← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

محمودا تحمدك فيه الخلائق، " فعسى " في هذا السياق تستوجب وقوع ما بعدها، ولا تحتمل الشك مطلقا. وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن الذكر الحكيم، فبين أنه هو محور الرسالة وعليه المدار، وتحدى بمعجزته الخالدة جميع المتشككين من ملاحدة ومشركين وكفار: ووضح أولا أن القرآن الكريم " شفاء " لمن استشفى به من الشاكين، والقلقين المحتارين، و " رحمة " لمن احتمى بحماه من المظلومين، والبؤساء المحرومين، وأنه يحد من طغيان الظالمين، ويعرضهم في الدنيا قبل الآخرة للخسران المبين، إذ قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. وأكد ثانيا أن الإنسان إذا لم تخالط قلبه بشاشة الإيمان، ولم يشف نفسه دواء القرآن، فإن مقاييسه تكون معتلة، وموازينه مختلة، بحيث إذا مسه الخير أصابه الكبر والطغيان، وإذا مسه الشر أصابه اليأس والهوان، إذ قال تعالى في نفس السياق: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾.ثم عقب على الحالتين الناشئتين عن سلوك هاتين الطريقتين المختلفتين، فقال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ أي كل واحد يعمل حسب الطريقة التي تشاكل عقيدته، وتلائم نفسيته، ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾. وكشف كتاب الله الستار -ثالثا- عن طبيعة القرآن، المميزة له عن كل كلام سواه، وأنه روح من أمر الله، أوحاه إلى رسوله

стр. 1227

ليحيي الناس ويزكيهم، وليعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، إذ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي أن القرآن من وحي الله وكلامه، لا من كلام البشر ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي قبل نزول القرآن ﴿إِلَّا قَلِيلًا * وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا * إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾. وتفسير " الروح " في هذه الآية بالقرآن كما أوردناه وارد عن الحسن البصري ﵁، ويشهد له قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. على أن التفسير الشائع عند الجمهور أن المراد بالروح هنا الروح السارية في الأحياء، وأنها مما استأثر الله بعلمه، قال أبو بكر (ابن العربي): " الروح خلق من خلق الله تعالى إذا أراد العبد إنكارها لم يقدر، لظهور آثارها، وإذا أراد معرفتها وهي بين جنبيه لم يستطع، لأنه قصر عنها، وقصر به دونها "، وقال النسفي: " والحكمة في ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له، ليدل على أنه عن إدراك خالقه أعجز ". وتحدى كتاب الله -رابعا- جميع المتشككين في معجزة القرآن، على تعاقب الأزمان، إذ قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ - ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.

стр. 1228

الربع الأول من الحزب الثلاثين في المصحف الكريم (ق) ــ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥)

стр. 1229

وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١) ١٨ - سورة الكهف مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا

стр. 1230

لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)

стр. 1231

الربع الأول من الحزب الثلاثين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأول من الحزب الثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة الإسراء المكية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ إلى قوله تعالى في سورة الكهف المكية أيضا: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾. ــ في بداية هذا الربع أعاد كتاب الله الكرة على منكري البعث، ليقيم عليهم حجة أخرى لا تدع لعنادهم سبيلا، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ إذ ما هي نسبة الإنسان إلى بقية الأكوان؟ وبديهي أن من قدر على خلق " ما هو أكبر " لا يعجز عن خلق " ما هو أصغر "، ومن أنشأ " النشأة الأولى " لا يعجز عن أن ينشئ " النشأة الثانية "، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، وقوله

стр. 1232

تعالى في آية ثانية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣]، وقوله تعالى في آية ثالثة: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]. وانتقل كتاب الله إلى تقرير حقيقة كونية، والكشف عن حكمة إلهية، في شأن ما احتفظ به من خزائن الأرزاق، وما وضعه بين أيدي الناس من وسائل الإنفاق، فقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾. ثم تحدث كتاب الله عن ميل الإنسان إلى التقتير على أخيه الإنسان، فقال: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾، ومثل هذا المعنى وارد في قوله تعالى في آية أخرى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣] وحتى لا يستبد إنسان بإنسان، فيصبح ضحية البؤس والحرمان، أبقى الحق خزائن رحمته بيده، ولم يبخل منها على أي إنسان بمدده ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. وبين كتاب الله في ثنايا هذه الآية نفسها أن ما طبع عليه الإنسان من الهلع والجزع، والخوف من سوء العاقبة وهول المصير، هو الذي يدفعه إلى الإمساك وعدم الإنفاق والشح والتقتير، وأحسن ما يفسر قوله تعالى هنا في وصف الإنسان بوجه عام: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ قوله تعالى في آيات أخرى: ﴿إِنَّ

