Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
للإنسان، ولا تنقطع بالموت، ويصدق عليها أنها (خير ثوابا وخير أملا)، وقد أعاد كتاب الله الحديث عن الباقيات الصالحات في سورة مريم، فقال تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [الآية: ٧٦].
وكما أنهى كتاب الله الربع الماضي بوصف الجزاء الذي يلقاه الكافرون في جهنم إذ قال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ وختمه بقوله ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ خصص بداية هذا الربع لوصف الجزاء الذي يلقاه المؤمنون في الجنة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾، وختم وصف جزائهم بقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾.
وفي نهاية هذا الربع ركز كتاب الله الحديث حول قيام الساعة وما يرافقها من أهوال وأحوال، بما فيها النشر والحشر والعرض والحساب، فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ أي قاعا صفصفا وسطحا مستويا، فلا بنيان ولا شجر، ولا جبل ولا وادي، وإنما هو الانقلاب الشامل، ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ أي قبل تسيير الجبال، ليشاهدوا تلك الأهوال ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ أي يعرضون صفا وراء صف، دون اختلاط ولا اختلال، أمة تتلوها أمة، وزمرة تتلوها زمرة، كما فسر ذلك مقاتل، فمن أعلن أنه من أهل الخير كان سروره بمعرفة الناس بحاله أعظم، لوقوف الخلائق على حقيقة أمره، ومن أعلن أنه من أهل الشر كان غمه بمعرفة الناس
стр. 1262
بحاله أعظم، لوقوف الخلائق على جلية سره، ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ أي قلنا لهم ذلك ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي فرادى عراة حفاة لا مال معكم ولا ولد، على غرار قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الآية: ٩٤]، وقوله تعالى في سورة مريم: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [الآية: ٩٥]. وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ قال: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا) أي غير مختونين.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ هذا خطاب لمنكري البعث من المشركين والملحدين ومن على شاكلتهم.
وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ المراد " بالكتاب " كتاب الأعمال وسجل الحساب الخاص بها، والمراد " بالإشفاق " الفزع والجزع الذي يصيب المجرمين من جراء الجرائم المسجلة عليهم ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ أي من المعاصي ﴿إِلَّا أَحْصَاهَا﴾، وهذه الآية دليل على أن المرء يؤاخذ بالصغائر والكبائر، الصغائر إذا أصر عليها، والكبائر إذا لم يتب منها.
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ أي وجدوا إحصاء ما عملوا وجزاءه حاضرا، على غرار قوله تعالى في سورة
стр. 1263
آل عمران: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ أي لا يعذب أحدا بغير جرم، ولا يؤاخذ أحدا بجرم آخر، كما أنه سبحانه لا ينقص طائعا من ثوابه، ولا يزيد عاصيا في عقابه، وبمثل هذا المعنى ورد قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
стр. 1264
الربع الأخير من الحزب الثلاثين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ
стр. 1265
سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا
стр. 1266
قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)
стр. 1267
الربع الأخير من الحزب الثلاثين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب الثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾.
ــ
في بداية هذا الربع أعاد كتاب الله الحديث عن تتويج آدم وبنيه بتاج الخلافة عن الله في الأرض، للقيام بعمارتها، وتنظيم شؤونها، طبقا للتوجيهات الإلهية، والنواميس الأخلاقية، وأشار إلى كبر إبليس وعناده، وتمرده على أمر الله وانتقاده، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، وبذلك كشف كتاب الله النقاب عن طبيعة إبليس، وأنه على خلاف ما يتوهمه المتوهمون لا يدخل في عداد الملائكة المقربين، الذين ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وإنما هو من فصيلة " الجن " التي يوجد فيها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وكون إبليس من الجن لا من الملائكة هو الذي يوضح مغزى
стр. 1268
المفاضلة، التي عقدها إبليس نفسه بين شخصه وبين آدم أبي البشر، إذ قال فيما حكى عنه كتاب الله في سورة الأعراف وسورة ص: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [١٢، ٧٦].
والمعروف أن الملائكة خلقوا من نور، بينما الجن خلقوا من نار، والإنس خلقوا من طين، وبهذا البيان يتضح لجميع الأذهان أن الآيات الأخرى التي ورد فيها ذكر ﴿إبليس﴾ مستثنى من ﴿الملائكة﴾ إنما ورد ذكره فيها على معنى " الاستثناء المنقطع " الذي يعتبر فيه " ما بعد إلا " خارجا عما ورد قبلها لا داخلا فيه، وأنه لا سبيل إلى حمله على " الاستثناء المتصل " لتخالف الأصلين، وتباين الطبيعتين، قال تعالى في سورة الحجر: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الآية: ٢٧]، وقال تعالى في سورة الرحمان: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الآية: ١٥].
