← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)

стр. 1682

الربع الثالث من الحزب الثامن والثلاثين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثالث من الحزب الثامن والثلاثين في المصحف الكريم، مع خمس آيات سابقة عليه، واقعة في نهاية الربع الماضي اقتضى النظر تأجيلها إلى هذه الحصة، حتى نأتي بتفسيرها في سياق واحد، ابتداء من قوله تعالى في فاتحة سورة النمل المكية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. ــ بعدما انتهينا من تفسير " سورة الشعراء " المكية نشرع اليوم بعون الله وتوفيقه في تفسير " سورة النمل " المكية أيضا، وقد أطلق على هذه السورة " سورة النمل " أخذا من قوله تعالى في الآية الثامنة عشرة منها: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾، والملاحظ أن فاتحة السورة النمل هذه مشابهة كل الشبه لفاتحة سورة الشعراء السابقة، إذ كل من السورتين مفتتح بحروف مقطعة من حروف

стр. 1683

الهجاء، ففي سورة الشعراء (طسم) وفي سورة النمل (طس) وأول آية في سورة الشعراء: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ وأول آية في سورة النمل: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وكما تصدى كتاب الله في سورة الشعراء لإبطال شبهات أعداء القرآن تصدى هنا لنفس الشيء، زيادة في الإقناع والبيان، وكما تضمنت سورة الشعراء جملة من قصص الأنبياء والمرسلين أوردت سورة النمل حلقات أخرى من بعض تلك القصص، كقصة موسى وقصة صالح وقصة لوط، وأضافت قصصا أخرى فيها عبرة للمعتبرين، وحجة قائمة على الجاحدين والمنكرين، كقصة سليمان التي تخللتها قصة النمل وقصة الهدهد وقصة ملكة سبأ. وبعد التذكير بما في هذه القصص من مواعظ وعبر أخذ كتاب الله يوجه الخطاب تلو الخطاب إلى كافة البشر، من تقدم منهم في عهد الرسالة ومن تأخر، داعيا إياهم إلى التأمل في آيات الله السارية في الكون، بما فيه من أرض وسماء، وبر وبحر، ورياح وأمطار، وجبال وأنهار، وليل ونهار، ومن هذا المنطلق انتقل كتاب الله إلى الحديث عن البعث والحشر وبعض أشراط الساعة، وناقش الشاكين في البعث والمكذبين بالحياة الآخرة مناقشة تبطل شبهاتهم، وتقضي على تحدياتهم، وتخللت ذلك كله آيات بينات، تؤكد لخاتم الأنبياء والرسل رعاية الله له من فوق سبع سماوات، وهو يخوض أقسى معركة خاضها رسول ضد الشبهات والشهوات. فقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ * هُدًى

стр. 1684

وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ينص على أن كتاب الله يتضمن أمرين: - الأمر الأول هداية الخلق، إلى كل ما هو حق، حتى يتفادوا كل ما هو باطل، قولا وفعلا واعتقادا. - الأمر الثاني تعريف المهتدين به، بما يلقونه من البشائر في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فلا يعتري حياتهم خلل ولا اضطراب، ويكونون بمنجاة من أليم العذاب. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ وصف للمومين، بأن لإيمانهم تأثيرا بارزا في سلوكهم، فهم حريصون كل الحرص على إقامة الصلاة، التي هي أول حق من حقوق العباد، وم أخذ على عاتقه القيام بهما كان على قدم الاستعداد للقيام بما دونهما. وقوله تعالى ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ وصف ثان للمؤمنين المهتدين بهدي القرآن، إذ لا يكون مهتديا به، إلا من كان على يقين تام بالنشر والحشر والنشأة الثانية، علاوة على ما يقوم به من حقوق الله وحقوق العباد، أما من كان يقوم بذلك على وجه الاحتياط لا غير، دون جزم بالحياة الآخرة، فلا يعد في الحقيقة مهتديا بهدى القرآن، لأنه لا يزال في شك من أمره غير كامل الإيمان. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ

стр. 1685

أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ يشير إلى حقيقة نفسية واجتماعية دل عليها الاستقراء في القديم والحديث، ألا وهي أن كل شخص ليس عنده إيمان بالآخرة، ويعتقد أن حياته تنتهي عند حلول الموت، تزداد أنانيته حدة، ويزداد شرهه شدة، إذ يخيل إليه أن ذاته هي البداية والنهاية، وأن حياته في الدنيا ليست وسيلة وإنما هي في نفسها غاية، فلا يترفع عن طرق أي باب من الأبواب، ولا يتورع عن اتخاذ أحط الوسائل وأشنع الأسباب، لاختلاس أكبر قدر ممكن من المنافع والشهوات، وانتزاعها إن لم يكن بالحيلة فعن طريق العنف والجرائم والموبقات، لأن المجتمع في تصوره القاتم عبارة عن غابة موحشة وأدغال، وكل شيء في نظره القاصر مباح وحلال، ما دامت نهاية حياته القصيرة حسبما يخيل له خياله المريض هي التفسخ والفناء والانحلال. ووصف كتاب الله عاقبة هذا النوع التائه المنحرف فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾. وليلفت كتاب الله نظر الشاكين والمكذبين إلى ما يتضمنه القرآن من الحق المبين، حتى يكونوا مما فيه على بينة ويقين، قال تعالى مخاطبا رسوله الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ و " الحكيم " لا يوحي إلا بالحكمة، و " العليم " لا ينطق إلا بالعلم، ومن لم ينتفع بما في القرآن من علم وحكمة بقي معدودا في عداد الجهلة والسفهاء، غريقا في أوحال المغالطات والجدل والمراء. وقص كتاب الله على رسوله والمؤمنين حلقات أخرى من