стр. 1233

الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ١٩، ٢٠، ٢١، ٢٢، ٢٣] فهؤلاء بفضل التربية الدينية التي هذبت نفوسهم، ووصلت بالله أرواحهم، يجودون بالنفس والمال، ولا يتأخرون عن وجوه البر بأي حال. وتحدث كتاب الله مرة أخرى في سورة الإسراء هذه -والإسراء كما هو معلوم كان من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالقدس- عن قصة موسى وفرعون، وعلاقة بني إسرائيل بتلك القصة، وأشار إلى " الآيات التسع " وهي المعجزات والنذر التي شاهدها فرعون وقومه، فضاقوا بها ذرعا، دون أن يذعنوا لها فيعترفوا بنبوة موسى ويستجيبوا لدعوته، وإلى ذلك يشير قوله تعالى هنا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، وهذه الآيات التسع الواردة هنا جاءت الإشارة إليها مرة ثانية في قوله تعالى في سورة النمل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الآية: ١٢]، وفصلها كتاب الله في سورة الأعراف، فذكر الأولى والثانية منها في قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الآيتان: ١٠٧، ١٠٨]، وذكر الثالثة والرابعة منها في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الآية: ١٣٠]، وذكر الخمس الباقية لتمام الآيات التسع في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ

стр. 1234

وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الآية: ١٣٣]. وقوله تعالى هنا: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي قلنا لموسى: اطلب من فرعون أن يرسل معك بني إسرائيل - ﴿إِذْ جَاءَهُمُ﴾ أي قلنا له ذلك حين جاءهم ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ - ﴿قَالَ﴾ أي قال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ﴾ يشير إلى الآيات التسع ﴿إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ أي أنزلها حججا دالة على صدق ما جئتك به ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ أي هالكا، وكأن موسى أراد أن يقول لفرعون: إن ظننتني مسحورا فأنا أظنك مثبورا ﴿فَأَرَادَ﴾ أي فرعون ﴿أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الآية: ١٠٣]. وقوله تعالى هنا في هذا السياق خطابا لبني إسرائيل: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ يظهر أن له ارتباطا وثيقا وشبها كبيرا بما سبق في أول هذه السورة نفسها، حيث قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾، ثم فسر كتاب الله في نفس السياق المرة الأولى بقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ [الآية: ٥]، وفسر المرة الثانية بعدها في نفس السياق بقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الآية: ٧]. وهكذا يكون لفظ ﴿الْآخِرَةِ﴾ في الموضعين معا هنا وهناك بمعنى المرة الثانية، ويكون معنى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي المرة

стр. 1235

الثانية، لا بمعنى القيامة والدار الآخرة كما فسرها البعض هنا بالخصوص. وكلمة ﴿لَفِيفًا﴾ الواردة في قوله تعالى هنا: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ يراد بها في اللغة الجماعات المنتمية إلى أصول مختلفة، والأخلاط من الناس، وهذا المعنى أصبح لاصقا باليهود منذ حل بهم عهد الجلاء، وتفرقوا في البلاد للابتلاء. وانتقلت الآيات الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن معجزة القرآن، فتحدثت أولا عن طابع القرآن وفحواه، ثم بينت الحكمة في نزوله منجما على دفعات، لا دفعة واحدة، وأخيرا وصفت وقعه في نفوس المؤمنين، الذين اطلعوا على البشارة به في كتبهم قبل نزوله، فلما أدركوا نزوله تحققوا بوعد الله، وآمنوا به إيمانا لا يرقى إليه أدنى شك: فإلى المعنى الأول يشير قوله تعالى هنا: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي أنزلناه متضمنا للحق، إنشاء وأخبارا، أمرا ونهيا، بالنسبة للماضي والحاضر والمستقبل، ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ فهو خالص من الشوائب، معصوم من التبديل والتغيير، والزيادة والنقص، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى في سورة فصلت: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [الآيتان: ٤١، ٤٢]. وإلى المعنى الثاني يشير قوله تعالى هنا: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾، ولفظ ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ قرئ بتخفيف الراء، فيكون معناه: فرقنا فيه الحق من الباطل، وميزنا أحدهما عن الآخر، حتى لا يختلط على أحد الهدى

стр. 1236

بالضلال، وقرئ بتشديد الراء، فيكون معناه: أنزلناه متفرقا آية آية، ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾ أي على تؤدة ومهل، وقد استمر نزوله مدة ثلاث وعشرين سنة، تبعا لطريقة التدرج، بالنسبة لعملية التحول والتطور التي يتوخاها الإسلام، حتى يتمكن الرسول والمؤمنون شيئا فشيئا من حفظ مبانيه، واستيعاب معانيه، وحتى يكيفوا حياتهم الخاصة والعامة مرحلة فمرحلة بمقتضى أوامره ونواهيه، وبمرور الأيام يتعمقون في فهم جزئياته وكلياته، ويلمون بأسباب نزوله وملابساته، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الآية: ٣٢]. وإلى المعنى الثالث يشير قوله تعالى هنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾، وهذه الآية تصف فئة صالحة من أتباع المسيحية واليهودية عاشت إلى أن أدركت الإسلام، فسارعت إلى الدخول في دين الله، اعتمادا على ما تناقلته من البشارة برسول الله، وحسن إسلامها، فكانت تخر على وجهها خاشعة باكية كلما تلي عليها القرآن، وتسبح لله الذي صدقها وعده، وأنعم عليها بنعمة الإيمان. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ خطاب من الله تعالى للرسول والمؤمنين يتضمن وصف الكيفية المستحسنة للقراءة أثناء الصلاة، عندما يكون المصلي في حالة جهر. جاء عن محمد بن سيرين أنه قال: " نُبِّئْتُ

