Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وقوله تعالى في آية ثالثة: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، ووضع الفعل الماضي في الآية موضع المستقبل، لتحقق وقوع " أمر الله " وهو يوم القيامة، إذ هو أمر واقع، ما له من دافع.
وقوله تعالى هنا: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ يشبه قوله تعالى في آية أخرى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨].
وقوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ المراد " بالروح " هنا النبوة والوحي، ويشبهه قوله تعالى في آية أخرى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥]، ويصدق هذا على " الذكر الحكيم " فهو بمنزلة الروح التي يحيى بها المؤمن، إذ يكيف حياته في الدنيا فيجعلها حياة طيبة، ويعده للحياة الدائمة في الدار الآخرة، فيفوز بالخلود في جنات النعيم.
وبخصوص التعبير " بالروح " عن القرآن الكريم جاء قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، فالقرآن روح حقيقية ومعنوية، أحيا الله بها الإنسانية دينا ودنيا، وقد كان نزوله نقطة تحول في تاريخ النوع
стр. 1122
البشري ومرحلة حاسمة في تطور العقائد والشعائر والشرائع، ونقطة انطلاق في حياة الأمم والشعوب والسلالات، مما أدى إلى تغيير خريطة العالم في أكثر البلدان والأقاليم والقارات، فعالم ما بعد القرآن غير عالم ما قبل القرآن، بشهادة الأصدقاء والأعداء.
وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ إشارة إلى بداية الإنسان المتواضعة، وإلى نهايته المستكبرة، التي يبرز فيها الكبر والعناد، والتمرد على أوامر الله وتوجيهاته للعباد.
ثم انتقلت الآيات الكريمة إلى تعداد النعم التي أنعم الله بها على الإنسان متاعا وانتفاعا، رحمة منه وإحسانا، وبينت جملة من أنواع الدواب التي سخرها لخدمته ومنفعته، مما يرتفق به في مرافقه الضرورية، أو يتغذى منه بأطيب الأغذية، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وأشارت الآيات الكريمة إلى المنظر الجميل الذي تكون عليه الأنعام عند عرضها حين سرحها وذهابها إلى المراعي، وحين رجوعها ورواحها منها: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾. قال أبو القاسم ابن جزي: " وإنما قدم ﴿تُرِيحُونَ﴾ على ﴿تَسْرَحُونَ﴾ لأن جمال الأنعام بالعشي أكثر، حيث أنها ترجع من المراعي وبطونها ملأى، وضروعها حافلة ".
стр. 1123
وقوله تعالى في نهاية هذه الآية: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إشارة إلى ما تبرزه القدرة الإلهية جيلا بعد جيل، من وسائل جديدة للنقل أو المواصلات، وأصناف جديدة من الأغذية والمأكولات، وما وراء ذلك مما لا يحيط بعلمه إلا بديع الأرض والسماوات.
قال القاضي أبو بكر (ابن العربي) عند تفسيره قوله تعالى هنا: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾: " في هذا دليل على لباس الصوف، فهو أول ذلك وأولاه، فإنه شعار المتقين، ولباس الصالحين، وشارة الصحابة والتابعين، واختيار الزهاد والعارفين، وهو يلبس لينا وخشنا، وجيدا ومقاربا ورديئا، واليه نسب جماعة من الناس (الصوفية)، لأنه لباسهم في الغالب، فالياء للنسب والهاء للتأنيث ".
وقال (ابن العربي) عند تفسير قوله تعالى هنا: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾: " والجمال يكون في الصورة وتركيب الخلقة، ويكون في الأخلاق الباطنة، ويكون في الأفعال.
" فأما جمال الخلقة فهو أمر يدركه البصر، فيلقيه إلى القلب متلائما، فتتعلق به النفس، من غير معرفة بوجه ذلك ولا بسببه لأحد من البشر.
" وأما جمال الأخلاق فبكونها على الصفات المحمودة، من العلم والحكمة، والعدل والعفة، وكظم الغيظ، وإرادة الخير لكل واحد.
стр. 1124
" وأما جمال الأفعال فهو وجودها ملائمة لصالح الخلق، وقاضية بجلب المنافع إليهم، وصرف الشر عنهم.
" وجمال الأنعام والدواب من جمال الخلقة محسوب، وهو مرئي بالأبصار، موافق للبصائر، ومن جمالها كثرتها "، إلى أن قال ﵀: " وليس في الحمير زينة، ولكن المنفعة بها مضمونة.
" وهذا الجمال والتزين وإن كان من متاع الدنيا فقد أذن الله فيه لعباده، وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (الإبل عز لأهلها، والغنم بركة، والخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة).
" وإنما جمع الله العز في الإبل، لأن فيها اللباس والأكل واللبن والحمل والغزو، وإن نقصها الكر والفر، وجعل البركة في الغنم، لما فيها من اللباس والطعام والشراب وكثرة الولادة، فإنها تلد في العام ثلاث مرات، إلى ما يتبعها من السكينة وتحمل عليه صاحبها من خفض الجناح ولين الجانب ... وقرن ﷺ الخير بنواصي الخيل بقية الدهر، لما فيها من الغنيمة، المستفادة للكسب والمعاش، وما توصل إليه من قهر الأعداء، وغلبة الكفار، وإعلاء كلمة الله ".
