Полный текст (2 848 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أَعْجَبَتْكُمْ﴾. لم يرد بها الرقيق المملوك، وإنما أراد بها (الآدمية والآدميات)، والآدميون بأجمعهم هم عبيد الله وإماؤه، ونسب هذا التفسير إلى قاضي البصرة أبي العباس الجرجاني ﵀، إلا أن حملها على الرقيق المملوك-في نظره- أبلغ في المقارنة والتفضيل بينهما وبين المشركة، إذ يكون المعنى عليه أن المؤمنة وإن كانت مسترقة وناقصة في درجتها بسبب الرقية، فإنها تعتبر أفضل من المشركة، رغما عن كونها حرة وذات جمال، وذلك لإسلام الأولى وشرك الثانية.
وخير ما نختم به هذا الموضوع ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (تنكح المرأة لأربع، لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) وما جاء في صحيح مسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة).
стр. 142
الربع الثالث من الحزب الرابع
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ
стр. 143
فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥) لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ
стр. 144
فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)
стр. 145
الربع الثالث من الحزب الرابع
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
حصة هذا اليوم، تتناول الربع الثالث من الحزب الرابع في المصحف الكريم، وهذا الربع يبتدىء من قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وينتهي بقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
ــ
وقد تناولت الآيات الكريمة في هذا الربع بجانب أحكام الرضاعة، عدة الوفاة، والتعريض بخطبة النساء أثناءها، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. إلى آخر ما نزل في هذا الموضوع، وتناولت الطلاق قبل التمكن من الدخول، والصداق المحدود حين العقد والمحدود بعده، فقال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. إلى آخر ما نزل في نفس الموضوع، وتناولت وجوب المحافظة على الصلوات في حالتي الأمن والخوف، فقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. إلى آخر الآيات، وتناولت كذلك المتعة التي
стр. 146
يقدمها الزوج لزوجته عند الفراق، فقال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
والآن فلنستعرض الآيات الأولى من هذا الربع المتعلقة بموضوع إرضاع الوالدات لأولادهن، ثم لنلق نظرة خاصة على كل واحدة منها، تحليلا وتوضيحا لهذا الموضوع، الذي حكم الله فيه من فوق سبع سموات، لأهميته وخطورته، قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
ومن هذه الآيات التي اشتمل عليها الدستور القرآني الكريم يتجلى مبلغ عناية الإسلام بتكوين نسل إسلامي صحيح سليم، ويتضح ما للطفل الوليد على ضعفه وضآلته من مكانة مرموقة وحرمة خاصة عند خالقه ورازقه، فهو سبحانه لم يترك أمره موكولا إلى شهوة الأب والأم، يفعل به كل منهما ما يشاء، بل تدخل الحق لتقرير حقوق الطفل على والديه، وطالبهما بصيانة هذه الحقوق وضمانها على الوجه الأكمل، منذ اللحظة الأولى التي يفارق فيها بطن أمه ويرى النور.
وطبقا لمقتضى هذه الآيات تتكفل الأم نفسها بإرضاع
стр. 147
وليدها، أداء لرسالة الأمومة على وجهها الكامل، دون كبر ولا بخل ولا أنانية، مادامت صحيحة سليمة، وتمتد مدة الرضاعة من ثدييها عامين كاملين، وذلك تمكينا للوليد من تغذيته تغذية طبيعية نظيفة، وحماية له من الجراثيم والعناصر الغريبة من جهة، ومن المواد الغذائية التي لا يقوى جهازه الضعيف على هضمها، من جهة أخرى، حتى يمر الوليد بمرحلة نموه الأولى-وهي أخطر المراحل- في سلامة وأمان، وراحة واطمئنان، فهذه هي الرضاعة التامة التي ينصح بها كتاب الله، إذ يقول: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. قال الإمام مالك: كل أم يلزمها رضاع ولدها بما أخبر الله تعالى من حكم الشريعة فيها.
لكن إذا كانت للزوجين-الأب والأم-أو لأحدهما مصلحة مشروعة تستلزم التخفيض من مدة الرضاع المقدرة بسنتين، وتقتضي فطام وليدهما بعد مرور ما يقارب السنتين، ولم يكن ينتج عن هذا التخفيض والفطام المبكر أي ضرر على الوليد، فإن الشارع لا يقف في طريق التخفيض ولا يؤخذ عليه، بشرط أن يتم كل ذلك بعد اتفاق الأب والأم عليه، وتشاورهما وتراضيهما في شأنه، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾. أي فطاما لوليدهما ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾.
