← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. كما بين وجه الحكمة فيه، وأن الغرض منه ليس هو إرهاق المكلفين بالجوع والعطش وكبت الشهوة، وإنما المراد منه ثمرته الروحية، التي تتجلى في سلوك المؤمن أثناء صيامه، ثم بعد انقضاء شهر الصيام، طيلة بقية شهور العام، وهي ما يكتسبه الصائم بفضل الصوم من تقوى القلب وتهذيب النفس، وذلك قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. بعد قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. على حد قوله تعالى في آية أخرى تشير إلى الأضاحي والهدايا بمناسبة موسم الحج وعيد الأضحى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. ثم تفضل الحق فأشعر المؤمنين برفقه ولطفه، إذ جعل فريضة الصيام ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. فلم يفرض عليهم صوم الدهر، وإنما طالبهم بالصيام مدة شهر، هو أحق الشهور بالذكر والشكر ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. - ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وتخفيفا عن المسلمين ورحمة بهم، اكتفى منهم بصيام النهار دون وصال بالليل، فقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. - ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. وإمعانا في الرفق والرحمة بعباده، لم يجعل الحق أي حرج على المريض والمسافر في الإفطار خلال أيام المرض وأثناء

стр. 107

السفر، بدلا من الإمساك، على أن يقضي المفطر بقدر عدد الأيام التي أفطر فيها أياما أخر، تعويضا عما أفطر، وإنما يباح الفطر للمسافر إذا لم ينو إقامة أربعة أيام فأكثر بالمكان الذي انتقل إليه، فإذا نوى الإقامة به أربعة أيام فأكثر لزمه الصيام منذ وصوله، ولم يجز له الفطر، وقد اعتبر علماء الإسلام في حكم المريض المرأة الحامل والمرأة المرضع إذا خافتا على نفسهما من الصيام، أو خافت الأولى على حملها والثانية على رضيعها، وفي هذا السياق قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. أما الذين فقدوا القدرة على الصيام كالشيخ الهرم الذي بلغ من الكبر عتيا، والمرأة الكبيرة التي عجزت عن الإمساك، فقد رخص الإسلام لهما ولمن ماثلهما بالإفطار، على أن يقوموا بإطعام مسكين واحد، فدية عن كل يوم، ولا قضاء عليهم بالمرة، وذلك تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ - أي يتجشمونه ويتكلفونه على مشقة - فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. على ما قاله ابن مسعود وغيره. وفي نفس السياق تناولت الآية الكريمة بالذكر عبادة أخرى لها شبه قريب بالصيام، ألا وهي عبادة الاعتكاف، حيث يعتزل المؤمن الحياة اليومية العادية، وينفرد عن أهله في ركن من أركان المسجد، مكرسا وقته للعبادة والتبتل دون بقية الشؤون، وهذه العبادة يمكن القيام بها في رمضان وغيره، ولمدة قصيرة أو طويلة، وكان الرسول ﷺ يفعلها في رمضان، ولا يتجاوز اعتكافه عشرة أيام، والشرط المجمع عليه في هذه العبادة هو الامتناع أثناء

стр. 108

مدة الاعتكاف عن المباشرة بتاتا، ليلا ونهارا، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. واتفق الإمامان مالك وأبو حنيفة ﵄ على اشتراط الصوم في الاعتكاف، استنادا إلى قوله ﷺ : (اعتكف وصم). ومن أدب فقهاء الإسلام مع كتاب الله، أنهم اصطلحوا في مصنفاتهم على عقد باب خاص بالاعتكاف ووضعه في الترتيب بعد الانتهاء من الباب الخاص بالصيام، تأسيا بهذه الآيات الكريمة التي ذكرت الاعتكاف في أعقاب الآيات المتعلقة بالصيام. أما طريقة كسب المال الحلال، فتنحصر في كسبه بالحق لا بالباطل، أي عن طريق الكسب المشروع الذي ارتضاه الشارع وأقرته حكمة التشريع، مقابل منفعة محققة يجنيها كلا الطرفين، على أن يتم ذلك عن طيب نفس، لا عن إكراه أو اضطرار أو إحراج، وكل كسب لم تتوفر فيه هذه الشروط وما ناسبها فهو كسب حرام، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ أي لا يأكل بعضكم مال بعض دون سبب مشروع، والتعبير هنا بكلمة (أموالكم) جاء على غرار التعبير الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وقوله تعالى في سورة النور: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ بمعنى: لا يقتل بعضكم بعضا، وليسلم بعضكم على بعض. وهذا التعبير القرآني إنما جاء متشابها في هذه الآيات الكريمة كلها حكمة ومغزى، وكأنه يلفت نظر المسلمين إلى ما يجب