стр. 1237

أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ يخفض صوته، وأن عمر كان إذا صلى فقرأ يرفع صوته، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ فقال: أناجي ربي ، وقد علم حاجتي، وأنا أسمع من أناجي. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ فقال: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان، فلما نزلت هذه الآية قيل لأبي بكر: ارفع قليلا، وقيل لعمر: اخفض قليلا ". وعلى هذا التفسير يكون لفظ (الصلاة) هنا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ مقصودا به القراءة فيها، كما أطلق لفظ (القرآن) وقصد به نفس الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أي صلاة الفجر، ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. وكما ازدانت فاتحة سورة الإسراء، بتسبيح الله وتمجيده، توجت خاتمتها بحمد الله وتوحيده، فقال تعالى في ختامها خطابا لنبيه وتلقينا للمؤمنين: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾، قال النسفي في تفسيره: " كان النبي ﷺ إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية، وكان يسميها (آية العز) ". والآن فلننتقل بعون الله إلى سورة الكهف المكية أيضا، وإنما عرفت هذه السورة باسم " سورة الكهف " أخذا من كلمة ﴿الْكَهْفِ﴾ الواردة في الآيات التالية: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ - ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ - ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ - ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ - ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾

стр. 1238

[الآيات: ٩، ١٠، ١٦، ١٧، ٢٥]. وأصحاب الكهف الذين وردت قصتهم في مطلع هذه السورة هم مجموعة من الشباب الصالح اعتنقوا الإيمان بالله دينا، والاستقامة سلوكا، والثبات طريقا، وفارقوا الأهل والعشيرة في سبيل الحفاظ على عقيدتهم التي كانت عندهم أعز من كل عزيز، وأحسن وصف ورد في شأنهم هو قول الله تعالى في هذه السورة عنهم: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الآيتان: ١٣، ١٤]. وفي بداية هذه السورة امتنان من الله على عباده المومنين، بنزول الكتاب المبين، وتلقين لهم كيف يثنون عليه ويحمدونه، شكرا له على نعمة إنزال القرآن، الذي هو دستور الإسلام وميثاق الإيمان، فقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾. وقوله ﴿قَيِّمًا﴾ أي مستقيما، راجع إلى الكتاب، فهو في المعنى مقدم، وإن كان في اللفظ مؤخرا، والمعنى المقصود من الآية: -الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيما، ولم يجعل له عوجا -وتأخير المقدم وتقديم المؤخر في الذكر أحيانا أمر متعارف في اللسان العربي، والمراد " بنفي العوج " عن القرآن في هذه الآية نفي الاختلاف والتناقض والتعارض عن مبانيه ومعانيه، وإثبات الاستقامة والحكمة والصواب لجميع أحكامه ومراميه. ويجوز أن يكون قوله تعالى هنا: ﴿قَيِّمًا﴾ بمعنى أنه

стр. 1239

مصدق لما بين يديه من الكتب المنزلة، ومهيمن عليها، على حد قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [الآية: ٤٨]، وطبقا لهذا التفسير يكون لفظ ﴿قَيِّمًا﴾ مشتقا من (قام) للأمر إذا تولاه، أو (قام) على أهله إذا تولى أمرهم، ومنه (القيم) على المحجور، أي الذي يتولى أمره، و (قيم القوم) أي الذي يقوم بشأنهم ويسوس أمرهم، ولا شك أن كتاب الله قيم على غيره من الكتب السابقة واللاحقة. وتحدث كتاب الله عن رسالة القرآن، وأنها بشارة ونذارة لعموم الإنسان، كما تحدث عن " زينة الأرض " التي هي اختبار لميوله وامتحان، فقال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الآية: ٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، فمن أحسن العمل كانت له الحسنى وزيادة، ومن أساء الاستعمال كان من أهل الشقاوة لا من أهل السعادة.