ونبه القاضي أبو بكر (ابن العربي) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ على ما أمر به رسول الله ﷺ من الرفق بالدواب، وإراحتها، ومراعاة التفقد لعلفها وسقيها. وفي الموطأ قال مالك عن أبي عبيد عن خالد بن معدان: " إن الله رفيق يحب الرفق، ويرضى به،
стр. 1125
ويعين عليه ما لا يعين على العنف، فإذا ركبتم هذه الدواب العجم فأنزلوها منازلها " إلى آخر الحديث.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ يشبه قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. والمراد بقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ كما قال مجاهد: " طريق الحق المؤدية إلى الله "، قال ابن كثير بعد ذكره أقوالا أخرى في تفسير هذه الآية: " وقول مجاهد أقوى من حيث السياق، لأنه تعالى أخبر أن ثم طرقا تسلك إليه، فليس يصل إليه منها إلا طريق الحق، وهي الطريق التي شرعها ورضيها، وما عداها من الطرق مسدودة، والأعمال فيها مردودة ". وقال ابن جزي: " معنى القصد في قوله ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: القاصد الموصل، وإضافته إلى السبيل من إضافة الصفة إلى الموصوف، فكأنه قال: وعلى الله بيان السبيل القاصد الموصل إليه ".
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ الضمير يعود على " السبيل " المراد به هنا الجنس، ومعنى " الجائر " الحائد والمائل عن الحق، والخارج عن الصواب.
وقوله تعالى هنا: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ على غرار قوله تعالى في آية ثانية: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨] لكنه خلق الإنسان حرا مختارا، فلم
стр. 1126
يكرهه على الإيمان، ولم يلجئه إلى الإذعان، فكان منه مؤمن وكافر، وشقي وسعيد.
ثم انتقل كتاب الله إلى عرض جملة من النعم الأخرى في معرض امتنانه على الإنسان، وتذكيره بالحقوق التي عليه لربه، ابتداء من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ إلى قوله تعالى في نفس السياق: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وفي هذا السياق بين كتاب الله العبرة المقصودة من عرض النعم التي أنعم بها على الإنسان، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فمن له عقل وفكر استيقظ وتذكر، ونظر واعتبر، وفكر وقدر، وشكر وما كفر.
ثم تصدى كتاب الله للرد على عبدة الأصنام والأوثان، وسجل عليهم جملة من الادعاءات الباطلة القائمة على مجرد الزور والبهتان، وجدد دعوته لهم إلى الإيمان والإذعان، ببالغ الحجة وساطع البرهان، وذكرهم بسوء المنقلب الذي آل إليه أمر الكافرين والماكرين قبلهم منذ قديم الزمان، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ
стр. 1127
فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * لَا جَرَمَ﴾ أي لا بد ولا شك ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ * قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى هنا: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ اللام فيه للأمر، وبمعنى هذه الآية ورد الحديث النبوي الشريف (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا)، وقوله ﵇: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) أو كما قال ﵇.
وقوله تعالى في ختام هذا الربع: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إخبار من الله تعالى عن حال المشركين والكافرين الذين ظلموا أنفسهم بالشرك والكفر، ولم يقدروا الله حق
стр. 1128
قدره، فكان شركهم بالله ظلما عظيما، ووصف لهم كيف يكونون عند الاحتضار ومجيء الملائكة إليهم لقبض أرواحهم الخبيثة، حيث يظهرون، وقتئذ السمع والطاعة، ويتبرأون مما عملوا من السيئات، فيكذب الملائكة دعواهم، بشهادة الله التي لا مرد لها، ويخبرونهم عن مصيرهم المفجع، قائلين: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.
стр. 1129
الربع الأخير من الحزب السابع والعشرين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)
стр. 1130
وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)
стр. 1131
أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)
стр. 1132
الربع الأخير من الحزب السابع والعشرين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب السابع والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
ــ
بعدما بين كتاب الله في الربع الماضي كيف يستقبل خصوم النبوات والرسالات الوحي الإلهي فقال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ بين كتاب الله في بداية هذا الربع، كيف يستقبل الوحي أنصار الرسل وأتباعهم الذين اتقوا وآمنوا، فقال تعالى في وصفهم: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ وذلك اعتراف منهم بما يحتوي عليه الوحي الإلهي من خير عظيم لهم ولأسرهم ولأممهم وللإنسانية جمعاء، خير يشمل الدين والدنيا والآخرة، خير يعم الفرد والمجتمع والدولة في آن واحد، فهو رحمة للعالمين وهدى للضالين.
