← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وختم هذا الربع بالإشارة إلى ما ميز الله به أمة التوحيد من اسم " الإسلام والمسلمين "، ووصفها واشتهارها بهذا الاسم الشريف على مر الأعوام والسنين، والإشارة إلى ما ادخر الله لها من " الشهادة " على العالمين، والتركيز على ما يضمن لها البقاء والنصر في كل حين، فقال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾.

стр. 1472

الربع الأول من الحزب الخامس والثلاثين في المصحف الكريم (ق) ــ ٢٣ - سورة المؤمنون مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ

стр. 1473

بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ

стр. 1474

الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨)

стр. 1475

الربع الأول من الحزب الخامس والثلاثين في المصحف الكريم (ت) عباد الله ابتداء من هذه الحصة نشرع بعون الله وتوفيقه في تفسير السورة الكريمة التي ذكر فيها (المومنون) بالصفات التي تلازمهم، والسمات التي تميزهم، حتى سميت باسمهم، ونسبت إليهم، وهذه السورة تستغرق ثلاثة أرباع الحزب الخامس والثلاثين في المصحف الكريم، وحصة اليوم تقتصر على الربع الأول من هذا الحزب، ابتداء من قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾. ــ هذه السورة مكية بلا خلاف، ومحور الحديث فيها من أولها إلى آخرها يدور على الإيمان والمؤمنين، فقد تناول فيها كتاب الله بالعرض والتحليل حقيقة الإيمان في الربع الأول والربع الثالث، وتناول بالذكر والثناء الجميل صفات المؤمنين في الربع الأول والربع الثاني، وتناول بالشرح والتمثيل دلائل الإيمان القاطعة وحججه الساطعة في الربع الأول والربع الثالث، وتناول بالإبطال والتزييف شبهات المكذبين، وما يتعرضون له من الخزي والتعنيف يوم الدين في الربع الأول والربع الثاني والربع الثالث، وتخلل ذلك كله وصف الدعوة الإيمانية التي حملها الرسل الكرام إلى

стр. 1476

البشر جيلا بعد جيل، وما بذلوه من تضحيات في هذا السبيل، وما واجههم به أعداء الرسالات الإلهية من تكذيب وتضليل. ومما يستلفت النظر ما يوجد من تناسب عجيب بين خاتمة سورة الحج السابقة وفاتحة المؤمنين اللاحقة، فقد تحدث كتاب الله في الآيات الأخيرة من سورة الحج عن عبادة المؤمنين، مشيرا إلى ما ينبغي أن تتعلق به قلوبهم، وتنطوي عليه جوانحهم، من رجاء عظيم في الله، ورغبة صادقة في الفلاح والفوز برضاه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الآية: ٧٧]. ولما نزلت سورة المؤمنين جاءت في صيغة الخبر المفيد للوقوع، الملائم لما سبقه من توقع، إشارة إلى أن الله تعالى تكفل بتحقيق رجائهم، واستجاب لدعائهم، فقال تعالى في طليعة هذه السورة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. وكما لفت كتاب الله النظر هنا في البداية إلى ما خص به المؤمنين من الفوز والفلاح فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، لفت النظر في النهاية إلى المصير السيء الذي ينتظر الكافرين من الخسران المبين، فقال تعالى في الآية الأخيرة من هذه السورة: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. وأبرز كتاب الله في الآيات العشر الأوائل من هذه السورة ما يثمره الإيمان بالله واليوم الآخر في نفوس المؤمنين من جميل الخصال وكريم الصفات، وما يتحلون به في سلوكهم الخاص وسلوكهم العام من المزايا والمميزات:

стр. 1477

- فعبر عن العلامة الأولى التي تميز المؤمنين المفلحين بقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، إشارة إلى أنهم لا يكتفون في صلاتهم باستيفاء شروطها الظاهرة، بل يدركون تمام الإدراك أن المصلي الذي يناجي ربه لا يمكن أن يدرك لذة المناجاة وسرها وهو مشغول الفكر بنفسه، غافل عن ربه في الوقت الذي يناجيه، فلا بد من أن يقبل على الصلاة وهو متفرغ لها من جميع الشواغل، وبذلك يتمكن من خشوع قلبه وحضوره مع الله، واستحضار جلاله وعظمته عند عبادته، ومراعاة منتهى الأدب اللازم للوقوف في حضرته، ومتى خشع قلبه خشعت جوارحه، ودخلت صلاته في عداد الأعمال الصالحة المقبولة عند الله، وإلا كانت صلاته شبحا بدون روح، وحركة مجردة بدون هدف، مع أن المصلي ليس له من صلاته إلا ما عقل ووعى ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥، ٤٦] ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. - ووصف كتاب العلامة الثانية التي تميز المؤمنين المفلحين فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ إشارة إلى أنهم لا يشغلون أنفسهم بالسفاسف، فليس عندهم من الوقت ما يضيعونه في اللغو والهزل والعبث، بما في ذلك الأقوال الفارغة، والآراء العقيمة، والأعمال الطائشة التي لا جدوى من ورائها ولا نفع، وإنما يكرسون جهودهم وطاقاتهم لتحقيق الأهداف السامية التي أناطها بهم دينهم الحنيف، حتى يكتب لملتهم الظهور