ثم لفت كتاب الله أنظار بني آدم إلى العداوة المتأصلة بينهم وبين إبليس وذريته، وأن هذه العداوة الراسخة والدائمة التي يكنها إبليس لآدم وذريته كافية لأن تجعلهم على حذر من موالاته ومتابعته، فكيف يعادون ربهم، ويوالون عدوهم، وذلك قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾. وقد حذر كتاب الله في غير ما سورة وغير ما آية بني الإنسان، من مطاوعة الشيطان، ومواجهة خالقهم ورازقهم بالتمرد والعصيان، لما في ذلك من سوء العاقبة ومنتهى الخسران،
стр. 1269
فقال تعالى في سورة فاطر: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [الآية: ٦]، وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الآية: ١٤٢].
وأشار كتاب الله إلى عناصر السوء التي أضلت الناس عبر القرون والأجيال، وفي طليعتها إبليس وجنوده من شياطين الإنس والجن، وطواغيت الشرك والكفر، بما فيهم سدنة الأصنام، وعبدة الأوثان، وأدعياء العلم والقوة، المتطاولون على الله في مختلف العصور والأزمان، مؤكدا أن هذه العناصر كلها لا تتوفر على علم صحيح تكتنه به حقائق الأشياء، حتى ينخدع بها الأغرار، ولا على قوة ذاتية تتصرف بها في الكون، حتى ينخدع بها الأغرار، فالله تعالى قد تفرد بخلق المخلوقات وتكوين الأكوان بفضل حكمته، وبمحض مشيئته، دون أن يشرك معه أحدا في تصميمها وخلقها، ولا أن يستعين بأحد في تدبير أمورها وتسييرها، وبذلك انفرد سبحانه بإيجادها وإمدادها، كما انفرد سبحانه بعلم حقيقتها والإحاطة بكنهها، فهو وحده الذي بيده مقاليد التصرف في الكون، وهو وحده مصدر العلم الحق، ومنبع الحقيقة المطلقة، عن الكون والمكون، وعن الخلق والخالق: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وهذه المعاني المفصلة هي التي تضمنها بصفة مجملة قوله تعالى هنا: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾. ووصف " المضلين " الوارد في هذه الآية، والمعبر به عن العناصر التي
стр. 1270
تقوم بتضليل الخلق والتغرير بهم يناسبه ما حكاه كتاب الله على لسان إبراهيم الخليل ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥، ٣٦].
ثم وصف كتاب الله موقف المشركين الحرج يوم القيامة، ممن كانوا يزعمون أنهم شركاء لله، عندما يأمر الله أتباع أولئك الشركاء أن ينادوهم ليشفعوا فيهم، ثم يدعونهم فعلا فلا يستجيبون لهم، بل يتجاهلونهم بالمرة، كأنهم لا يعرفونهم، أو كأن بينهم عداوة متأصلة من قديم ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾، قال الحسن البصري: " موبقا أي عداوة " وقال ابن الأعرابي: " كل شيء حاجز بين شيئين فهو موبق ".
ومضى كتاب الله يصف الخيبة التي يمنى بها الأتباع الضالون عندما تنتهي أحلامهم، ويتبرأ منهم سادتهم الذين أضلوهم، وكما وصفهم كتاب الله في الربع الماضي بوصف " المجرمين " إذ قال في حقهم: ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ وصفهم في هذا الربع أيضا بوصف " المجرمين " بعد أن وصفهم في الآية السابقة بوصف " المضلين "، فقال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ أي أنهم بعدما رأوا النار التي كانوا في شك من وجودها أصبحوا يتوقعون دخولها، فانتقلوا من درجة الشك إلى درجة الظن، غير أن الظن، أمام الأمر الواقع، ليس له من دافع، لم يلبث أن انقلب إلى يقين، إذ
стр. 1271
لا سبيل لنجاتهم من النار، بعدما سبق أن وجهه إليهم الحق من إنذار وإعذار: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾. وبما يقرب من المعنى الوارد في هذا السياق جاء قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [الآية: ١٦٦]، قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الآية: ٩٤].