стр. 109

أن يكونوا عليه من الامتزاج والاندماج فيما بينهم، حتى يكونوا أسرة واحدة، بل ذاتا واحدة. فمن أكل مال أخيه المسلم بالباطل فقد أكل مال نفسه في حقيقة الأمر، ومن اعتدى على أخيه المسلم بالقتل فقد اعتدى على نفسه قبل الغير، كما أن من سلم على أخيه المسلم فقد سلم في الحقيقة على نفسه، لأن المجتمع الإسلامي لا يكون (إسلاميا) إلا إذا كان مجتمعا قائما على التضامن والتكافل والتعاون والتآخي التام، بحيث لا يسيء أي فرد من أفراده إلى الباقين. أما إذا أساء المسلم إلى إخوانه، واعتدى على حقوقهم، وألحق الأذى بمصالحهم، فإنه يفتح الباب على مصراعيه-بحكم التقليد والعدوى وغريزة الانتقام-ليسيئوا بدورهم إليه، وليعتدوا على حقوقه، وليلحقوا أكبر الأذى بمصالحه، جزءا وفاقا، وهكذا يصدق عليه المثل العربي الشهير: " على نفسها جنت براقش ". وأما وجوه إنفاق المال التي يحض عليها الإسلام ويعطيها الأولوية بعد كفاية حاجات النفس والعيال المشروعة، فهي الإنفاق في وجوه البر التي لها أثر اجتماعي مباشر، ونفع إنساني محقق. وذلك مثل الإنفاق على الأقرباء المحتاجين، وعلى اليتامى الفقراء العاجزين عن الكسب، وعلى المساكين الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، وعلى السائلين الذين لا يسألون الناس إلحافا، وعلى أبناء السبيل العابرين من بلد إلى بلد في طلب علم أو أداء عبادة، وعلى الأرقاء، بغية تحريرهم من الرق، وأسارى

стр. 110

المسلمين، افتداء لهم من الأسر، وهذا ما ينص عليه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾. ويتكرر هذا المعنى في نفس سورة البقرة بنزول قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. وواضح بموجب هذه الآيات الكريمة، أن في المال حقا سوى الزكاة، فقد ذكرت الزكاة على حدة، منفصلة في آخرها، كشيء زائد على بقية وجوه الإنفاق التي ذكرت مفصلة في أولها. ولا حاجة إلى التنبيه على الأهمية الكبيرة التي يعطيها كتاب الله لإنفاق المال في وجوه البر وأنواع الإحسان، بحيث لا يغني عنه ولا يقوم مقامه مجرد التعبد الفردي والتبتل الشخصي الذي لا يستفيد منه إلا شخص المتعبد وحده، فمن رزقه الله المال ينبغي أن يجمع بين الحسنيين: عبادة الله بالصلاة وغيرها فرضا ونفلا، وشكر الله بالإنفاق في وجوه البر وجوبا وتطوعا، زكاة وصدقة، وبذلك يندرج في عداد العابدين الشاكرين، ويسجل في سجل الصابرين الصادقين. وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾. إلى

стр. 111

قوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾. إلى آخر الآية. وإلى المتصفين بهذه الصفات يشير أيضا قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. وسيرا في نفس الاتجاه الذي خطه دستور الإسلام الخالد، وهو أن للمال وظيفة اجتماعية سامية، ألا وهي الإسهام في إسعاد المجتمع ورفاهيته ورفع مستواه، وتوزيع الثروة بين أفراده على أوسع نطاق، لم يقتصر كتاب الله على ذكر نماذج من وجوه البر التي يطالب المسلم بالإنفاق فيها وهو على قيد الحياة، بل امتد نظره إلى ماذا سيكون مآل أموالهم وماذا سيفعل بها بعد موتهم. فنزلت آيات خاصة بالمواريث تحدد فرائض الوارثين في تركة موروثهم تحديدا قاطعا لا تبديل فيه ولا تغيير ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. إلى آخر آيات الميراث التي ستأتي مع تفسيرها بحول الله وقوته في سورة النساء. وفي حق هؤلاء اكتفى الشارع بتحديد أنصبة الإرث الخاصة بكل وارث، ومنعهم من الانتفاع بالوصية، اكتفاء بما نالوه من إرث، طبقا لقوله ﷺ عام الفتح " لا وصية لوارث ". أما أقرباء المسلم وذوو أرحامه الذين لا يدخلون في عداد الوارثين، ولا ينجر إليهم أدنى حق في التركة، فهؤلاء قد حض الإسلام على الوصية لهم، إن كانت ثروة المسلم الذي ينتمون لقرابته تتسع للورثة الأصليين وبقية الأقربين، وذلك ما ينبغي فهمه من قوله تعالى في هذا الربع: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ

стр. 112

الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. ولا يستغربن السامع ذكر الوالدين هنا في سياق الوصية دون الإرث، فهناك من الوالدين من لا حق له في الإرث، وهناك من الأقارب من لا حق لهم فيه أيضا، مثال ذلك الأم الكتابية التي ليست على دين ابنها المسلم، والزوجة الكتابية التي ليست على دين زوجها المسلم، فهذه الأم لا ترث ابنها، وهذه الزوجة لا ترث زوجها، وإنما أباح الله في حق مثلهما الوصية دون الإرث، فيمكن لولد الأولى أو لزوج الثانية أن يوصي لها قبل وفاته بنصيب من ثروته، لكن يجب أن تكون هذه الوصية (بالمعروف) كما قال الله تعالى، أي بحيث لا تؤدي إلى الإجحاف بحقوق الورثة الشرعيين، وتكون في حدود الثلث الجائز فما دونه. والوصية لهؤلاء ومن في حكمهم ليست في درجة الوجوب، وإنما هي أمر مرغب فيه ومطلوب، وذلك بالنسبة لمن يرغب في صلة رحمه، وستر ذويه من بعده، جزاء ما بذلوا في سبيله من اعتناء وبرور، وجهد مشكور، حتى لا يوصم بالتقصير في حقهم ونكران جميلهم، ولهذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي) المعافري في كتابه أحكام القرآن: " قوله تعالى-على المتقين-يدل على كونه ندبا، لأنه لو كان فرضا لكان على جميع المسلمين، فلما خص الله تعالى به من يتقي، أي من يخاف تقصيرا، دل على أنه غير لازم ". وفي هذا الربع أيضا تناولت الآيات الكريمة حكم القصاص

стр. 113

والحكمة في تشريعه، وقد كان هذا الحكم الإسلامي الحاسم تدشينا لعهد السلام والأمن بين الناس، إذ وضع حدا لسفك الدماء وإزهاق الأرواح بدون حق. وأشارت نفس الآيات إلى أن تقرير حد القصاص على أساس من العدل والمساواة، إنما هو وسيلة فعالة للحد من جرائم القتل، وإقامة حياة آمنة مطمئنة يعيش في ضلالها الجميع عيشة راضية، وذلك قوله تعالى: ﴿يأيها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وختمت آيات هذا الربع من القرآن الكريم باستنكار الرشوة والنهي عنها، والتحذير من أكل أموال الناس عن طريقها، والتنبيه إلى الإثم البالغ الذي يقع فيه الراشي والمرتشي من المحكومين والحكام، وذلك قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. عطفا على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. وهكذا وقفت توجيهات القرآن الكريم، وتعاليمه السامية، تؤيد الحق ضد الباطل، وتنصر العدل ضد الظلم، وتضع حدا للأنانية والطمع في جميع المجالات، ولاسيما مجال العلاقات الاجتماعية وما تقوم عليه من المعاملات.

стр. 114

الربع الأخير من الحزب الثالث في المصحف الكريم (ق) ــ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ

стр. 115

بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ

стр. 116

قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)

стр. 117

الربع الأخير من الحزب الثالث في المصحف الكريم (ت) عباد الله يبتدىء الربع الأخير من الحزب الثالث الذي هو حصة هذا اليوم من قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ وينتهي بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. ــ والموضوع الرئيسي في هذا الربع من سورة البقرة يكاد ينحصر في إعادة تنظيم فريضة الحج، وإرجاعها إلى أصلها الأصيل، حسبما كانت عليه في ملة إبراهيم الخليل، بغية تخليصها من جميع شوائب الشرك، وتطهيرها تطهيرا تاما من تقاليد الجاهلية ونزغاتها وشعاراتها ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ - ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ - فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.

стр. 118

وفي آيات هذا الربع من القرآن الكريم يتجلى رفق الإسلام، وما انبنى عليه من السماحة واليسر، حيث يسمح لمن أصابه مرض أو لحقه أذى، أثناء حجه، بارتكاب ما كان ممنوعا عليه في حالة الصحة وعدم الأذى، والفدية عنه مقابل الرخصة التي رخص له بها الحق تيسيرا وتخفيفا، وتعرف هذه الفدية بفدية الأذى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. وفي نفس هذا الاتجاه وعلى أساس القاعدة الإسلامية، قاعدة اليسر ورفع الحرج التي تميز بها الإسلام، نزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. فقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فتأثموا في الإسلام أن يتجروا فيها (أي خافوا أن ينالهم إثم بالتجارة فيها) فنزلت الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يعني موسم الحج. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي) المعافري في كتابه أحكام القرآن: " في هذا دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا، ولا يخرج به المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه " إلى آخر كلامه. ومما ينسجم مع هذه الآية ويؤكد معناها قوله تعالى في سورة الحج ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾.