стр. 1686

قصة موسى الكليم ﵇ تتضمن تكليمه وإرساله من عند الله، وتمرينه على استعمال المعجزات التي يتحدى بها أعداء الله، مع ما يتصل بذلك من ظروف وملابسات، كلها مفاجآت، فقال تعالى ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ أي أبصرتها من بعيد ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أي آتيكم بشعلة نار تستدفئون بها ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي بورك فيك يا موسى وفي الملائكة، فأنت نزيل البقعة المباركة، ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي ولى خائفا ولم يرجع، لكن ناداه ربه ليهدي روعه ﴿يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. وقوله تعالى هنا: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ إخبار لموسى ﵇ بأن الآيات المادية التي سيؤيده الله بها أمام فرعون وقومه يبلغ عددها تسعا، وأن إلقاءه لعصاه، وإخراجه ليده من جيبه بيضاء يندرجان في تلك الآيات التسع، وسبق في الآية السابعة والثلاثين بعد المائة من سورة الأعراف الإشارة إلى بعضها، كما سبق في الآية الثامنة والثمانين من سورة يونس الإشارة إلى بعضها الآخر، وأكبر الآيات التسع التي أيد الله بها موسى هي التي وردت في

стр. 1687

الآية الثالثة والستين من سورة الشعراء الماضية، حيث قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. أما مواقف فرعون وملائه من موسى ﵇، وما انتهت إليه عاقبتهم في النهاية فقد أوجزها كتاب الله في هذه السورة حيث قال ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ أي واضحة بينة ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وكما قال تعالى في آية أخرى عن فرعون وقومه: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦]، قال عنهم هنا: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، أي إنما جحدوها ظلما وعلوا ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾، وقد وصف كتاب الله فرعون وقومه في هذه الآيات بالفسق والفساد والظلم والاستكبار والاستعلاء، وكل واحدة من الصفات توجب سخط الله وغضبه، وتعرض أهلها للدمار والهلاك، فما بالك إذا اجتمعت كلها في صعيد واحد. وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن قصة سليمان وما صاحب ملكه من الوقائع التي برزت في زمانه وبهر الإنسان، مبينا كيف سخر الله تعالى لسليمان، من الوسائل المعتادة، وغيرها من الوسائل الخارقة للعادة، ما لم يسخره لأحد من قبله، عسى أن يؤمن بنو إسرائيل ـ على ما هم عليه من شك وعناد ـ برسالته، ويجمعوا كلمتهم بعد الفرقة والشتات ـ على طاعته، وكيف آتاه الله ملكا فردا من نوعه لم يوت مثله لأحد من بعده، عسى ان يعترف بنو إسرائيل بنعمة الله عليهم، ولا ينقضوا الميثاق الذي واثقهم عليه

стр. 1688

منذ أرسل موسى الكليم إليهم، لكنهم بالرغم من ذلك فضلوا الفرقة على الوحدة، والانحراف على الاستقامة، ولم يمض زمن قصير بعد موت سليمان حتى أخذوا يعضون بنان الندامة، فتفرق جمعهم، وتشتت شملهم، وانهار ملكهم، وأصبح ملك سليمان العتيد وهيكله الجديد في خبر كان، وأصبح بنو إسرائيل أوزاعا وأشتاتا في كل مكان، وكانت جلوتهم الكبرى بعد جلوتهم الصغرى، مصداقا لقوله تعالى في سورة إبراهيم وهو يخاطب بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [الآية: ٧]. وليعتبر المؤمنون والكافرون بما تعرض له بنو إسرائيل بعد انهيار ملك سليمان من النكبات والنقم، عرض كتاب الله في الآيات التالية ما أنعم به عليهم في عهد ملكه القصير من جليل النعم، حتى يقارن الجميع بين حالتي السخط والرضا، ويستخرجوا العبرة مما مضى " فبضدها تتميز الأشياء ": - قال تعالى تمهيدا لقصة سليمان منوها بأبيه داوود، وبما آل إلي بعد موت أبيه من النبوة والملك دون بقية إخوته ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ وهذه الآية تضمن تنويه الحق بنعمة " العلم "، واعتبارها من أجل النعم وأجزل القسم، وأن من فضله الله بالعلم على غيره من الناس يجب أن يقابل نعمة الله عليه في كل آن، بالشكر والامتنان. ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى في آية أخرى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ

стр. 1689

آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وكما استعمل كتاب الله (الإرث) بمعناه المجازي في قوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ استعمل بنفس المعنى في قوله صلى الله عليه سلم: (العلماء ورثة الأنبياء)، تعبيرا عن كونهم حملة لعلمهم، أمناء على رسالتهم، حراسا للدين بين قومهم. وقوله تعالى حكاية عن سليمان: ﴿وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾، إشارة إلى أنه كان يتحدث إلى قومه بنعمة الله ليبرز فضل الله عليه، إذ الكل منه وإليه، والمراد بمنطق الطير الذي علمه الله إياه ليصدقه بنو إسرائيل في كونه رسولا من عند الله هو فهم المشاعر التي تجول في نفوسها عن طريق الأصوات التي تنطق بها، فتتفاهم فيما بينها، والمراد " بكل شيء " في قوله: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ كل شيء يحتاج ملكه إليه، ويتوقف عليه، على غرار ما وصفت به ملكة سبأ في آية لاحقة ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ إشارة إلى جمع جنوده واستعراضهم أمامه على نظام وترتيب لا يتقدم فيه أحد عن منزلته، ولا يتأخر أحد عن مرتبته، وكل صنف منهم يجري عرضه وفق طبيعته، قال قتادة: " كان لكل صنف وزعة في رتبتهم مواضعهم ". ويطلق " الوازع " على الموكل بتنظيم الصفوف في العرض، ليكف من تقدم إذا كان حقه التأخير، ويقدم من تأخر إذا كان حقه التقديم: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.