стр. 1478

والانتشار، ولأمتهم الفوز والانتصار، وللإنسانية جمعاء التقدم والازدهار، ففي تلك الأهداف الكبرى ما يستنفد منهم الطاقات، ويملأ معظم الأوقات، ويجعلهم أهلا لتحقيق المعجزات. وبديهي أن إعراضهم عن اللغو يستلزم تركه أولا، وعدم الرضا به ثانيا، وتفادي مخالطة أهله أو مشاركتهم فيه ثالثا، مصداقا لقوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الآية: ٧٢]، وقوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [الآية: ٥٥]. قال الإمام القشيري في كتابه (لطائف الإشارات): " ما ليس لله فهو حشو، وما يشغل عن الله فهو سهو، وما ليس بمسموع من الله، أو بمعقول مع الله، فهو لغو ". - ووصف كتاب الله العلامة الثالثة التي تميز المؤمنين المفلحين فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾، إشارة إلى أنهم لا يعرفون الشح والبخل، ولا يتأخرون عن إسعاف المحتاجين من إخوتهم في الدين أو إخوتهم في الإنسانية، بل يجودون بالموجود على كل محتاج في هذا الوجود، إيمانا منهم بأن المال مال الله، وأن أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، وهذا المعنى يؤكده قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. وكلمة " الزكاة " هنا واردة بمعناها الشرعي المفهوم في الإسلام، وهو الحق الواجب في المال بمختلف أنواعه، فقد كانت من الفرائض الأولى التي شرع أصلها

стр. 1479

بمكة ونزل بها الوحي في السور المكية، كما في هذه السورة وسورة الأنعام المكية أيضا، إذ قال تعالى في شأن الزكاة: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الآية: ١٤١]. لكن إخراجها في العهد المكي كان موكولا إلى إيمان المومن وضميره الحي كيف شاء وبأي قدر شاء، فلما نزلت الآية المدنية، وقامت الدولة الإسلامية، وقع تحديد مقاديرها وأنصبتها وشروطها والجهات التي تصرف إليها في السنة الثانية من الهجرة، وأصبحت موردا من الموارد العامة لبيت مال المسلمين، وحقا ثابتا للمعسرين في ذمة الموسرين. - ووصف كتاب الله العلامة الرابعة التي تميز المؤمنين المفلحين فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾، إشارة إلى تمسكهم بالعفة التامة في المخالطة الجنسية، وإمساكهم عن كل ما لم بأذن به الله من إباحية وانحراف وشذوذ، واقتصارهم على التمتع الحلال بالحياة الزوجية المشروعة، ابتغاء نسل صالح يقوم في الأرض بالخلافة عن الله، ويحقق حكمة الله، وعطف كتاب الله على لفظ (الأزواج) المتضمن للحياة الزوجية، التي هي الأصل الأصيل لبناء الأسرة في الإسلام، كلمة (ملك اليمين)، إشارة إلى الظروف الطارئة التي يشتبك فيها المسلمون في حرب مع أعدائهم، ويعامل أولئك الأعداء أسارى المسلمين الذين يقعون في أيديهم معاملة الأرقاء، فيمتلكونهم ولا يطلقون سراحهم، ولا يقبلون فداءهم، فيضطر المسلمون إلى معاملتهم بالمثل عندما يقع في أيديهم أسارى

стр. 1480

وسبايا من أولئك الأعداء غير المسلمين، ويحتفظون بهم باسم (ملك اليمين) مقابل ما يحتفظ به أعداؤهم من أسارى المسلمين، وهكذا إذا وقعت امرأة " حربية " في سهم أحد غزاة المسلمين أثناء الحرب وفي مثل هذه الظروف، فإن مخالطتها الجنسية تصبح حلالا له بعد استبرائها والتأكد من انها غير حامل، ولا يكون عليه ولا عليها حرج ولا إثم من العلاقة التي تقوم بينهما، باعتبارها رخصة مسموحا بها عند قيام أسبابها ومبرراتها الشرعية: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. أم إذا قبل أعداء المسلمين الذين يحاربونهم إطلاق سراح أسراهم أو فداءهم بالمثل أو بالمال فلا تبقى ضرورة لملك اليمين، قال تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]. ونظرا إلى ما عرف به الإسلام من العمل على تحرير الرقاب من الرق كلما وجد إلى ذلك سبيلا، واعتبار تحريرها من أعظم القربات والكفارت التي يغفر الله بها ذنوب عباده، وما دعا إليه من معاملة الأرقاء بمنتهى الرفق والإحسان في انتظار تحريرهم، فقد اختار للدلالة على الحالة التي وصفناها لفظ (ملك اليمين)، أي ملك اليد اليمنى، إشارة إلى ما يلزم عند مواجهة هذه الحالة الاستثنائية من المروءة والنبل والكرم، لأن اليد اليمنى مخصوصة بكثير من المحاسن، فبها تقع البيعة عند مبايعة الخلفاء، وبها يعقد العهد عند معاهدة الأصدقاء، وبها يتلقى الأبطال رايات المجد في ساحات الشرف، وبها ينفق الكرماء دون خوف من الإقلال والتلف، كما قال ﵇: " حتى لا تعلم

