← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾، وأنهى كتاب الله قصة موسى في هذا الربع، ببيان العاقبة التي آل إليها أمر فرعون ومن معه، وموسى ومن معه، فقال تعالى مشهرا بعاقبة الفريق الأول، ومنذرا بنفس العاقبة لكل من سار على نهجه ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ وقال تعالى منوها بعاقبة الفريق الثاني، ومبشرا كل من اهتدى بهديه: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾. ولا شك أن ما تضمنته قصة موسى، من المواقف والمشاهد والمثلات والعبر، كان يشابه أو يقارب إلى حد كبير ما يواجهه خاتم الأنبياء والمرسلين في الحال، وما سيواجهه في المستقبل المنتظر، فقد عبأ مشركو قريش جميع قواهم المادية والأدبية للطعن في رسالته، وحاولوا بكل الوسائل محاصرة دعوته، وكما فارق موسى وقومه معه مصر، لينجوا من طغيان فرعون وقومه، هاجر خاتم الأنبياء والمرسلين مع أصحابه من مكة، لينجوا من طغيان الشرك وأهله، وكما كان النصر على فرعون حليف موسى في عاقبة أمره، سيكون النصر حليف الرسول وصحبه في نهاية عمره ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. ومن التذكير بقصة موسى انتقل كتاب الله إلى التذكير بقصة إبراهيم ﵇، فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ *

стр. 1647

قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. وهذا الحوار الصريح الذي دار بين إبراهيم وأبيه وقومه أبرز ما كان سائدا بينهم من السذاجة والجهل والتقليد الأعمى، الأمر الذي جعل إبراهيم ﵇ يعلن براءته من الأصنام التي يعبدونها، وعداوته لها، دون تحفظ ولا تردد ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾. وكان هذا الرد المفحم من إبراهيم الخليل على قومه الضالين، صدمة بالغة لهم، ومحاولة جادة لنقلهم من عبادة الأصنام إلى عبادة الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لا يستحق العبادة سواه، فهو الذي يعبده إبراهيم ويطيعه ويتولاه، ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. وبهذه الأوصاف التي وصف بها إبراهيم ربه عرفهم بخصائص الألوهية ومظاهر الربوبية، كما عرفهم ببداية الحياة ونشأة الأحياء، وما يؤول إليه مصير الإنسان في دار البقاء. ومن لطائف التفسير ما يلاحظ في قوله تعالى هنا حكاية عن إبراهيم الخليل: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ فقد أسند في هذه الجملة المرض إلى نفسه، وإن كان عن قضاء الله وقدره، أدبا مع الله، وتربية للعارفين بالله، أضف إلى ذلك ان كثيرا من أسباب المرض تحدث بتفريط من نفس الإنسان، لكن لا يتم شفاؤها إلا بإذن الرحيم الرحمن.

стр. 1648

وإذا كان الحوار الإبراهيمي مفيدا ومنتجا بالنسبة للماضي في مهاجمة الشرك والوثنية، والتعريف بخصائص ومظاهر الربوبية، فإن التذكير به في كتاب الله على عهد الرسالة المحمدية، أعظم فائدة، وأعم عائدة، لا سيما ومشركو قريش يعتبرون أنفسهم " عربا إسماعيلية " فهم بالنسبة لإبراهيم الخليل أقرب الأقرباء، ودعوة إبراهيم للتوحيد ضد الشرك الذي هم عليه سند قوي يؤكد دعوة خاتم الأنبياء، ولذلك جاء التعقيب عليها بما ينتظر مشركي قريش وغيرهم من المشركين، من عذاب يوم الدين، فقال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ثم ختمت قصة إبراهيم بما يشير إلى الحكمة من إيرادها، والفائدة من تذكير الرسول وقومه بها، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. أما قصة نوح ﵇ التي استغرقت من هذا الربع في نهايته ست آيات لا غير، فلنؤجل تفسير ما ورد منها في هذه السورة إلى الربع المقبل بحول الله، حتى نلقي عليها نظرة شاملة. ولنلتفت الآن إلى شرح بعض المفردات الواردة في هذا