стр. 1690

وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ إشارة إلى أن سليمان ﵇، كما علمه الله منطق الطير علمه منطق النمل، ولذلك فهم مقالة النملة التي تقود قافلتهم، وتبسم ضاحكا من قولها المهذب، وإنما تبسم من قولها لأنها برأت ساحته وساحة جنوده من الاتهام بالقصد إلى التحطيم والعدوان، وحملتهم منذ البداية حمل العدل والحنان والإحسان، عندما قالت: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وبدلا من أن يتكبر سليمان ويتجبر كما يفعل المغرورون المعجبون بأنفسهم، والناسون نعمة الله عليهم، توجه سليمان في الحال إلى الحق بالتضرع والسؤال: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾، مما يدل على أن نظر سليمان لجنوده وهو يستعرضهم كان نظر تدبر واعتبار، لا نظر زهو وافتخار. ثم مضى في دعائه يقول: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ على غرار ما دعا به يوسف إذ قال: ﴿توفني مسلما وألحقني بالصالحين﴾ [يوسف: ١٠١]، وما دعا به إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣]. ولا غرابة في أن يطلب الأنبياء إلحاقهم " بالصالحين "، وإن كان هذا اللقب يطلق أيضا على من دونهم من الأولياء، لأن " الصالح " بمعناه العام هو الإنسان الكامل الذي لا يعصي الله تعالى ولا يهم بمعصية، والذي يختم له بالخاتمة الحسنى والسعادة الأبدية، قال الإمام القشيري تعليقا

стр. 1691

على قوله تعالى هنا: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾: " فيه دليل على وجوب سياسة الكبار لمن هو في رعيتهم، وعلى حسن الاحتراز مما يخشى وقوعه، وأن ذلك مما تقتضيه عادة النفس ". ثم حكى كتاب الله ما قام به سليمان من البحث عن الطائر المسمى بالهدهد، حيث أنه لم تقع عينه عليه، فلم يدر هل هو حاضر أم غائب ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ ثم تساءل سليمان فيما إذا كان الهدهد غائبا هل تغيب من تلقاء نفسه في مهمة ولعذر مقبول، أم إنما ذلك منه مجرد غفلة وإهمال، حتى إذا لم يكن لغيبته مبرر عاقبه العقاب اللائق، وذلك قول سليمان فيما حكاه عنه كتاب الله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ وقد سأل ابن عباس عبد الله بن سلام: " لم تفقد سليمان الهدهد دون سائر الطير. فقال له: احتاج إلى الماء ولم يعرف عمقه، وكان الهدهد يعرف ذلك دون غيره من الطير فتفقده ". لكن سليمان لم يلبث إلا قليلا حتى أقبل عليه الهدهد رافع الرأس، مفتخرا بأن عنده من العلم ما ليس عند سليمان، وأنه حمل إليه خبرا يعد في بابه اكتشافا مهما جديرا بالنظر والإمعان ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ قال جار الله الزمخشري: " ألهم الله الهدهد فكافح سليمان أي واجهه بهذا الكلام، على ما أوتي من فضل النبوة والحكمة، والعلوم الجمة، ابتلاء له في علمه، وتنبيها على أن في أدنى خلقه وأضعفه من

стр. 1692

أحاط علما بما لم يحط به، لتتحاقر إليه نفسه، ويتصاغر إليه علمه، ويكون لطفا له في ترك الإعجاب، الذي هو فتنة العلماء، وأعظم بها فتنة ". ومضى الهدهد يعرض على سليمان الخبر المثير الذي يصف فيه دولة سبأ، مشيرا إلى نظام الحكم القائم في هذه الدولة، وإلى ما هي عليه من ازدهار وتقدم ورخاء، ومصرحا بأن امرأة هي التي تجلس على عرشها العتيد، ومبينا نوع الدين الذي تدين به هي وقومها، وأنه من قبيل الديانة المجوسية، فقال وهو يخاطب سليمان: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. ثم عقب على ذلك مستنكرا ما وجد عليه أهل سبأ من عبادة الشمس والسجود لها، بدلا من عبادة الله والسجود له، معترفا بأن الله الذي ألهمه معرفة الماء المغيب تحت الأرض هو الذي يكشف لخلقه عن كل ما هو سر مغيب عنهم، سواء كان في السماء وطباقها، أو في الأرض وأطباقها، وللتعبير عن هذه المعاني حكى عنه كتاب الله قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ وختم الهدهد خطابه لسليمان، مذكرا له بأن الملك الحق والدائم هو ملك الله ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦]، وأن العرش الذي لا تدانيه العروش، والعظيم

стр. 1693

بسائر وجوه العظمة، هو عرش الله القاهر فوق عباده ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.

стр. 1694

الثمن الأول من الربع الأخير في الحزب الثامن والثلاثين بالمصحف الكريم (ق) ــ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا

стр. 1695

آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧) قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)

стр. 1696

الثمن الأول من الربع الأخير في الحزب الثامن والثلاثين بالمصحف الكريم (ت) عباد الله نحن الآن بصدد تفسير الربع الأخير من الحزب الثامن والثلاثين في المصحف الكريم، ونظرا لما يضمنه هذا الربع من المواقف الفريدة، والمحاورات العديدة، المتعلقة بقصة سليمان وملكة سبإ، وما تقتضيه تلك المواقف والمحاورات من تحليلات، وتوحي به ذيولها من توجيهات، فسنفرد الثمن الأول منه بحصة اليوم، وسنخصص للثمن الثاني منه حصة الغد بحول الله وقوته، وتبتدىء حصة هذا اليوم من قوله تعالى في سورة النمل المكية: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ وتنتهي عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. ــ لا يزال كتاب الله يواصل الحديث عن قصة سليمان، ويبرز جوانب متنوعة من شخصيته، وسياسته الحكيمة في رعيته، مما فيه عبرة للمعتبرين، من المسؤولين القدماء والمحدثين، فها هو سليمان بعدما استمع إلى الهدهد يتحداه ويقول: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ يجيبه بكل هدوء

