← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

والبشاعة، ولا سيما شفاههم التي كانوا يسخرونها للنيل من رسل الله وأنبيائه، ووصفهم بكل شناعة، قال الرازي: " الكلوح هو ان تتقلص الشفتان، وتتباعدا عن الأسنان، كما ترى الرؤوس المشوية ". وقد وردت عدة آيات تؤكد معنى هذه الآية، منها قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الآية: ٢٩]. وفي سياق الحديث عن مشهد المكذبين والجاحدين وهم ينالون جزاءهم من الله يوم القيامة وازن كتاب الله بين حالهم وحال المؤمنين المفلحين، ليبرز الفرق بين الفئتين، وينجلي الصبح لذي عينين، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾. وتصدى كتاب الله مرة أخرى لحكاية مزاعم المكذبين الذين لا يؤمنون بالرسالة الإلهية ولا يصدقون بالبعث والنشور، فقال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ * قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، إشارة إلى ما هم عليه من ضيق النظر وسوء التقدير، وظنهم ان عمر العالم الطويل على قدر عمرهم القصير، فما داموا لم يشاهدوا البعث، لا هم ولا آباؤهم، فالبعث في رأيهم مستحيل، والعالم في ظنهم سيظل على ما هو عليه دون تغيير ولا تبديل، بينما العالم الذي نعيش فيه مهما طالت به السنون فمصيره إلى انقلاب وفناء، والبعث الذي هو عبارة عن نشأة ثانية ليس إلا إعادة للنشأة الأولى، وهي لا تتطلب من خالق

стр. 1507

الخلق ومدبر الكون أي تعب أو عناء، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. وقال تعالى ردا على من ينسب الشك والولد إلى الواحد الأحد: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، فوجود الولد بجانب الوالد ولله المثل الأعلى يحد كثيرا من حريته، ويقف حجر عثرة غير ما مرة دون تنفيذ إرادته، والمبادرة إلى تحقيق رغبته، مما يؤدي إلى أن يحدث بينهما نزاع، يؤول في نهاية الأمر إلى صراع، ووجود شركاء متعددين، متساوين في الصلاحيات والقدر، يؤدي بطبيعته إلى استئثار كل واحد منهم بما خلق وقدر، ومحاولته الغلبة على الآخر، والانفراد دونه بما اخترع وابتكر، فتتعارض إرادتهم، وتتناقض قراراتهم، ويسود العالم طابع الفوضى بدلا من النظام، وتظهر فيه آثار التضارب والاضطراب بدلا من التناسق والانسجام ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾،لكن الوجود بكافة عناصره وأجزائه متناسق منسجم، متكامل منتظم، تسوده وحدة التدبير والتسيير والارتباط التام، باطنا وظاهرا، وتحكمه سنن ثابتة مستمرة على الدوام، ماضيا وحاضرا، مما يدل على أن مخترعه وخالقه ومدبره الذي انعم عليه بنعمة الإيجاد، وينعم عليه إلى حين بنعمة الإمداد، واحد أحد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ

стр. 1508

وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وعرض كتاب الله في هذا الربع جملة من دلائل الإيمان والتوحيد التي بثها في الأنفس والآفاق، في العالم العلوي والعالم السفلي على السواء، فقال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. وفي غمرة المعركة القائمة بين الحق والباطل، وتثبيتا لخاتم الأنبياء والمرسلين في هذا المعترك الفاصل، وجه كتاب الله الخطاب إلى رسوله فقال: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾، وبذلك لقن رسوله الأعظم ان يستعيذ بالله تعالى من كل عذاب ينزله بالمكذبين، من الكفار والمشركين الذين يستعجلون العذاب في الدنيا قبل الآخرة، فلا يجعله - إذا صادف عذابهم - قرينا لهم، ولا يعذبه بعذابهم. ثم قال مخاطبا لنبيه الأمين: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ يوجه رسوله الوجهة المثلى في الدعوة إلى الله، ولو كان

стр. 1509

المدعوون المتمردون عليه أحيانا مضرب المثل في السماجة والبذاءة وسوء اللهجة، فيدعوه إلى الصفح عنهم والإحسان إليهم، ودفع مقالاتهم وخصالهم السيئة بأحسن الحسنات وأفضلها، تبعا للمقامات والظروف، إذ الحسنات نفسها تتفاضل فيما بينها، فقد تدفع السيئة بمجرد الصفح والإغضاء، ويقنع في دفعها بذلك، وقد يزاد على الصفح حسنة الإكرام، وقد يضاعف الإكرام بالمبالغة فيه درجة فوق درجة، فهذه الأنواع من الدفع كلها دفع بالتي هي أحسن، وقد ورد الأمر بنفس هذا المعنى في آية أخرى إذ قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ أي ما يلهم هذه الخصلة ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ٣٤، ٣٥]. ويستثني من الأمر بالمحاسنة المداراة غير المشروعة، قال الزمخشري في تفسيره الكشاف: " المداراة محثوث عليها - أي مرغب فيها - ما لم تؤد إلى ثلم دين أو إزراء بمروءة ". وقوله تعالى هنا: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ أي نحن مطلعون على ما يصفونك به، ولكننا عالمون بما أنت عليه من الخلق العظيم. ثم قال تعالى مخاطبا لرسوله المعصوم في نفس السياق: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ يلقن رسوله الاستعاذة منها بجميع أشكالها، وذلك لتقتدي به أمته في الابتهال إلى الله أن يحفظها منها، ويعصمها من حضور الشياطين معها في أي أمر من الأمور، وفي أي حال من الأحوال، إذ لا يحث على المعاصي ويغري الناس بارتكابها