ولم يغفل كتاب الله الإشارة إلى الحكم المشروع في الأحوال التي قد يضطر فيها إلى الاستغناء عن إرضاع الأم لوليدها، وتأجير ظئر لإرضاعه بدلا منها إذا كان يقبل الرضاع من غير أمه، مثال ذلك أن تكون الأم غير قادرة على القيام بإرضاع وليدها بحيث
стр. 148
يخشى عليه من الضياع والتقصير إذا بقي في حضنها، أو أن يكون الأب في حالة فيزيولوجية لا تسمح له بالاستغناء عن زوجته مدة الرضاعة، بحيث يتضرر بانشغالها عنه، ويطالبها بالتفرغ له، أو لأن يكون الأب والأم يخافان على وليدهما من آثار الغيل وعواقبه السيئة، ففي مثل هذه الأحوال يتخير الأب لوليده مرضعة بأجر تنوب عن أمه، إما حفظا لمصلحة الوليد، وإما حفظا لمصلحة الوالدين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
ولا حاجة إلى التنبيه على أن قيام غير الأم بإرضاع الوليد خلال المدة المعتادة للرضاع ينزل مرضعته منه منزلة الأم، فتحرم عليه هي وكل من يحرم على الابن من قبل أم النسب، ومن صور هذا الحكم قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾. عطفا على قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾. الآية. وثبت في صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب).
ونظرا إلى أن نفقة الولد تجب على والده بحكم الشرع، ونظرا إلى أن تغذية ولده الرضيع إنما تتم عن طريق الرضاعة التي تقوم بها والدته، أو من ينوب عنها في إرضاعه، فقد أوجب الله على والد الرضيع أن ينفق على والدته أو مرضعته من غير تقتير ولا إسراف، في حدود استطاعته وعلى قدر حاله من سعة أو ضيق، ويشمل الإنفاق كل ما يلزم لمعيشتها وكسوتها، ويظهر وجه الحاجة
стр. 149
إلى لزوم هذه النفقة بالنسبة للأم التي طلقها الأب قبل ولادة الطفل، أو طلقها عقب ولادته وإبان الرضاعة ولم يقبل الطفل إلا ثديها، وذلك قوله تعالى في هذا الربع من سورة البقرة: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾. وقوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
وكما حكم الله بالنفقة من أجل الرضاعة فقد حكم بها للمرأة الحامل، فأوجب الإنفاق عليها لصالح حملها إلى حين الوضع بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
وهذه الأحكام الشرعية التي نص عليها كتاب الله تؤكد صحة أصل شهير من أصول التشريع الإسلامي ألا وهو " أن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب مثله "، وقد حكى ابن جرير وابن كثير عند تفسير قوله تعالى في هذا السياق: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. أن على الوارث مثل ما على والد الطفل من الإنفاق على والدة الطفل، والقيام بحقوقها، وعدم الإضرار بها، وهو قول الجمهور فيما حكاه ابن كثير.
وفي هذا المجال العاطفي المعرض للضغط والاستغلال-وهو مجال رضاعة الطفل وتربيته الأولى- نبه القرآن الكريم كلا من الأب والأم إلى وجوب الابتعاد عن كل ما من شأنه إلحاق الضرر من أحدهما بالآخر، وذلك قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾.
стр. 150
وبناء على هذا الحكم الإلهي القاطع لا يحل للأم أن تمتنع عن إرضاع وليدها وتدفعه عنها، رغبة في الإضرار بأبيه، كما لا يحل للأب أن ينتزع الوليد من أمه ويمنعها من إرضاعه، بغية الإضرار بها.
ولعل من أوضح الواضحات أن الوالدات المسلمات إذا نفذن وصية القرآن الكريم على وجهها الكامل، وخصصن لإرضاع أولادهن عامين كاملين دون حمل ولا غيل، فإنهن يسدين بذلك أكبر خدمة لأولادهن من جهة، وإلى أنفسهن من جهة أخرى، فالأولاد يتمتعون بغذائهم الطاهر المفضل الذي يتلقونه من أثداء الوالدات مدة كافية، دون حدوث أي ارتباك في أمعائهم، والوالدات يأخذن وقتا كافيا للراحة والاستجمام من عناء الوضع والحمل، وفي نفس الوقت يجدن من الفراغ ما يساعدهن على العناية بتنشئة وليدهن الرضيع تنشئة مثالية، دون إرهاق ولا اضطراب.
