122
البشري ومرحلة حاسمة في تطور العقائد والشعائر والشرائع، ونقطة انطلاق في حياة الأمم والشعوب والسلالات، مما أدى إلى تغيير خريطة العالم في أكثر البلدان والأقاليم والقارات، فعالم ما بعد القرآن غير عالم ما قبل القرآن، بشهادة الأصدقاء والأعداء.
وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ إشارة إلى بداية الإنسان المتواضعة، وإلى نهايته المستكبرة، التي يبرز فيها الكبر والعناد، والتمرد على أوامر الله وتوجيهاته للعباد.
ثم انتقلت الآيات الكريمة إلى تعداد النعم التي أنعم الله بها على الإنسان متاعا وانتفاعا، رحمة منه وإحسانا، وبينت جملة من أنواع الدواب التي سخرها لخدمته ومنفعته، مما يرتفق به في مرافقه الضرورية، أو يتغذى منه بأطيب الأغذية، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وأشارت الآيات الكريمة إلى المنظر الجميل الذي تكون عليه الأنعام عند عرضها حين سرحها وذهابها إلى المراعي، وحين رجوعها ورواحها منها: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾. قال أبو القاسم ابن جزي: " وإنما قدم ﴿تُرِيحُونَ﴾ على ﴿تَسْرَحُونَ﴾ لأن جمال الأنعام بالعشي أكثر، حيث أنها ترجع من المراعي وبطونها ملأى، وضروعها حافلة ".
стр. 1123
وقوله تعالى في نهاية هذه الآية: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إشارة إلى ما تبرزه القدرة الإلهية جيلا بعد جيل، من وسائل جديدة للنقل أو المواصلات، وأصناف جديدة من الأغذية والمأكولات، وما وراء ذلك مما لا يحيط بعلمه إلا بديع الأرض والسماوات.
قال القاضي أبو بكر (ابن العربي) عند تفسيره قوله تعالى هنا: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾: " في هذا دليل على لباس الصوف، فهو أول ذلك وأولاه، فإنه شعار المتقين، ولباس الصالحين، وشارة الصحابة والتابعين، واختيار الزهاد والعارفين، وهو يلبس لينا وخشنا، وجيدا ومقاربا ورديئا، واليه نسب جماعة من الناس (الصوفية)، لأنه لباسهم في الغالب، فالياء للنسب والهاء للتأنيث ".
وقال (ابن العربي) عند تفسير قوله تعالى هنا: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾: " والجمال يكون في الصورة وتركيب الخلقة، ويكون في الأخلاق الباطنة، ويكون في الأفعال.
" فأما جمال الخلقة فهو أمر يدركه البصر، فيلقيه إلى القلب متلائما، فتتعلق به النفس، من غير معرفة بوجه ذلك ولا بسببه لأحد من البشر.
" وأما جمال الأخلاق فبكونها على الصفات المحمودة، من العلم والحكمة، والعدل والعفة، وكظم الغيظ، وإرادة الخير لكل واحد.
стр. 1124
" وأما جمال الأفعال فهو وجودها ملائمة لصالح الخلق، وقاضية بجلب المنافع إليهم، وصرف الشر عنهم.
" وجمال الأنعام والدواب من جمال الخلقة محسوب، وهو مرئي بالأبصار، موافق للبصائر، ومن جمالها كثرتها "، إلى أن قال ﵀: " وليس في الحمير زينة، ولكن المنفعة بها مضمونة.
" وهذا الجمال والتزين وإن كان من متاع الدنيا فقد أذن الله فيه لعباده، وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (الإبل عز لأهلها، والغنم بركة، والخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة).
" وإنما جمع الله العز في الإبل، لأن فيها اللباس والأكل واللبن والحمل والغزو، وإن نقصها الكر والفر، وجعل البركة في الغنم، لما فيها من اللباس والطعام والشراب وكثرة الولادة، فإنها تلد في العام ثلاث مرات، إلى ما يتبعها من السكينة وتحمل عليه صاحبها من خفض الجناح ولين الجانب ... وقرن ﷺ الخير بنواصي الخيل بقية الدهر، لما فيها من الغنيمة، المستفادة للكسب والمعاش، وما توصل إليه من قهر الأعداء، وغلبة الكفار، وإعلاء كلمة الله ".
ونبه القاضي أبو بكر (ابن العربي) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ على ما أمر به رسول الله ﷺ من الرفق بالدواب، وإراحتها، ومراعاة التفقد لعلفها وسقيها. وفي الموطأ قال مالك عن أبي عبيد عن خالد بن معدان: " إن الله رفيق يحب الرفق، ويرضى به،
стр. 1125
ويعين عليه ما لا يعين على العنف، فإذا ركبتم هذه الدواب العجم فأنزلوها منازلها " إلى آخر الحديث.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ يشبه قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. والمراد بقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ كما قال مجاهد: " طريق الحق المؤدية إلى الله "، قال ابن كثير بعد ذكره أقوالا أخرى في تفسير هذه الآية: " وقول مجاهد أقوى من حيث السياق، لأنه تعالى أخبر أن ثم طرقا تسلك إليه، فليس يصل إليه منها إلا طريق الحق، وهي الطريق التي شرعها ورضيها، وما عداها من الطرق مسدودة، والأعمال فيها مردودة ". وقال ابن جزي: " معنى القصد في قوله ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: القاصد الموصل، وإضافته إلى السبيل من إضافة الصفة إلى الموصوف، فكأنه قال: وعلى الله بيان السبيل القاصد الموصل إليه ".
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ الضمير يعود على " السبيل " المراد به هنا الجنس، ومعنى " الجائر " الحائد والمائل عن الحق، والخارج عن الصواب.
وقوله تعالى هنا: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ على غرار قوله تعالى في آية ثانية: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨] لكنه خلق الإنسان حرا مختارا، فلم
следующие страницы →