стр. 1510

إلا شياطين الإنس والجن، وورد الأمر بنفس هذا المعنى في آية أخرى، إذ قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. وختم هذا الربع بمحاسبة الحق في الدار الآخرة للمكذبين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وقد عرض كتاب الله كيفية مناقشتهم الحساب المنتظر، في شكل حوار واقع يخبر عنه بصيغة الماضي، لأن الشيء المتوقع الذي يخبر الله عنه في كتابه أمر واقع، ليس له من دافع، فقال تعالى موجها الخطاب إليهم، ومسجلا جوابهم حجة عليهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

стр. 1511

الربع الأخير من الحزب الخامس والثلاثسن في المصحف الكريم (ق) ــ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ ٢٤ - سورة النور مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ

стр. 1512

عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا

стр. 1513

فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)

стр. 1514

الربع الأخير من الحزب الخامس والثلاثسن في المصحف الكريم (ت) عباد الله حديث هذا اليوم يتناول الربع الأخير من الحزب الخامس والثلاثين في المصحف الكريم، وهو يتألف من خواتم سورة الإيمان المكية التي ذكر فيها (المومنون) المفلحون بأوصافهم البارزة، المميِّزة لهم عن بقية الأصناف، ومن الآيات التسع عشرة الأوائل في سورة النور المدنية، وبداية هذا الربع قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ ونهايته قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ــ في ختام سورة الإيمان التي ذكر فيها (المومنون) المفلحون خصص كتاب الله الآيات الختامية الأربع لما ينبغي أن يستخلصه كل إنسان من هذه السورة الكريمة، فبعد ما عرض كتاب الله في الربع الأول والربع الثاني والربع الثالث مزايا المؤمنين الصادقين ومميزاتهم، وما يكون عليه مصيرهم من الفوز المبين، مقارنا كل ذلك بمساؤى المكذبين الذين لم تخالط بشاشة الإيمان قلوبهم، وبما يؤول إليه أمرهم من الخسران المبين، أعاد الكرة مرة أخرى

стр. 1515

ليذكر الجميع بحقيقة ثابتة لا مناص من الاعتراف بها والالتزام بنتائجها، ألا وهي: أن الله تعالى لم يخلق الإنسان عبثا، وإنما خلقه لإبراز حكمة إلهية من وراء إيجاده وإمداده، وإنجاز مهمة سامية في مستوى إدراكه واستعداده، ألا وهي جعله خليفة في الأرض يقوم بعمارتها واستثمار خيراتها، طبقا لمنهج إلهي حكيم، يكون مسؤولا عن تطبيقه كاملا، كي لا يقع في خلافته خلل ولا اضطراب، ويؤدي عنه لربه أدق الحساب، لينال ما هو أهل له من الثواب أو العقاب، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا موجها الخطاب إلى كافة البشر، من حضر منهم ومن غبر: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ على غرار قوله تعالى في سورة القيامة: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [الآية: ٣٦] أي غير مسؤول عن عمله كالحيوانات العجماء، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى في سورة الدخان: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الآيتان: ٣٨، ٣٩]، وقوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الآية: ١٧]. فلا عبث ولا لعب ولا لهو ولا إعفاء من المسؤولية، لا في العالم العلوي ولا في العالم السفلي، وإبطالا لما يمكن توهمه عند سخفاء العقول، من أن خلق الإنسان داخل في نطاق العبث، ولا حكمه فيه، ولا مسؤولية من ورائه، عقب كتاب الله بما يؤكد تنزيه الحق عن أن يخلق شيئا عبثا، مهما يكن ذلك الشيء ضئيلا، فضلا عن الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم، وكرمه أجل تكريم، فقال تعالى:

стр. 1516

﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي تقدس وتنزه عن كل نظر سخيف لا يدرك دقيق حكمته، البارزة في صنع إرادته وقدرته، فهو ملك حق، لا يسوس ملكه وملكوته إلا بالحق، وكما أنه لا يأمر بأي شيء عبثا، فإنه لا يخلق أي شيء عبثا، وينظر إلى هذا المعنى قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الآية: ٨٥]. وتأكيدا لتنزيهه سبحانه عن الأولاد والأنداد، طبقا لقوله تعالى في الربع الماضي: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ قال تعالى هنا: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾. ومن لطائف هذه السورة ذكر العرش فيها مرتين، موصوفا في إحداهما بوصف العظمة، كما سبق في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، وبوصف الكرم، كما في قوله تعالى هنا: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾، لنسبته إلى أكرم الأكرمين، بينما وقع ذكر العرش عند وروده في بقية السور مجردا من الوصف، أو موصوفا بالعظمة دون غيرها، إلا في سورة البروج، حيث انفرد ذكر العرش فيها موصوفا بصفة المجد ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [الآيتان: ١٤، ١٥]. وإمعانا في إقامة الحجة على من يشرك بالله غيره، وإرخاء للعنان في مجادلتهم والحوار معهم تحدث كتاب الله عن هذا الصنف الضال من الناس، بما يشعر أنه على كامل الاستعداد للتحاكم معهم إلى العقل والمنطق، ولقبول زعمهم الباطل إذا استطاعوا أن يقيموا عليه الحجة والبرهان، أما أن يصروا على