стр. 1481

شماله ما تنفق يمينه "، لشرف اليمين أطلق على القسم بالله اسم (اليمين)، فهذا هو السر في تخصيص هذا النوع من الملك باسم (ملك اليمين). وتحذيرا للمؤمنين من التهالك على الشهوات دون حساب، وتعريفا لهم بأن من جاوز الاستمتاع بالحلال إلى غيره فقد بالغ في العدوان وتعدى حدود الله، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. - ووصف كتاب الله العلامة الخامسة التي تميز المؤمنين المفلحين فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾، إشارة إلى أخص خصائصهم وألزم التزاماتهم وأبرز صفاتهم، ألا وهي حفظ الأمانة والوفاء بالعهد، ويندرج في الأمانة والعهد كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه، اعتقادا وقولا وفعلا، كيفما كانت درجته وأهميته، وتتناول الأمانة كل ما يكون تركه والتفريط فيه داخلا في نطاق الخيانة، مصدقا لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]، مثال ذلك عقيدة التوحيد والعبادات، فالتوحيد أمانة عند الشخص، وأمره خفي في القلب لا يعلمه إلا الله، والعبادات أمانة عند الشخص، لأن منها ما يخفى أمره على الناس بالمرة، هل وقع أم لم يقع، كالوضوء والغسل والصوم، ومنها ما تخفى كيفية الإتيان به هل وقع على الوجه المطلوب أم لا (أعظم الناس خيانة من لم يتم صلاته). ومثال ذلك الودائع التي تودع عند الغير دون أن يطلع عليها أحد سواه، والأقوال التي ينطق بها الرجل في غيبة أهله فتؤدي إلى

стр. 1482

تحريم أهله عليه، فلا يجوز إنكار الأولى ولا كتمان الثانية. أما العهد الصادر من الله إلى خلقه فهو إعلامهم بما ألزمهم به، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥]. وأما العهد الصادر من الإنسان فهو ما ربطه المرء على نفسه نحو ربه، بمقتضى إقراره بالشهادتين أولا، ثم بمقتضى ما يلتزمه من القربات غير المفروضة بين الحين والحين ابتغاء مرضاة الله، ومن هذا النوع الأيمان والنذور، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]، وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]. ويدخل في العهد ما التزم به الإنسان نحو غيره من الناس مثل الأوفاق والعقود، يقال " تعاهد القوم " أي أعلن بعضهم لبعض ما التزمه وارتبط به معه، ويصدق عليه قوله ﵊: " المومنون عند شروطهم "، بمعنى ان حقيقة إيمانهم تظهر عند الوفاء بشروطهم، فالعهد يعتبر أمانة أيضا فيما وقع فيه، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]. وهذا المعنى هو الذي تضمنه قوله هنا: ﴿رَاعُونَ﴾ من " الرعاية " بمعنى تولي الشيء وحفظه من الخلل، وصيانته من الضياع، ومنه الراعي بالنسبة للرعية، والمراد " أن كل ما كان مخفيا لا يطلع عليه الناس، فأخفاه أحقه بالحفظ، وأخفاه ألزمه بالرعاية وأولاه "، كما نص على ذلك القاضي أبو بكر (ابن العربي). - ووصف كتاب الله العلامة السادسة التي تميز المؤمنين

стр. 1483

المفلحين فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ إشارة إلى انهم يعتبرون الصلاة عماد الدين، والصلة الوحيدة التي لا ينبغي أن تقطع بينهم وبين الله أبدا، فهم لا يقيمون الصلاة حينا ويهملونها أحيانا، وهم لا تصادفهم أوقات الصلاة في غفلة وعلى غير استعداد، بل لا يتصورون ثبوت حقيقة التدين والإيمان إلا بملازمة الصلوات الخمس في أوقاتها، والتزام القيام بها عن شوق وطواعية ورضا، كيفما كانت الظروف والأحوال، وإن كانت كيفية أدائها تختلف في حالة المرض عن حالة الصحة، وفي حالة السفر عن حالة الإقامة، تخفيفا من الله ورحمة، وإن كان تأخيرها عن وقتها لعذر شرعي طارئ، أمرا لا مؤاخذة فيه ولا لوم. ولأمر ما أبرز كتاب الله في هذا السياق أثر الصلاة في حياة المؤمنين المفلحين مرتين، فجعل الخشوع فيها صفتهم الأولى في البداية، وجعل المحافظة عليها دون انقطاع، صفتهم الأخيرة في النهاية، مما يدل على أن بقية الصفات الأخرى لا توتي أكلها ولا تتحقق على الوجه الأكمل إلا إذا كانت الصلاة لها بدءا وختاما، قال ﵊: " استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة " الحديث. وبعد ما وصف كتاب الله معالم الإيمان البارزة، وما يتحلى به المومنون المفلحون من الخصائص والعلامات، نقل إليهم أفضل بشرى، لتكون لهم نعم الحافز ونعم الذكرى، فقال مشيرا إلى الجامعين لهذه الأوصاف منوها بمقامهم، ومبشرا بالحصول على مرامهم، تأكيدا لفوزهم وفلاحهم، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ *

стр. 1484

الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ مصدقا لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣]، قال ﵊: " إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس " رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما. وتثبيتا لهذه المعاني والصفات في نفوس المؤمنين تولى كتاب الله ذكرها مع ما يوضحها ويفسرها في سورة المعارج المكية أيضا، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [من الآية ١٩ إلى الآية ٣٥]. وقد سلك كتاب الله في آيات المعارج هذه نفس المسلك الذي سلكه في العشر الأول من سورة المؤمنين، فكان ذكر الصلاة فيها هو البداية، وكان ذكر الصلاة فيها هو النهاية. وتناول كتاب الله في بقية الآيات جزءا من دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق، ابتداء من قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ

стр. 1485

تُحْمَلُونَ﴾،ثم عقب على ذلك بقصة نوح مع قومه، وما واجهوا به دعوته من الشبهات والأباطيل، وما انتهى إليه أمرهم من الهلاك بالطوفان، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إلى قوله تعالى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾. وخَتَم الله هذا الربع بالحديث عن رسول آخر أرسله الله بعد نوح إلى قوم آخرين، وتذكر أكثر التفاسير أن المراد به هود وقومه عاد، فوصف دعوته لهم، وحكى ما قابلوا به دعوته إلى الإيمان بالله واليوم الآخر من التكذيب والتشهير والشك، ابتداء من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ إلى قولهم فيما حكاه كتاب الله عنهم ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ مما يدل على أن شبهات أعداء الإيمان وخصوم الرسالة الإلهية متشابهة في كل الأجيال، ما دام أساسها الوحيد هو صنع الخيال ووحي الخبال ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢].

стр. 1486

الربع الثاني من الحزب الخامس والثلاثين في المصحف الكريم (ق) ــ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤) ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ

стр. 1487

وَمَعِينٍ (٥٠) يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١) وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ

стр. 1488

مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)

стр. 1489

الربع الثاني من الحزب الخامس والثلاثين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثاني من الحزب الخامس والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. ــ بعد أن حدد كتاب الله في الربع الماضي معالم الإيمان البارزة، وصفات المؤمنين التي تؤهلهم للفلاح والفوز الأكبر، وعرض جملة من الدلائل على وجود الله ووحدانيته وربوبيته مما تنطق به الأنفس والآفاق (ففي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد) شرع يقص على خاتم أنبيائه ورسله، وعلى أمة الدعوة التي أرسل إليها من كافة البشر قصة الرسالات الإلهية المتوالية، فبين أن القاسم المشترك بين جميع الرسل كان دائما هو الدعوة إلى عبادة الله وحده، ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، وأن القاسم المشترك بين أعداء الرسل. كان دائما هو الطعن في رسالتهم، بكونهم بشرا وليسوا بملائكة، وبكون الدعوة التي جاؤوهم بها غريبة، ولم يسمعوا بها من آبائهم الأولين، وان الرسل ليسوا في زعمهم إلا عبارة عن مجانين

стр. 1490

ومفترين، وان النشأة الآخرة والبعث الذي تثبته الرسالات الإلهية مجرد تخويف وتهويل، ومن قبيل المستحيل: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ - ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾. وكما قال الملأ الذين كفروا عن نوح: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾، قال الملأ الذي كفروا عن هود أيضا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ * أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾. وكذلك كان موقف فرعون وملائه من موسى وأخيه هارون ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ * فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ * فَكَذَّبُوهُمَا﴾. وبعد أن ذكر كتاب الله بقصة نوح وهود من أوائل الرسل، في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الآية: ٢٣] وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ * فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الآيتان: ٣١، ٣٢]، وأتبعهما بقصة موسى وعيسى من أواخرهم، قبل إرسال خاتم النبيين والمرسلين، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾

стр. 1491

أكد كتاب الله بشكل قاطع وصريح وحده الرسالة الإلهية، ووحدة الرسل الذين جاؤوا بها، تبعا لوحدة مصدرها وهو الله الواحد الأحد، الذي أوحى بها إليهم جميعا، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾. ونبه كتاب الله في نفس الوقت، للقضاء على كل التباس في هذا الصدد، إلى أن الخلافات الدينية التي برزت في صفوف المنتسبين إلى الدين، وجعلتهم منقسمين على أنفسهم طوائف وشيعا بعد فترة من الرسل فاتخذوا من دين الحق الواحد أديانا مختلفة لا علاقة لها بالرسالة الإلهية الأصلية، والعقيدة الإيمانية الأساسية، التي هي واحدة ووحيدة، وإنما هي من صنع أيدي أولئك الأتباع الذين حرفوها عن مواضعها، وأولوها على غير وجهها. وبين كتاب الله العناية الإلهية كانت تقف دائما إلى جانب الأنبياء والرسل، فتنصرهم على أعدائهم في النهاية، وإن كانوا يتحملون منهم أكبر الأذى في البداية، فهذا نوح يلجأ إلى الله بعد نفاد صبره داعيا ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ فينصره الله قائلا: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾، وهذا هود يلجأ إلى الله بدوره قائلا: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ فينصره الله قائلا: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾، وهذا ود يلجأ إلى الله بدوره قائلا: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ فلا يلبث أن يأتيه الجواب من عند الله: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وفي موقف فرعون وملائه من موسى وهارون قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾. وهكذا الأمر