стр. 1649

الربع، فقوله تعالى في قصة موسى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ من الشروق، والمراد به شروق الشمس وطلوعها، وهو بيان لوقت وصول فرعون وجنوده والتقائهم بموسى ومن معه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ معناه أن " أصحاب موسى " كانوا يتوقعون أن يدركهم فرعون بجنوده. وقوله تعالى: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾، المراد بالفرق في الأصل هو الفج الواقع بين جبلين، والطود هو الجبل الكبير، وقوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ أي قربنا الآخرين من البحر، والمراد " بالآخرين " فرعون وجنوده. وقوله تعالى في قصة إبراهيم حكاية عن قومه: ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ أي نظل مقيمين على عبادة الأصنام ودعائها. وقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي قربت الجنة وأدينت من أهلها. وقوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ أي كشف عنها وعن أهوالها للغاوين المسوقين إليها. وقوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ أي كبوا فيها وألقي بعضهم على بعض. وقوله تعالى حكاية عن نفس الغاوين الضالين: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معناه أنهم يتمنون العودة إلى الدنيا، زاعمين انهم إذا عادوا إليها أطاعوا وأصلحوا، بدلا مما كانوا عليه من المعصية والفساد، لكن المتوقع خلاف ما زعموا ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]. ومما ينبغي التنبيه إليه في هذا المقام ما حكاه كتاب الله على لسان إبراهيم الخليل، من أدعية صالحة كلها ابتهال إلى الله وتعظيم وتبجيل:

стр. 1650

الدعاء الأول: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. والدعاء الثاني: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. والدعاء الثالث: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾. والدعاء الرابع: ﴿واغفر لأبي إنه كان من الضالين﴾. والدعاء الخامس: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. فالدعاء الأول يتضمن التماس المزيد من الرشد والحكمة والالتحاق بزمرة الصالحين المصلحين. والدعاء الثاني يتضمن التماس الذكر الجميل المستمر على وجه الدهر في كل جيل، والمراد " بلسان الصدق " الثناء الحسن الذي لا تزيد فيه ولا مبالغة. والدعاء الثالث يتضمن التماس الفوز في الجنة بالنعيم المقيم، حيث لا لغو ولا تأثيم. والدعاء الرابع يتضمن التماس الغفران لأبيه، إن تاب إلى الله وأناب إليه. والدعاء الخامس يتضمن التماس العز والكرامة، وعدم التعرض للهوان والذل يوم القيامة، فهذه الأدعية الصالحة التي دعا بها إبراهيم أب الأنبياء، هي خير ما يتوجه به إلى الله الصالحون الأتقياء، وهي دليل على مزيد تعلقه بالله، ومبلغ خشيته من الله ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].

стр. 1651

وقد استجاب الله لإبراهيم أدعيته، وحقق بمنه وكرمه أمنيته، وليؤكد فضله عليه لدى السابقين واللاحقين، قال تعالى في كتابه المبين: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠]. أما دعاؤه الخاص لأبيه، فقد بين كتاب الله القرار الأخير فيه، فقال تعالى في سورة التوبة: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [الآية: ١١٤].

стр. 1652

الربع الأول من الحزب الثامن والثلاثين في المصحف الكريم (ق) ــ قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢) كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ

стр. 1653

رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ

стр. 1654

لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥) كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ

стр. 1655

عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠)

стр. 1656

الربع الأول من الحزب الثامن والثلاثين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأول من الحزب الثامن والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة الشعراء المكية: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلى قوله تعالى في نفس السورة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ــ في الآيات الست الأخيرة من الربع الماضي قص كتاب الله على خاتم أنبيائه ورسله قصة نوح مع قومه بغاية الإيجاز، فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. ويلاحظ في هذه القصة وبقية القصص التي تلتها في نفس السورة أن كتاب الله اختار أن يفتتحها كلها بصيغة واحدة لا يتبدل فيها إلا اسم الرسول وحده أو اسم قومه، فقال تعالى في بداية