стр. 119

وما دام الحديث في معرض الحج الذي هو أحسن فرصة يتزود فيها المؤمنون من دعاء الخير ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. فقد أرشد الحق عباده إلى أحسن طريقة لسؤاله ودعائه أثناء قيامهم بعبادة الحج التي هي مظنة الإجابة، كما نبه إلى الطريقة التي ينبغي تجنبها في الدعاء، وبدأ في الذكر بالتنبيه على ما ينبغي تجنبه فقال عز من قائل: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وهذه الآية تتضمن أمرين: ١ - الأمر الأول: استنكار موقف الذين يقصرون دعائهم في مواطن الخير على ما يهم من الشؤون المادية الصرفة، وإنذارهم بأن لا يكون لهم في الآخرة حظ ولا نصيب، ماداموا قد نسوا الدار الآخرة، وهذا يقتضي بطبيعة الحال ذمهم والتنفير من التشبه بهم، قال ابن عباس ﵁: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، فأنزل الله فيهم ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. ٢ - الأمر الثاني: تحبيذ موقف الذين لا ينسون آخرتهم بدنياهم ولا دنياهم بآخرتهم، بل يجمعون في دعائهم بين خير الدنيا وخير الآخرة، اهتماما منهم بالاثنين، وجمعا بين الحسنيين، طبقا لأمر الله، وتحقيقا لمراده، على حد قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَا

стр. 120

تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. وهؤلاء هم الذين تعهد لهم الحق بالإجابة، قال ابن عباس: وكان يجيء آخرون من المؤمنين فيقولون: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، فأنزل الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، فمدح من يسأله الدنيا والآخرة. قال ابن كثير: " فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر، فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هين، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما أمر النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا، من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام ". وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ كان يستعمل في دعائه هذه الصيغة الثانية التي أثنى عليها القرآن الكريم. روى الإمام البخاري في كتاب التفسير من صحيحه بسنده إلى أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يقول: " اللهم، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ". ولا بد لنا من أن نقف وقفة خاصة عند قوله تعالى في هذا الربع ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

стр. 121

روى الإمام البخاري في الصحيح بسنده عن حذيفة قال: نزلت هذه الآية في النفقة (أي في الحض عليها، وعدم قبض اليد عنها). وروى النسائي وأبو داود والترمذي عن أسلم مولى عمران التجيبي قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنكم لتتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى على نبيه يرد علينا ما قلنا ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وكانت التهلكة هي الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دهن بأرض الروم. قال الترمذي: " هذا الحديث حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: هذا الحديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وإذن، فالهلاك الذي هو معنى التهلكة إنما يكون في الواقع إذا اقتصر المسلمون على خدمة مصالحهم المادية، وانهمكوا في ترضية شهواتهم الشخصية، وتركوا حماهم مستباحا دون قوة ولا قدرة على الدفاع عن أنفسهم، فيستولي عليهم العدو دون تعب كبير. كما أن هلاك المسلمين يكون نتيجة للشح والبخل، على

стр. 122

عكس ما يتوقعه بعض ضعفاء الإيمان، من أن الإنفاق والبذل في سبيل الله هما اللذان يؤديان إلى الضياع والخسران، إذ إنه عندما تنقبض الأيدي عن البذل في وجوه البر والخير ينقلب المجتمع إلى مجتمع بائس عاجز ضعيف منقسم على نفسه، بل ينقلب إلى مجتمع مشلول الحركة عديم النفع من جميع الوجوه ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

стр. 123

الربع الأول من الحزب الرابع في المصحف الكريم (ق) ــ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ

стр. 124

عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢) كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا

стр. 125

إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)

стр. 126

الربع الأول من الحزب الرابع في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم، نشرع في الحزب الرابع من المصحف الكريم، وفاتحة الربع الأول منه قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ وخاتمته قووله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ــ تشير أول آية في هذا الربع إلى ما شرعه الله للمسلمين من التكبير جهرا عند انقضاء كل صلاة خلال أيام التشريق، ويبتدئ هذا التكبير على ما قاله ابن عمر وابن عباس ومالك والشافعي من صلاة الظهر يوم النحر إلى ما بعد صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وهذا التكبير كما يطالب به المسلم الحاج الذي توجه إليه الخطاب في الأصل، يطالب به أيضا بقية المسلمين الذين لم يحضروا موسم الحج، وذلك تذكيرا لهم جميعا بشعائر الحج الخالدة، وبأنهم-حاضرين وغائبين- أمة واحدة. على ذلك أجمع فقهاء الأمصار والمشاهير من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، وذلك معنى قوله تعالى هنا: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. قال مالك في الموطأ: " الأمر عندنا أن التكبير في أيام التشريق