стр. 1492

لجميع من كذبوا الرسل في مختلف العصور والأجيال، ممن رفضوا الهداية الإلهية وأصروا على الضلال ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقد عبر كتاب الله في آية أخرى عن هذه العناية الإلهية التي يرعى بها رسله على الدوام، إذ قال بإيجاز وإعجاز: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢٠، ٢١]. وكشف كتاب الله الستار عن السر في عناد أعداء الله الذين لا يومنون بالله ورسله، مشيرا إلى أن الفئة التي تتزعم الكفر والضلال، ضد الإيمان والهدى، في كل جيل، هي من ذلك النوع المترف المتكبر المغرور، الذي نال من الثروة وسعة الرزق، ومن النفوذ والسلطان، ما يجعله يتكبر ويتطاول على الخلق، ولا يجيب داعي الحق، يدل على ذلك قوله تعالى في الربع الماضي في وصف " الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة ": ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وقوله تعالى في هذا الربع: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ وقوله تعالى في آية أخرى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ: ٣٤]. وفضح كتاب الله ما تقوم به هذه الفئة الضالة، من سخرية واسهزاء بآيات الله البينات، وما تتندر به في المجالس سمرها عن الرسول والرسالات، فقال تعالى في هذا الربع مخاطبا لها وموبخا: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾، وقد سجل كتاب الله

стр. 1493

في آية أخرى مسؤولية هذا الصنف من أعداء الحق في تضليل الخلق، فقال: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٧، ٦٨]، ويلحق " بالترف الفكري " عند أولئك السوفسطائيين الحائرين المتشككين، الذين يتهبون من معرفة الحق والتزامه، ويتصدون لمحاربته والنيل من مقامه، ويلقون بكثير من ضحاياهم في المتاهات والمهامه. وبعد أن تحدث كتاب الله عما يقوم به المترفون المتكبرون من عرقلة الدعوة إلى الله، والوقوف في وجهها بشتى وسائل التضليل والتدجيل، عقب على ذلك بما يثبت سوء تقديرهم، والخطأ البالغ في حسابهم، مبينا أن إمهالهم لا يعني إهمالهم، لكن أحكم الحاكمين لا يصدر آخر قرار، إلا بعد الإعذار والإنذار، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ على غرار قوله تعالى في سورة الأعراف [الآية: ١٨٣] وسورة القلم [الآية: ٤٥]: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾، وقوله تعالى في سورة الحجر: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الآية: ٣]. وصرح كتاب الله بما ينتظرهم من عذاب أليم في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾. ويؤكد هذا

стр. 1494

المعنى في صيغة كلها إنذار وتهديد قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الآية: ١٦] أي أمرناهم بالتقوى والصلاح، فضلوا وأضلوا، وكانوا سببا لا في هلاك أنفسهم خاصة، بل في هلاكهم وهلاك قومهم عامة. ثم أنحى كتاب الله باللائمة على أعداء الرسل وخصوم الرسالات الإلهية، مشيرا إلى أن دين الحق الذي دعا إليه كافة الرسل يلتقي مع الفطرة االسليمة في كل شيء، وأنه لا كلفة في فهمه واستيعابه والاقتناع به، بل هو في غاية السهولة واليسر نظريا وعمليا، وأن كتاب الله الذي هو أساس هذا الدين لا ينطق إلا بالحق والصدق ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]. ولن يكون الجزاء الذي يترتب على الإيمان به أو الكفر إلا جزاء عادلا، ولو تدبروا كتاب الله وتأملوا معانيه حق التأمل لتنازلوا عن الكفر والكبر والعناد، ولسخروا طاقاتهم للصلاح بدلا من الفساد، وإلى هذا المعنى يشير قول الله تعالى هنا: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، ثم قوله تعالى في نفس السياق ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾، وقوله تعالى أيضا: ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾. وكما كشف الله الستار عن الصفات المستهجنة، التي تميز

стр. 1495

أعداء الرسالة الإلهية، من الكافرين والمشركين، ومن حذا حذوهم في جميع العصور، ووصف مواقفهم، وفضح أسرارهم في هذا الربع، عاد مرة أخرى إلى الحديث عن الصفات المستحسنة، التي تميز المؤمنين المفلحين عن غيرهم من الناس، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. واهتم كتاب الله في نفس الموضوع بإبطال حجة واهية طالما تذرع بها أعداء الرسالة الإلهية، وهي طعنهم كلما جاءهم رسول من عند الله بأنه من جنس البشر، وليس من جنس الملائكة، ناسين أو متناسين أن الإنسان هو وحده الذي تحمل الأمانة عندما عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها من بين كافة المخلوقات، وأن الرسالة الإلهية التي هي أجل الأمانات لا يمكن أن يبلغها إلى الناس إلا واحد منهم، وأن الله تعالى عندما يبعث إلى الناس بشرا رسولا إنما يسدي إليهم أكبر النعم، ويمن عليهم بأعظم المنن، حيث يرسل إليهم من أنفسهم من يكلمهم بلسانهم، ويتعرف على أحوالهم، ويصف العلاج الناجع لأدوائهم، ويمارس معهم شعائر الدين الذي جاء به من عند الله كواحد منهم وإمام لهم، ولو كان سكان الأرض من الملائكة لبعث الله إليهم رسولا منهم ليسهل الوفاق والوئام، ويتحقق التجانس التام، على حد قوله تعالى في سورة الإسراء:

стр. 1496

﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الآية: ٩٥]، وقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الآية: ٩]. فكون الرسل الذين أرسلهم الله إلى البشر يجمعون بين البشرية والرسالة معجزة من أعظم معجزاتهم، ودليل كم أكبر الدلائل على صدقهم، ولذلك وجه إليهم الحق أمره بممارسة حياتهم البشرية العادية، إلى جانب قيامهم بتبليغ الرسالة الإلهية، إذ لا تعارض بينهما ولا تناقض، فقال تعالى في هذا الربع إشارة إلى الشق الأول والشق الثاني ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. وغيرة من الله على حرمه رسله، وحفاظا على كرامتهم حتى لا يوصموا بالطمع والاستغلال، وحتى لا يحصل لأقوامهم أي شيء من الملل والاستثقال، تكلف الحق سبحانه وحده برزقهم، ولم يترك للغير سبيلا عليهم، وما من أحد منهم إلا وكان يعلن إلى الناس جميعا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في هذا الربع: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. وتضمن كتاب الله في هذا الربع حقيقتين من الحقائق الجوهرية والأساسية في سير الحضارات والعمران، وفي انتظام العوالم والأكوان: - الحقيقة الأولى- أن الجماعات الإنسانية لها آجال وأعمار، وبداية ونهاية، بالنسبة لبقائها وفنائها، ورقيها وانحطاطها، تبعا

стр. 1497

لتمسكها بالنواميس الخلقية والعمرانية التي جاءت بها الهداية الإلية، أو تمردها عليها وخروجها عن جادتها المثلى، وأقرب مثال لهذه الحقيقة ورد في سياق إبادة قوم نوح بالطوفان، وهلاك قوم هود بالصيحة، وهلاك فرعون وملائه بالغرق، جزاء شركهم بالله وكفرهم برسله، وإلى هذه الحقيقة الأولى يشير قوله تعالى هنا: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ على غرار قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الآية: ٢٤]. - والحقيقة الثانية - أن الحق في جميع الأشياء واحد لا يتعدد، وأن الحق في جميع الظروف ثابت لا يتغير، وعلى هذا الأساس قامت النواميس الطبيعية التي تنظم الأكوان، والنواميس الخلقية والعمرانية التي تنظم حياة الإنسان ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٢٣]، فبالحق المنبثق عن إرادة الله قامت السماوات والأرض، لا بالهوى الذي تمليه الشهوات والأغراض ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ [يونس: ٣٢]. ولو كانت نفس النواميس الطبيعية والنواميس الخلقية والعمرانية تابعة لأهواء الأفراد والجماعات لما عرف الكون سيره المطرد، ولما أمكن فيه أي استقرار أو ثبات، ولما انتظمت حياة الإنسان على سطح الأرض لحظة واحدة، إذ لا سبيل حينئذ إلى تمييز الخبيث من الطيب، والمستقيم من المعوج، والحق من الباطل، ولسادت الفوضى والعماء. علاوة على أنه لا سبيل إلى ترضية الأهواء المتعارضة، والشهوات المتناقضة، وأقرب مثال

стр. 1498

يؤكد هذه الحقيقة ورد في نفس السياق ما وقع عند الخروج عليها وعدم التزامها من انقسام البشرية على نفسها، وتمزيقها لوحدة دين الحق الوحيد، إذ جعلت منه أديانا متعادية، ومللا متطاحنة، وأحدثت فيه بدعا لا تحصى، تبعا لأهوائها المفرقة، على حد قوله تعالى هنا: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، ولولا كتاب الله الذي جاء بدين الحق على وجهه الصحيح لاختلط الحابل بالنابل، ولما عرف الحق من الباطل، وإلى هذه الحقيقة الثانية يشير قوله تعالى هنا: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾. وخُتِم هذا الربع بما يزيد خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه ثباتا على الحق، ومضيا في الدعوة إليه، بالرغم من شبهات المشركين والكافرين، ومن سلك مسلكهم من السابقين واللاحقين، وما يزيد المؤمنين إيمانا بأن أعداء الرسالة الإلهية التي بعث الله رسوله لتبليغها وتجديدها هم الضالون المبطلون، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾.

стр. 1499

الربع الثالث من الحزب الخامس والثلاثين في المصحف الكريم (ق) ــ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣) قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ

стр. 1500

لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ

стр. 1501

مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١) قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)

стр. 1502

الربع الثالث من الحزب الخامس والثلاثين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثالث من الحزب الخامس والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ــ في هذا الربع تصدى كتاب الله لوصف حالة المكذبين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وهم لا يزالون في الدنيا، ولوصفهم عند الاحتضار وحلول الموت، ولوصفهم وقد حلوا بالدار الآخرة، ولم يغفل كتاب الله الإشارة إلى ما يتشدقون به من مزاعم وأباطيل ضد الرسالة الإلهية، ولا سيما ما يطعنون به في البعث بعد الموت، ثم عقب على تلك المزاعم بما يبطلها من الأساس، كما تحدث كتاب الله عن جملة من دلائل الإيمان القاطعة، التي بثها في النفوس والآفاق، وخصص للحوار مع أعداء الإيمان، لإقامة الحجة عليهم، عدة آيات بينات، تضمنت ما سيوجه إليهم من خطاب، وما ينتظر ان يقولوه في الجواب،