стр. 1657

قصة نوح مع قومه ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾، وقال تعالى في بداية قصة هود مع عاد ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾، وقال تعالى في بداية قصة صالح مع ثمود: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾، وقال تعالى في بداية قصة لوط مع قومه ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾، وقال تعالى في بداية قصة شعيب مع أصحاب الأيكة: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾، ولم يقل كتاب الله: كذب قوم نوح نوحا، أو كذبت عاد هودا، أو كذبت ثمود صالحا، أو كذبت قوم لوط لوطا، أو كذب أصحاب الأيكة شعيبا، إشعارا بأن من قابل بالتكذيب رسولا واحدا فقد كذب ضمنيا وبصورة غير مباشرة كافة الرسل، وذلك لأن الرسالات الإلهية - وإن تعددت بتعدد الأنبياء والمرسلين - هي في طبيعتها وجوهرها رسالة واحدة، صادرة من منبع واحد، هو منبع الوحي الإلهي الواحد والوحيد. ثم إن خصائص الرسل، والأمارات المميزة لهم، التي اقتضت حكمة الله أن تكون متوافرة فيهم ليكونوا رسلا من عند الله لا تختلف في أصلها من رسول إلى آخر، بل هي متشابهة ومتماثلة، وطريقة معرفة الرسل واحدة، إذ ما منهم من أحد إلا وقد أيده الله بمعجزة يتحدى بها الكافرين، وحجة يقنع بها المنكرين، وعلى هذا الأساس ألزم الإسلام معتنقيه بعد الإيمان بالله أن يومنوا بكتبه ورسله دون استثناء، وكان شعار المسلمين ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾. يضاف إلى ما سبق أن الله تعالى أمر كل رسول من رسله بأن يبلغ قومه خبر الرسل الذين يرسلهم

стр. 1658

الله من بعده، تعريفا لهم بأن سلسلة الرسالات الإلهية حلقات متوالية، إلى أن يحين ختمها بخاتم الأنبياء والمرسلين، وذلك حتى يكونوا على قدم الاستعداد لتصديق الرسول المنتظر فيصدق الخبر الخبر، وبهذا الاعتبار يكون من كذب رسوله الذي أرسل إليه، مكذبا لجميع الرسل منذ اللحظة الأولى، ويصدق عليه أنه قد كذب المرسلين أجمعين، ولم يكذب رسوله وحده، وهذا المعنى هو الذي أكده كتاب الله في فاتحة القصص الخمس، الواردة في هذه السورة (سورة الشعراء)، بعد قصة موسى وقصة إبراهيم. ومما يستلفت النظر، ويدل على وحدة الرسالات الإلهية، ووحدة الرسل الذين جاؤوا بها أن كتاب الله استعمل أسلوبا واحدا في حكاية ما خاطب به أولئك الرسل أقوامهم، على اختلاف أزمانهم وتعدد مواطنهم، إذ نجده يحكي عن نوح وهود وصالح ولوط وشعيب في هذه السورة أنهم جميعا عبروا عن نفس المعاني والمقاصد، واستعملوا نفس الطريقة في مخاطبة أقوامهم ودعوتهم إلى الإيمان بالرسالة التي جاؤوا بها من عند الله، إذ قال كل منهم مخاطبا لقومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذا الخطاب يوضح أن هدف الرسالات الإلهية الأساسي هو وضع حد لما يقع فيه الناس من الانحراف والاستهتار، وإيقاظ ضمائرهم للخروج من تيه الغفلة واللامبالاة وقفص الجحود والإنكار، حتى يقبلوا على إصلاح ما فسد،