стр. 1133
ثم انتقل كتاب الله إلى تقرير حقيقة واقعية بالنسبة للمؤمنين الصادقين، ألا وهي أن الله تعالى يكرمهم بحياة طيبة في الدنيا وحياة أطيب منها في الآخرة، فالإيمان الصادق والعمل الصالح يسري مفعولهما، ويظهر أثرهما في الحياة اليومية الأولى، قبل أن يسري مفعولهما ويظهر أثرهما في الحياة الأخرى، وليس الأمر كما يظن الشاكون والمترددون أن ثمرة الإيمان لا يقطف جناها في الدنيا، ويخشى أن لا يقطف جناها في الآخرة، وإلى هذه الحقيقة الإيمانية الواقعية يشير قوله تعالى هنا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
وكما وصف كتاب الله في الربع الماضي حال المشركين والكافرين الذين ظلموا أنفسهم، وكيف يكونون عند الاحتضار، وكيف ينتزع الملائكة أرواحهم الخبيثة، وكيف يستقبلهم خزنة جهنم، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾، تناول كتاب الله بالوصف والبيان في هذا الربع حال المؤمنين الصادقين وبين أيضا كيف تتوفاهم الملائكة عند لقاء الله، وكيف تستقبلهم في دار الخلد، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ
стр. 1134
تَعْمَلُونَ﴾، مصداقا لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ حكاية لمزاعم المشركين ومن لف لفهم، ووصف لاعتقادهم الفاسد: إن القضاء والقدر هما المانعان اللذان يحولان بينهم وبين الطاعة والإيمان، بينما الواقع يبطل ادعاءهم، ويهدم اعتقادهم، فقد مكن الله الإنسان من جميع الأجهزة، والملكات التي يميز بها الخير من الشر، والحق من الباطل، ولم يقتصر على ما منحه من الأجهزة والملكات الصالحة والكافية للتمييز، بل أكرمه علاوة على ذلك ببعث الأنبياء وإرسال الرسل جيلا بعد جيل، مبشرين ومنذرين، ومبينين طريق الحق والهدى للناس أجمعين، وأتبع ذلك كله بدرس عملي، يبين الأثر الطيب لعقيدة التوحيد، ودرس عملي آخر، يبين الأثر السيئ للإصرار على الشرك والضلال. وبذلك سقطت حجة كل من ادعى الجهل أو الغفلة، أو اتهم بكفره وضلاله القضاء والقدر، ولم يبق عذر لمن اختار طريق الضلال على طريق الهدى، وأصبح كل إنسان مسؤولا عن نفسه، محاسبا على اختياره، مجازى عليه بالخير إن كان اختياره خيرا، وبالشر إن كان اختياره شرا، وبين كتاب الله أن موقف المشركين من رسالة الإسلام وخاتم الرسل ليس أمرا مفاجئا ولا جديدا، بل هو أمر متعارف عن المشركين منذ عهد قديم، فقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ
стр. 1135
إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ * وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾، أي باتباع الرسل ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾، أي بمخالفتهم والخروج عليهم، ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
ثم وجه كتاب الله الخطاب إلى الرسول الأعظم مواسيا إياه، فقد كان ﷺ شديد الاهتمام بهداية الناس إلى الحق، قوي الحرص على نجاتهم، عميق الحزن كثير الأسى على انحرافهم، وإلى هذا المعنى يلمح قوله تعالى هنا: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، على غرار قوله تعالى في آية ثانية: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، وقوله تعالى في آية ثالثة: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]، وقوله تعالى في آية رابعة: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠].
ومعنى قوله تعالى هنا: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ بضم الياء وفتح الدال على البناء للمفعول، طبقا لقراءة ورش عن نافع: " لا يهدي غير الله من يضله الله " والضمير في قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يعود على الضالين، فقد حكم الله عليهم بالخذلان دنيا وأخرى، جزاء وفاقا.
ثم حكى كتاب الله قول منكري البعث، وزيف قولهم، وأكد أن البعث وعد حق وصدق من الله ، ولن يخلف الله
стр. 1136
وعده، فقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي أقسموا بأغلظ الأيمان ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ كأن الله الذي أنشأ النشأة الأولى لا يقدر أن ينشئ النشأة الثانية، وهذا الفهم العاطل والوهم الباطل مناقض للمنطق السليم، مخالف للقياس الصحيح، فمن أنشأ النشأة الأولى يكون في منطق العقل البشري قادرا على النشأة الثانية من باب أولى وأحرى، ولذلك رد كتاب الله على منكري البعث قائلا: ﴿بَلَى﴾ أي بل سيكون البعث لا محالة ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ إشارة إلى إحدى الحكم الإلهية التي تتحقق عن طريق البعث والنشور، ألا وهي تحقيق العدل الكامل بين الناس في دار الجزاء، والفصل بين المختلفين في حقوق الدنيا وحقائق الدين، وتمييز المحقين من المبطلين، والناجين من الهالكين، وتعريف المكذبين بكذبهم والضالين بضلالهم، وتبعا لذلك يجازى كل فريق على عمله بمقتضى العدل المطلق، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
ثم عقب كتاب الله على شك منكري البعث في البعث، مذكرا عباده بأن قدرة الله مطلقة حرة لا يحدها أي قيد من القيود، ولا يعجزها أي شيء كبر شأنه أو صغر في الوجود، وأن مشيئة الله متى تعلقت بأمر من الأمور، برز ذلك الأمر في الحين إلى عالم الظهور، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا
стр. 1137
بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].
وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن المهاجرين في سبيل الله، الذين آثروا سلامة عقيدتهم على كل شيء، وضحوا من أجلها بجميع المصالح والأغراض، ففارقوا الأهل والعشيرة والمتاع، وتعرضوا لضيق العيش وغربة الدار، وبين كتاب الله مكانة المهاجرين عند الله في الدنيا والآخرة، منوها بخصالهم ومزاياهم، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. روي أن عمر بن الخطاب كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول: " خذ، بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل " ثم قرأ هذه الآية: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وتناول كتاب الله الرد على المشركين الذين كانوا لجهلهم بسنن الله في خلقه، وجهلهم بتاريخ النبوات والرسالات السابقة، يستبعدون أن يرسل الله إليهم من أنفسهم رسولا، وخاطبهم داعيا إياهم إلى سؤال أهل الذكر من أهل الكتب المنزلة الماضية -إن لم يكتموا ويحرفوا- هل كان رسلهم بشرا أم غير بشر، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ على غرار قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الآية: ٧].
стр. 1138
وقوله تعالى هنا: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ متعلق بقوله قبل ذلك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ أي وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالا يوحى إليهم، على قاعدة التقديم والتأخير في الكلام، المتعارفة في لسان العرب، والمراد " بالبينات " هنا الحجج والبراهين، والمراد " بالزبر " الكتب، جمع زبور أي كتاب.
وقوله تعالى خطابا لرسوله الأعظم: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ إشارة إلى الذكر الحكيم والقرآن العظيم بالخصوص، وإنما أطلق على القرآن اسم " الذكر " لما فيه من تذكير الناسي وتنبيه الغافل، وهذه الآية تتضمن بيان اختصاص الرسول، وتكليفه بتبليغ الوحي المنزل عليه من عند الله، وبتبيين حكمه ومقاصده وأهدافه للناس أجمعين، كما تتضمن بيان الحكمة في تنزيل القرآن الكريم، وأن الحكمة منه هداية الناس إلى صلاحهم، وإثارة الخير في نفوسهم، فلخيرهم نزل على الرسول القرآن، ولهدايتهم وجب على الرسول البيان: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي لهدايتهم وإرشادهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
ثم أنذر كتاب الله المشركين والكافرين بعقابه الصارم، وحذرهم من أن يصيبهم ما أصاب الأقوام التي هلكت من قبلهم، فقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ أي ارتكبوا المعاصي بمكر وخبث، ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أي في أسفارهم ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ أي يأخذهم
стр. 1139
بالنقص من الأموال والأنفس والثمرات، حتى يَهلِكوا على فترات.
وأخيراً لفَتَ كتاب الله أنظار الشاكين والمترددين من الخلق إلى جلال الله وعظمته، وذكرهم بأنه القاهر فوق عباده، والمهيمن على خلقه، فالكل لسلطانه خاضع، والكل أمام جلاله خاشع: السماء والأرض، والبشر والملائكة، والإنسان والحيوان، وجميع العوالم والأكوان، لا يفلت من قبضته مخلوق، ولا ملجأ منه إلا إليه، وذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي صاغرون ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
стр. 1140
الربع الأول من الحزب الثامن والعشرين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
стр. 1141
بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا
стр. 1142
شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)
стр. 1143
الربع الأول من الحزب الثامن والعشرين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأول من الحزب الثامن والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾.
ــ
في بداية هذا الربع، يؤكد كتاب الله الحقيقة الدينية الأولى، التي نادت بها جميع الكتب المنزلة، كتابا بعد كتاب، والتي بشر بها كافة الأنبياء والرسل، نبيا بعد نبي ورسولا إثر رسول، ألا وهي انفراد الحق بالألوهية والربوبية عن كل ما سواه، وضرورة التوجه إليه وحده بالخوف والرجاء دون ما عداه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. وكيف لا يفرد الخلق خالقهم بالعبادة والطاعة والتوجه إليه في السراء والضراء، وهو بديع السماوات والأرض، وهو الذي شرع لهم الدين الحق وهداهم إليه منذ البداية، ومنه وحده ينتظرون الجزاء في النهاية:
стр. 1144
﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾. وقوله تعالى هنا: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ يماثل في معناه قوله تعالى في سورة الزمر: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الآية: ٣]، وينظر إليه قوله تعالى في سورة غافر: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الآية: ١٤].
ثم يتجه كتاب الله بخطابه إلى الناس كافة، مذكرا إياهم بأن كل ما يتقلبون فيه من النعم على اختلافها، إنما هو هبة إلهية وهبها لهم بمحض إرادته، وأن من تفضل بالعطاء، يمكن أن يعاقب بالسلب ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾.