стр. 1697

قائلا: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فلم يسرع إلى ما وعده به من العذاب أو الذبح لأول ما وجده غائبا، طبقا لما قال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾، وإنما وقف عند حد ما التزم به في الأخير إذ قال: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، فالأمر مرهون في النهاية بالحجة والبرهان، لا بالسطوة والسلطان، ومراد سليمان بالنظر في صدق الهدهد أو كذبه عندما قال له: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هو التأمل فيما اعتذر به الهدهد عن غيبته، وفيما أخبر به مما اكتشف في رحلته، عملا بما يجب من التحري في تلقي الأخبار، والتعرف على الأسرار، ومن هذه الآية التي حكى كتاب الله على لسان سليمان استنبط الإمام القشيري في كتابه (لطائف الإشارات) " أن خبر الواحد لا يوجب العلم، بل يجب التوقف فيه على حد التجويز، وأنه لا يطرح، بل يجب ان يتعرف هل هو صدق أم كذب، وأن الوالي يمنعه عدله من الحيف على رعيته، ويقبل عذر من وجده في صورة المجرمين إذا كان صادقا في معذرته ". ونفس الرأي أخذ به القاضي أبو بكر (ابن العربي) وتابعه عليه القرطبي في تفسيره حيث قال: " في قوله أصدقت أم كنت من الكاذبين دليل على أن الإمام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم، ولكن للإمام أن يمتحن ذلك إذا تعلق به حكم من أحكام الشريعة، وفي الصحيح: " ليس أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل "، وحيث أن " الهدهد هو الذي قال ما قال لزمه الخروج من عهدة ما قال "، وقد كان لما أحاط به من العلم بشأن مملكة سبأ، واقتناع

стр. 1698

سليمان بصدقه في الخبر أثر بالغ في ترشيحه للسفارة عنه، ونقل كتابه إلى الملكة الجالسة على عرشها، فأصدر إليه سليمان أمره قائلا: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾. ويلاحظ على سليمان أنه لم يصدع بهذا الأمر إلى الهدهد فور ما سمعه يقول: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾، وإنما اهتز لذلك، ونطق بأمره، بعدما سمعه يقول: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فالأمر هنا لا يتعلق بالتوسع في الملك، والمزيد من السطوة والسلطان، بقدر ما يتعلق بنشر التوحيد وعبادة الله، بدلا من عبادة الطبيعة والأوثان، وإنما قال: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ بضمير الجمع بدلا من (ألقه إليها) لينسجم مع قوله قبل ذلك: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ فالكتاب موجه إليها وإلى قومها، بدليل قوله تعالى فيه حسبما يأتي: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ بصيغة الجمع أيضا، ومعنى قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ الق الكتاب وتنح عنهم، التزاما للأدب، لكن كن حريصا على استيعاب ما يدور بينهم من مراجعة في القول حول مضمون الكتاب ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ قال أبو حيان: " وفي قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ دليل على إرسال الرسل من الإمام إلى المشركين يبلغهم الدعوة، ويدعوهم إل الإسلام، وقد كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى وقيصر وغيرهما من الملوك ". وهنا انتقل كتاب الله إلى حكاية ما دار بين ملكة سبأ وقومها

стр. 1699

حول كتاب سليمان، بعد وصول كتابه على يد سفيره الناصح الناجح ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾. ومصداقا لقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الآية: ١٧٦]، استخرج علماؤنا رضوان الله عليهم بثاقب فكرهم من هذه القصة عدة توجيهات قرآنية، لها تأثير عميق في الحياة الإسلامية: - أولها التزام الشورى في الشؤون العامة، وعدم الاستبداد بالبت فيها وتصريفها، ودعوة أهل الحل، والعقد للنظر فيها، وعرض ما جد من الأحداث على أنظارهم دون تحفظ ولا اختزال، وهذا التوجيه يدل عليه ما حكاه كتاب الله من قول ملكة سبأ: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ وقولها: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾. وقد كان مجلس الشورى على عهد ملكة سبأ مؤلفا من ثلاثمائة وثلاثة عشر عضوا، كل عضو يمثل عشرة آلاف، حسبما رواه التاريخ. - والتوجيه الثاني تصدير الكتاب والمرسلات باسم الله

стр. 1700

الرحمن الرحيم، وهو استفتاح شريف في مبناه، فريد في معناه، ثم ذكر اسم المرسل للكتاب قبل اسم المرسل إليه، وقد كان رسم المتقدمين إذا كتبوا كتابا أن يبدأوا بأنفسهم: من فلان إلى فلان، وبذلك جاءت الآثار. روى الربيع عن أنس ﵁ قال: " ما كان أحد أعظم حرمة من رسول الله ﷺ ، وكان أصحابه إذا كتبوا إليه كتابا بدأوا بأنفسهم ". على أن البدء باسم المكتوب إليه جائز وشائع، وقد يكون هو المناسب في بعض الأحيان، ومأخذ التوجيه الثاني هو قول ملكة سبأ: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وإنما وصفت ملكة سبأ كتاب سليمان بأنه (كتاب كريم) لأنه صيغ في لهجة مهذبة لا يشتم منها طمع في الملك، ولا رغبة في التوسع، وإنما تتضمن دعاء إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أي لا تتكبروا ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أي مذعنين منقادين، مستعدين لمفارقة الشرك والدخول في ملة التوحيد، ووصف الكتاب بالكريم هو غاية الوصف، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ قال الإمام القشيري: " لما عرفت قدر الكتاب وصلت باحترامها إلى بقاء ملكها، ورزق الإسلام وصحبة سليمان ". - والتوجيه الثالث ما يجب أن تكون عليه الرعية ونوابها من نصرة الراعي، والاستعداد لبذل النفس والنفيس في حماية الأوطان والدفاع عنها كلما توقعت خطرا أو تعرضت لخطر، والالتحام التام بين الراعي والرعية، مع الاعتراف بالمنزلة السامية التي تمتاز بها الرياسة والقومية، وذلك ما يتضمنه جواب الملأ لملكة سبأ، إذ