стр. 1517

الشرك ورفض التوحيد دون استناد إلى حجة قاطعة، فإنهم يكونون محجوجين مغلوبين، ولا يحق لهم الاعتراض على ما يلقونه من العذاب الأليم يوم الدين، لا سيما والعثور على حجة تؤيد الشرك ضد التوحيد أمر مستحيل طبعا وشرعا، وإلى هذه المعاني يشير قوله تعالى بإيجاز وإعجاز: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾. ويقرب من هذا النوع في التنازل أمام الخصم، لإعادة الكرة عليه، قوله تعالى في سورة سبإ: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الآية: ٢٤]. وإنما جعل حساب المشرك " عند ربه " لا عند الناس، إشارة إلى أن عقابه بلغ إلى حيث لا يقدر على حسابه بما يستحق، إلا الله تعالى، لفظاعة جرمه في حق الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وليوضح كتاب الله خطورة هذه العقاب الذي ينزل بالمكذبين والمشركين أصدر حكمه الفاصل في ختام هذه السورة فقال: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، في مقابلة الفاتحة التي جاءت في مطلعها تحمل البشرى للمؤمنين الموحدين بالفوز الأكبر، حيث قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، وشتان ما بين تلك الفاتحة وهذه الخاتمة. وختمت سورة الإيمان بخطاب الله لرسوله، وتلقينه دعاء قرآنيا كريما، يكون فيه لأمته إسوة حسنة، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ

стр. 1518

رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾. ويمكن فهم هذا الخطاب على أنه إذن من الله لرسوله بالاستغفار لأمته، فما منهم من أحد - كان مطيعا أو عاصيا - إلا وتقر عينه، وينشرح صدره، بدعاء خاتم النبيئين والمرسلين، على غرار قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [الآية: ١٠٣] أي ادع لهم دعاء صالحا، ولا خاتمة أكمل وأفضل من مثل هذه الخاتمة، التي تؤذن بالانقطاع إلى الله تعالى، والالتجاء إلى عفوه وغفرانه، والأمل في رحمته وإحسانه. والآن فلننتقل بعون الله وتوفيقه من تفسير سورة الإيمان المكية، إلى تفسير سورة النور المدنية، فنقول: هذه السورة مدنية باتفاق، وسميت " سورة النور " لكثرة ذكر النور فيها، فقد جاء ضمن آياتها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [٥٣]، وقوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، [٥٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [٤٠]. ومن دقق النظر في موقع سورة النور بعد سورة الإيمان لا يصعب عليه أن يكتشف المناسبة الموجودة بين السورتين، فقد سبق في سورة المؤمنين المفلحين وصفهم بأنهم ﴿لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [الآيات:

стр. 1519

٥، ٦، ٧] كما سبق فيها ما يشير إلى وصف أعداء الإيمان وخصوم الرسالة الإلهية، في الجاهلية وما قبلها، بممارسة عدة أعمال فاحشة لا يرضى عنها الطبع السليم، ولا الشرع القويم، حيث قال تعالى في شأنهم ووصف أعمالهم على وجه الإجمال: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [الآية: ٦٤]، وفي طليعة تلك الأعمال المنكرة ممارسة الزنى والتبرج، اللذين لا يتصور معهما إحصان ولا عفاف، فجاءت سورة النور تضع النقط على الحروف، وتبين " آياتها البينات " أسس التربية الخلقية والاجتماعية النظيفة، التي يجب ان يقوم عليها المجتمع الإسلامي والأسرة المسلمة، بصفها الخلية الأولى وحجر الزاوية في بناء ذلك المجتمع، حتى يقضى على الخصال الجاهلية، والمفاهيم الوثنية غير الأخلاقية، قضاء مبرما. وهكذا أشهرت " سورة النور " الحرب على الزنى وما ألحق به، سواء كان عن طواعية أو إكراه، وحددت طريقة الزواج المشروع وما يلزم اتباعه في شأنه بالنسبة للفقراء والأيامى، وملك اليمين، وأحاطت عرض الأزواج بأكبر الضمانات، حتى لا يلغ أحد في عرض أحد، وبينت الإجراءات الاستثنائية التي يلزم اتخاذها عند صدور القذف من نفس الزوج في عرض زوجته، وبهذه المناسبة تعرضت في عدة آيات لقصة الإفك التي اختلقها المنافقون، وروجوها للقذف في عائشة أم المؤمنين، ثم ما أنزل الله في براءتها ولعن المنافقين، ووصفهم المشين، كما قررت

стр. 1520

سورة النور حرمة المساكن والبيوت، ومنع دخولها وانتهاك حرمتها للاطلاع على دخائلها، ونصت على طريقة الاستيذان للدخول في البيت، وأوجبت الاستيذان في فترات الخلوة اليومية على أعضاء العائلة أنفسهم ولو كانوا صغارا، ووصفت جملة من الآداب في الزينة واللباس تحافظ عليها المرأة عند الاتصال بمحارمها فضلا عن غيرهم، ولم تهمل آداب الضيافة عند اجتماع ذوي القربى وأصدقائهم حول مائدة واحدة، ولعل هذه المعاني، مجتمعة، هي التي أوحت إلى القرطبي أن يقول: " مقصود هذه السورة ذكر أحكام العفاف والستر ". وإلى ما فصلته في هذا المجال من واجبات، وما حضت على اجتنابه من محرمات، وما أذنت به من مباحات، نصت على الحرمة الخاصة والقداسة البالغة التي تتمتع بها بيوت الله لشرف نسبتها إليه، وأعطت للمؤمنين درسا عمليا في آداب مجالسة رسول الله والحديث معه والنداء عليه، وآداب الانصراف من مجلسه الشريف، بعد الاجتماع به والجلوس بين يديه، صلوات الله وسلامه عليه، وتخللت سورة النور آيات كريمة تبرز عجائب صنع الله، مما يذكر بجلاله وعظمته، وقدرته وحكمته، وختمت بتقرير عقيدة ثابتة لا سبيل إلى تجاهلها أو إنكارها، ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الآية: ٦٤]. ونظرا لما للموضوعات الرئيسية التي عالجتها هذه السورة بتفصيل، من أهمية بالغة في تنظيم الأسرة المسلمة والمجتمع الإسلامي، وما يعلق عليها الإسلام من نتائج حاسمة بالنسبة