ووصف كتاب الله في هذا السياق، حالة من الحالات اليومية التي تعرض لكثير من الناس عندما يمسهم الضر، وينزل بساحتهم الأذى، فتنكشف عن أعينهم جميع الغشاوات والحجب، وتبدو لهم أنفسهم عارية على حقيقتها من الضعف والعجز والاحتياج، ولا يستطيعون لدفع الضر عن ساحتهم حيلة ولا يهتدون سبيلا، فلا يجدون مفتوحا أمامهم إلا بابا وحيدا هو باب الرحمان الرحيم، يلجأون إليه مضطرين صاغرين، ويطرقون بابه بالشكوى صارخين مبتهلين، فيجيب بفضله دعاءهم، ويكشف برحمته ضرهم، الأمر الذي كان كافيا ليوقظ في نفوسهم على الدوام حاسة الإيمان، ويحملهم باستمرار على الشكر والطاعة والإذعان، لكنهم على العكس من ذلك، بمجرد ما يكشف الحق سبحانه عنهم الضر، ويدفع عنهم الأذى، ينسون فضل الله، ويتنكرون لنعم الله، وينتكسون مرة أخرى فيعودون إلى ما كانوا عليه من
стр. 1145
المعتقدات الباطلة والتصرفات الفاسدة، وهكذا تتحرك فيهم فطرة الخير مؤقتا، تحت ضغط الضعف والمرض والأذى، لكن بمجرد ما يستعيدون القوة والصحة والسلامة، تطغى عليهم من جديد نزغات الشر والعصيان، ويتصدون لنعم الله وحقوقه بالجحود والكفران، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾.
ويعقّب كتاب الله على اتجاه هذا الفريق المنحرف من الناس المنكر للجميل، الذي لم يستخلص العبرة من لطف الله به ورعايته إياه، فيخاطب أفراده مهددا ومتوعدا قائلا: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. وإذن فهم يعتبرون في حالة إمهال، لا إهمال، ومآل تمتعهم مهما طال، فهو إلى زوال.
واستعرض كتاب الله صورا من معتقدات المشركين وآرائهم السخيفة، في معرض النقض والإبطال، وفي طليعة هذه المعتقدات الباطلة، ما كان المشركون يخصصونه للأصنام والأوثان، من أنعام لا يركبونها ولا يذوقون لحومها، ومن عطايا ونذور لا يقتطعون منها شيئا، وما كانوا ينسبون لمقام الألوهية من اختيار البنات، وهي الملائكة في نظرهم.
واستنكر كتاب الله سخافة عقولهم، وسماجة عوائدهم، التي كانت تقضي باحتقار الأنثى والتشاؤم بها، مستغربا كيف أنهم تجرأوا على أن يختاروا لله في زعمهم ما يكرهونه لأنفسهم، وذلك
стр. 1146
ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: للأصنام والأوثان، التي لا سند لها من العلم والدين، وإنما جرهم إلى عبادتها، الجهل والوهم والتقليد. ﴿نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ * وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾، أي: ظل وجهه كئيبا من الهم، وهو ساكت من شدة الحزن، يكظم غيظه وهمه. ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾، أي: يختفي حتى لا يراه الناس، وذلك: ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾، وهذه إشارة إلى ما كان يقدم عليه بعض المشركين من وأد البنات وهن أحياء، وما كان يقوم به البعض الآخر من إبقائهن أحياء، لكن في حالة من الضعة والهوان، وفي هذا الموضوع نفسه، ورد في مكان آخر من هذا الربع، قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾، وقوله تعالى: تنزيها للحق سبحانه عن كل ذلك: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
ثم عقَّب كتاب الله منددا بهذه النظرة الجاهلية السخيفة، هادما لها من الأساس، معيدا بذلك للأنثى كرامتها الأصيلة، معترفا لها بحقها الثابت في الحياة العزيزة الكريمة مثل شقيقها الذكر، فقال تعالى ناقضا لحكم الجاهلية في شأن الأنثى، ومنددا بموقف المشركين منها: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
ونبَّه كتاب الله إلى أن: (الإيمان بالآخرة)، المنبثق عن
стр. 1147
الإيمان بالله، والذي هو له كالنتيجة بالنسبة للمقدمة، هو مصدر جميع أنواع الكمال عند المؤمن؛ لأن الإيمان بالآخرة وتوابعها، يستلزم مراقبة الله في جميع الأحوال، ومن راقب الله قولا وعملا، ظاهرا وباطنا، كان أقرب إلى الكمال، وأبعد عن النقص، بخلاف من لم يؤمن بالآخرة وأصر على إنكارها، فإنه يظل غريقا في أوحال المساوئ والنقائص، بحيث لا يتصور في حقه أي كمال، ولا غرابة في ذلك، فهو سيء العقيدة في الله وفي الناس، وهو سيء السلوك نحو الله ونحو الناس، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾، أي: النقص قائم بهم، ومنسوب إليهم. ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، أي: له الكمال المطلق من كل وجه.