ومما يناسب التنبيه إليه في موضوعنا أن اشتراط كتاب الله لشرط التراضي والتشاور بين الأب والأم في شأن رضاع وليدهما وفطامه معناه أن الوليد-وإن كان ثمرة غرسهما-فإنما ينظر كل منهما إلى مصلحته وسلامته، ويزنهما بالوزن الدقيق، وأنه لا يجوز لأحد منهما أن يستبد دون الآخر بتقرير مصير الطفل، كما قاله سفيان الثوري وغيره، بحيث لا يتصرفان في شأنه ولو في هذا السن المبكر، إلا بما يضمن مصلحته ضمانة محققة من جميع الوجوه.
ويقوي هذا المعنى ويزيده تركيزا وتثبيتا صيغة التعقيب الذي
стр. 151
جاء بعد الانتهاء من موضوع رضاعة الأطفال بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. مما فيه حض بالغ على وجوب التحري في هذا الأمر، ومراقبة الله فيه مراقبة دقيقة.
وإذا كان لأمر رضاعة الطفل وفطامه من الأهمية البالغة ما جعلهما موضوع عناية القرآن الكريم حتى خصص لهما عدة آيات بينات، فما بالك بتربية الطفل الأخلاقية، وتنشئته على الروح الإسلامية ليكون عضوا نافعا للمجتمع، متمسكا بالدين معتزا بالوطن.
وإذا كانت رضاعة الطفل وفطامه مما تجب فيه المشاورة والتراضي بين الوالدين كما قال تعالى في هذا الربع من سورة البقرة: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾. وكما قال تعالى في سورة الطلاق ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ بعد ذكر المطلقات اللاتي يقمن بإرضاع أولادهن، وقوله ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. فما بالك ببقية شؤون الأسرة الأخرى، فالمشاورة فيها تعتبر من باب أولى وأحرى، وذلك توجيه من الله تعالى لعباده المؤمنين، أن يجعلوا من أسرهم أسرا قائمة على التعاون، ومن بيوتهم بيوتا مؤسسة على التضامن، يتكامل فيها رأي الزوج برأي الزوجة، وتدبير الأب بتدبير الأم.
ثم إذا كانت مملكة البيت الصغرى يجب أن تقوم في نظر الإسلام ووحي القرآن على أساس الائتمار بالمعروف والتراضي والتشاور، تحصينا لها من الدمار، وضمانا لما يلزمها من الاستقرار، فإن مملكة الإسلام الكبرى لا تزدهر ولا تستقر إلا إذا كانت
стр. 152
الشورى بالحق دستورها، والتعاون على البر شعارها، والائتمار بالمعروف رائدها، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.
وبهذا يتجلى لمن ألقى السمع وهو شهيد، من القريب والبعيد، أن كتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن الإسلام منطقي مع نفسه، بحيث تتناسق جزئياته مع كلياته، وتتوافق تطبيقاته مع نظرياته، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا - وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾.
стр. 153
الربع الأخير من الحزب الرابع
في المصحف الكريم (ق)
ــ
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
стр. 154
وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ
стр. 155
قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)
стр. 156
الربع الأخير من الحزب الرابع
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موعدنا اليوم مع الربع الأخير من الحزب الرابع في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ ونهايته قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
ــ
من خصائص القرآن الكريم أنه يقص على الرسول الأعظم وأمته المستخلفة في الأرض أحسن القصص، دفعا إلى الموعظة والاعتبار من جهة، وضربا للمثل بواقع التاريخ من جهة أخرى، وهذا الربع الذي نحن بصدده من هذا القبيل، فقد تناولت أغلب آياته الكريمة قصة تجري وقائعها بأرض فلسطين بعد مرور حقبة من الدهر انتصر فيها الفلسطينيون على بني إسرائيل، وهزموهم هزيمة شنعاء، واستولوا على التابوت الذي كان بنو إسرائيل يتحصنون به من قبل في حروبهم، تبركا بما فيه من آثار موسى وهارون، فلما طال أمد الهزيمة على بني إسرائيل لجأوا إلى نبيهم صمويل يطلبون منه أن يختار لهم ملكا يلتفون من حوله، عسى أن يغسلوا العار
стр. 157
الذي لحقهم، ويسترجعوا مكانتهم، وهذه القصة تلتقي في بطولتها ثلاثة أسماء بارزة: جالوت وطالوت وداود، أما جالوت فهو ملك القوم الذين انتصروا على بني إسرائيل وهزموهم من قبل وأخذوا تابوتهم المقدس، وهو قائدهم الأعلى، وأما طالوت فهو الإسرائيلي الذي رشحه النبي صمويل ملكا جديدا على بني إسرائيل، إجابة لطلبهم، وأملا في إعادة الكرة على خصومهم، بعدما ضاع ملكهم واندثر نفوذهم زمنا طويلا.