стр. 1521

لاستمرار وجوده، والحفاظ على كيانه، افتتح كتاب الله هذه السورة بقوله: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ مما جعل عمر بن الخطاب وعائشة ﵄ يأمران بتلقين هذه السورة للنساء، حتى تتشبع نفوسهن بما فيها من توجيهات أخلاقية واجتماعية. ثم شرع كتاب الله فورا في بيان الحكم الصارم الذي شرعه لمقاومة الزنى والقضاء عليه، فقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، و " الجلد " معناه إصابة الجلد بالضرب، ولم تتعرض الآية لهيئة الجالد ولا لهيئة المجلود، ولا لمحل الجلد، ولا لصفة الآلة المجلود بها، وتركت ذلك للسنة والاجتهاد، واتفق العلماء على أن الجلد يكون بالسوط، بشرط أن لا يكون السوط شديدا ولا لينا، وإنما بين بين، اعتمادا على حديث رواه مالك في المطأ مرسلا عن زيد ابن أسلم، ويطبق حكم الجلد على الزاني إذا كان بكرا لم يتزوج بعد، أما المحصن وهو الحر البالغ العاقل الذي قد وطئ في نكاح صحيح فقد اتفق فقهاء الأمصار على أنه يرجم بدلا من أن يجلد، اعتمادا على آية الرجم التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾، إشارة إلى وجوب تنفيذ هذه العقوبة كاملة، متى كانت شروطها متوافرة، وحضا على عدم النقص من قدرها فضلا عن تعطيلها بالمرة، لأن الإخلال بها إخلال بدين الله وشرعه النافذ، والمطالب بتنفيذ

стр. 1522

عقوبة الجلد هو إمام المسلمين ومن ينوب عنه، لا عامة الناس، وسعيا في التأثير على غير الزاني والزانية، حتى لا يقع فيما وقعا فيه، وتشهيرا بهذه الجريمة النكراء، وتنفيرا منها، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وأشار كتاب الله إلى أن المؤمن الصالح لا يرتضي لنطفته وذريته إلا الصوالح من النساء، كما أن المؤمنة الصالحة لا ترتضي لعشرتها الزوجية إلا الصالحين من الرجال، بحيث لا يتصور إقبال المؤمنين والمؤمنات على التزوج بالزناة والزانيات، لما في ذلك من مفاسد وأخطار، وآثام وأوزار، وإنما يتصور وقوع هذا النوع من الزواج والرضا به من طرف الفجار والمشركين وحدهم، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. وحرصا على حفظ عرض المؤمنات المحصنات، حتى لا يلطخ بسوء، هدد كتاب الله من يتجرأ على قذفهن بالزنى ولم يشهد معه أربعة شهود، بعقوبة الجلد ثمانين جلدة، وبرفض شهادته باستمرار، وباعتباره من الفساق غير العدول، تغليظا لشأن القذف، وردعا عنه بكل حزم وشدة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولا خلاف في أن التوبة تسقط الفسق، قال الإمام القشيري: " العقوبة

стр. 1523

على الزنى شديدة أكيدة، ولكن الله جعل إثبات أمره، وتقرير حكمه، والقطع بكونه على أكثر الناس خصلة عسيرة بعيدة، إذ لا تقبل الشهادة عليه حتى يقول: رأيت ذلك منه في ذلك منها. وذلك أمر ليس بالهين، فسبحان من أعظم العقوبة على تلك الفعلة الفحشاء، ثم جعل الأمر في إثباتها بغاية الكد والعناء ". وقال أبو بكر (ابن العربي) المعافري: " كثر الله عدد الشهود في الزنى، على سائر الحقوق، رغبة في الستر على الخلق ". وعندما يشتد الأمر، ويكون قذف الزوجة بالزنى صادرا عن زوجها نفسه لا عن غيره، دون ان يشهد معه شهود، ينظر في هذه التهمة الخطيرة، على أساس أن يشهد الزوج بالله أربع مرات على صدقه في قذف زوجته بالزنى، وفي الخامسة يشهد أنه يستحق لعنة الله إن كان كاذبا، وبذلك يبرأ من حد القذف، ولا ينسب إليه الولد، ثم تشهد الزوجة بالله أربع مرات على كذبه فيما رماها به، وفي الخامسة تشهد أنها تستحق غضب الله إن كان زوجها صادقا، وبذلك تبرأ من حد الزنى، ويفرق بينهما فلا يجتمعان أبدا ولا يتوارثان، وجرت السنة على أن ابنها في هذه الحالة يدعى إلى أمه ويرثها، كما أنها ترثه، وهذا الحكم المعروف " باللعان " هو الذي شرعه الله في قوله تعالى هنا: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ وهو حد الزنا ﴿أَنْ