стр. 1240

الربع الثاني من الحزب الثلاثين في المصحف الكريم (ق) ــ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨) وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ

стр. 1241

وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠) وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١) سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢) وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦) وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ

стр. 1242

كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)

стр. 1243

الربع الثاني من الحزب الثلاثين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثاني من الحزب الثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة الكهف المكية: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى في نفس السورة: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾. ــ في هذا الربع يواصل كتاب الله الحديث عن " الفتية " الذين اهتدوا وآمنوا واعتزلوا قومهم وما يعبدونه من دون الله، فآووا إلى أحد الكهوف الخالية، فارين بدينهم من الفتنة والأذى، بعد أن وصف كتاب الله في الربع الماضي ما كانوا عليه من إيمان راسخ بالله، واستنكار بالغ لمعتقدات الشرك والوثنية التي كان عليها قومهم ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ جاءت آيات هذا الربع توضح عناصر جديدة، من هذه القصة الفريدة:

стр. 1244

- العنصر الأول يتعلق بنومهم في الكهف على صورة جعلتهم عبرة للمعتبرين عبر القرون والأجيال، فقد شاءت حكمة الله أن تبقى أعينهم مفتحة لا تنطبق أجفانها طيلة نومهم الطويل، وأن تتقلب جنوبهم كما يتقلب الأحياء، حتى لا تبقى جنوبهم على وضع واحد فيصيب أجسامهم البلى والتلف، ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾. وشاءت حكمة الله أن يستقر كلبهم على مدخل الكهف، باسطا ذراعيه، على هيئة أي كلب حي يقوم بالحراسة العادية أمام منزل صاحبه ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ أي بالفناء أو العتبة، وشاءت حكمة الله أن تمر الشمس بكهفهم مر الكرام، فلا تسلط أشعتها القوية على جثثهم الهامدة، لا عند الشروق ولا عند الغروب، وذلك حتى لا يلحقها أي تغيير ولا تلف ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ أي تتنحى عنه وتميل ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ أي تمر بشمال الكهف، مائلة منهم، وشاءت حكمة الله أن يكون نومهم في مكان متسع من الكهف، حتى تبقى جثثهم معرضة للهواء الطلق ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾. - العنصر الثاني يتعلق ببعثهم من مرقدهم بعد مرور عدة قرون على اعتزالهم في الكهف ونومهم الطويل فيه، فقد شاءت حكمة الله أن يوقظهم ويبعثهم ليروا بأنفسهم غلبة الحق على الباطل، وهزيمة الشرك أمام التوحيد، ولتقوم لهم الحجة على أن الحق الذي آمنوا به هو الذي ظهر وانتصر في مدينتهم وبين

стр. 1245

قومهم، وأن العاقبة للمتقين مهما طال الأمر، وبمجرد ما بعثهم الله أخذوا يتساءلون فيما بينهم عن المدة التي قضوها في الكهف، وانقسموا في تقديرها إلى فريقين، وعندما لم يهتدوا إلى جواب حاسم في الموضوع وكلوا أمر ذلك إلى علم الله، ونظرا لإحساسهم بالجوع المفرط فقد فكروا في أن يبعثوا أحدهم بما كان قد بقي معهم من النقود إلى المدينة التي اعتزلوها من قبل، ليشتري لهم منها طعاما طيبا يسدون به الرمق، لكنهم أشاروا على مبعوثهم في نفس الوقت أن يحذر ما أمكن من سكان المدينة حتى لا يشعر به أحد، ظنا منهم أن مدينتهم التي اعتزلوها من أجل الشرك لا تزال على ما فارقوها عليه، وأن أهلها لا يزالون متمسكين بعبادة الأصنام، وخوفا من أن أهلها إذا عرفوهم قتلوهم رجما بالحجارة، أو أكرهوهم على العودة إلى معتقداتهم الباطلة بدلا من عقيدة التوحيد، وفي ذلك الخسران المبين، وإلى هذا العنصر الثاني يشير قوله تعالى هنا: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ أي وكما أنمناهم تلك النومة الطويلة أيقظناهم، فأخذ بعضهم يسأل بعضا عما صنع الله بهم: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾. وسبق في الربع الماضي قوله تعالى مشيرا إلى هذا العنصر، وهو بعثهم من مرقدهم، إذ قال تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾ أي ضربنا على آذانهم حجابا من النوم

стр. 1246

العميق لا يسمعون معه أي صوت ولا صدى لأقل حركة ﴿سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ أي أيقظناهم ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ أي ليتبين أي الفريقين أعرف بالمدة التي قضوها في الكهف وهم نائمون، و " التلطف " حسن التخلق، وجميل الترفق. - العنصر الثالث يتعلق بعثور الأجيال التالية على أجسادهم محفوظة من كل تغيير، وذلك بعد مرور مدة طويلة على بعثهم من مرقدهم، فقد شاءت حكمة الله أن يمكن الأجيال التالية من العثور على أجسادهم، ليتأكد الذين عثروا عليهم من أن البعث الذي وعدهم الله به حق وصدق، نظرا لأن حال الكهف في نومهم الطويل، ثم انتباههم منه بعد عدة قرون، شبيه كل الشبه بحال من يموت ثم يبعث. وبمناسبة العثور عليهم افترق الناس في أمرهم، واقترح فريق أن يبنى على باب كهفهم مبنى أثري تذكاري، بينما اقترح آخر أن يبنى على مدخل كهفهم مسجد خاص لعبادة الله، وهذا الاقتراح الثاني هو الذي رجحت كفته، وإلى هذا العنصر الثالث يشير قوله تعالى هنا: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي أطلعنا عليهم من بعدهم من الناس ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ أي ليعلم الذين عثروا عليهم ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾. - العنصر الرابع يتعلق بعدد أصحاب الكهف، ودون