стр. 1503

طمعا في ان يفلتوا من العتاب والعذاب. ونظرا لما اشتمل عليه هذا الربع من مقارعة وصراع مع أعداء الله ورسله لا يقدر عليهما إلا من رزق مددا إلهيا دائما، وجه كتاب الله إلى خاتم النبيئين والمرسلين الخطاب، بما يناسب المقام من التوجيهات، ولقنه جملة من الدعوات والابتهالات، يستمد بها من الله العون والمدد، وتكون له في القيام بأعباء الرسالة خير سند. فبعد أن قال تعالى في نهاية الربع الماضي: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ إشارة على كونهم زاغوا عن المحجة المثلى في دنياهم وعقباهم، استرسل كتاب الله في وصف المكذبين الذين لا يؤمنون، وهم لا يزالون في الدنيا، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ * حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ إشارة على أن الشأن في المكذبين الضالين، الفارغة قلوبهم من الإيمان واليقين، ان يكونوا مصرين على الطغيان والضلال، غارقين في أوحال أودية العناد والخبال، فلا نعمة الله عليهم ورحمته بهم، إن كشف عنهم الضر، تردهم إلى الصواب، ولا مقدمات المحن والبلايا إن ابتلاهم بها تسوقهم على خشيته والضراعة إليه، لينقذهم من العذاب، وفي مثل هذا المعنى سبق قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا

стр. 1504

يَعْمَلُونَ﴾ [الآيتان: ٤٢، ٤٣]، حتى إذا فوجئوا من العذاب الشديد بما لم يكونوا يحتسبونه، وأدركوا أنهم لا يتحملونه، أقفلت في وجوههم أبواب الرجاء، واحاطت بهم الحيرة واليأس والقنوط من جميع الأرجاء ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]. ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥]. وفي وصف المكذبين الذين لا يؤمنون بالله ورسله وما يحسون به عند حلول الموت والاحتضار من حسرة وندامة، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ إشارة إلى ان كل واحد من هذا الصنف غير المؤمن لا يعترف بوجود الله إلا عند احتضاره ودنو أجله، فيتوجه إلى ربه مستغيثا به، ملتمسا منه أن يأذن لملائكته الأبرار الذين يتوفون الأحياء بإطلاق سراحه حيا، عسى أن يتدارك في حياته المستأنفة، ما فاته في حياته الضائعة، من الأعمال النافعة، لكن كتاب الله يجيب برفض هذا الالتماس رفضا باتا (كلا) بناء على أن هذا الصنف من غير المؤمنين، الذين ظلوا متمردين على الله، متمادين على الضلال والعناد، طيلة حياتهم، من البداية إلى النهاية، لا يرجى لهم علاج، ولو مد في آجالهم، وزيد في أعمارهم، إذ يموت المرء على ما عاش عليه، وهذا المعنى يزيده بيانا وإيضاحا قوله تعالى في آية ثانية: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ *

стр. 1505

وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١٠، ١١] وقوله تعالى في آية ثالثة: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] فلا مناص من قبض أرواحهم، والحيلولة بينهم وبين الرجعة، إلى أن يحين يوم البعث فتكون رجعتهم إلى الآخرة ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. وفي وصف المكذبين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر عند قيام الساعة وحشرهم إلى الدار الآخرة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ إشارة إلى أن رابطة الأرحام والأنساب، التي من شأنها أن تجمع بين الأقارب والأحباب، ينعدم أثرها بين المكذبين الذين لا يؤمنون، في هذا الموقف الرهيب، الذي يستوي فيه البعيد والقريب، فلا تراحم بينهم ولا تعاطف، ولا تقارب بينهم ولا تآلف، وما من أحد منهم إلا وهو في شغل شاغل بنفسه، يعض بنان الندم على ما فاته في أمسه، على غرار قوله تعالى في آية أخرى ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٣، ٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٧]،ثم قال تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ إشارة إلى بوادر التعذيب التي يتعرضون لها، وتسلط على وجوههم بالخصوص، لما كان يبدو على أسارير وجوههم من أنفة وكبر عن الاعتراف بالحق، وما كان ينبعث منها من تأثير سحري على ضعاف الخلق، فتبدو وجوههم بفعل النار في غاية التشويه

стр. 1506

والبشاعة، ولا سيما شفاههم التي كانوا يسخرونها للنيل من رسل الله وأنبيائه، ووصفهم بكل شناعة، قال الرازي: " الكلوح هو ان تتقلص الشفتان، وتتباعدا عن الأسنان، كما ترى الرؤوس المشوية ". وقد وردت عدة آيات تؤكد معنى هذه الآية، منها قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الآية: ٢٩]. وفي سياق الحديث عن مشهد المكذبين والجاحدين وهم ينالون جزاءهم من الله يوم القيامة وازن كتاب الله بين حالهم وحال المؤمنين المفلحين، ليبرز الفرق بين الفئتين، وينجلي الصبح لذي عينين، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾. وتصدى كتاب الله مرة أخرى لحكاية مزاعم المكذبين الذين لا يؤمنون بالرسالة الإلهية ولا يصدقون بالبعث والنشور، فقال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ * قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، إشارة إلى ما هم عليه من ضيق النظر وسوء التقدير، وظنهم ان عمر العالم الطويل على قدر عمرهم القصير، فما داموا لم يشاهدوا البعث، لا هم ولا آباؤهم، فالبعث في رأيهم مستحيل، والعالم في ظنهم سيظل على ما هو عليه دون تغيير ولا تبديل، بينما العالم الذي نعيش فيه مهما طالت به السنون فمصيره إلى انقلاب وفناء، والبعث الذي هو عبارة عن نشأة ثانية ليس إلا إعادة للنشأة الأولى، وهي لا تتطلب من خالق