وانتقل كتاب الله إلى بيان أن الحق لم يترك وسيلة من وسائل إقناع الإنسان وهدايته إلى الحق والخير، ومساعدته على الاختيار المحمود، إلا وضمنها آيات الذكر الحكيم، وبالرغم من كل ذلك لا يزال يوجد من بين الناس من يصر على إنكار الحق والتمسك بالباطل، إما عنادا وجحودا، وإما تقليدا وجمودا، منبها في نفس الوقت إلى جهل هذا الفريق من الناس بحكمة الله، وعدم شكرهم لرحمة الله، إذ لا يعجز الحق أن يسلط عليهم عذابا يستأصلهم من الوجود، أو يعاقبهم بعذاب عاجل سريع، بدلا من أن يؤجل عقابهم إلى اليوم الموعود، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ أي أنهم علقوا تصديقهم بالرسالة على برهان مادي محسوس يؤكد من لم يؤمن بها في الحين،
стр. 1272
كأن يحل بساحتهم ما حل بمن قبلهم من الأقوام البائدة، مثل عاد وثمود، من إبادة واستئصال، أو يحل بساحتهم عذاب سريع على وجه الاستعجال، لكن الله تعالى رد عليهم تحديهم المحموم فقال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أي أن رسالة الرسل لا تتجاوز البشارة للمصدقين المؤمنين، والنذارة للمكذبين الكافرين، وليس من اختصاص الرسل أن يقرروا بمحض إرادتهم عذابا معينا، أو يستعجلوا العذاب قبل وقته، لمن لم يؤمن بالله، فأمر العقاب والثواب موكول تقريره وتحديد نوعه إلى الله، دون سواه.
وتوضيحا لحكمة الله ورحمته في الانفراد بهذا التدبير، وما يؤول إليه المصير، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ أي لا محيص عنه ولا مفر.
ثم عقب كتاب الله على ذلك بما يفيد أن أظلم الظالمين لأنفسهم وللحقيقة، هم أولئك المتعنتون الذين أتيحت لهم فرص الاهتداء إلى الحق، لكنهم فضلوا الإعراض عنها، وبدلا من أن يعيدوا النظر في أحوالهم وتصرفاتهم ومعتقداتهم على ضوء الهدى الإلهي أصروا على ضلالهم، ولم يغيروا من حالهم، فأقفلوا على أنفسهم جميع الأبواب، ولم يبق أي أمل ولا رجاء في هدايتهم بآيات ربهم المنزلة في الكتاب، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ
стр. 1273
إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾.
وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن رحلة موسى من مقر إقامته إلى مجمع البحرين، وبرفقته فتاه، للقاء عبد من عباد الله آتاه الله من لدنه علما لم يؤته موسى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ - ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾.
واستغرق وصف هذه القصة القسم الثاني من هذا الربع، والقسم الأول من الربع الآتي، وهذه القصة توحي بعدة أمور:
- الأمر الأول - أن الله رفع العلماء بعضهم فوق بعض درجات ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فلا ينبغي لأي عالم أن يعتقد أن عنده منتهى العلم، أو جميع أنواع العلم، وكما أنه سبحانه يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، فإنه يفيض من علمه على شخص ما لا يفيضه على آخر، ولا ينبغي لأي عالم أن يقنع بما عنده من العلم دون أن يطلب المزيد دائما: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، بل عليه أن ينتهز جميع الفرص والمناسبات، لتلقي أطيب النفحات ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾.
- الأمر الثاني - أن العالم بالرغم من كونه عالما لا بد له من أن يلتزم منتهى الأدب مع من هو أعلم منه، وأن لا يعترض على الطريقة التي يختارها معلمه لتعليمه: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي
стр. 1274
عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.
- الأمر الثالث - أن العالم ينبغي له أن يتخطى بنظره حدود المظاهر والظواهر، ويتطلع قبل كل شيء إلى حكم الأشياء وأسرارها، ويتعرف على مقاصدها وأهدافها، ويلم بظروف النوازل وملابساتها، وبذلك يتحاشى إصدار الأحكام، التي لا تناسب المقام، وإلا أدى به الحال إلى الوقوع في الغلط، وارتكاب الشطط ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾.
- الأمر الرابع - أن المستزيد من العلم ينبغي له أن يتأنى ولا يستعجل من هو أعلم منه، فلا يلح عليه بكثرة السؤال لأن ذلك يؤدي به إلى المضايقة والإملال، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ -
﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. روى البخاري في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: (يرحم الله موسى لوددنا أنه صبر، حتى يقص الله علينا من خبرهما). وروى مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: (رحمة الله علينا وعلى موسى لولا أنه عجل لرأى العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة، ولو صبر لرأى العجب). و " الذمامة " بفتح الذال هي الحياء والإشفاق من الذم واللوم، وبهذه التوجيهات والإرشادات يربينا الذكر الحكيم على السلوك القويم.