стр. 1247

الاستناد إلى سند صحيح وجد من قال: إنهم ثلاثة، وكلبهم الحارس لهم هو الرابع، ووجد من قال: إنهم خمسة، وكلبهم هو السادس، ووجد من قال: إنهم سبعة، وكلبهم هو الثامن، وكتاب الله يكل علم عددهم الحقيقي في النهاية إلى علام الغيوب، وإن كان لا ينفي أن يعرف بعض الأصفياء من خلقه بعددهم على وجه التحقيق، وبهذه المناسبة يحض كتاب الله نبيه الأمين، وعن طريقه كافة المؤمنين، على الاكتفاء بما ورد عنهم في كتاب الله، وعدم المماراة في شأنهم، وينهاه عن استفتاء أهل الكتاب في أمرهم، وإلى هذا العنصر الرابع يشير قوله تعالى هنا: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾. - العنصر الخامس يتعلق بعدد السنين التي مرت على أصحاب الكهف وهم رقود قبل أن يبعثهم الله من مرقدهم، ويتعرفوا على ما آل إليه أمر مدينتهم من الصلاح بعد الفساد، والإيمان بعد الشرك، وفي هذا الصدد نجد كتاب الله في الربع الماضي لا يحدد أي عدد مخصوص، بل يقول: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾، ونجد كتاب الله في هذا الربع يصف حيرة أصحاب الكهف أنفسهم بعد أن بعثهم الله من مرقدهم، وعدم اتفاقهم على مدة محدودة لبقائهم داخل الكهف، ويتحدث عن تسليمهم الأمر في تحديدها إلى علم الله فيقول:

стр. 1248

﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾. ثم نجد كتاب الله في هذا الربع أيضا يشير إلى مدة ثلاثمائة سنة وتسع سنين، ولعل هذا التحديد مما كانت تتداوله بعض الألسنة، ولاسيما بين أهل الكتاب، لكن كتاب الله يعقب على هذا العدد نفسه، بعد ذكره مباشرة، بما يفيد أن الله وحده هو الذي يعلم مدة مكثهم بالكهف على وجه التحديد، وأنه سبحانه هو المنفرد بعلم الغيب دون سواه، وفي هذا التعقيب إشارة واضحة إلى أن العدد الوارد من قبل ليس هو العدد الحقيقي الذي يتفق مع الواقع، وإنما أتى به كتاب الله على سبيل الحكاية المجردة، لا على سبيل التأكيد والتصديق والإثبات القاطع، وكما رد كتاب الله العلم بعدة أصحاب الكهف أنفسهم إلى الله وحده رد العلم بعدة السنين التي قضوها في الكهف إلى الله وحده دون سواه، وإلى العدد المذكور يشير قوله تعالى هنا: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾. ثم يستدرك عليه قائلا: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾. ويؤيد هذا التفسير الذي اختاره ما ذهب إليه قتادة ومطرف بن عبد الله من أن العدد المشار إليه هنا هو قول أهل الكتاب، وأن الله تعالى رد قولهم بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الآية: ٢٦]. - العنصر السادس يتعلق بما ألقَى اللهُ على أجسادهم من المهابة والجلال، حتى يحول بينهم وبين كل متطفل يحاول أن

стр. 1249

يمد اليد إليهم، بما لا يتفق مع حكمة الله ومراده، وحتى يبقوا بمنجاة من عبث العابثين، إلى أن يبلغ الكتاب أجله، وتتحقق العبرة من قصة نومهم ويقظتهم، التي لها شبه قوي بموت الموتى وبعثهم، وإلى هذا العنصر السادس يشير قوله تعالى، مخاطبا لكل من يتخيل نفسه واقفا أمامهم في كهفهم، فيحسبهم أيقاظا وهم رقود ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أي لو أشرفت عليهم فنظرت إليهم ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾. وتخللت قصة أهل الكهف التي هي محور التدبر والاعتبار في هذا الربع جملة من الآيات الكريمة، تؤكد عددا من مبادئ الإسلام القويمة، وتوجيهاته السليمة. - منها أن من انتفع بالهدي الإلهي كالهدى الذي تضمنه كتاب الله دخل في زمرة المهتدين، ومن أعرض عنه ولم ينتفع به بقي في عداد الضالين، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾، ويندرج تحت هذه الآية أصحاب الكهف أنفسهم، الذين سبق أن وصفهم كتاب الله قائلا: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾. - ومنها أن من عزم على فعل أمر من الأمور لا بد أن يربط قوله ويعلق فعله على مشيئة الله، لأنه لا يستغني في أية لحظة من اللحظات عن استمداد العون والتوفيق من الله، وهذا الموقف يجعله في أمن من أن يكون كاذبا، لأن تعليق كلامه بالمشيئة يخرجه عن أن يكون خبرا قاطعا، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.