وأما داود فهو الفتى الشجاع الذي أردى جالوت قتيلا بمقلاعه البسيط وأحجاره الملساء، بعدما رأى بني إسرائيل يتساقطون كالذباب أمام جالوت العملاق، وقد كان إقباله على هذه المغامرة بعد استئذان منه لملكه طالوت، الذي زوجه بعد الانتصار على جالوت وجنوده ابنته (ميكال)، مكافأة له على شجاعته التي أصبحت مضرب الأمثال، الأمر الذي كان بعد ذلك من أقوى العوامل في ترشيح داود لملك بني إسرائيل عندما تخلى طالوت وساح في الفلوات، هائما على وجهه يلتمس النجاة والتوبة ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾.
والذي يهمنا من هذه القصة بالذات، هو ما احتوت عليه مشاهدها من التوجيهات القرآنية السامية، التي يجب أن تكون نبراسا لحياة المسلمين في كل عصر.
أمامنا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فهذه الآية تشير إلى أن كبار الأمة وذوي الرأي فيها المعبر عنهم هنا
стр. 158
(بالملأ) يجب أن يفكروا دائما في مصلحة أمتهم، وأن يحاولوا إنقاذها وإصلاح أمرها كلما اقتضى الأمر ذلك، على غرار قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. كما أنها تشير إلى أن أي عمل جماعي له صبغة العموم والشمول لا ينجح ولا يثمر إلا إذا كانت تشرف عليه وتوجهه من أعلى قيادة عليا يطمئن إليها ويطيعها الجميع، وهذا ما يومئ إليه قولهم المحكي عنهم ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أي ابعث لنا ملكا نجتمع عليه، ونلتف من حوله، ونسير تحت قيادته.
أمامنا قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾. وهذه الآية تشير إلى أن الذين يتعرضون لعدوان خارجي تهون عليهم كل تضحية في سبيل الخلاص من يد العدو، ولذلك يقومون بالدفاع عن أنفسهم ويصدون عنهم العدوان بكل ما في الإمكان، على غرار قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
أمامنا قوله تعالى في بيان فضل طالوت المرشح للملك على غيره من بني إسرائيل ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، وهذه الآية تشير إلى جملة من الخصال الرئيسية المطلوبة في قائد الأمة ورئيسها الأعلى، وأنه يتأهل لرياسة الدولة إلا من آتاه الله حظا وافرا من الخصائص والمواهب الروحية والجسمية، وكان له شفوف على الباقين، ومكانة مرموقة بين الناس أجمعين.
стр. 159
ومن هذه الآية وما شابهها استنبط علماء الشريعة في (الأحكام السلطانية) التي تقابل في الفقه الإسلامي (القانون والنظام الدستوري الحديث) جملة من الشروط المعتبرة في الإمامة العظمى، فذكروا في طليعتها العلم المؤدي إلى الاجتهاد وحسن النظر في النوازل والأحكام، والرأي المفضي إلى حسن سياسة الرعية وتدبير مصالحها العامة، والشجاعة المؤدية إلى حماية البيضة وصد العدو، وسلامة الأعضاء والحواس من كل نقص يمنع من مباشرة المهام، التي هي في عهدة الإمام.
كما تشير نفس الآية إلى أن الرياسة العليا للأمة والدولة لا يكفي للبت في أمرها مجرد الهوى الشخصي ومعسول الأماني، بل إن للحكمة الإلهية-التي كثيرا ما تبقى مطوية في عالم الغيب- دخلا كبيرا في الترشيح لها والإعانة عليها، وإن كره الكارهون، وهذا ما تومئ إليه الآية: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
أمامنا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾. وهذه الآية تشير إلى وجوب اختيار الرؤساء لمرؤوسيهم، وقادة الجيوش لعساكرهم، وتنبه إلى أن السر كل السر كامن في طاعة القيادة العليا وامتثال أوامرها الرشيدة، دون تردد ولا اعتراض، فهذا هو مفتاح النجاح والنصر في مختلف المعارك وفي مختلف العصور.
والاختبار الذي تشير إليه الآية هو في حد ذاته اختبار
стр. 160
بسيط ومهم في نفس الوقت، فالمحارب الذي انكب على النهر يشرب من مائه حتى يمتلئ وهو في طريقه مباشرة إلى الميدان، محكوم عليه مسبقا بالهزيمة والخسران، إذ هو محارب فاقد للصبر، غير قادر على الاحتمال، قد أثقله العرق وأبطأ به اللهث، وقد أعطى الدليل قبل دخول المعركة وهو في طريقه إليها على أنه لا يعير لأوامر قائده الأعلى أدنى اهتمام، بل إنه يعصي هذه الأوامر دون تردد ولا إحجام، فهل يعتمد على مثل هذا في الحصول على النصر، أم أنه عامل أساسي من عوامل الهزيمة؟.