стр. 127

دبر الصلوات، وأول ذلك تكبير الإمام والناس معه دبر صلاة الظهر من يوم النحر، وآخر ذلك تكبير الإمام والناس معه دبر صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، ثم يقطع التكبير ". قال مالك: " والتكبير في أيام التشريق على الرجال والنساء، من كان في جماعة أو وحده، بمنى أو بالآفاق كلها، واجب، وقال: " الأيام المعدودات أيام التشريق ". ثم تولى القرآن الكريم مرة أخرى في هذا الربع، ومن زاوية جديدة، بيان الوصف الواضح الكاشف، وتقديم التعريف الجامع المانع الذي يعرف المؤمنين بطائفة المنافقين، وذلك زيادة على ما سبق في وصفهم أول سورة البقرة، فبين أن طائفة المنافقين تحاول دائما سلب العقول وبلبلة الأفكار عن طريق السفسطة والتضليل، وتواجه البسطاء بما يعجبهم ويغريهم، حتى يقعوا في شبكتها من أيسر طريق، ولا تتورع أن تحلف الأيمان المغلظة، تأكيدا لصدقها المزعوم، وإثباتا لحسن نيتها المزيفة، إذ أنها تحس من أعماقها بما هي عليه من تزييف يهددها بالفضيحة في كل حين، حتى إذا ما واتاها الحظ وأدركت القصد، انكشفت عورتها، وظهرت حقيقتها، وتبين للناس أنها عامل من عوامل الإفساد، لا من عوامل الإصلاح، وأنها سبب من أسباب الهلاك والخسران، لا من أسباب الفلاح والعمران، وذلك قوله تعالى في شأنها: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.

стр. 128

وقوله تعالى: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. بعد قوله تعالى: ﴿مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾. فيه تلميح إلى أن طائفة المنافقين تختار دائما أن تضرب على الوتر الحساس، الذي يهم أكبر عدد من الناس، وهو وتر المصالح المادية القريبة، والمنافع الشخصية العاجلة، فعن ذلك الطريق السهل تحاول الوصول إلى أهدافها الملتوية، وأغراضها المنحرفة. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾. فيه وصف دقيق لكل فرد من أفراد هذه الطائفة، وهو صورة ناطقة بما عليه المنافقون جميعا من قدرة خاصة على الجدل الفارغ، واستعداد خاص للمناقشات البيزنطية العقيمة، وطول نفس في الأخذ والرد، فهم ثرثارون متفيهقون دائما، وعليهم وعلى أمثالهم يصدق قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. وقوله تعالى في نفس السورة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. ثم تزيد الآية الكريمة توضيحا لحقيقة المنافقين وكشفا عن مواقفهم المتناقضة، فتنبه إلى أن المنافق بعد أن يستولي على العقول البسيطة، ويتمكن من الأمر والنهي في أصحابها طبقا لشهواتهم، يبلغ به الكبر، والإعجاب بالنفس، والاستبداد بالرأي، إلى درجة أن يعتقد أنه غني عن كل نصيحة، وغير محتاج إلى أي إرشاد، فمن اتجه إليه مرشدا إياه ولو باسم الله، وإلى تقوى الله، اعتبره مسيئا إليه، أو متمردا عليه، وذلك ما يفهم من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾. أي أنه يصبح ناسيا ما كان

стр. 129

يتظاهر به قبل ذلك، حيث كان أمام الناس ﴿يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. فتبين أخيرا أن قوله مجرد زور وبهتان، لا عن عقيدة وإيمان، ثم عقبت الآية على ذلك بما ينتظر المنافقين من عذاب شديد، إذ قالت ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. وعلى عكس طائفة المنافقين التي وصفتها هذه الآيات أدق وصف، تحذيرا من ألاعيبها وتنبيها إلى مناوراتها، وتعريفا بمظاهرها البراقة الخلابة حتى لا يقع المسلمون في أشراكها، تولت آيات أخرى وصف المؤمنين الصادقين أحسن وصف وأصدقه تعريفا بهم، وتنبيها إليهم، حتى يلتف المسلمون حولهم كل الالتفاف، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. وهذا يقضي أن هناك طائفة من الناس تكرس حياتها، وتخصص جهودها، وتبيع نفسها في سبيل الله، ابتغاء مرضاة الله، لا ابتغاء مرضاة الناس، فهي لا تبخل بوقت ولا بجهد في سبيل الصالح العام والخير المشترك، والتعاون على البر والتقوى، وفي سبيل ذلك تتنازل عن شهواتها، وتتخلى عن أهوائها، وتتجرد من أنانيتها، حتى تتقمص فيها روح الجماعة وخيرها، ولا تتحرك إلا بها ولها، امتثالا لأمر الله، وابتغاء مرضاة الله، ولا شك أن وجود هذه الطائفة من الناس في المجتمعات والأمم نعمة كبرى من أكبر النعم التي ينعم الله بها عليها، إذ بواسطتها يتحقق كثير من الإصلاح، وعلى يدها يزول كثير من الفساد، وبفضل توجيهها والمثل الصالح الذي تضربه لبقية الناس يتم كثير من التقدم والازدهار، وتنتشر بينهم ظاهرة التضحية والإيثار، فهي رحمة من