ونبَّه كتاب الله إلى ما تواطأ عليه البشر في مختلف العصور، من تظالم فيما بينهم بالبغي والعدوان، رغما عما أمرهم الله به من التزام العدل، وما تواطأوا عليه من ظلم يرتكبونه في حق خالقهم ورازقهم، بالشرك وعبادة الأوثان، رغما عما هداهم إليه من عقيدة التوحيد، وبيَّن أن رحمة الله وحكمته اقتضتا أن تستمر عمارة الأرض إلى اليوم الموعود، فأخر لذلك مؤاخذتهم على ظلمهم، وتركهم يتقلبون في نعمه إلى حلول أجلهم، حتى إذا ما حل الأجل أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، أي: لأباد من الأرض الحياة والأحياء، ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
стр. 1148
وواضح أن " المؤاخذة " التي يؤخرها الله عن الظالمين، هي المؤاخذة الكلية التي لا تبقي ولا تذر، أما مؤاخذتهم الجزئية بالخوف، والجوع، والنقص من الأموال والأنفس والثمرات، وتسليط الكوارث والأزمات، وقيام الفتن والحروب، فهي ملازمة لهم، مستمرة معهم إلى يوم الدين، على حد قوله تعالى: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٥].
ثم عقَّب كتاب الله على ظاهرة الجحود والعناد، والتواطؤ على الضلال والفساد، التي لازمت البشر قرونا طوالا، فلم يستفيدوا من رسالات الرسل الفائدة المرجوة، ملوحا إلى أن عناد مشركي العرب للرسالة المحمدية إنما هو عود على بدء، وليس هو الأول والآخر، فقال تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وتناول كتاب الله تحديد جملة من الأهداف التي توختها الحكمة الإلهية من الرسالة المحمدية، التي هي خاتمة الرسالات، وهذه الأهداف المشار إليها هنا ثلاثة أمور:
الأمر الأول: وضع حد للخلاف والنزاع القائم بين أتباع الأديان السالفة، وإلقاء الأضواء على ما دخل تلك الأديان من تزييف وتحريف وسوء تأويل، وتعريف الناس كافة بالحقيقة الدينية
стр. 1149
الأصيلة على وجهها الكامل الصحيح، خالصة من الشوائب، صافية من الأكدار.
الأمر الثاني: هداية الإنسانية إلى الصراط المستقيم الذي ينظم سلوكها، ويقود خطواتها، وينقذها من مهاوي الضلال والفساد، ويعرج بها إلى معارج الصلاح والرشاد.
الأمر الثالث: إشاعة الرحمة والإحسان في مجتمعات بني الإنسان، على اختلاف الأجناس والألوان.
وإلى هذه الأهداف الثلاثة يشير قوله تعالى هنا في إعجاز وإيجاز: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، ويؤكد هذه المعاني قوله تعالى في الربع القادم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.
وانتقل كتاب الله إلى تعداد جملة من النعم الإلهية الكبرى، امتن بها على عباده حتى يطيب لهم العيش، ويستمتعوا بالحياة، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾، و " الوحي " في هذا المقام بمعنى الإلهام، ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ
стр. 1150
فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾.
وواضح من سياق هذه الآيات أنها واردة في معرض امتنان الله على عباده، والامتنان لا يقع إلا بمحلل لا بمحرم، فالماء واللبن والعسل كلها حلال، و " السكر " الوارد معها في نفس السياق لا يصح أن يفهم منه معنى المسكر الحرام، وإنما معناه ما يستخرج من الثمرات والفواكه الناضجة ذات المواد السكرية بشكل عادي، كعصير الرطب والعنب، وبذلك يظل سياق الآيات كله منسجما ومتلائما في الامتنان بما هو حلال.
ويؤكد هذا الفهم قول أبي عبيد: " السكر نقيع التمر الذي لم تمسه النار " نقله عنه ابن منظور في (لسان العرب)، ويزيد هذا الفهم تأكيدا ورود قوله تعالى في نفس السياق: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، عقب قوله: ﴿سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾، مباشرة ودون فاصل، فالعقل الذي يتمكن من التدبر العميق والتفكير السليم في آيات الله ونعمه هو العقل الذي لم تفسده المسكرات والمخدّرات، بل بقي مصونا من كل ما يفسده، سليما من كل ما يلوثه.