стр. 1524

تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. ثم عقب كتاب الله على ذلك بقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ قال الإمام القشيري: " أي ولولا فضل الله عليكم ورحمته لبقيتم في هذه الواقعة المعضلة، ولم تهتدوا للخروج من هذه الحالة المشكلة، إذ من الذي يهتدي لمثل هذا الحكم، لولا تعريف سماوي، وأمر نبوي، من الوحي متلقاه، ومن الله مبتداه وإليه منتهاه؟ ". وانتقل كتاب الله من الحديث عن القذف الصادر من الأباعد ومن الأقارب، وبيان الحكم الشرعي المطلوب تطبيقه على صوره المختلفة، إلى الحديث عن أكبر وأخطر قذف قام به المنافقون في تاريخ الإسلام، وذلك في حق أم المؤمنين عائشة ﵂ عند منصرفها من إحدى الغزوات مع رسول الله ﷺ إلى المدينة، ووصولها متأخرة عن موكبه، بسبب اضطرارها إلى الوقوف عن السير، لقضاء حاجتها والبحث، عن عقد نفيس ضاع لها، وقصة هذا القذف هي المعروفة " بقصة الإفك "، والإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، والبهتان الذي لا تشعر به حتى يفاجئك، والذي تولى كبره هو زعيم المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، وقد برأها الله مما قذفها به المنافقون، كما برأ مريم العذراء مما قذفها به اليهود المغرضون، وأقيم حد القذف الشرعي على من روج هذا البهتان العظيم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ

стр. 1525

امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ووجه كتاب الله الخطاب إلى فريق من ضعفاء المؤمنين الذين أثرت في نفوسهم بعض التأثير إشاعة عصبة الإفك والنفاق، يعاتبهم ويبين لهم الموقف السليم الذي يجب أن يقفوه من مثل هذه الإشاعات الملفقة، التي يتحتم البحث عن مصدرها، والغرض المقصود منها، والتحري عنها من جميع الوجوه. ونفس هذا الخطاب موجه إلى جميع المؤمنين، بالنسبة لقصة الإفك ولجميع قصص الإفك الأخرى، التي يمكن أن تصدر عن أعداء الإسلام والمسلمين في كل زمان ومكان، فقال تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وندد كتاب الله في ختام هذا الربع بالذين يجدون لذة في ترويج أقوال السوء، ونشر الإشاعات الباطلة عن صالحي المؤمنين، لبلبلة الأفكار ونهش الأعراض، وهددهم بالعذاب الأليم

стр. 1526

في الدنيا، وهو العقوبة المترتبة على القذف بسائر أنواعه، وبالعذاب في الآخرة وهو عذاب النار، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي هو وحده الذي يعلم مقدار عظم هذا الذنب وانعكاساته على الأفراد والجماعات، وإلى أي حد من الأذى يمكن أن يصل، فردوا الأمور إليه تهتدوا. وأخيرا جدد الحق منته على من وقعوا في المحظور، حيث فتح في وجوههم من الرأفة والتوبة أوسع باب، حتى لا يعاجلهم بالعقاب، فقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 1527

الربع الأول من الحزب السادس والثلاثين في المصحف الكريم (ق) ــ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ

стр. 1528

مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ

стр. 1529

بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)

стр. 1530

الربع الأول من الحزب السادس والثلاثين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأول من الحزب السادس والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة النور المدنية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ إلى قوله تعالى في نفس السورة: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. ــ بعد أن عالج كتاب الله في الربع الماضي قصة الإفك والبهتان العظيم التي لفقها المنافقون، وألقى عليها وعلى بواعثها وانعكاساتها ونتائجها الأضواء الكاشفة، وحذر عامة المؤمنين من الوقوع في شرك الإشاعات الباطلة كيفما كان مصدرها، ورسم لهم طريق مواجهتها ومقاومتها للقضاء عليها في المهد، وجه إليهم الخطاب مرة أخرى في بداية هذا الربع، محذرا إياهم في هذا الموقف وجميع المواقف، من الانقياد للشيطان والسير في ركابه واتباع خطواته، مبينا من جديد أن الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم، ويوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس، لا يقود من وثق به، ولا يجر من اتبعه إلا إلى التلبس بالفواحش

стр. 1531

وممارسة المناكر، فهو دليل شر لا قائد خير، وهو قرين سوء وفساد، لا رفيق هدى ورشاد، وإلى ذلك يشير قوله تعالى هنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. وبين كتاب الله أن صلاح الصالحين وتقوى المتقين من عباده المؤمنين، لا يتم لأحد منهم على الوجه الأكمل، إلا بتوفيق الله ومعونته، وفضله ورحمته، فقد خلق الإنسان ضعيفا ميالا للشهوات، معرضا لتأثير كثير من النزغات والنزوات ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وحض كتاب الله من كان في سعة من الرزق، واستوفى حاجته وحاجة عياله، على أن يبادر إلى إسعاف المحاجين، بما فضل عن التزاماته العائلية وتكاليف الشخصية، وفي الطليعة أولو القربى من ذوي الأرحام والمساكين، وهؤلاء يوجدون في كل عصر، والمهاجرون في سبيل الله الذين تركوا ديارهم وأموالهم بمكة، فرارا من الشرك، قبل أن تقوم دولة الإسلام الأولى، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وأشار كتاب الله إلى ما ينبغي أن يكون عليه الموسرون المحسنون من حسن المعاملة للمحتاجين المعسرين، وغض الطرف عن فلتات ألسنتهم، وعدم مؤاخذتهم بما قد يصدر عنهم من أغلاط في تصرفاتهم، ورغبهم في الصفح عنهم ومعاملتهم