стр. 1507

الخلق ومدبر الكون أي تعب أو عناء، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. وقال تعالى ردا على من ينسب الشك والولد إلى الواحد الأحد: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، فوجود الولد بجانب الوالد ولله المثل الأعلى يحد كثيرا من حريته، ويقف حجر عثرة غير ما مرة دون تنفيذ إرادته، والمبادرة إلى تحقيق رغبته، مما يؤدي إلى أن يحدث بينهما نزاع، يؤول في نهاية الأمر إلى صراع، ووجود شركاء متعددين، متساوين في الصلاحيات والقدر، يؤدي بطبيعته إلى استئثار كل واحد منهم بما خلق وقدر، ومحاولته الغلبة على الآخر، والانفراد دونه بما اخترع وابتكر، فتتعارض إرادتهم، وتتناقض قراراتهم، ويسود العالم طابع الفوضى بدلا من النظام، وتظهر فيه آثار التضارب والاضطراب بدلا من التناسق والانسجام ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾،لكن الوجود بكافة عناصره وأجزائه متناسق منسجم، متكامل منتظم، تسوده وحدة التدبير والتسيير والارتباط التام، باطنا وظاهرا، وتحكمه سنن ثابتة مستمرة على الدوام، ماضيا وحاضرا، مما يدل على أن مخترعه وخالقه ومدبره الذي انعم عليه بنعمة الإيجاد، وينعم عليه إلى حين بنعمة الإمداد، واحد أحد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ

стр. 1508

وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وعرض كتاب الله في هذا الربع جملة من دلائل الإيمان والتوحيد التي بثها في الأنفس والآفاق، في العالم العلوي والعالم السفلي على السواء، فقال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. وفي غمرة المعركة القائمة بين الحق والباطل، وتثبيتا لخاتم الأنبياء والمرسلين في هذا المعترك الفاصل، وجه كتاب الله الخطاب إلى رسوله فقال: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾، وبذلك لقن رسوله الأعظم ان يستعيذ بالله تعالى من كل عذاب ينزله بالمكذبين، من الكفار والمشركين الذين يستعجلون العذاب في الدنيا قبل الآخرة، فلا يجعله - إذا صادف عذابهم - قرينا لهم، ولا يعذبه بعذابهم. ثم قال مخاطبا لنبيه الأمين: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ يوجه رسوله الوجهة المثلى في الدعوة إلى الله، ولو كان

стр. 1509

المدعوون المتمردون عليه أحيانا مضرب المثل في السماجة والبذاءة وسوء اللهجة، فيدعوه إلى الصفح عنهم والإحسان إليهم، ودفع مقالاتهم وخصالهم السيئة بأحسن الحسنات وأفضلها، تبعا للمقامات والظروف، إذ الحسنات نفسها تتفاضل فيما بينها، فقد تدفع السيئة بمجرد الصفح والإغضاء، ويقنع في دفعها بذلك، وقد يزاد على الصفح حسنة الإكرام، وقد يضاعف الإكرام بالمبالغة فيه درجة فوق درجة، فهذه الأنواع من الدفع كلها دفع بالتي هي أحسن، وقد ورد الأمر بنفس هذا المعنى في آية أخرى إذ قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ أي ما يلهم هذه الخصلة ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ٣٤، ٣٥]. ويستثني من الأمر بالمحاسنة المداراة غير المشروعة، قال الزمخشري في تفسيره الكشاف: " المداراة محثوث عليها - أي مرغب فيها - ما لم تؤد إلى ثلم دين أو إزراء بمروءة ". وقوله تعالى هنا: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ أي نحن مطلعون على ما يصفونك به، ولكننا عالمون بما أنت عليه من الخلق العظيم. ثم قال تعالى مخاطبا لرسوله المعصوم في نفس السياق: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ يلقن رسوله الاستعاذة منها بجميع أشكالها، وذلك لتقتدي به أمته في الابتهال إلى الله أن يحفظها منها، ويعصمها من حضور الشياطين معها في أي أمر من الأمور، وفي أي حال من الأحوال، إذ لا يحث على المعاصي ويغري الناس بارتكابها

стр. 1510

إلا شياطين الإنس والجن، وورد الأمر بنفس هذا المعنى في آية أخرى، إذ قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. وختم هذا الربع بمحاسبة الحق في الدار الآخرة للمكذبين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وقد عرض كتاب الله كيفية مناقشتهم الحساب المنتظر، في شكل حوار واقع يخبر عنه بصيغة الماضي، لأن الشيء المتوقع الذي يخبر الله عنه في كتابه أمر واقع، ليس له من دافع، فقال تعالى موجها الخطاب إليهم، ومسجلا جوابهم حجة عليهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
следующие страницы →