стр. 1250

- ومنها أن من تعرض للخطأ والنسيان فأخطأه التوفيق والتسديد، عليه أن يتدارك ما فاته بالتماس الهداية من ربه من جديد، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾، أي عسى أن يهديني لشيء آخر أنفع وأقوم من الأول. - ومنها أن من تحمل مسؤولية الدعوة إلى الله يجب عليه أن لا يتخلى عنها، وأن يواصلها دون انقطاع، وأن يؤثر بها من عندهم حرص كبير على تلقينها، واستعداد خاص لقبولها، وأن يسقط من حسابه في هذا المجال الاعتبارات الجانبية والمظاهر المادية، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أي ملجأ آخر تلجأ إليه ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وخُتِمت آيات هذا الربع بالدعوة إلى وجوب الثبات على الحق والتمسك به دون هوادة ولا لين، في وجه الغافلين والمتنطعين، وأتباع الأهواء الظالمين، فقال تعالى خطابا لنبيه، وعن طريقه لجميع ورثته وحملة الدعوة الإسلامية من بعده: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ أي مجاوزا للحق ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾.

стр. 1251

الربع الثالث من الحزب الثلاثين في المصحف الكريم (ق) ــ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ

стр. 1252

خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى

стр. 1253

رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)

стр. 1254

الربع الثالث من الحزب الثلاثين في المصحف الكريم (ت) عباد الله حصة هذا اليوم نتناول الربع الثالث من الحزب الثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. ــ في الربع الماضي أوصى كتاب الله رسوله وورثته من حملة الدعوة الإسلامية بأن يؤثروا بعنايتهم من عندهم حرص على تلقي الدعوة، واستعداد لقبولها، وأن لا يعيروا أي اهتمام للاعتبارات الجانبية والمظاهر المادية، إذ قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وانسياقا مع نفس المبدأ، وسيرا في نفس الاتجاه جاء في حصة هذا اليوم قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الآيات: ٣٢، ٣٣، ٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٧، ٣٨، ٣٩، ٤٠، ٤١، ٤٢، ٤٣، ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الآية: ٤٥]. - أما المثل الأول الذي جاء في هذا الربع فقد تضمنت

стр. 1255

آياته البينات محاورة بين رجلين، أحدهما مؤمن بالله وباليوم الآخر، شاكر لأنعمه، قانع بما أعطاه مولاه، وثانيهما متمرد على الله، كافر بأنعمه وباليوم الآخر، لا حد لمطامعه وما يتمناه، وكل منهما ينطق لسانه في هذه المحاورة بما يوضح اتجاهه ومنحاه. والظاهر من سياق هذه الآيات وما بين السطور أن الرجلين كان يملك كل منهما مزرعة منسقة من المزارع الفيحاء، ذات الحدائق الغناء، التي يضرب بها المثل، في المياه الجارية، والأشجار الباسقة، والثمار الشهية، ثم اضطر أحدهما للتخلي عن مزرعته، فباعها للآخر، بغية الوفاء بالتزامات كانت في ذمته، وهكذا آلت إحدى المزرعتين إلى الثاني، فأصبحت المزرعتان معا " جنة واحدة " في ملكه، بينما الآخر أصبح لا يملك شيئا ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾، غير أن الثاني الذي اتسعت دائرة ملكه زاده ذلك طغيانا وعدوانا، فأخذ يتبجح على رفيقه بسعة المال وكثرة الولد، واطمأن إلى أن مزرعته الكبرى أصبحت في مأمن من جميع الجوائح، وأعلن شكه في قيام الساعة نفسها، ثم عقب على شكه بأنه حتى على فرض قيام الساعة سيكون محظوظا في الآخرة كما هو محظوظ في الدنيا، كأنه مفروض على الله أن يملي له باستمرار، ناسيا قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾، وإلى هذا الموقف يشير