стр. 1275
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
التيسير
في
أحاديث التفسير
стр. 1276
التيسير
في
أحاديث التفسير
من إملاء
سماحة الشيخ محمد المكي الناصري
الجزء الرابع
دار الغرب الإسلامي
стр. 1277
الطبعة الأولى
١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م
دار الغرب الإسلامي
стр. 1278
الربع الأول من الحزب الواحد والثلاثين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ
стр. 1279
لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢) وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ
стр. 1280
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)
стр. 1281
الربع الأول من الحزب الواحد والثلاثين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
حصة هذا اليوم تتناول الربع الأول من الحزب الواحد والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾.
ــ
في بداية هذا الربع يلقي كتاب الله الأضواء على معلم حكيم كان معاصرا لموسى ﵇، فعقد الرحلة إليه موسى ليلتقي عنه ما آتاه من العلم. ويكشف الله النقاب عن " تأويل " تصرفاته التي أثارت دهشة موسى حينا، واستنكاره حينا آخر.
ففيما يخص السفينة التي خرقها وقلع لوحا من ألواحها في غفلة عن أنظار ركابها أثناء ركوب موسى معه على ظهرها يقول: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾.
وفيما يخص الغلام الذي ضرب رأسه بحجر حتى دمغه فقتله وموسى بجانبه، دون ان يشعر بذلك أحد من المارة، يقول:
стр. 1282
﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾.
وفيما يخص الجدار المائل الذي كان على وشك الانقضاض فسواه فاستقام، دون أن يتقاضى عليه أجرا، رغما عن إلحاح موسى، يقول: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾.
ثم يعقب على ذلك كله بما يدفع كل اعتراض على أعماله، أو انتقاد لتصرفاته فيقول: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، وهذا التعقيب يؤكد ما وصفه به كتاب الله في مطلع هذه القصة إذ قال تعالى في شأنه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾.
إذن، فكل ما فعله إنما فعله يوحي من الله وعن أمره، ويحضر للذهن هنا قول إسماعيل الذبيح لأبيه إبراهيم الخليل فيما حكاه الله في قصته ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢].
ومن لطائف التفسير المتناقل في هذه الآيات، ما نقله القرطبي من أنها كانت حجة على موسى لا له، ذلك أنه لما أنكر خرق السفينة نودي: يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت في التابوت مطروحا في اليم؟ إشارة إلى ما ورد في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾، [طه: ٣٨ - ٣٩] وقوله تعالى:
стр. 1283
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ [القصص: ٧].
ولما أنكر القضاء على الغلام نودي: يا موسى أين إنكار هذا من وكزك المصري وقضائك عليه؟ إشارة إلى ما ورد في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥].
ولما أنكر ميل الجدار دون اقتضاء أجر نودي: يا موسى أين هذا من رفعك حجر البئر لما وردت ماء مدين وسقيك للبنتين دون أجر؟ إشارة إلى ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٣ - ٢٤ - ٢٥].
ومن المفيد في هذا المقام القضاء على بعض الشبه والأوهام، ذلك أن الاعتراضات التي اعترض بها موسى على تصرفات صاحبه إنما لم يكن لها قبول، لأن تصرفات صاحبه صدرت على مقتضى ما أوحي إليه من عند الله، ولم تصدر منه عن رأيه الخاص ومحض هواه، ولذلك لم يعد عمله خروجا على شريعة موسى ﵇، وأقره موسى في النهاية على تأويله وفارقه بسلام، اقتناعا منه بقوله دفاعا عن نفسه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ
стр. 1284
أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.