стр. 130

الله عميقة الأثر في الأفراد والجماعات، وقوله تعالى في هذا السياق: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. إشارة إلى أنه يهيئ لعباده من بينهم من يأخذ بيدهم، ويمهد لهم سبل الصلاح والفلاح، على غرار قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ومن المعاني السامية التي يحمل عليها قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ﴾. الرجل القوي من المسلمين الذي يجاهد في سبيل الله، إذا أراد أن يحمل أثناء جهاده على جيش كبير من العدو، وكان ذلك منه بنية خالصة، طلبا للشهادة، فهذا العمل جائز عند المدققين من علماء الشريعة، وتنطبق عليه هذه الآية تمام الانطباق. قال أبو بكر (ابن العربي) المعافري: " والصحيح عندي جوازه، لأن فيه أربعة أوجه، الأول طلب الشهادة، الثاني وجود النكاية، أي النكاية في العدو، الثالث تجرئة المسلمين عليهم، الرابع إضعاف نفوس الأعداء، ليروا أن هذا صنع واحد، فما ظنك بالجميع (أي إلقاء الرعب في قلوبهم). وبهذه الآية استشهد أبو هريرة عندما حمل هشام بن عامر على الصف حتى شقه، فقال أبو هريرة: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ". وإليها استند عمر بن الخطاب ﵁ عندما أرسل جيشا فحاصروا حصنا، فتقدم رجل عليه فقاتل فقتل، فقال

стр. 131

الناس: (ألقى بيده للتهلكة)، فبلغ ذلك عمر ﵁ فقال " كذبوا " أو ليس الله تعالى يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. وتعريفا بالمنزلة الرفيعة عند الله التي ينالها المؤمنون المجاهدون في سبيله، قال تعالى في ختام هذا الربع ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 132

الربع الثاني من الحزب الرابع في المصحف الكريم (ق) ــ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)

стр. 133

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي

стр. 134

عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)

стр. 135

الربع الثاني من الحزب الرابع في المصحف الكريم (ت) عباد الله حديث اليوم يتناول الربع الثاني من الحزب الرابع في المصحف الكريم، وهذا الربع يبتدىء بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وينتهي بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ــ في هذا الربع من سورة البقرة، يتناول القرآن الكريم عدة موضوعات في غاية الأهمية، بالنسبة للأسرة المسلمة والمجتمع الإسلامي، فمن أحكام تتعلق بالحياة الزوجية العادية، وما قد ينشأ في طريقها من العوائق الطبيعية أو العارضة، كما تتعلق بكفالة اليتامى وحضانتهم، ومن أحكام تتعلق بحلف الأيمان المقصود منها وغير المقصود، ومن أحكام تتعلق بخطبة النساء، وأخرى تتعلق بأمر الزواج بين المسلم وغير المسلمة، وبين المسلمة وغير المسلم، ومن أحكام تتعلق بالخمر والميسر، وحرص الإسلام على تطهير المجتمع الإسلامي منهما ومن آثامهما وآثارهما. وواضح أن ضيق الوقت المخصص لحصتنا اليومية لا يتسع

стр. 136

لإلقاء نظرة على هذه الموضوعات جميعا، فسنقتصر على بعضها دون البعض، على أن نتدارك الباقي في أول مناسبة قادمة. وأول آية تواجهنا في هذا الربع من سورة البقرة قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. فقد أحس المسلمون بفطرتهم السليمة، التي أزال الإسلام عنها غشاوة الجاهلية أن الخمر والميسر لم يعد لهما مكان ولا معنى في المجتمع الإسلامي الناشئ وأنهما قد فقدا كل مبرر كان يبررهما من تقاليد الجاهلية، الفاسدة، ونخوتها الكاذبة، وفوضاها الاجتماعية، وروحها الإباحية، فالإسلام كما يحس ويشعر به كل مسلم يتلقى كلام الله من فم رسول الله غضا طريا بمجرد ما يوحى إليه، ليس دين لهو، ولا ملة عبث، ولا شريعة فوضى وإباحية، والمسلمون الذين يعدهم الحق لحمل الأمانة إلى كافة البشر أخذوا يدركون من تلقاء أنفسهم أنه لا يناسب مقامهم، ولا ينسجم مع رسالتهم-وهم شهداء على الناس جميعا- أن يكونوا سكارى معربدين، ولا مقامرين مغامرين، ولذلك وجه المسلمون السؤال إلى رسول الله عن الخمر والميسر، اقتناعا مسبقا منهم بأن طبيعة الإسلام ورسالة الإسلام لا تتفقان معهما في شيء، وكان الجواب هو ما تقتضيه حكمة التربية الإلهية التدريجية التي درج عليها الإسلام، بتوجيه من الله، في تربية المسلمين، وتنظيم حياتهم اليومية مرحلة بعد مرحلة: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾. فلم ينكر الجواب أن يكون لفريق من الناس منفعة خاصة في تجارة الخمر وترويجها،