стр. 1659

ويهتموا بترميم ما تداعى للسقوط، ويحيوا حياة إنسانية نظيفة، منسجمة مع إرادة الله، لا تجلب سخطه وإنما تجلب رضاه، وتتحقق بها في الأرض الخلافة عن الله، وهذا هو معنى " التقوى " الذي يدعو إليه كافة الأنبياء والرسل ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾، إذ التقوى في معناه العام هو جعل النفس في " وقاية " مما يخاف منه ويؤذي، لتفادي جميع الأدواء والأسقام، والعيش في هناء وسعادة وسلام، لكن وسائل الوقاية الناجعة لا يستطيع الإنسان الإلمام بها على الوجه الأكمل، إلا إذا تلقاها عن ربه الذي يعلم السر في السماوات والأرض، فهو سبحانه وحده الذي أحاط بكل شيء علما، وهو وحده الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، ولا طريق لذلك إلا تلقي الرسالات الإلهية عن رسل الله، الذين اختصهم برعايته، وائتمنهم على رسالته، وجعل طاعتهم سبيلا إلى طاعته، فقال كل منهم لقومه عن أمر الله وكلمته: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾. وحتى لا يوصم رسل الله من أقوامهم بالطمع والاستغلال، تكفل الحق لرسله بأرزاقهم، فكانوا في حياتهم الخاصة يتمتعون بالاكتفاء الذاتي والاستقلال، ولذلك كانوا يواجهون أقوامهم بما يدفع الشبهة في هذا الباب، حتى لا يجدوا لرفض دعوتهم أي سبب من الأسباب، وهذا هو مغزى قوله تعالى حكاية عن كل واحد منهم: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 1660

ثم إن كتاب الله عندما أراد أن يحكي مقالة الرسل إلى أقوامهم أتى بلفظ معبر له مغزى خاص في هذا المقام بالذات، فوصف الرسول بأنه " أخو قومه " كما في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾. ذلك أن الحكمة الإلهية اقتضت بادئ ذي بدء أن يكون الرسل إلى عامة البشر بشرا مثلهم، يشاركونهم في المشاعر والأحاسيس، ويعايشونهم أفرادا وجماعات، ويلازمونهم ملازمة الظل للشاخص، وبذلك يحصل التفاهم والتجاوب بينهم وبين الناس، مصداقا لقول تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الآية: ٩]. وللمزيد من الألفة بين الرسل ومن أرسل إليهم اقتضت الحكمة الإلهية أن يتكلم بلسانهم، وأن يكون بالنسبة إلى قومه أخا من إخوانهم، إما أخا لهم عن طريق القرابة والنسب، وإما أخا لهم من باب المجانسة والأدب، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]. ولا شك أن تقديم كتاب الله لقصص الأنبياء السابقين، وتلاوة رسوله للآيات التي نزلت في شأنها على المؤمنين، وسماع أخبارها في فجر الإسلام من طرف المكذبين والكافرين مما يزيد

стр. 1661

المؤمنين إيمانا على إيمانهم، عندما يعرفون نجاة إخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان في سالف الأزمان، ومما يزعزع ثقة المكذبين والكافرين بمعتقداتهم الباطلة، عندما يعرفون المصير المفجع الذي آل إليه أمر المكذبين بالرسالات الإلهية، في القرون الماضية، عسى أن يذكروا ويعتبروا، ويتراجعوا عن باطلهم ويزدجروا. وإلى هذا المغزى يشير قوله تعالى على لسان شعيب ﵇ فيما سبق من سورة هود: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [الآية: ٨٩]، وقوله تعالى فيما سبق من سورة التوبة: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الآية: ٧٠]. والآن فلننظر ماذا استنكر كل رسول من قومه، وماذا واجهوا به من قول السوء: - أما نوح ﵇ فقد قضى عهدا طويلا في نصح قومه وتذكيرهم بآيات الله، ودعوتهم إلى دين الحق، لكنهم أصروا على ضلالهم، فلم يومن برسالته إلا قليل منهم، وقد حكى كتاب الله في سورة يونس، قول نوح لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [الآية٧١]، وحكى كتاب الله في سورة هود قولهم لنوح: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا

стр. 1662

تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الآية: ٣٢]، كما حكى في نفس السورة، استهزاءهم به إلى أقصى الحدود، إذ قال تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [الآية: ٣٨]. وها هو كتاب الله يحكي في هذا الربع مأخذا جديدا يؤاخذ به قوم نوح نبيهم، ألا وهو اهتمامه بضعفاء قومه، وقبول دخولهم في دين التوحيد، واعتبارهم أهلا لصحبته ومرافقته، وتلقي ما جاء من عند الله، وها هم يلحون عليه في طردهم وإبعادهم من ساحته ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، وعندما يرفض ادعاءهم ويستنكر استعلاءهم، ويصر على أن دين الله للجميع، وأن الناس سواسية فيه لا فرق بين فريق وفريق، يهددونه بالقتل رجما بالحجارة ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ فلم يسعه إلا أن يلتجئ إلى الله، ويشكو إليه بلواه، ويسأله أن يحكم بينه وبين قومه، إذ هو خير الحاكمين ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأوجز كتاب الله هنا في ذكر عاقبته وعاقبتهم، فقال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. وأما هود ﵇ فقد استنكر من قومه عاد ما وجدهم

стр. 1663

عليه من العبث والاستهتار والإسراف في التشييد والبنيان، والتوسع في العمران، مع ممارسة البطش والتجبر والطغيان، والكفر بما أنعم الله به عليهم من النعم المتعددة الأصناف والألوان، وها هو كتاب الله يحكي ما وعظ به هود قومه إذ قال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ والريع المكان المرتفع الذي يبدو من بعيد. ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فما كان منهم إلا أن أجابوه جواب المصرين على إهمال دعوته، والإعراض عن رسالته ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ وأوجز كتاب الله هنا في ذكر عاقبتهم، فقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وأما صالح ﵇ فقد استنكر من قومه ثمود ما هم عليه من الإسراف في الفساد، والتعنت والتفنن في النحت والبناء، والإغراق في سعة العيش والنعيم والرخاء، مع " الفقر الروحي " البارز في سلوك الآباء والأبناء، فهم لا يفكرون في أي عمل صالح، يقيهم النكبات والجوائح، وهم لا يقدرون الله حق قدره، لا يأتمرون بأمره، وها هو كتاب الله يحكي الخطاب الذي وجهه صالح إلى قومه إذ قال: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا

стр. 1664

هَضِيمٌ﴾ أي يانع نضيج ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ أي فرحين آمنين مكر الله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، فما كان منهم إلا أن أجابوه مكذبين متهمين، وطالبوه بتقديم دليل يدل على أنه من الصادقين: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فأجابهم قائلا: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ﴾ أي لها حظ في الماء ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وأوجز كتاب الله هنا في ذكر عاقبتهم، فقال تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. وأما لوط ﵇ فقد استنكر من قومه ما ابتدعوه دون بقية الناس من الانحراف والشذوذ، والخروج على كل ما هو متعارف بين البشر ومعهود، فقد خلق الله الذكر والأنثى ليكمل بعضهما بعضا، لا ليستغني أحدهما عن الآخر فيبطل حكمة الله ويرفض حكمه رفضا، إذ في ذلك ما فيه من ضياع النسل وانقطاع الذرية، وتعطيل الحكمة الإلهية، وكفى بهما بلية وأي بلية، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]. وها هو كتاب الله يحكي الخطاب الذي خاطب به لوط قومه منددا ببدعتهم، ومنذرا بسوء عاقبتهم: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ

стр. 1665

عَادُونَ﴾، فما كان منهم إلا أن هددوه بالنفي والإبعاد، عقابا له على مقاومته لمظاهر الانحراف، والفساد ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ فرد عليهم قائلا: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ أي المبغضين ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾، ثم أوجز كتاب الله في ذكر عاقبته وعاقبتهم فقال تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾. وأما قصة شعيب مع أصحاب الأيكة التي استغرقت خمس آيات في نهاية هذا الربع فسنتناولها في بداية الربع القادم إن شاء الله، لنأتي بها كاملة في سياق واحد، مع بيان ما فيها من العبر والفوائد، والله المستعان، وعليه التكلان. ومن خلال الحوار الذي دار في هذه القصص بين الرسل وأقوامهم يتضح لكل ذي عينين ان الرسالات الإلهية منذ فجرها الأول لم تكن توجه الناس نحو السماء إلا لتلهمهم طريق الصلاح في الأرض، وان هدفها الأول والمباشر كان هو العمل على إصلاح المجتمع البشري أدبيا وماديا، والسعي لتطهيره من كل الشوائب، حتى لا يبقى فيه أثر للمساوئ والمعايب، وبذلك يتفادى الوقوع في الكوارث والنوائب، ويصبح مجتمعا مثاليا، جديرا بأن يوصف بكونه إنسانيا، لأنه ينهج نهجا أخلاقيا ربانيا، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣].

стр. 1666

الربع الثاني من الحزب الثامن والثلاثين في المصحف الكريم (ق) ــ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ

стр. 1667

لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ

стр. 1668

وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧) ٢٧ - سورة النمل مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)

стр. 1669

الربع الثاني من الحزب الثامن والثلاثين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حمة هذا اليوم نتناول الربع الثاني من الحزب الثامن والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة الشعراء المكية: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ إلى قوله تعالى في سورة النمل المكية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾. ــ في الآيات الخمس الأخيرة من الربع الماضي تحدث كتاب الله إلى خاتم أنبيائه ورسله عن قصة شعيب مع أصحاب الأيكة، وواصل الحديث عنها في الإحدى عشرة آية الأولى من هذا الربع. وعلى غرار ما سبقها من قصص نوح وهود وصالح ولوط افتتحها كتاب الله بنفس الأسلوب قائلا: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، واختتمها بنفس الطريقة قائلا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

стр. 1670

وقد نبه جار الله الزمخشري إلى " أن السر في كون كل قصة من هذه القصص جاء أولها وآخرها على نمط واحد هو تقرير معانيها في الأنفس، وتثبيتها في الصدور، قائلا: ألا ترى أنه لا طريق إلى تحفظ العلوم - أي استظهارها شيئا فشيئا - إلا ترديد ما يراد تحفظه منها، وكلما ازداد ترديده كان أمكن له في القلب، وأرسخ في الفهم، واثبت للذكر، وأبعد عن النسيان، لا سيما وان هذه القصص طرقت بها آذان وقر عن الإنصات للحق، وقلوب غلف عن تدبره، فكوثرت بالوعظ والتذكير، وروجعت بالترديد والتكرير، لعل ذلك يفتح أذنا، أو يفيق ذهنا، أو يصقل عقلا طال عهده بالصقل، أو يجلو فهما قد غطى عليه تراكم الصدأ ". وكما استنكر الرسل السابقون من أقوامهم ما وجدوا مناقضا للتعاليم السماوية، مضادا للتوجيهات الإلهية، وأمروهم بما فيه الخير والصلاح، والسداد والفلاح، ها هو شعيب ﵇ يخاطب " أصحاب الأيكة "، معرضا بما درجوا عليه من استغلال للخلق، وتضييع للحق، داعيا إياهم إلى العدل والإنصاف، في معاملة الناس لا فرق بين الأقوياء والضعاف، فقال لهم كما حكى عنه كتاب الله: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ فركز دعوته على وجوب تطهير التجارة والاقتصاد، من الغش والاستغلال المنافيين لمصلحة العباد وأمرهم في حالة البيع بإيفاء الكيل والوزن وعدم التطفيف في أي واحد منهما، طبقا لمقتضى العدل والإنصاف، كما أمرهم في