وعلى العكس من ذلك المحارب المتحلي بروح الامتثال، والملتزم لطاعة قائده في كل الظروف، فهذا المحارب الذي امتثل أمر ملكه وقائده طالوت، ولم يسمح لنفسه إلا بغرفة من الماء اغترفها بيده من النهر، دون أن يرتوي ولا أن يمتلئ، كان أقدر على مجابهة العدو، وأشد احتمالا لهول المعركة، وهذا المحارب الصابر ومن ماثله من المحاربين المتحلين بروح الامتثال والطاعة لقيادتهم، هم الذين تحملوا عبء المعركة، ووصفتهم الآية الكريمة أصدق وصف وأقواه تأثيرا، فقالت عنهم في صيغة إعجاب وثناء ما جعلهم أسوة لمن بعدهم: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
وتختم الآيات الكريمة هذه القصة بتقرير مبدأ أساسي للحياة أقامته الحكمة الإلهية لضمان التعايش السلمي بين البشر، وفرض
стр. 161
التعاون بينهم على عمارة الأرض وصلاحها، وهذا المبدأ هو مبدأ حفظ التوازن بين القوى المتصارعة، وبث الخوف والحذر في الجبهات المتنافسة، حتى يحسب بعضها الحساب للبعض الآخر، فيصدهم ذلك عن الطغيان والعدوان، ويتمكن الإنسان من تحقيق رسالته في الأرض، التي هي رسالة الإصلاح والعمران، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
стр. 162
الربع الأول من الحزب الخامس
في المصحف الكريم (ق)
ــ
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ
стр. 163
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ
стр. 164
وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)
стр. 165
الربع الأول من الحزب الخامس
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
تستغرق حصة هذا اليوم الربع الأول من الحزب الخامس في المصحف الكريم، وأول آية في هذا الربع قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ وآخر آية فيه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
ــ
في هذا الربع من سورة البقرة تقع آية الكرسي التي تكشف عن جملة من صفات الله العليا وأسمائه الحسنى، تعريفا بسمات الألوهية وخصائص الربوبية، وهي من الآيات التي من شأن كل مسلم أن يعرفها ويحفظها كما يعرف ويحفظ فاتحة الكتاب: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.
стр. 166
وفي هذا الربع قصة إبراهيم الخليل، وذكر مناظرته مع ملك من ملوك عصره ادعى الربوبية لنفسه، فانتصر عليه إبراهيم بما أتاه الله من حجج بالغة ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وفي هذا الربع أيضا ذكر الدعاء الذي دعا به إبراهيم ربه ليريه كيف يحيي الموتى ويدرك سر الحياة والموت، وذكر استجابة الدعاء الذي دعا به خليل الرحمان ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ إلى آخر الآية.
وفيه كذلك تأكيد للمعاد الجسماني وضرب المثل لوقوعه ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. أي لم يتغير أو لم يتعفن ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
ومما اشتمل عليه هذا الربع إثبات التفاضل بين الرسل بعد تقرير فضلهم على الناس جميعا، وأنهم درجات بعضها فوق بعض
стр. 167
في الفضل والمنزلة عند الله، وهذا التفاوت الواقع بينهم ليس تفاوتا في طبيعة رسالتهم نفسها، ولا في محتوى عقيدتهم الإيمانية المشتركة، وإنما هو تفاوت في دائرة الاختصاص المحدودة لكل منهم، إذ تضيق بالنسبة لأحدهم فتنحصر في شعب مخصوص دون غيره، وتتسع بالنسبة لأحدهم بالنسبة لبعضهم حتى تشمل شعبه وشعوب العالم أجمع، وهو أيضا تفاوت في المواهب والخصال التي يمنحها الحق لهم، فمنهم " أولو العزم " الذين يتحملون في سبيل رسالتهم أقسى المتاعب وأشد التضحيات، ومنهم من يتحمل ما دون ذلك، وهذا ما ينبغي فهمه من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾. بعد قوله تعالى في نهاية الربع الماضي: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
ومن أبرز المبادئ والقواعد الأساسية في الإسلام التي اشتمل عليها هذا الربع قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾. أي بالأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. فهذه الآية تقرر أن الإسلام دين يقوم الإيمان به على الاقتناع بعقائده الواضحة، والإعجاب بشعائره الكاملة، والرضى بشرائعه العادلة، وأنه دين حجة وبرهان، يوجهان الإنسان تلقائيا نحو الإيمان والإذعان، فمن آمن به كان له ما لبقية المسلمين من حقوق وعليه ما عليهم من واجبات، ومن لم يؤمن به وهو في دار الإسلام وجب عليه أن يلتزم طاعة الدولة
стр. 168
الإسلامية، التي تتكفل بحماية حقوقه وصيانتها، ووجب عليه أن يساهم في تمويلها مقابل حمايته ورعايته، وذلك عن طريق " الجزية " المحدودة، كما يساهم المسلمون أنفسهم في تمويل دولتهم عن طريق (الزكاة) المفروضة، فإن لم يؤمن بالإسلام وحاول علاوة على ذلك فتنة المسلمين عن دينهم، بالتآمر على الدولة الإسلامية، أو بتضليل المسلمين وإفساد عقيدتهم، أوقفه المسلمون عند حده، وعاملوه بنقيض قصده.