стр. 1532

بمثل ما يرجون أن يعاملهم به ربهم، ما داموا يرغبون هم أيضا في عفو الله وغفرانه، ونيل رضوانه، فقال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وإذا كان كتاب الله في الربع الماضي قد شدد النكير على المفترين الذين يرمون المحصنات المؤمنات، وبين حد القذف الذي يطبق عليهم إذا لم يشهد معهم أربعة شهداء، وهو أن يجلدوا ثمانين جلدة، فإنه قد عاد في هذا الربع يشدد النكير عليهم أضعافا مضاعفة، " حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعا، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ستشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا، وأنه سيوفيهم جزاءهم الحق الواجب، الذي هم أهله، حتى يعلموا عند ذلك أنه المبين " وقد أحسن الزمخشري صنعا عندما فسر بهذه العبارات الناصعة قوله تعالى في هذا الصدد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾. ووصف كتاب الله المحصنات المؤمنات هنا بوصف (الغافلات)، تنبيها إلى أن الشأن في المحصنات المؤمنات أن يكن سليمات الصدور، نقيات القلوب، ليس فيهن مكر ولا دهاء، ولا يخطر ببالهن تفكير فيما هو من قبيل المنكر والفحشاء، فهن في غفلة عما ينسب إليهن، ولذلك كان وصفهن بهذه الغفلة مدحا لهن، وثناء عليهن.

стр. 1533

وإذا كان الوعيد الذي تتضمنه هذه الآيات عاما ونافذا في حق كل من قذف المحصنات المؤمنات على العموم، فإنه يكون نافذا من باب أولى وأحرى في حق من تجرأ على مقام أمهات المؤمنين بالخصوص ولا سيما عائشة بنت الصديق، التي كانت قصة الإفك في حقها سبب النزول بالأخص، وإلى نفس هذا المعنى يشير قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الآية: ٥٧]. وكما نبه كتاب الله في الربع الماضي إلى ما للمشاركة والمجانسة من أثر في الحياة الزوجية إذ قال: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، زاد هذا المعنى إيضاحا وتوكيدا في هذا الربع، فقال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ قال ابن كثير: " وما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله ﷺ إلا وهي طيبة، لأنه أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له، لا شرعا ولا قدرا، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾، والإشارة هنا إلى الطيبين والطيبات أي هم بعداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. وقال جار الله الزمخشري: لقد برأ الله أربعة بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦]، وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه ﴿كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ

стр. 1534

اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، وبرأ مريم بإنطاق ولدها حتى نادى من حجرها ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ٣٠]، وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر، مثل هذه التبرئة، بهذه المبالغات، فانظر كم بينها وبين تبرئه أولئك، وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله ﷺ ، والتنبيه على إنافة محل سيد ولد آدم وخيرة الأولين والآخرين، وحجة الله على العالمين ". وتصدى كتاب الله لتحديد النظام الذي يجب أن يتبع عند تزاور المسلمين، في بيوتهم، وغشيان بعضهم منازل بعض، وما يلزم لذلك من سبق الاستئذان، حتى لا يقتحم أحد منهم منزل الآخر دون رضاه، فيتصرف في ملك الغير بغير إذنه تصرف الغاصب المتغلب، على خلاف الشرع والطبع، لا سيما وأن من أوجب واجبات المسلم أن لا يطلع على عورة أخيه، ولا تسبق عينيه إلى ما لا يحل نظره إليه، خصوصا الشؤون الداخلية التي جرت العادة بالتستر عليها، وعدم السماح بالكشف عنها، وحول هذه المعاني يدور قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي أن الاستيذان ثم التسليم خير للمستأذن وخير لأهل البيت، فلا المستأذن يفاجأ من طرف أهل البيت بما يكره، ولا أهل البيت يفاجأون من طرف المستأذن بما يكرهون. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أي حتى تجدوا من يأذن لكم، فالبيت محجوب، لما فيه،

стр. 1535

وبما فيه، سواء كان الباب مغلقا أو مفتوحا، لأن الشرع قد أغلقه بتحريم الدخول إليه، حتى يفتحه إذن صاحبه، ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ قال سعيد بن جبير: " أي لا تقفوا على الأبواب "، وحيث نهى الله عن ذلك لأنه يجلب الكراهة، وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إليها كقرع الباب بعنف مثلا، ثم قال تعالى تزكية وتوكيدا للانصراف عند عدم الإذن بالدخول، وصدور الأمر بالرجوع: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وفي هذا المعنى يقول ﵇: " إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فلينصرف ". أما البيوت غير المسكونة، مما جرى العرف دخول الناس إليه لمنفعتهم دون إذن، كالمآوي التي يقصدها الطلبة للنزول، ومحطات الأسفار التي يقصدها المسافرون للاستراحة، وقيساريات التجار التي يقصدها الزبناء للبيع والشراء، والخرب العاطلة، التي يهرع إليها الحاقنون لقضاء الحاجة عند عدم وجود أماكن مخصصة لذلك، فلا يحتاج دخولها إلى الاستئذان، وكذلك البيوت المعدة للضيافة إذا أذن للضيف فيها أول مرة كفى، هذه بعض الأمثلة التي فسر بها المفسرون معنى قول الله تعالى هنا: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ وبذلك أصبحت مستثناة من المساكن الخاصة، التي لا بد للراغب في دخولها من الاستئذان، ولو كان أهلها غائبين عن المكان. والمراد " بالمتاع " الوارد في هذه الآية ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ عموم الانتفاع. وتحذيرا من استعمال هذه الرخصة في غير