لكن في حالة ما إذا أكمل الله دينه وانقطع الوحي الإلهي بالمرة، وختمت الرسالة إلى الأبد، كما هو الحال بالنسبة للرسالة المحمدية التي هي خاتمة الرسالات، إذ لا نبي بعد نبينا ولا رسول، فإنه لا يقبل من أحد من المسلمين مهما كانت درجته في العلم والصلاح والولاية أي قول أو فعل مخالف لنصوص الوحي الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله، فنصوص الشريعة حاكمة على ما سواها، ومهيمنة على ما عداها، وكل ما يصدر عن الناس من الأقوال والأفعال لا بد أن يوزن بميزانها، فما وافقها كان مقبولا، وما خالفها كان مرفوضا، ومن هنا كان كل ما يخرم قاعدة شرعية أو حكما شرعيا ليس بحق في نفسه، بل هو إما خيال أو وهم، وإما من إلقاء الشيطان، حسبما نص عليه الشاطبي في (الموافقات)، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن قصة أخرى سأل أهل الكتاب عنها رسول الله ﷺ ، هي قصة شخص يطلق عليه لقب " ذي القرنين "، كما سألوه من قبل عن قصة أهل الكهف التي ورد ذكرها سابقا في هذه السورة نفسها، وكما سألوه أيضا عن ماهية الروح حسبما ورد في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]، ومقصودهم من هذه الأسئلة وما ماثلها هو تعجيز النبي ﷺ وتحديه، لأنهم يعرفون أنه " النبي الأمي " الذي
стр. 1285
خاطبه ربه قائلا: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الزخرف: ٢٥] وهم ينتظرون بفارغ الصبر أن يعجز عن الجواب، أو يجيب عن سؤالهم جوابا غير مطابق للصواب، ليتخذوا من ذلك ذريعة للطعن في رسالته، وإبطال نبوته، لكن الله تعالى يأخذ بيده، ويمده بمدده، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.
غير أن لقب " ذي القرنين " الذي يظهر أنه لقب مشترك بين عدة أشخاص لم يطلقه كتاب الله على الاسكندر المقدوني، اليوناني الأصل، والوثني العقيدة، الذي هو احد من اشتهروا بهذا اللقب، بل هو شخص آخر تحدث كتاب الله عما آتاه من نصر وتمكين، حتى امتد نفوذه من المغرب إلى المشرق، ونصت الآيات الكريمة على إيمانه بالله واليوم الآخر، وعلى قيامه بواجبات الخلافة عن الله في الأرض أحسن قيام، بدليل ما ورد في سياق قصته حكاية عنه ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾، وبدليل امتنان الله عليه وتنويهه بشأنه، إذ قال تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾، والتمكين والتوفيق، إنما ينالهما عباده الصالحون، وبدليل تفويض الله إليه أن يختار من أساليب الحكم ما يراه مناسبا لمصلحة المحكومين واستعدادهم، إذ قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾، وهذه الصفات في مجموعها لا تنطبق على الاسكندر المقدوني بحال، ولا
стр. 1286
يدعيها له أحد من مؤرخي الدول الذين تعاقبوا عبر الأجيال.
والآن فلننظر إلى ما يتخلل هذه القصة من مغزى عميق، أو معنى دقيق، فقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ بعد قوله: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ إشارة إلى أن التمكين في الأرض، أي أرض كانت، واستقرار السلطان فيها، إنما يتم عند توافر الأسباب والعوامل الضرورية له، ويفهم من هذا أنه متى اختل سبب من تلك الأسباب أو عامل من تلك العوامل، وقع من الخلل بحسبه، وعلى قدر أهميته، وعلى رأس تلك الأسباب والعوامل: الإيمان بالله، وإقامة العدل بين الناس، ومقاومة الفساد وردع المفسدين، وهذه الأسباب والعوامل كلها توفرت في ذي القرنين، طبقا لما حكاه كتاب الله في قصته.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ إشارة إلى ما تراءى لذي القرنين عند غروب الشمس كأنها تغرب في عين، وهذه العين (حمئة) داكنة اللون، لما تجمع حولها وأحاط بها من الطين والأعشاب، على غرار ما يتراءى لراكب السفينة في البحر، أو الواقف على شاطئه، من أن الشمس تغرب في الماء وراء الأفق، بينما هي في الحقيقة إنما تغيب عن مكان لتشرق على مكان آخر، وهي لا تفارق فلكها الخاص.
وقوله تعالى حكاية عن ذي القرنين: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ إشارة
стр. 1287
إلى السياسة العادلة التي سار عليها ذو القرنين في حكمه، مما مكن له في الأرض، وجعله موضع الرضا عند الله، والثناء في كتاب الله. وهذه السياسة كما رسمتها الآية الكريمة تقوم على تشجيع العمل الصالح، ومعاملة أهله بمزيد من الرعاية والعناية، وعلى مكافحة العمل الفاسد، ومواجهة المفسدين بالعقاب الرادع في الدنيا، مع الوعيد بالعذاب الأليم في الآخرة ﴿عَذَابًا نُكْرًا﴾ أي عذابا غير معروف ولا يخطر على قلب بشر.
وقوله تعالى حكاية عن ذي القرنين: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ يحتمل احتمالين: إما أنه عندما توغل في أقصى الشرق اكتشف قوما " بدائيين " لا يزالون عراة الأجسام، بحيث لا يسترهم من الشمس أي شيء، وإما أنه اكتشف قوما منبوذين بالعراء، يعيشون فوق أراضي جرداء، لا ديار لهم ولا أشجار، ولا كهوف عندهم ولا أغوار، وبذلك لم يكن بينهم وبين قيظ الشمس وحرها أي ستار، مثل الصحارى الشاسعة، والسهوب الواسعة.