ومما ينبغي مزيد التأمل فيه من آيات هذا الربع قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
فهاهنا كلمتان هما محور الآية الذي يدور عليه موضوعها من أولها إلى آخرها: الكلمة الأولى كلمة (ظلمات) التي وردت بصيغة الجمع، والكلمة الثانية كلمة (نور) التي جاءت بصيغة الإفراد، فالنور الواحد الذي لا يتجزأ ولا يتعدد هو المصباح الإلهي المنير، الذي يضئ به قلوب أوليائه، ممن تغلب عليهم طاعة الله وتقواه، وامتثال أمره ونهيه، على حد قوله تعالى: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾. ومن كان الله له وليا كفاه كل شئ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾. و (الظلمات) المتعددة التي لا تنحصر أنواعها ولا أصنافها، من ظلمة الكفر والشرك، إلى ظلمة المعصية والفسق، ومن ظلمة الظلم والعدوان، إلى ظلمة الزور والبهتان، وهكذا إلى ما لا نهاية له، هي السحب السوداء، والغيوم
стр. 169
الكثيفة، التي تغشي أبصار الكافرين والمنافقين وبصائرهم، ممن أحاطت بهم خطيئاتهم من كل جانب، حتى أصبحوا وهم لا يهتدون سبيلا، ولا يجدون بين أيديهم دليلا، وفي مثل هؤلاء نزل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.
وفي حصة هذا الربع آية أخرى كان لها أبلغ الأثر في تعميق عاطفة الإحسان بين المسلمين، ودفعهم إلى البذل في وجوه البر والخير دون حساب، ألا وهي قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. فهاهنا تعهد صريح من الحق الذي لا يخلف وعده بمضاعفة ربح المؤمن المحسن سبعمائة مرة، مقابل الواحد الذي أنفقه في سبيل الله، بينما أقصى ما يمكن أن يصل إليه ربح الأناني المستغل-مهما بذل من الوسائل-لن يتجاوز في الغالب المائة في المائة، وهذا إغراء لمن رزقهم الله أن ينفقوا مما رزقهم، ووعد لهم بمضاعفة الرزق والأجر إلى أقصى الحدود، حتى لا يشحوا ولا يبخلوا ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
غير أن الحق حذر المؤمنين المحسنين من أن يفسدوا صنيعهم، ويحبطوا عملهم، بالمن والأذى إذا أنفقوا وأحسنوا، فقال تعالى تهذيبا لهم وتعليما: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
والحكمة في ذلك أن المؤمن مهما كان فقيرا محتاجا فإن
стр. 170
حرمته عند الله عظيمة لا يسوغ امتهانها، وكرامته مصونة لا ينبغي انتهاكها، بل يجب على المسلم الموسر أن يصون ماء وجه أخيه المسلم المعسر، وأن يعامله معاملة كريمة لا تجرح عاطفته، ولا تؤذي شعوره، فذلك هو الإحسان على وجهه الشامل، والأدب الإسلامي الكامل.
стр. 171
الربع الثاني من الحزب الخامس
في المصحف الكريم (ق)
ــ
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ
стр. 172
مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩) وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)
стр. 173
الربع الثاني من الحزب الخامس
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
حديث هذا اليوم، يتناول الربع الثاني من الحزب الخامس في المصحف الكريم، وبداية هذا الربع قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ ونهايته قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
ــ
مما نلاحظه بادئ ذي بدء في هذا الربع من سورة البقرة اقتصاره من البداية إلى النهاية على موضوع البذل والإنفاق في سبيل الله، وتحريكه لهمم المسلمين وعزائمهم بشتى الوسائل، حتى يقوموا بهذا الواجب الاجتماعي الجليل.