стр. 1536

محلها، والتذرع بها إلى ما لم يأذن به الله قال تعالى معقبا عليها: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾. وقبل ان يحدد كتاب الله ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمنات من الستر والعفاف بالنسبة للمحارم وغير المحارم، وجه الخطاب أولا إلى الرجال والنساء بوجوب غض البصر وصرفه عن النظر، وذلك حتى لا ينظر الرجال بشهوة إلى غير أزواجهم، ولا ينظر النساء بشهوة إلى غير أزواجهن، فالنظر سهم مسموم من سهام إبليس، والواجب صرفه سريعا عما يشتهى، ما دام ليس في الإمكان الاحتراس منه. وقد سأل جرير بن عبد الله البجلي رسول الله ﷺ عن " نظرة الفجأة "، فأمره رسول الله أن يصرف بصره، كما ورد في صحيح مسلم، و " صرف البصر " قد يكون إلى الأرض وقد يكون إلى جهة أخرى. وقال رسول الله ﷺ لعلي: " يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليس لك الآخرة " رواه أبو داوود والترمذي. وإلى جانب الأمر بغض البصر ألح كتاب الله من جديد على التزام العفة وحفظ الفرج من طرف الرجال والنساء، وبديهي أن هذا الحفظ لا يتحقق إلا بتفادي كل متعة خبيثة خارج الحياة الزوجية الطاهرة، كيفما كان نوعها وشكلها، وذلك قوله تعالى هنا: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. وبعد هذا التمهيد تناول كتاب الله بالتفصيل ما يجب على

стр. 1537

المؤمنات ستره من اطرافهن وما يسمح لهن بإظهاره من زينتهن، وبين من هم الذين لا جناح عليهم إذا شاهدوا تلك الزينة بالخصوص، فقال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ إشارة إلى أنه لا يسوغ للمؤمنات أن يظهرن شيئا من الزينة للأجانب عنهن، ما عدا الشيء الذي يتعذر إخفاؤه من الزينة الظاهرة، مثل الكحل والخاتم وظاهر الثياب، والمراد " بالأجانب " هنا كل الأشخاص الذين لا يعتبرهم الشرع من المحارم، ثم قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ إشارة إلى وجوب ستر النحر والصدر حتى لا يرى منه شيء، على خلاف ما كان عليه الأمر في الجاهلية، قال مقاتل: " على جيوبهن " أي على صدورهن، يعني مواضع جيوبهن، فقد كانت الجيوب عند العرب تجعل في الثوب عند الصدر، أما الوجه والكفان فلا مانع من كشفهما وعدم سترهما، لأن كشفهما مقبول في العبادة، فما بالك بما هو من قبيل العادة. و " الخمر " جمع خمار، وهو في الأصل ما يغطى به الرأس. ثم قال تعالى مبينا محارم المرأة ومن ألحق بهم، ممن يجوز لها أن تظهر بزينتها الخفية أمامهم، لكن من غير تبرج: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ أي أزواجهن ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ ومعنى " الإربة " الحاجة، والمراد " بالتابعين " هنا الأتباع من الأجراء والخدم الذين لا شهوة

стр. 1538

لهم في النساء مطلقا، لمانع طبيعي أو طارئ، أو لا طمع لهم في مخدوماتهم لأنهم غير أكفاء لهن ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ أي الأطفال الصغار الذين لا عهد لهم ولا معرفة بشؤون النساء، والذين لم يصلوا إلى طور البلوغ. وإنما رخص للمحارم بالنظر إلى ما ليس بظاهر من زينة النساء المؤمنات، للضرورة التي تدعوهن إلى مداخلتهم ومخالطتهم أغلب الوقت، ولقلة توقع الفتنة والنظر إليهن بالشهوة من جهتهم، بسبب المحرمية والقرابة القريبة. ثم نبه كتاب الله مرة أخرى إلى أنه لا ينبغي للنساء المؤمنات إذا كان شيء من زينتهن مستورا أن يلفتن إليه أنظار الرجال، بوسيلة أو بأخرى عند خروجهن، صيانة لأعراضهن وحفاظا على كرامتهن، وهذا المعنى هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ و " الضرب بالرجل " في هذه الآية يشير على ما كانت عليه المرأة في الجاهلية عندما كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت، إذ تضرب الأرض برجلها، ليسمع الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن ذلك، وينصب هذا النهي على من فعل ما يشبه ذلك بنعله أو حذائه من الرجال. وليضع كتاب الله حدا فاصلا لما كان متعارفا ومتبعا في الجاهلية من طرف الرجال والنساء، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ومن لطائف التفسير في هذه الآية ربط الزمخشري لها بالأحكام السابقة ربطا وثيقا، حيث قال في تحليلها: " إن أوامر الله ونواهيه في كل