стр. 1701

﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ثم أضافوا قولهم: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾. - والتوجيه الرابع ما ينبغي أن يكون عليه الراعي من حصافة الرأي وتقليب وجوه النظر، والجنوح إلى الوسائل السليمة في معالجة المشاكل السياسية، بدلا من الوسائل الحربية، وهذا المعنى هو الذي تشير إليه ملكة سبأ صراحة وضمنا، إذ ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾، تريد بقولها أن الاشتباك في الحرب مع الغزاة ليس مضمون النتيجة، فقد تكون الغلبة لهم، والهزيمة لمن وقفوا في وجوههم، وتتعرض بلادهم بذلك للخراب والدمار، ويسلك الغزاة في معاملتهم مسلك الانتقام وأخذ الثأر، ولفظ (الملوك) في هذا السياق يعني " الملوك الغزاة " ومثلهم " الغزاة ولو كانوا غير ملوك " فالأمر يتعلق بالغزو والتغلب والاستيلاء على البلاد عنوة أولا وأخيرا، قال جار الله الزمخشري: " وقد يتعلق الساعون في الأرض بالفساد بهذه الآية، ويجعلونها حجة لأنفسهم، ومن استباح حراما فقد كفر، فإذا احتج له القرآن على وجه التحريف فقد جمع بين كفرين ". والظاهر أن ملكة سبأ غلب على ظنها أن سليمان يطمع في ملكها ويريد مقاسمتها ثروتها، لا ان له هدفا دينيا ساميا من وراء دعوتها ودعوة قومها إلى موالاته، والدخول في زمرته، بالرغم مما تضمنه كتابه إليها صراحة في الموضوع، فوجهت له وفدا يترأسه

стр. 1702

مبعوث خاص من كبار قومها، حاملا معه هدية عظيمة، وقد تنافس رواة الإسرائيليات في وصف هذه الهدية وتفصيل أنواعها، ولا يوجد لروايتهم سند إسلامي صحيح، وإلى خبر هذه الهدية يشير قولها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾، إلا أن سليمان لم يقبل هديتها ورد وفدها على عقبه، لأن الهدف الديني الأسمى الذي قصده من وراء دعوتها لا تعدل به أي هدية، ولا تقبل فيه فدية، والهدية في مثله إنما هي رشوة كما قال القاضي أبو بكر (ابن العربي)، ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ أي جاءه وفد ملكة سبأ ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾. وحيث إن الملأ من قوم سبأ عندما عرضت عليهم ملكتهم كتاب سليمان أظهروا منتهى الاعتزاز بقوتهم وشجاعتهم، ولم يبادروا إلى الاستجابة لدعوته إذ ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ اضطر سليمان إلى أن يرد عليهم بما هو من جنس لهجتهم، فقال لرئيس وفدهم ولمبعوثهم الخاص مؤكدا قوله بالقسم: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ أي لا طاقة لهم بمقاومتها، لأنها جنود ملك فريد من نوعه، جمع النبوة والملك، وحيث أن ملكة سبأ ذكرت الملأ من قومها بأن الغزاة إذا دخلوا قرية " أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة "، خشية أن يقع لمملكتها، إذا اشتبكت مع سليمان في حرب، ما وقع لغيرها، ها هو سليمان ينذرها وقومها بنفس المصير إذا لم يأتوه مسلمين، فيصبح ما توقعوه أمرا واقعا، وها هو يردد نفس المعنى ونفس

стр. 1703

اللفظ إذ يقول لرئيس وفدهم ومبعوثهم الخاص: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ومعنى ذلك أنهم يتعرضون لسلب ملكهم، والنفي من أرضهم، والعيش في ديار الغربة عيشة الصغار والهوان. غير أن سليمان ﵇ لم يلبث إلا قليلا حتى اوحي إليه بأن ملكة سبأ قد اقتنعت هي وقومها بأنها لا تستطيع الوقوف في وجه ملك مؤيد بالنبوة من عند الله، وأنها لا يسعها إلا المسير إلى خدمته والدخول في زمرته، فقرر أن يفاجئها عند وصولها إلى حضرته بأمر يبرز قدرة الله الواحد الأحد، الذي يدعوها إلى الإيمان به، كما يبرز لها ولقومها ما أكرمه الله به من تسخير قوى الطبيعة وطاقاتها في أقل من لمح البصر، دون جيش ولا حرب، واختار أن يكون ذلك الأمر هو نقل عرشها بالذات إلى تحت مملكته، قبل وفادتها عليه ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، فتبارى في تنفيد امره عفريت من الجن وعالم من الإنس، وتعهد الأول بأن يأتيه بعرشها بكل أمانة دون تبديل ولا تغيير، قبل أن يقوم من مجلسه، بينما تعهد الثاني بأن يأتيه بعرشها في طرفة عين، وكان المؤهل الأكبر المرشح للقيام بهذه المهمة الخطيرة في نظر العفريت هو ما يتمتع به الجن من القوة، بصفته أقوى الجميع، بينما كان المؤهل الأعظم للقيام بها في نظر العالم من الإنس وهو صاحب سليمان ما يتوفر عليه من علم الكتاب، الذي هو " علم إلهي المصدر " تتضاءل دونه " القوة " المجردة من العلم، ولا سيما إذا كان قبسا من