ففي الآية الأولى من هذا الربع يعلم الحق للمؤمنين من عباده أدب الصدقة وحسن الإنفاق، ويعرفهم بأن الحكمة في إسداء المعروف من القادر إلى العاجز، ومن الغني إلى المحتاج ليست هي مجرد ترضية حاجاته المادية، وقضاء ضرورياته الحيوية، بقدر ما هي إكرام له، وإعزاز لجانبه، وترفيه عنه، وإشعار له بالإخاء الصادق من جانب بقية إخوانه المسلمين، والامتزاج التام
стр. 174
معهم، على أساس قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. وقوله ﵇: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
أما إذا كان الشخص سيتصدق وينفق ساخطا كارها، متسلطا بالأذى على ضعفاء المسلمين، فإنه أولى به أن لا يتصدق مطلقا، وإن أفضل صدقة يسديها إلى المحتاجين بالنسبة إليه هي كلمة طيبة ودعوة صالحة، تطييبا لخاطرهم، وتطمينا لقلوبهم، وإحياء لروح الأمل والتفاؤل في نفوسهم، فقد كاد الفقر أن يكون كفرا، كما جاء في الأثر، وبالإجمال، فالأثر النفسي الطيب الذي تحدثه الصدقة في نفس المحتاج، والشعور الذي توحي به إليه من التضامن والتكافل القائم بينه وبين إخوانه المسلمين هو الغرض الأساسي الأول، والهدف الأساسي الإسلامي الأسمى، المقصود من الصدقة والإنفاق في سبيل الله، والإسلام يحافظ بكل ما في الإمكان على شعور المسلم، ويعمل بكل الوسائل على صيانة كرامته كيفما كانت الظروف، وهذه المعاني كلها وما يناسبها هي التي يومئ إليها قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾. ونظرا لأن الحق لا يقبل الصدقة التي يتبعها المن والأذى من جهة، ونظرا لأنه يريد من عباده الصالحين أن يقابلوا ضعفاء المسلمين بروح الحلم والتسامح، لا بالأذى والقول الجارح، جاء ختام هذه الآية بالصيغة الآتية ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾. (غني) عن المتبجحين بصدقاتهم، الذين يبذلونها كارهين مسيئين، (حليم) على الذين يبذلونها بحلم وكرم وإغضاء عن جفاء الفقير المضطر، إن بدرت منه بادرة قلق.
стр. 175
وفي الآية الثانية من هذا الربع نداء كريم من الرحمن الرحيم إلى عباده المؤمنين بأعز صفاتهم وأكرمها عند الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ثم إرشاد لهم إلى أن يتفادوا الأثر السيئ الذي ينشأ عن امتنان المتصدقين بصدقتهم وأذاهم للمتصدق عليهم، حيث يحبط الله عملهم، ولا يقبل صدقتهم، بل تكون وبالا على صاحبها، بدلا من أن تكون بركة وخيرا له وللمنتفع بها ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾. وفي نفس الوقت نبه القرآن الكريم إلى أن الصدقة الحقيقية التي يقبلها الله هي الصدقة التي تنبعث عن مجرد الإخلاص والإيمان بدافع قلبي صادق، بحيث لا يبتغي من بذلها من ورائها إلا طاعة الله وامتثال أمره في الإحسان إلى إخوانه مما رزقه الله، ابتغاء مرضاة الله بالخصوص، وبحيث لا ينتظر عنها أي تعويض مادي أو أدبي، لا شكرا ممن أعطيت له، ولا ذكرا بين بقية الناس، وإن كان صانع الخير بنية صالحة مع الله لا يلقى من ربه ومن عباده إلا الخير ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾.
وهذا التوجيه الإسلامي هو المقصود من التنظير الذي جاء في الآية الكريمة ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. بعد قوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾.
ثم ضرب الله المثل للمنفق المرائي والمتصدق بالمن والأذى، فقال تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
стр. 176
فمثل هذا النوع ببستان مزروع، غير أن الزرع فيه إنما يقع على طبقة ترابية غير سميكة، تنتهي بطبقة حجرية ملساء، ثم يفاجأ هذا الزرع بنزول مطر غزير عليه كالسيل، فيذهب بالقشرة الترابية التي كان ينبت فوقها الزرع، وتنكشف الأحجار الملساء على طبيعتها دون تراب ولا زرع، وتبلغ الحسرة بصاحبها إلى أقصى الحدود، عندما يبدو عجزه التام أمام القدرة الإلهية، فلا هو قادر على حفظ الزرع الذي ضاع له في الموسم الفلاحي، ولا هو قادر على تعويض التراب الذي ذهب من مزرعته مع السيل، وقد لا يعود أبدا.