стр. 1256

قوله تعالى حكاية عنه: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾، وحيث إن هذا الشخص وأمثاله من الكافرين بنعمة الله، والمكذبين بلقائه، لا ينتظر أن يكون له نصيب في " جنة الخلد " قال كتاب الله في شأنه " ودخل جنته "، أي دخل جنته التي في دنياه، إشارة إلى أن المزرعة الكبرى التي يتبجح بها ويتكبر هي جنته الأولى والأخيرة ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]. لكن صاحبه لم يلبث أن رد عليه قوله، مستنكرا ما فاه به من عبارات كلها كفر بالله، وتطاول على الله، واعتماد كلي على المال والولد، مذكرا إياه بقدرة الله التي يسرت له أسباب الرخاء والازدهار، وبقوة الله التي بيدها تصريف مجاري الأقدار، بحيث لا يصعب عليها تحويل الموقع الخصب إلى موقع جدب، ولا تحويل مجرى الماء عن المكان الذي فيه الزرع، إلى مكان سحيق لا زرع فيه ولا نبات، فتنقلب المزرعة الفيحاء إلى أرض بلقع هي عبارة عن خلاء وعراء، وإلى هذا الجواب الذي يعتبر في مثل هذا الباب، هو فصل الخطاب، يشير قوله تعالى هنا: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أي لكن أنا لا أقول بمقالتك، بل أعترف بأنه هو الله ربي ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ

стр. 1257

تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي صاعقة أو عذابا من السماء ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أي أرضا ملساء لا ينبت فيها نبات، ولا يثبت عليها قدم ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ أي غائرا وغائبا في أعماق الأرض ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أي لن تستطيع الحصول عليه ولا على غيره بدلا منه، لأن الماء " الغائر " يطلب أسفل الأرض، على عكس الماء " المعين " الذي يطلب وجه الأرض. وقوله تعالى هنا ﴿لكنا هو الله ربي﴾ قال أبو عبيد: الأصل لكن أنا، فحذفت الألف، فالتقت نونان، فجاء التشديد لذلك، وفي قراءة أبي ﴿لَّكِن أَنَا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾. ومضت الآيات الكريمة في استعراض ما آل إليه أمر المزرعتين، مبينة أن ما توقعه الرجل المؤمن لهما، وما تنبأ به لصاحبهما عن مصيرهما -نظرا لكفره وعدم شكره، وغروره وكبره- لم يلبث أن أصبح هو الأمر الواقع، الذي ليس له من دافع، إذ المؤمن ينظر بنور الله، وحينئذ ندم صاحبهما على كفره دون أن ينفعه الندم، وذاق من مرارة الخيبة والإفلاس أشد الألم، وإلى هذه الحالة يشير قوله تعالى في إيجاز وإعجاز: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ أي هلك كل ما كان في مزرعته من الثمار، يقال: أحاط به العدو إذا أهلكه ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أي يضرب إحداهما على الأخرى ندما وتحسرا ﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ أي من مال وجهد ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي

стр. 1258

أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي لم يجد من يدفع عنه عذاب الله، ولم ينفعه ما كان يفتخر به على صاحبه من المال والولد ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾. وفي أعقاب هذه المحاورة وما تضمنته من مواقف تدعو إلى التأمل والاعتبار أكد كتاب الله أن الملجأ الوحيد الذي ينبغي الالتجاء إليه، والركن الركين الذي ينبغي الاعتماد عليه، في السراء والضراء، والشدة والرخاء، والدنيا والآخرة، هو الحق ، فهو ولي من والاه، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، فقال تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ فعاقبة من آمن به وتوكل عليه عاقبة خير ونصر ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]. و " الولاية " بالفتح النصرة والتولي، وبالكسر الحكم والملك، وقال أبو عبيد: " الولاية بفتح الواو للخالق، وبكسرها للمخلوق " وكلمة ﴿الْحَقِّ﴾ هنا بخفض القاف نعت لله ، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢]. - وأما المثل الثاني الذي ورد في هذا الربع فهو يتضمن تشبيه حال الدنيا في نضارتها وبهجتها وما يعتورها من هلاك وفناء -بالنسبة لحياة كل فرد في حد ذاته، وبالنسبة لحياة النوع البشري على العموم- بحال النبات الذي يستمد غذاءه من الماء، فينمو ويترعرع، ويصبح أخضر يانعا تعلوه الأزهار، وتزينه الثمار، ثم يميل نجمه إلى الأفول، ويحل به اليبس والذبول، وهذا

стр. 1259

المعنى هو الذي يتضمنه قوله تعالى هنا: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾ أي يابسا ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ أي تنسفه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ أي مقتدرا على الخلق والإنشاء، كما هو مقتدر على الإبادة والإفناء، والقصد من ضرب هذا المثل هو الحض على العمل الصالح الذي ينفع في الدارين معا. وإزالة لكل لبس فيما يخص موقف الإسلام من الاستمتاع بالطيبات، وتناول ما هو مشروع من الملذات، عقب كتاب الله على هذا المثل مباشرة، فقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ على غرار قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [الآية: ١٤]. وبذلك أكد الإسلام قيمة المال والولد بالنسبة لحياة الأفراد، وما ينال حياتهم من كمال بوجودهما، ومن نقص بفقدهما، منبها في نفس الوقت إلى أن اهتمام الأفراد يجب أن يتجه إلى الجانب الأنفع والأدوم والأبقى من الاثنين، كإيقاف الصدقة الجارية التي لا ينقطع نفعها بعد الموت، وكتربية الولد الصالح الذي يواصل سيرة والده الصالحة، فيجلب له الدعاء والثناء، بحيث لا يقتصر من آتاه الله المال والولد على الانتفاع بهما انتفاعا أنانيا وشخصيا