стр. 1704

العلم الإلهي المحيط، ففاز علم الثاني على قوة الأول في المباراة، وذلك شأن العلم في كل حين، وعن هذه المباراة وما دار فيها من حوار مع سليمان يتحدث كتاب الله إذ يقول: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ وشاء الله ان تكون هذه الكرامة المنبثقة عن علم الكتاب، التي ظهرت على يد صاحب سليمان، إشراقة إلهية، سابقة على ما كشف عنه لخلقه في هذا الزمان، من علم أسرار الجو والطيران. ولعل البعض يستغرب ويتساءل كيف تحقق هذا الأمر على يد " صاحب سليمان " وهو مجرد تابع، ولم يتحقق على يد سليمان نفسه وهو النبي المتبوع الذي قال الله في حقه وحق والده: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ وقال في كتابه على لسان سليمان: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ لكن من تذكر ما واجه به الهدهد وهو مجرد طير من الطيور سليمان ﵇ عندما قال له فيما حكاه كتاب الله سابقا: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ لا يستغرب من هذا الأمر شيئا، فالله تعالى هو الذي أحاط بكل شيء علما، على أن مثل هذا السؤال قد سبق إلى وضعه أحد علماء التصوف الكبار وهو محمد بن علي الترمذي الحكيم ضمن الأسئلة التي وضعها لتمحيص المدعين في طريق القوم من غيرهم واختيارهم ومجموعها مائة وخمسة وخمسون سؤالا تصدى للجواب عنها جميعا (ابن عربي)

стр. 1705

الحاتمي في فتوحاته المكية، وخلاصة جوابه عن هذا السؤال ما معناه: أن العلم بهذا الأمر لم يطو عن سليمان، وإنما طوي عنه الإذن في التصرف به، تنزيها لمقامه، كما أن ظهور هذا الأمر على يد " صاحب سليمان " كان أتم في حق سليمان، ما دام هذا الصاحب تابعا له، مصدقا بنبوته، قائما في الخدمة بين يديه تحت أمره ونهيه، وكل من رأى بركة هذا الرسول التي عادت على صاحبه - سواء أكان من أتباعه الأولين، أو من الوافدين عليه من مملكة سبأ - سيزداد رغبة في متابعته والتعلق به والدخول في دينه، حتى ينال ما ناله هذا التابع، إذ متى كان أمر التابع بهذه المثابة كان امر المتبوع فوق كل تقدير. وواضح ان كرامة الولي متى ثبتت ولايته تكون ملتحقة بمعجزة النبي، إذ لو لم يكن النبي صادقا في نبوته، لم تكن الكرامة تظهر على يد الخواص من أمته، إلى مثل هذا المعنى ينظر قول الشاعر: والمرء في ميزانه أتباعه ... فاقدر إذن قدر النبي محمد والآن وقد حقق الله لسليمان على يد صاحبه تلك الأمنية الغالية، وأصبح وصول ملكة سبأ إلى بلاطه قاب قوسين أو أدنى، وتم إعداد المفاجأة الكبرى لها بحضور عرشها بين يديه، قبل أن تقدم هي عليه، لترى رأي العين أن ملك سليمان مؤيد من الله بمعارف وأسرار، لا تقف دونها الحصون والأسوار، ها هو يشكر الله تعالى على ما أحاطه به من مظاهر العناية الإلهية، وها هو كتاب الله يصف مشاعره الدفينة، في أبهى حلة وأجمل زينة، إذ يقول: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي

стр. 1706

لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾، لكنه سلك مسلك الأدب مع الله، فقابل نعمته بالشكر على الامتنان، لا بالاستعلاء والطغيان، فنجح في الامتحان، وفاز في الرهان، ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾.

стр. 1707

الثمن الثاني من الربع الأخير في الحزب الثامن والثلاثين بالمصحف الكريم (ق) ــ قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ

стр. 1708

عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)

стр. 1709

الثمن الثاني من الربع الأخير في الحزب الثامن والثلاثين بالمصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الثمن الثاني من الربع الأخير في الحزب الثامن والثلاثين بالمصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة النمل المكية: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. ــ بالكلام على الآيات الخمس الأولى في هذه الحصة نكون قد أشرفنا على الانتهاء من قصة سليمان وملكة سبإ، كما وردت في سورة النمل المكية، فهذه الآيات الكريمة تتحدث عن المرحلة الأخيرة من نفس القصة، حيث تصل ملكة سبإ إلى بلاط سليمان، فتفاجأ بعرش سليمان وبجانبه عرش آخر، تخاله شبيها بعرشها إن لم يكن هو هو، وتفاجأ بقصر فريد في تخطيطه البديع، وهندامه الجميل، على خلاف ما هو متعارف في بقية القصور، وتفاجأ بملك حكيم تعلوه هيبة الملك، ويشرق عليه نور النبوة، فلا يسعها إلا أن تعلن -عن اقتناع وطواعية- دخولها في ملته، والتزامها بموالاته وطاعته، ثم تعود إلى مملكتها

стр. 1710

محفوظة الكيان، معززة السلطان. ولتتضاعف عناصر المفاجأة التي أعدها سليمان لملكه سبإ أمر بتنكير عرشها وإدخال تغييرات عليه في الشكل والهيئة، كما يتنكر الشخص حتى لا يعرفه بقية الناس، وقصد سليمان من ذلك امتحان قوة ذكائها وصدق فراستها، وذلك ما حكاه كتاب الله عنه إذ قال لأعوانه من رجال بلاطه: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ وإنما وجهوا الخطاب إلى ملكة سبإ بصيغة التشبيه ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ بدلا من (أهذا عرشك) لئلا يكون ذلك تلقينا لها، فيفوت الغرض من السؤال، وهو امتحان ذكائها، وإنما اختارت هي أن يكون جوابها بصيغة التشبيه أيضا دون نفي ولا إثبات، حيث قالت ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾، نظرا لما لاحظته من تغيير في شكل عرشها وهيئته، فقابلت تشبيههم بتشبيهها، وكان ذلك منتهى النجاح في الامتحان، ومنتهى البراعة في البيان، ولو قالوا لها أهذا عرشك لقالت نعم هو هو. وبمناسبة قدوم ملكة سبإ على بلاط سليمان، واستقبالها فيه، يظهر أن الحديث دار بين رجال بلاطه حولها وحول الملة التي كانت عليها هي وقومها من قبل، والملة التي أكرمهم الله بها وكانوا فيها من السابقين الأولين، فكان كتاب الله لحديثهم بالمرصاد، وسجله على لسانهم إذ يقول: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.