فقلب المرائي والمتصدق بالمن والأذى يشبه الصخر الأملس الذي لا يمسك نباتا ولا ماء، وإيمانهما الضعيف الهزيل يشبه القشرة الترابية الخفيفة التي كانت تستر الصخر الأملس، ورياء المرائي ومن المنان وأذاه يشبه السيل الذي فاجأ الزرع، فذهب به وبالتراب، فلم يبق منهما ولا لهما أي أثر، كما ذهبت صدقة المرائي والمنان المؤذي أدراج الرياح.
أما المؤمن الواثق بربه وبفضله، الذي ينفق ابتغاء وجه الله بدءا وختاما، والذي يقوم بواجب الإحسان إلى إخوانه المسلمين عن عقيدة راسخة، وبنفس مطمئنة، فقد ضربت له الآية الكريمة المثل بما يتفق مع عقيدته وإيمانه، ويتناسب مع إخلاصه واطمئنانه، على عكس المثل المضروب من قبل للمرائي والمنان المؤذي، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾. أي مزرعة بهضبة عالية ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾. أي مطر غزير ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ
стр. 177
فَطَلٌّ﴾. أي أن الله تعالى لا يعاقبها بالقحط والجدب، بل يسقيها من فضله أحيانا بالمطر الغزير، وأحيانا بالندى والرذاذ ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
ثم عادت الآيات الكريمة مرة ثانية تحذر المؤمنين من نتائج الرياء والمن والأذى بصدقاتهم، وتنبههم إلى أن عاقبة ذلك إنما هي إحباط عملهم بالمرة، نظير المزرعة الغنية بالنخيل والأعناب والمياه الجارية، عندما يسلط عليها الإعصار والنار، فيحترق كل ما فيها، وتذروها الرياح فتذهب هباء منثورا، هذا مع أنها كانت معقد الأمل وعدة الدهر، لشيخ أصابه الكبر وأعجزه الهرم، ولذرية ضعفاء لا يقوون على الكسب بأي وجه من الوجوه، فكم تكون حسرتهم بالغة، وكم يكون أملهم ضائعا، وذلك قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.
وفي نفس هذا الربع دعوة من الله لعباده المؤمنين إلى تجنب الإنفاق والصدقة بالدون من الأشياء، والرديء من الأصناف، الأمر الذي يقتضي أن يكون عمل البر بالطيب لا بالخبيث، وبالمحبوب لا بالمستكره، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. ثم ختمت هذه التعليمات الإلهية بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. أي (غني) عن الخبيث والمستكره الذي قد ينفق منه ضعفاء الإيمان، (حميد) لما ينفقه أقوياء الإيمان من طيبات ما رزقهم الله، ابتغاء مرضاة الله،
стр. 178
ويتصل بهذا الموضوع أيضا قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
وزيادة في إلقاء الأضواء على دوافع البر عند فريق ودوافع الشح عند فريق، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾. فكل شح وبخل أولا، وكل صدقة بالخبيث دون الطيب ثانيا، إنما مردهما إلى إغواء الشيطان، وتضليله للإنسان، فهو الذي يرسم لمن يغويه صورة قاتمة عن المستقبل الذي ينتظره، ويبعث في قلبه الرعب والخوف من تقلبات الدهر، ويخيل إليه موهما إياه أنه إذا بخل وشح وكنز ماله، أو أنفق الخبيث من ماله دون الطيب، فإنه يصبح بمنجاة من الفقر، مضمون الرزق، ثابت الغنى إلى الموت، وهذه الضمانة التي يعطيها له الشيطان، إنما هي مجرد زور وبهتان، ولا يقوم على صدقها من واقع الحياة المستقبلية أي برهان، بينما الحق يعد عباده-ووعد حق وصدق-بالفضل والغنى والرزق، ويعد المحسنين منهم بمضاعفة أرزاقهم في الدنيا وحسناتهم في الآخرة، وإذا أزل الشيطان بعض العباد فارتكبوا الفواحش ثم تابوا منها، وعدهم الله بمغفرة ذنوبهم، وشملهم بواسع رحمته ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
стр. 179
الربع الثالث من الحزب الخامس
في المصحف الكريم (ق)
ــ
لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي
стр. 180
يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا
следующие страницы →