وقوله تعالى حكاية عن ذي القرنين: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الآية: ٩٢، ٩٣] إشارة إلى الحالة التي وجد عليها ذو القرنين شعبا متخلفا معرضا لعدوان شعب أقوى منه بجواره، يدعى " ياجوج وما جوج "، فلما اطمأن الشعب المتخلف الضعيف إلى عدل ذي القرنين، وشاهد حرصه على الصلاح ومقاومته للفساد، التمس منه أن يقيم بينه وبين جيرانه المعتدين، سدا يحميه من
стр. 1288
غارتهم المتكررة ما بين الحين والحين ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾.
ولم يسع ذا القرنين إلا ان يبادر إلى نصرة الشعب الضعيف وينزل على رغبته، فقال لرجاله: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ أي قطع الحديد ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أي نحاسا، وهذا الوصف الذي حكاه كتاب الله يفيد أن ذا القرنين أعانهم على ردم الممر الذي كان يغير منه " ياجوج وماجوج "، فكوم فيه قطع الحديد، ثم أمرهم بالنفخ على النار لتسخين الحديد وإذابته، ثم أفرغ على الحديد المذاب نحاسا مذابا ليختلط به فيزداد صلابة وقوة، وهذه الطريقة التي لجأ إليها ذو القرنين ووصفها كتاب الله أقرت بفائدتها الصناعة الحديثة، إذ أخذت تضيف نسبة معينة من النحاس إلى الحديد، حتى تضاعف مقاومته وصلابته، ولهذا المعنى جاء التعقيب على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ أي فلم يستطع أبناء " ياجوج وماجوج " بعد ذلك أن يتسوروا السد المحكم الذي أقامه ذو القرنين، نظرا لملاسته، ولم يستطيعوا نقبه للإغارة منه على الشعب المجاور، نظرا لصلابته، وهكذا تحول الشعب المهدد بالغارات إلى شعب يعيش في بحبوحة الأمن والاطمئنان، وأكبر أبناؤه ما أسداه إليهم ذو القرنين من عظيم الإحسان، لكن لما أعربوا عن شكرهم وامتنانهم بادر ذو القرنين إلى التبري من حوله
стр. 1289
وقوته، ونبههم بدلا من ذلك إلى شكر الله على فضله ورحمته، ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾.
ثم عقب ذو القرنين على إقامة السد بما يفيد أنه لا بد ان يأتي وقت يدك فيه السد دكا، إشارة إلى قيام الساعة، عندما تخرج الأرض أثقالها وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات فقال فيما حكى عنه كتاب الله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾.
стр. 1290
الربع الثاني من الحزب الواحد والثلاثين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨) قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)
стр. 1291
١٩ - سورة مريم مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ
стр. 1292
وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)
стр. 1293
الربع الثاني من الحزب الواحد والثلاثين
في المصحف الكريم (ت)
عباد
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثاني من الحزب الواحد والثلاثين في المصحف الكريم، وبداية هذا الربع قوله تعالى في سورة الكهف المكية: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ ونهايته قوله تعالى في سورة مريم المكية أيضا ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾.
ــ
تواجهنا في القسم الأول من هذا الربع خاتمة سورة الكهف، وفي هذه الخاتمة يستنكر كتاب الله من جديد موقف المشركين الذي يتخذون من عباده أولياء، يوالونهم ويعبدونهم من دون الله، فيجعلونهم محل الخوف والرجاء، ويعتقدون أن بيدهم المنع والعطاء، ناسين أن العابد والمعبود في هذه الحالة سيان، إذ في العجز والضعف، والافتقار إلى الله خالق الخلق ورازقهم، لا يفترق إنسان عن إنسان، وإقبال العاجز الفقير على عبادة عاجز فقير مثله نوع من خور الرأي، وضرب من العبودية والهون ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾؟.