ولا شك أن النفع العميم الذي يناله الخلق بواسطة هذه النعم الإلهية يتطلب منهم مقابلتها والاستزادة منها بالحمد والشكر، كما أن الحكمة الربانية البارزة في إيجادها من العدم، وإمداد الخلق بها دون انقطاع، تتطلب منهم الإيمان بمبدعها، والتوجه بالطاعة إلى ممدهم بها: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
стр. 1151
الربع الثاني من الحزب الثامن والعشرين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
стр. 1152
رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ
стр. 1153
الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)
стр. 1154
الربع الثاني من الحزب الثامن والعشرين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثاني من الحزب الثامن والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾
ــ
في بداية هذا الربع، يقرر كتاب الله حقيقة واقعية بالمشاهدة والعيان، لا سبيل إلى إنكارها من أي إنسان، ألا وهي ظاهرة تفاوت الأرزاق فيما بين الناس، فهناك الموسر والمعسر، وهناك الغني والمتوسط والفقير، وهذا التفاوت الحاصل في الأرزاق، لا يخص الأرزاق المادية وحدها، بل يشملها ويشمل الأرزاق المعنوية نفسها، فالمواهب العقلية، والاستعدادات الفكرية، هي أيضا تتفاوت من شخص إلى آخر، وتتفاوت حتى فيما بين أعضاء الأسرة الواحدة، بين الوالد والولد، وبين الإخوة الأشقاء.
وإذا كنا لا ندرك السر في تفضيل بعض الناس على البعض الآخر، لحكمة إلهية خفيت عنا في ذلك، فإننا نستطيع أن نتبين
стр. 1155
أسباب هذا التفاضل ونعلله بالنسبة لكثير من الحالات الأخرى، التي يكون اختلاف المواهب والاستعدادات فيها من أهم العوامل الظاهرة المؤدية إلى التفاضل في الأرزاق، ولاسيما الأرزاق المادية.
و" المساواة " التي يهدف إليها الإسلام هي عبارة عن المساواة بين الناس في سد حاجياتهم الحيوية، حتى لا يسقط أحد منهم ضحية العوز والحاجة، أما المساواة في الرزق الذي يكتسبه كل إنسان، بمعنى أن يكسب جميع الناس كسبا واحدا، وبمقدار متماثل لا يزيد ولا ينقص بالنسبة لأي فرد، بالرغم من اختلاف مواهبهم، واختلاف كفاءاتهم، واختلاف مهامهم، فهي مجرد حلم من الأحلام، لا تقره طبيعة الأشياء ولا يقره الإسلام، وعلى فرض أننا ساوينا في العطاء والكسب بين شخصين أو أكثر، فإن أحدهما لا يلبث أن يتصرف بمحض إرادته في رزقه تصرفا سليما، فيستثمر ويوفر ويدخر، بينما الآخر يتصرف بمحض إرادته في رزقه تصرفا سقيما، فيسرف ويبذر، وبذلك تعود كفة أحدهما إلى الرجحان على كفة الآخر، ويعود التفاوت بينهما ثانيا إلى ما كان عليه أولا، وإلى وصف هذه الحقيقة الواقعية يشير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾. غير أن التفاوت في الرزق وعدم المساواة فيه، وإن كان أمرا مسلما لا يعني احتكاره والانفراد به، وإهمال الآخرين، بل إن سد حاجات المحتاجين من ملبس ومطعم ومسكن حق ثابت لهم، وهم فيه مع غيرهم سواء، وبتمكينهم من نصيبهم في الرزق يتم شكر نعمة الله. وهذا
стр. 1156
المعنى هو الذي يشير إليه قوله تعالى في نفس السياق: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
على أن التفاوت بين الناس ليس منحصرا في الأرزاق وحدها، بل هو موجود حتى في أعمارهم وآجالهم، وما يصاحب ذلك من أعراض الشيخوخة والهرم، ففي نهاية الربع الماضي، وقبل الحديث عن التفاوت في الأرزاق في بداية هذا الربع، سبق قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. فهذه الآية تشير إلى واقع محسوس: أفراد يطول عمرهم حتى يدركهم الهرم، وآخرون يموتون في شرخ الشباب، وأفراد -رغما عن طول عمرهم وهرمهم- يتمتعون بملكاتهم الذهنية إلى آخر رمق، وآخرون يردون إلى " أرذل العمر "، فيفقدون جميع ملكاتهم، أو أكثرها قبل حلول الأجل بزمن طويل، وكما أنه لا سبيل إلى المساواة بين الناس في أعمارهم وآجالهم، فإنه لا سبيل إلى المساواة بينهم في أرزاقهم ومواهبهم، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
وفي هذا السياق ندد كتاب الله بسخافة المشركين وعباد الأصنام والأوثان، فإنهم بدلا من أن يعبدوا خالقهم ورازقهم، ويفردوه بالعبادة والطاعة دون سواه، يتوجهون إلى من لا يملك لهم رزقا، ولا يستطيع لهم ضرا ولا نفعا، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ
стр. 1157
وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾.