стр. 1711

وفوجئت ملكت سبإ من طرف رجال البلاط السليماني بدعوتها لمشاهدة بركة كبرى بساحة قصره العظيم، وكان بهذه البركة ماء كثير عميق، وقد غطيت بالزجاج الأبيض الصافي، والأسماك تسبح في مياهها كأنما تسبح في بحر أو نهر، بحيث يرى الماء تحت الزجاج في منتهى الصفاء، ولا يميز بين الزجاج والماء، فلما طلبوا من ملكة سبإ ولوج تلك البركة ضمت أطراف ملابسها، وكشفت عن ساقيها، على عادة كل من يخوض غمرات الماء، ظنا منها أن البركة عارية من كل غطاء، لكن " الدليل " الذي كان يرافقها في زيارة القصر بادر بتنبيهها إلى أن سطح البركة مصنوع من الزجاج الأملس الشفاف، وأنه من أجل ذلك يبدو الماء على غاية الصفاء، بالرغم من ذلك الغطاء، وإلى هذا المشهد المثير يشير قوله تعالى هنا في إيجاز وإعجاز: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ قال مجاهد: " الصرح هنا البركة " وقال البخاري في كتاب التفسير من صحيحه: " الصرح بركة ماء ضرب عليها سليمان قوارير ألبسها إياه " و " اللجة " الماء الكثير، و " الممرد " المملس، ومنه الشجرة المرداء التي لا ورق عليها، والفتى الأمرد الذي لم تنبت له لحية، و " القوارير " من زجاج. كان مسك الختام للزيارة التي قامت بها ملكة سبإ إلى بلاط سليمان هو إعلانها لمفارقة ما كانت عليه من الشرك " الذي هو ظلم عظيم "، والدخول مع سليمان في ملة التوحيد، التي لا تؤمن إلا بإله واحد هو رب العالمين، وكما التجأ آدم وزوجه إلى

стр. 1712

الله إذ ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، التجأت ملكة سبإ بدورها إلى ربها، تائبة من شركها، مستغفرة لذنبها، إذ ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، مستعملة نفس الصيغة التي أجاب بها إبراهيم ربه ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، وإنما قالت ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ إشارة إلى مؤاخاتها له في الدين، ولم تقل " وأسلمت لسليمان " تفاديا من الوقوع في شرك جديد، فالمؤمن الموحد إنما يسلم وجهه لله وحده لا لغيره، وملكة سبإ وسليمان، يصدق عليهما معا في هذا المقام أنهما من " عباد الرحمن " قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢]. وتتفق روايات التاريخ على أن سليمان أقر ملكة سبإ على ملكها، فعادت إلى مملكتها عزيزة مكرمة، أما زواجه بها فلم برد له ذكر في الكتاب ولا في السنة الصحيحة. وهنا ينهي كتاب الله الحديث عن قصة سليمان، التي تفرعت عنها وتخللتها قصة النمل وقصة الهدهد وقصة ملكة سبإ، فاستغرقت من هذه السورة سورة النمل المكية اثنتين وثلاثين آية، لينتقل منها إلى الحديث عن قصة صالح، التي سبق له ذكر جانب منها في سورة الأعراف: ٧٣، وسورة هود: ٦١، وسورة الشعراء: ١٤٢، لكنه يعرضها في نسق جديد يتضمن عناصر جديدة، فيقول: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾، وهاهنا يؤكد كتاب الله للمرة

стр. 1713

الثالثة أن الله إنما أرسل إلى ثمود أخا لهم ورسولا من أنفسهم ينتسب إلى نسبهم، ليألف ويولف، ويسهل عليهم التفاهم معه، ويأخذ بيدهم إلى طريق الهدى والحق المبين، وإنما أشار إشارة خاطفة إلى انقسام قوم صالح بالنسبة لدعوته إلى فريقين اثنين، اكتفاء بما سبق له من وصفهما بتفصيل في سورة الأعراف إذ قال: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الآيتان: ٧٥ - ٧٦]. وقد كان الملأ الذين استكبروا من قوم صالح " آمنين في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم " وكانوا يتخذون من سهولها قصورا وينحتون من الجبال بيوتا، فأطغاهم ما نالوه من الترف وسعة العيش، وأضافوا إلى الكفر بنعمة الله الشرك به والكفر برسله، ثم أخذ كتاب الله يبين كيف كان صالح يتلطف بقومه، ويدعوهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادلهم بالتي هي أحسن ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾. واستعجال قوم صالح بالسيئة قبل الحسنة يتجلى في تحديهم له، قائلين أحيانا: ﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، وقائلين له أحيانا أخرى: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠]، بينما باب التوبة مفتوح في وجوههم للحصول على المغفرة والثواب، بدلا من المؤاخذة والعقاب ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ

стр. 1714

تُرْحَمُونَ﴾. ومعنى ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ تشاءمنا بك وبمن معك من المؤمنين، إشارة إلى ما أخذ ينزل بهم من الشدة والقحط، بعد السعة والخصب، ابتلاء لهم من الله حتى ينيبوا إليه، ومعنى ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أن مرد السعة والضيق، والخصب والقحط، ليس إلى أحد من البشر، وإنما هو قضاء الله وقدره، إن شاء رزقكم وإن شاء حرمكم، ولا يظلم ربك أحدا، ويشبه قول ثمود هنا في التشاؤم بصالح قول بني إسرائيل في التشاؤم بموسى، إذ قالوا له: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: ١٢٩]، قال القرطبي: " لا شيء أضر بالرأي ولا أفسد للتدبير، من اعتقاد الطيرة، ومن ظن أن خوار بقرة، أو نعيق غراب، يرد قضاء أو يدفع مقدورا فقد جهل ". ثم لفت صالح أنظار قومه إلى أن ما هم عليه من عناد وفساد، وما هم فيه من ضلال وعماء، هو السبب الحقيقي لما حل بهم من الضيق والابتلاء، فقال لهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وهاهنا يحسن التنبيه إلى أن ما دار بين صالح وقومه من تشاؤمهم به وبمن معه من المؤمنين، ورده عليهم ردا مفحما بإبطال الطيرة من أصلها، لم يرد ذكره فيما سبق أن حكاه كتاب الله من قصة صالح، فهو عنصر جديد في سياق قصته بهذه السورة. وإذا كان كتاب الله قد سلك مسلك الإجمال في ذكر المفسدين من قوم صالح الذين كانوا يقفون في وجهه، فحكى

стр. 1715

عن صالح في سورة الشعراء تحذيره لقومه منهم إذ قال لهم: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [الآيتان: ١٥١ - ١٥٢]، فها هو يسلك مسلك التفصيل في هذه السورة ولا يكتفي بالإجمال، إذ يقول: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، وبذلك اتضح أن زعماء الشرك والضلال من قوم صالح كانوا تسعة أشخاص كرسوا جهودهم للفساد والإفساد، بحيث لا يتخلل نشاطهم ولو مثقال ذرة من الصلاح والإصلاح ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾. وهنا كشف كتاب الله الستار عن عنصر جديد من عناصر قصة صالح، ألا وهو تآمر أولئك المفسدين، وتحالفهم على مباغتة صالح وقتله وقتل أهله في غسق الليل، ثم على الحلف لأولياء القتيل أنهم ما شهدوا مصرعه ولا مصرع أهله، حتى يعتقدوا صدقهم ولا يؤاخذوهم بدمه ودم أهله ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ لكن الله تعالى الذي ينصر أولياءه عصم رسوله منهم، وعاجلهم بعقابه الشديد فجأة وعلى غرة ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. وحيث أن كتاب الله سبق أن وصف نوع العذاب الذي حل بهم في سورة الأعراف إذ قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الآية: ٧٨]، وفي سورة هود إذ قال: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الآية: ٩٤]. اكتفى في هذه السورة بذكر المصير المفجع الذي

стр. 1716

آل إليه أمر العتاة التسعة المفسدين، ومن ائتمر بأمرهم من القوم الضالين، فقال تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. وانجلت معركة الحق التي كان يخوضها صالح ﵇ لإزهاق الباطل - كما هو المنتظر دائما - بنجاته ونجاة من معه من المؤمنين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ مصداقا للوعد العام الذي وعد الله به كافة الرسل والأنبياء في سورة الأنبياء، إذ قال تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الآية: ٩]. ومن قصة صالح وما فيها من المثلاث والعبر، انتقل كتاب الله للحديث مرة أخرى عن قوم لوط، وما ابتدعوه من الفاحشة الكبرى التي غطت على بقية الفواحش، حتى عم مقتها وانتشر، بين كافة البشر، وذلك قوله تعالى هنا: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾

стр. 1717

الثمن الأول من الربع الأول في الحزب التاسع والثلاثين بالمصحف الكريم (ق) ــ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا

стр. 1718

دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤) قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)

стр. 1719

الثمن الأول من الربع الأول في الحزب التاسع والثلاثين بالمصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نشرع في تفسير الربع الأول من الحزب التاسع والثلاثين في المصحف الكريم، وسنقتصر فيها على تفسير الثمن الأول منه، لما يلزم من استقصاء القول فيه، وذلك ابتداء من قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. ــ لقد كانت نهاية الربع الماضي بداية للحديث عن آخر قصة في سورة النمل المكية، وهي قصة لوط مع قومه، وهذه القصة تجدد ذكرها في ثمان سور من القرآن الكريم، فتولى كتاب الله في سبع منها التشهير بعمل قوم لوط والتنفير منه، وذكر العقاب الإلهي الصارم الذي عاقبهم به على فاحشتهم الكبرى، ألا وهي سور: الأعراف، وهود، والحجر، والشعراء، والنمل، والعنكبوت، والقمر، واقتصر في واحدة منها وهي سورة الصافات على وصف عقابهم دون وصف عملهم، اكتفاء بما رددته السور الأخرى، فقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ

стр. 1720

أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [٨٠، ٨١]. وقال تعالى في سورة هود: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ - يشير إلى بنات قومه ويدعوهم إلى الزواج بهن - ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ * قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [٧٨، ٧٩]. وقال تعالى في سورة الحجر: ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾، وفيها أيضا: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الآيات: ٦٨، ٧١، ٦٩] وقال تعالى في سورة الشعراء: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [١٦٦، ١٦٥]. وقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [٢٩، ٢٨]. وقال تعالى في سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [٣٧]. وقال تعالى في نهاية الربع الماضي من سورة النمل: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [٥٥، ٥٤]. ومن عرض هذه الآيات في صعيد واحد يتضح ما كان لعمل قوم لوط من أبعاد خطيرة، وما يؤدي إليه عند انتشاره
следующие страницы →