وتحدث كتاب الله عن العالمين الذين يتقبل الله أعمالهم،
стр. 1294
والعالمين الذين يحبط أعمالهم فلا يقيم لها أي وزن، منبها إلى أن نعمة القبول إنما يحظى بها الذين " أمنوا وعملوا الصالحات " فلا بد من أن يكون الإيمان بالله واليوم الآخر هو الحافز إلى العمل والدافع إليه، ولا بد من أن يكون العمل صالحا في نفسه، بحيث تتحقق به مصلحة، يؤدي إلى صلاح، أما الأعمال التي لا تنبثق عن الإيمان بالله، أو تؤدي إلى الفساد في الأرض، دون أن يتحقق بها أي خير أو صلاح فلا عبرة بها، ولا قيمة لها يوم الحساب، ولا يشفع في عمل الكافر أن يكون ظاهره خيرا ومصلحة، لأنه فاقد لروح العمل، التي هي الإيمان بالله وبلقائه، ونية التقرب إليه بالعمل، والثقة بحسن جزائه.
وإلى الأخسرين أعملا يشير قوله هنا: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ ثم فسر معنى الأخسرين أعمالا فقال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ أي عملوا أعمالا على غير هدى، ظانين أنهم على شيء، وأن أعمالهم منظور إليها بعين الرضا والقبول ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ أي فلا وزن لهم عندنا يومئذ ولا اعتبار ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾، قال ابن كثير: " هذه الآية عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية، وهو يحسب أنه مصيب فيها، ويظن أن عمله مقبول وهو مردود ".
وكما نص كتاب الله في هذه الآية على إحباط أعمال
стр. 1295
الكافرين، لأنها مجرد أشباح، فاقدة لروح الإيمان بالله، وخالية من نية التقرب إليه، فقد نص على نفس المعنى في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
أما الفائزون الذين لم يضل سعيهم في الحياة الدنيا، وتقبل الله أعمالهم في الآخرة، فجازاهم عنها الجزاء الأوفى، فيشير إليهم قوله تعالى هنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ أي مقيمين فيها باستمرار لا يتحولون عنها، ولا يبغون بها بديلا، لأنها الغايات في السعادة والنعيم ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.
وكما استعمل كتاب الله في الحديث عن مصير السعداء المقبول علمهم كلمة (نزلا) فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾، استعمل نفس اللفظ في الحديث عن مصير الأشقياء المرفوض عملهم فقال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ أي أعددنا ﴿جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ إلا أن نزلاء الفردوس لا يبغون عن نزلهم حولا ولا بدلا، بينما نزلاء جهنم لو وجدوا السبيل لمفارقتها لما استقروا بها لحظة واحدة، فضلا عن أن يتخذوها نزلا ﴿سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.
وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن قدرة الله وتصريفه لمجاري الأقدار الصادرة عن مشيئته، بمقتضى علمه وحكمته،
стр. 1296
إيجادا وإمدادا، منبها إلى أنه لو أصبح ماء البحر مدادا تكتب به كلمات الله، الناطقة بأمره وخلقه، والمتعلقة بما كان وما سيكون، وما لو كان كيف يكون، لجف ماء البحر قبل انتهائها، ولعجز عن الوفاء بتسجليها، إذ البحر ما هو إلا جزء بسيط من أجزاء الكون، والكون على سعته وترامي أطرافه لا يخرج عن أنه عالم محدود، بينما مجاري الأقدار الإلهية، والتصرفات الربانية، التي ترمز إليها كلمات الله، ويتعلق بها علم الله، لا تقبل الحصر والعد ولا تحدها أية حدود، وإلى ذلك يشير قوله تعالى هنا: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧].
وفي هذا السياق الذي أبرز فيه كتاب الله أخص خصائص الألوهية خاطب الحق رسوله بما يؤكد صفته البشرية وعلمه المحدود، بالرغم من كونه نبيا رسولا، منبها إلى أنه لا سبيل لرسوله إلى كشف الغيب، إلا بواسطة الوحي الإلهي الذي يتلقاه عن الله، فمن الوحي يتلقى الأجوبة المفحمة للمشركين وأهل الكتاب، كلما تحدوه بأسئلتهم المحرجة، كسؤالهم عن أهل الكهف، وسؤالهم عن ذي القرنين، وسؤالهم عن الروح ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [الآية: ١٠٢]، ثم أجمل مضمون الرسالة
стр. 1297
المحمدية في شعارها الجامع المانع شعار التوحيد ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
وكما نوهت سورة الكهف في مطلعها بالمؤمنين الذين يعلمون الصالحات وزفت إليهم البشرى فقال تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الآية: ٢]، أكدت في ختامها بصورة قاطعة أهمية الإيمان بالله والعمل الصالح، مبينة أن ذلك هو الوسيلة الوحيدة إلى الله، لمن ابتغى قبوله ورضاه ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.