стр. 137

وفي مغامرة القمار وتنظيمه، إذ الواقع في حياة الناس يؤكد هذا المعنى، وإن كان معنى أنانيا ماديا صرفا لا أساس له من الدين ولا من الأخلاق. غير أن كتاب الله طبع على الخمر والميسر بطابع (الإثم) الذي يتحاشاه كل مسلم ولا يرضاه، وبطابع (الإثم الكبير) الذي هو أخطر وأفحش من الإثم اليسير. وبديهي لمن عرف فطرة الإسلام وتملى من روحه أن ما غلب جانب المفسدة فيه على جانب المصلحة كان حريا بالتحريم، كما أنه من البديهي أن المؤمن بالله يتحرى ما فيه الأجر والثواب لا ما فيه العقاب والتأثيم، وبذلك كان الجواب في شأن الخمر والميسر ضدهما لا في صالحهما، وإنذارا لمن لا يزال مبتلى بالإدمان عليهما، بقرب أجل تحريمهما تحريما صريحا لا رجعة فيه، وذلك عندما ينزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقد أثبتت الأيام صدق نظر الإسلام، فأجمع علماء الطب، وعلماء الاقتصاد، وعلماء الاجتماع، الجديرون بحمل هذه الصفة، على أن الخمر والميسر لهما من الآثار الفاسدة على حياة الأفراد والجماعات ما يعتبران معه من أكبر أعداء الإنسانية، ومن أعظم عوامل التخريب والتدمير للحضارة والمدنية، وقد تكونت لمحاربتهما في مختلف البلدان ومن مختلف الملل والنحل عدة هيآت دولية، ونادت بمكافحتهما منظمة الصحة العالمية نفسها، وكان الإسلام هو

стр. 138

الرائد الأول للجميع في هذا الميدان الاجتماعي الإصلاحي الخطير كشأنه في بقية الميادين. وأمامنا آية كريمة ينبغي الوقوف عندها لتوضيح معناها وتحديد مداها في موضوع زواج المسلم بغير المسلمة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾. فهذه الآية الصريحة تنبه المسلمين إلى أن وحدة العقيدة التي ينطوي عليها قلب الزوج والزوجة أمر مطلوب ومرغوب، بل أمر ضروري لوحدة الأسرة وأمنها واستقرارها، إذ من المستحيل أن تقوم رابطة الزواج من الناحية المادية الصرفة مقام العقيدة الأساسية التي ينطوي عليها قلب الزوج والزوجة، والتي تضمن اشتراكهما الفعلي في نظرة واحدة، ومن زاوية واحدة، إلى الحياة الدنيا والحياة الأخرى معا، وفي نظرة واحدة، ومن زاوية واحدة، إلى القيم الروحية والأخلاقية التي يجب أن تسود حياة الأسرة والأولاد. ومن أجل ذلك منع على المسلم التزوج بالمشركة، ويدخل في عداد المشركة الممنوع زواج المسلم بها الكتابية المسيحية التي تعتقد أن المسيح ابن مريم هو ابن الله، واليهودية التي تعتقد أن عزير ابن الله، وذلك طبقا لما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عمر أنه قال: (لا أعلم شركا أعظم من أن تقول: ربها عيسى) على أساس أن كل كافر هو في الحقيقة مشرك، غير أن بقية العلماء رأوا أن الكتابية لا تدخل تحت هذه الآية: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾. وإنما تدخل تحت ظاهر آية أخرى وهي قوله تعالى:

стр. 139

﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾. فيباح التزوج بها على هذا الرأي، باعتبار أن المسلم والكتابية قد يلتقيان في أصل الاعتقاد بالله، وإن كان التصور الإسلامي لعقيدة التوحيد لا يتفق بتاتا مع عقيدة التثليث، ولعل هذه الرخصة استقر العمل بها ودولة الإسلام في عنفوانها، ودعوة الإسلام تلتمس جميع الطرق لتسربها وانتشارها في العالم، فكانت حينئذ في صالح الإسلام لا في صالح غيره. هذا وقد روى ابن جرير الطبري بسنده إلى عبد الله بن عباس أنه قال: " نهى رسول الله ﷺ عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، وحرم كل ذات دين غير الإسلام " قال الله ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾. وقد نكح طلحة ابن عبد الله يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية، فغضب عمر ابن الخطاب غضبا شديدا، حتى هم أن يسطو عليهما فقالا: " نحن نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب " فقال: " لئن حل طلاقهن لقد حل نكاحهن، ولكنني أنتزعهن منكم صغرة قمأة: أي أذلاء صاغرين. كما روى ابن جرير عن شقيق وهو ابن سلمة الأسدي أنه قال: " تزوج حذيفة يهودية فكتب إليه عمر: خل سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟ فقال: لا. لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهم "، أي تخوضوا في الزواج من الزانيات. ثم عقب ابن جرير على ذلك بقوله: " وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني ".

стр. 140

واليوم قد تبدلت أوضاع الحياة، وانتشر هذا النوع من الزواج المختلط انتشارا فاحشا، وبرزت آثاره الحتمية الفاسدة في تربية أبناء المسلمين وبناتهم في أحضان الأمهات غير المسلمات، اللاتي يسيطرن على الزوج وبيته سيطرة تامة تجعل الأسرة كلها منعزلة عن المجتمع الإسلامي كل الانعزال، ومرتبطة قبل كل شئ بالأخوال والأصهار والجدات من غير المسلمين كل الارتباط، تتجدد مخاوف علماء الإسلام في كل بلد، وتعود نظرية عمر بن الخطاب في كراهية هذا الزواج المختلط، والتنديد به إلى الظهور، ويبرز من جديد بعد نظر هذا الخليفة العبقري الذي كان مفخرة الخلفاء الراشدين، ويبدو للجميع أن موقفه بالنسبة للظروف الحاضرة أصبح أوفق وأنسب بمصالح المسلمين. على أن مضار الزواج المختلط وعواقبه الوخيمة أصبحت مسلما بها من وجهة النظر القومية والسياسية البحتة عند كثير من الدول غير الإسلامية، إذ منعت هذه الدول من التوظف في مناصب الدول العليا العسكرية والدبلوماسية كل المواطنين المتزوجين بزوجات من غير جنسيتهم، حتى ولو كن على نفس ديانتهم، كل ذلك احتياطا على أسرار الدولة في الميدانين العسكري والدبلوماسي، تلك الأسرار التي لا شئ يضمن عدم تسربها إلى الأعداء في بيت مختلط الزوجية. ومن لطائف التفسير المتعلقة بالآية التي هي موضوعنا ما ذكره القاضي أبو بكر (ابن العربي) المعافري في كتابه (أحكام القرآن) من أن كلمة (أمة) في قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ

стр. 141

أَعْجَبَتْكُمْ﴾. لم يرد بها الرقيق المملوك، وإنما أراد بها (الآدمية والآدميات)، والآدميون بأجمعهم هم عبيد الله وإماؤه، ونسب هذا التفسير إلى قاضي البصرة أبي العباس الجرجاني ﵀، إلا أن حملها على الرقيق المملوك-في نظره- أبلغ في المقارنة والتفضيل بينهما وبين المشركة، إذ يكون المعنى عليه أن المؤمنة وإن كانت مسترقة وناقصة في درجتها بسبب الرقية، فإنها تعتبر أفضل من المشركة، رغما عن كونها حرة وذات جمال، وذلك لإسلام الأولى وشرك الثانية. وخير ما نختم به هذا الموضوع ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (تنكح المرأة لأربع، لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) وما جاء في صحيح مسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة).

стр. 142

الربع الثالث من الحزب الرابع في المصحف الكريم (ق) ــ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ

стр. 143

فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥) لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ

стр. 144

فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)

стр. 145

الربع الثالث من الحزب الرابع في المصحف الكريم (ت) عباد الله حصة هذا اليوم، تتناول الربع الثالث من الحزب الرابع في المصحف الكريم، وهذا الربع يبتدىء من قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وينتهي بقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ــ وقد تناولت الآيات الكريمة في هذا الربع بجانب أحكام الرضاعة، عدة الوفاة، والتعريض بخطبة النساء أثناءها، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. إلى آخر ما نزل في هذا الموضوع، وتناولت الطلاق قبل التمكن من الدخول، والصداق المحدود حين العقد والمحدود بعده، فقال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. إلى آخر ما نزل في نفس الموضوع، وتناولت وجوب المحافظة على الصلوات في حالتي الأمن والخوف، فقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. إلى آخر الآيات، وتناولت كذلك المتعة التي
следующие страницы →