والمراد " بالعبد " هنا: الصنم والوثن الذي يعبده المشرك، وقد أطلق كتاب الله على الأصنام كلمة (عباد) في آية أخرى؛ إذ قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]، قال مجاهد: " هذا المثل "، أي: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾، إلى آخر الآية، مضروب للوثن وللحق ، فهل يستوي هذا وهذا؟ ". وقال ابن كثير: " لما كان الفرق بينهما ظاهرا بينا لا يجهله إلا غبي، جاء التعقيب على ذلك بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى هنا: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، نهي لعباده أن يتقولوا عليه، ويضربوا له الأمثال من عند أنفسهم ووحي خيالهم، إذ ليس لله في الحقيقة مثال، كيفما كان تصور الخيال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. نعم إذا وجدنا في كتاب الله مثلا مضروبا من الذات العلية وقفنا عند حده، ولم نتجاوزه إلى غيره، كما لا نصفه ولا نسميه إلا بالصفات والأسماء الواردة في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه الكريم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا
стр. 1158
وَجَهْرًا﴾، تنبيه إلى أن " الرزق الحسن " عند الله هو الذي يؤدي العبد حقه دون منّ ولا أذى، فينفق منه في سبل الخير ووجوه البر، الظاهر منها والخفي، معتمدا على وعد الله تعالى في قوله الحق: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، وما عدا ذلك فهو رزق، لكنه " رزق سيء "، إذ لا نفع من ورائه للغير، ولا أثر له في إشاعة البر والخير.
ونظرا لكون الإسلام يدعو إلى العمل الإيجابي والمساهمة الفعلية في إصلاح المجتمع، فإن كتاب الله يستنكر موقف الشخص الكسول العاجز، المتكل على غيره، الذي لا ينفع نفسه ولا غيره، وينوه بموقف الشخص الشجاع الصريح، الذي ينهى عن الظلم ويأمر بالعدل، والذي يعطي المثل من نفسه لبقية الناس في الهداية وحسن السلوك، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾، وهذه كناية عن عجزه وسلبيته، ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾، أي: عبء ثقيل على غيره، ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وعرض كتاب الله نماذج متنوعة توقظ الإنسان الغافل، وتلفت نظره إلى علم الله المحيط بكل شيء، وقدرته الواسعة، وحكمته الباهرة، وإبداعه الفريد في الأنفس والآفاق، مما لا مثيل له ولا نظير، فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ
стр. 1159
لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وخصَّ كتاب الله بالذكر والامتنان نعمة " الأسرة " التي يطمح إليها كل إنسان عاقل، حتى إنه ليكافح في سبيل الاستمتاع بها والحصول عليها بجميع الوسائل، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، فامتن على الرجال بأن جعل زوجاتهم بشرا من جنسهم، إذ خلق الذكر والأنثى من نفس واحدة، إن اختلفا في وظائفهما العملية والاجتماعية، فإنهما لا يختلفان في خصائصهما النوعية والإنسانية. والحكمة الإلهية في ذلك أن يعاشر الرجل امرأة من جنسه، وأن تعاشر المرأة رجلا من جنسها تتجاوب معه، فتحس نفس الإحساس، وتشعر بنفس الشعور، وتتكلم نفس اللغة، ثم امتن سبحانه على الآباء والأمهات بما يرزقهم من البنين والحفدة، إذ الذرية الصالحة هي أطيب الثمرات لشجرة الزواج المباركة، وهي إحدى حسنات الإنسان التي لا تنقطع بعد الموت.
ونبَّه كتاب الله إلى أن الوظيفة الأساسية التي يرمي إليها الإسلام من تأسيس البيوت لإقامة الأسر والعائلات، هي: الحصول على نوع خاص من الحياة يتميز عن كل ما عداه بالسكينة والهدوء والطمأنينة وراحة البال، ولن يؤدي البيت هذه الوظيفة الحيوية إلا إذا كان مستوفيا لشرائط الراحة والانسجام، ماديا وروحيا، وإلا إذا كان أعضاؤه المتساكنون فيه على غاية الوِفاق والوئام، وفي
стр. 1160
مأمن من عوامل الشقاق والخصام، وإلى هذا المعنى الدقيق الرقيق يشير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾، ويزيد هذا المعنى توضيحا وتحليلا، قوله تعالى في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الآية: ٢١].
وفي سياق امتنان الله على عباده بما آتاهم من أسر وبيوت، وبنين وحفدة، عرض كتاب الله جملة من النعم التي هي شرط أساسي لحياة الأسرة وسعادة البيت، مما يتوقف عليه كل إنسان في الحر والقر، في الظعن والإقامة، في السلم والحرب، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾، أي: ظلالا تقيكم حر الشمس. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾، أي: حصونا تأوون إليها وتعتصمون بها، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾، أي: كساكم من عرى بملابس وأغطية تدفع عنكم الحر والقر، ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾، أي: دروع الحرب والجهاد، التي يحتاج إليها في ساحات المعارك وما ناسبها من عدة وعتاد، ثم عقب كتاب الله على ذلك كله قائلا: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾، بمعنى أن من فكر في مجموع هذه النعم الإلهية، وقدرها حق قدرها، وتأمل في كرم المنعم بها وفضله، واستحضر في ذهنه ما ينشأ عن فقدها واختلالها أو الحرمان منها، من اختلال في حياة الإنسان،
следующие страницы →