стр. 1260

محدودا، خاليا من نفع الغير، ناسيا حقوق الله وحقوق الخلق، وقد قال ﵇: (نعم المال الصالح للرجل الصالح). فالمذموم إذن ليس هو كسب المال ولا إنجاب الولد، وإنما هو تسخيرهما لما ليس فيه رضا الله، ولما لا منفعة فيه لعيال الله، قال القرطبي في تفسيره: " وإنما كان المال والبنون زينة الحياة الدنيا، لأن في المال جمالا ونفعا، وفي البنين قوة ودفعا، فصارا زينة الحياة الدنيا ". أما ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ فمن جملة ما روى في تفسيرهما قول ابن عباس ﵁: " أنها كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة "، وإلى مثل هذا القول ذهب عبد الرحمان بن زيد بن أسلم إذ قال: " هي الأعمال الصالحة كلها "، واختاره ابن جرير الطبري، وقال القرطبي: " إنه هو الصحيح إن شاء الله، لأن كل ما بقي ثوابه جاز أن يقال له هذا ". وهكذا تندرج في " الباقيات الصالحات " وتكون جزءا منها نفس الصلوات الخمس، والأذكار المأثور فضلها، وهي " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " مما خرجه مالك في الموطأ والنسائي والترمذي وابن ماجة في السنن، ويشهد لتفسير (الباقيات الصالحات) بالمعنى العام الذي أوردناه قوله ﷺ فيما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به، أو صدقة جارية)، فهذه الأمور الثلاثة كلها بمقتضى الحديث الشريف " صالحات باقيات " لأنها أعمال خير تبقى ثمرتها

стр. 1261

للإنسان، ولا تنقطع بالموت، ويصدق عليها أنها (خير ثوابا وخير أملا)، وقد أعاد كتاب الله الحديث عن الباقيات الصالحات في سورة مريم، فقال تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [الآية: ٧٦]. وكما أنهى كتاب الله الربع الماضي بوصف الجزاء الذي يلقاه الكافرون في جهنم إذ قال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ وختمه بقوله ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ خصص بداية هذا الربع لوصف الجزاء الذي يلقاه المؤمنون في الجنة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾، وختم وصف جزائهم بقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾. وفي نهاية هذا الربع ركز كتاب الله الحديث حول قيام الساعة وما يرافقها من أهوال وأحوال، بما فيها النشر والحشر والعرض والحساب، فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ أي قاعا صفصفا وسطحا مستويا، فلا بنيان ولا شجر، ولا جبل ولا وادي، وإنما هو الانقلاب الشامل، ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ أي قبل تسيير الجبال، ليشاهدوا تلك الأهوال ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ أي يعرضون صفا وراء صف، دون اختلاط ولا اختلال، أمة تتلوها أمة، وزمرة تتلوها زمرة، كما فسر ذلك مقاتل، فمن أعلن أنه من أهل الخير كان سروره بمعرفة الناس بحاله أعظم، لوقوف الخلائق على حقيقة أمره، ومن أعلن أنه من أهل الشر كان غمه بمعرفة الناس

стр. 1262

بحاله أعظم، لوقوف الخلائق على جلية سره، ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ أي قلنا لهم ذلك ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي فرادى عراة حفاة لا مال معكم ولا ولد، على غرار قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الآية: ٩٤]، وقوله تعالى في سورة مريم: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [الآية: ٩٥]. وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ قال: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا) أي غير مختونين. وقوله تعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ هذا خطاب لمنكري البعث من المشركين والملحدين ومن على شاكلتهم. وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ المراد " بالكتاب " كتاب الأعمال وسجل الحساب الخاص بها، والمراد " بالإشفاق " الفزع والجزع الذي يصيب المجرمين من جراء الجرائم المسجلة عليهم ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ أي من المعاصي ﴿إِلَّا أَحْصَاهَا﴾، وهذه الآية دليل على أن المرء يؤاخذ بالصغائر والكبائر، الصغائر إذا أصر عليها، والكبائر إذا لم يتب منها. وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ أي وجدوا إحصاء ما عملوا وجزاءه حاضرا، على غرار قوله تعالى في سورة

стр. 1263

آل عمران: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ أي لا يعذب أحدا بغير جرم، ولا يؤاخذ أحدا بجرم آخر، كما أنه سبحانه لا ينقص طائعا من ثوابه، ولا يزيد عاصيا في عقابه، وبمثل هذا المعنى ورد قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].

стр. 1264

الربع الأخير من الحزب الثلاثين في المصحف الكريم (ق) ــ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ

стр. 1265

سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا
следующие страницы →