стр. 1539

باب لا يكاد العبد الضعيف يقدر على مراعاتها، وإن ضبط نفسه واجتهد، ولا يخلو من تقصير يقع منه، فلذلك وصى المؤمنين جميعا بالتوبة والاستغفار، وبتأميل الفلاح إذا تابوا واستغفروا ". وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن حالة من لم يتزوج، أو تزوج، وفقد الزوج، من الرجال والنساء وعليهم يطلق لفظ " الأيامى " فدعاهم إلى الإقبال على الزواج، كما نبه إلى تمكين من لا يزالون في ملك اليمين فرصة التحرير، من حق الزواج، ماداموا على حالة ظاهرة من الصلاح، مشيرا بذلك، من طرف خفي، إلى أن صلاحهم لا بد أن يجلب لهم العطف والمودة والإحسان من الغير، ولا سيما من مواليهم الذين ينزلونهم منزلة أولادهم، فيعوض الله لهم ما كان ناقصا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. أما الذين تعذر عليهم الزواج، ممن لم يجد وسيلة للحصول على المهر والنفقة بالمرة، أو وجد اليسير من الصداق والنفقة، لكن لم يجد الزوجة التي تقبل ذلك، أو عاقه عن الزواج عذر آخر من الأعذار القاهرة، فقد دعاهم كتاب الله إلى ملازمة العفة والصبر عن الشهوة، في انتظار توافر الشروط وزوال الموانع، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال جار الله الزمخشري مبينا بلاغة القرآن في هذا السياق: " وما أحسن ما رتب هذه الأوامر، حيث أمر بما يعصم من الفتنة ويبعد عن

стр. 1540

مواقعة المعصية، وهو غض البصر، ثم النكاح الذي يحصن به الدين، ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام، ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء وعزفها (أي صرفها) عن الطموح إلى الشهوة، عند العجز عن النكاح، إلى أن يرزق القدرة عليه ". وعاد كتاب الله إلى الاهتمام بمشاكل " ملك اليمين "، فحض على إحدى الوسائل العملية لتحرير الرقاب، ألا وهي الاتفاق مع المملوك ملك يمين على قدر مقسط من المال يؤديه لمولاه، تعويضا عن الحق الذي له عليه، وهذا الاتفاق هو الذي يطلق عليه اسم " المكاتبة " في هذا الموضوع. ودعا كتاب الله الموسرين من المسلمين، من الموالي وغيرهم، إلى مساعدة المكاتبين على تحرير أنفسهم ببذل العون لهم على التحرر، من مال الله الذي آتاهم، علاوة على ما هو مخصص في بيت المال لتحرير الرقاب من موارد الزكاة في الإسلام، وبذلك يتمكن المكاتب من أن يشتغل ويكتسب ويتحرر ويتزوج إذا شاء، فيكون ذلك أعف له وأكرم، وهذا المعنى هو الذي يتضمنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أي أمانة وصلاحا ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. ثم تصدى كتاب الله للقضاء على ما كان معروفا في بعض أوساط الجاهلية من تسخير الإماء لممارسة البغاء، من أجل ما يدره على مالكي رقابهن، فحرم كتاب الله ذلك تحريما باتا، لأن البغاء حرام في الإسلام في جميع الأحوال، وإلى ذلك يشير قوله

стр. 1541

تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾، فالمراد " بالفتيات " هنا الإماء، على حد قوله ﵇: (ليقل أحدكم فتاي وفتاتي، ولا يقل عبدي وأمتي) وإنما قيل " إن أردن تحصنا " تصويرا لحالة الإكراه، حيث إن إكراههن على البغاء لا يتصور إلا عند إرادتهن للتحصن، وليس معنى ذلك إباحة البغاء عند الرغبة فيه وعدم الإكراه عليه، وقوله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إشارة إلى الدافع الخسيس الذي كان يدفع بعض مالكي الإماء في الجاهلية إلى استغلالهن في ممارسة البغاء، وقد كان رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول على رأس الذين يتاجرون في عرض إمائه، فوقف الإسلام له ولأمثاله بالمرصاد، وقضى على ما كان سائدا في عهد الجاهلية من الانحراف والفساد. ثم قال تعالى في نفس السياق: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي غفور لهن ما أكرهن عليه، وإثمهن على من أكرههن، وفي الحديث المرفوع عن رسول الله ﷺ أنه قال: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". وختم هذا الربع بتبيين الحكمة فيما تضمنته هذه السورة المدنية من تشريعات كلها تأسيس وتأصيل، مصحوبة بكثير من البيان والتفصيل، سعيا في هداية الخلق، وتمييزا للطيب من الخبيث والباطل من الحق، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يشير إلى قصة عائشة، المماثلة لقصة مريم وقصة يوسف ﵉ ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.

стр. 1542

الربع الثاني من الحزب السادس والثلاثين في المصحف الكريم (ق) ــ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ

стр. 1543

يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ

стр. 1544

وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)

стр. 1545

الربع الثاني من الحزب السادس والثلاثين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نعالج تفسير الربع الثاني من الحزب السادس والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة النور المدنية: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله تعالى في نفس السورة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. ــ بعد أن عرض كتاب الله في الآيات السابقة من هذه السورة ما يجب أن يكون عليه نظام الأسرة المسلمة، التي هي الخلية الأولى للمجتمع الإسلامي، وحجر الزاوية في بناء الدولة الإسلامية، وبعد أن رفع الستار عن الحكمة الربانية التي تكمن وراء تلك التشريعات والتوجيهات، إذ قال تعالى في ختام الربع الماضي: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ لفت كتاب الله أنظار البشرية جمعاء، إلى أن الإنسان بالرغم مما رزقه الله من عقل لا يمكن له أن يستغني عن الاستنارة بنور الله في تدبير شؤونه الخاصة والعامة، وكما أن " الطبيعة " إنما تسير بانتظام وفقا للنواميس والسنن التي وضعها الله
следующие страницы →