والآن وقد ختمنا بفضل الله ومعونته سورة الكهف المكية، تنتقل إلى سورة مريم المكية أيضا، وقد جاءت هذه السورة مفتتحة بالحروف الهجائية المتقطعة على غرار مجموعة السور المتفتحة بمثل هذا النوع من الحروف، وقد بينا عند تفسيرها ما في ذلك من حكمة وإعجاز، وإنما عرفت هذه السورة باسم سورة مريم، لما ورد فيها من قصة مريم بنت عمران وميلاد ابنها عيسى ﵉ ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ﴾ ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾. وهذه القصة لا تستغرق سورة مريم بأكملها، كقصة يوسف التي استغرقت سورة يوسف بتمامها، بل إن سورة مريم علاوة على ما تضمنته من الحديث عن مريم وابنها عيسى ﵉ تعرضت لذكر عدد من الأنبياء والمرسلين، فوصفت أحوالهم، والإرهاصات التي جرت لهم في بداية أمرهم، وذكرت شيئا من
стр. 1298
سيرتهم وأخلاقهم وأقوالهم، وخصت بالذكر آدم، وإدريس، ونوحا، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب (ويعرف أيضا باسم إسرائيل) وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، ﵈، وسيأتي في الربع القادم قوله تعالى مجملا الحديث عن الأنبياء، ومنوها بشأنهم عموما، بمناسبة ذكر طائفة منهم في هذه السورة ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾.
ويتجلى من سياق هذه السورة على العموم التركيز على وحدة الرسالة الإلهية، وإن تعدد حملتها الذين تلاحقوا عليها جيلا بعد جيل، والتركيز على مضمون تلك الرسالة، وكونها رسالة تثبت الوحدانية لله، وتنفي عنه الشريك والولد نفيا باتا، كما تثبت البعث بعد الموت، وتقرر الجزاء الأخروي في الدار الآخر.
أما بداية " سورة مريم " فقد عنيت بالحديث عن زكرياء ﵇، ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ الذي أحس عند كبره بحاجته إلى إنجاب ولد صالح يكون خير خلف لخير سلف، فالتجأ إلى الله بالتوسل والدعاء ليهب له غلاما يرث عنه العلم والدين، رغما عن كون امرأته عاقرا لا ينتظر منها عادة أن تلد، وذلك قوله تعالى: ﴿كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ أي خاف شرار بني إسرائيل أن يغيروا من الدين، وأن لا يحسنوا الخلافة بعده
стр. 1299
﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾،واستجاب الله دعاء عبده زكرياء فنودي من السماء ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي موافقا له في اسمه، فلم يسبق أن حمل هذا الاسم أحد قبله.
وبعد ميلاد يحيى ناداه ربه ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾، ونوه كتاب الله بخصال يحيى وبروره بوالديه، ومقامه الكريم عند ربه، رغما عن كونه لا يزال صبيا دون البلوغ، فقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي الحكمة والفقه في الدين ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً﴾ أي طهارة وصلاحا ﴿وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾.
وعندما أنهى كتاب الله الحديث عن إكرام زكرياء بولده يحيى ﵉، رغما عن كون امرأته عاقرا، وكونه قد بلغ من الكبر عتيا، انتقل فورا إلى قصة مريم، وتبشير الله لها بميلاد عيسى ﵇، وكما جمع كتاب الله هنا في سياق واحد بين هاتين القصتين، لما بينهما من مناسبة ومشابهة، سلك نفس المسلك في سورة آل عمران وسورة الأنبياء، إذ جمع بينهما أيضا في نفس السياق. على أن قصة مريم أغرب من قصة زكرياء وأعجب، إذ ها هنا يتم الإخصاب والإنجاب في رحم امرأة عذراء لم يمسسها بشر، وتحدث كتاب الله عن هذه القصة حديثا ينفي عن مريم العذراء مزاعم اليهود الخبيثة، التي بلغت الغاية في
стр. 1300
اللؤم والتحقير، والقذف والتشهير، كما ينفي عن ابنها عيسى المسيح مزاعم النصارى الطائشة، التي بلغت الغاية في الغلو والإطراء، والتطوح مع الشهوات والأهواء، وإلى قصة مريم يشير قوله تعالى هنا خطابا لخاتم النبيين: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾، وكما قال الملك لزكرياء ﵇: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ قال الملك لمريم ﵍ نفس الشيء: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾.
وإلى براءة عيسى من إفك اليهود وافترائهم، وبراءته من غلو النصارى وإطرائهم، إحقاقا للحق وإبطالا للباطل، جاء في كتاب الله بعد الانتهاء من عرض قصته مع أمه قوله تعالى في الربع المقبل: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾.
следующие страницы →