стр. 1671

حالة الشراء بإعطاء كل ذي حق حقه دون غبن ولا إجحاف، ونهاهم عن الفساد في الأرض نهيا عاما كيفما كان نوع الفساد، بما في ذلك الإخلال بالأمن العام وهناء البلاد، إذ لفظ (الفساد) في لغة القرآن يشمل معناه الإخلال بالأمن العام، مثل قطع الطرق والاعتداء على الممتلكات والأرواح، التي تتمتع بالقداسة والاحترام. فقوله تعالى هنا حكاية عن شعيب ﵇: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يلتقي معناه مع قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الآية: ٣٣]. ثم ذكر شعيب ﵇ " أصحاب الأيكة " بأن كل ما يتمتعون به ويتقلبون فيه من الرخاء والنعيم إنما هو من فضل الله، فهو الذي انعم عليهم وعلى أسلافهم خاصة، والنوع الإنساني عامة، بنعمة الإيجاد، ثم بنعمة الإمداد، مما لو تدبروه وقدروه لعبدوا الله وشكروه وما كفروه، وذلك قول شعيب مخاطبا لهم: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ و " الجبلة " قال مجاهد هي الخليقة، ويشبه قول شعيب هنا ما قاله موسى لفرعون وملائه فيما سبق: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦]. ويلاحظ في خطاب شعيب " لأصحاب الأيكة " أنه لم يأمرهم إلا بإيفاء الكيل، فأمرهم بما هو واجب، ولم ينههم إلا عن التطفيف، فنهاهم عما هو محرم، وذلك هو مقتضى العدل، أما

стр. 1672

الزيادة في الكيل فهي من باب الإحسان، ولذلك لم يأمرهم بها، ولم ينههم عنها، فإن زادوا أحسنوا ونالوا حظا من الثواب، وإن لم يزيدوا لم يتعرضوا لأي إثم أو عقاب، إذ ما جرى على المثل يجري على المماثل. لكن " أصحاب الأيكة " كانوا مصرين على ما هم فيه من الضلال لا يهمهم إلا جمع المال، ولو بطريق الغش والاحتيال، وهم فوق ذلك لا يقرون لله بوجود ولا بنعمة، ولا يومنون لما له من قدرة وحكمة، ولذلك ردوا على شعيب أقبح رد قائلين: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ثم أرادوا أن يتحدوه بطلب ما لا طوق له به، حتى إذا ما عجز عن تلبية طلبهم سجلوا عليه تهمة الكذب والادعاء، واعتبروا رسالته عبارة عن هذيان وهراء، ولذلك تحدوا شعيبا قائلين: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي أسقط علينا جانبا من السماء على اعتبار أن السماء بمنزلة السقف للأرض. وبديهي ان أمرا كهذا لا يمكن أن يتم على يد أي واحد من البشر ولو علت منزلته، وثبتت نبوته، فما كان من شعيب إلا أن فوض أمره إلى الله قائلا: ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. وبعد ان أقام عليهم الحق الحجة، وأصروا على تنكب المحجة، فاجأهم بنوع غريب من العقاب ظاهره نعمة، وباطنه نقمة: ذلك أن الله سلط عليهم موجة عالية من الحر الشديد عمت ما فوق الأرض من المساكن والعمائر، وما تحت الأرض من الكهوف والمغاور، ولما اختنقت أنفاسهم في مساكنهم

стр. 1673

ولم ينفعهم ظل ولا ماء، خرجوا إلى البرية في الصحراء، يبحثون عن النسيم وبرد الهواء، وإذا بسحابة كثيفة أقبلت عليهم من السماء، فهرعوا إليها مسرعين عسى أن تكون لهم ظلا ظليلا، ويستنشقوا نسيما عليلا، لكنها أخذتهم أخذا وبيلا، فقد سيقت إليهم للإحراق والاحتراق، بعدما أصابهم من ضيق التنفس، والاختناق، وإذا كانوا قد تحدوا نبيهم شعيبا من قبل وقالوا له: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ ها هي السماء ترد على تحديهم بتحد أخطر واكبر، هو تحدي الهلاك والفناء، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ والظلة هنا هي السحابة التي اجتمعوا تحتها ولجأوا إلى ظلها، فأصلتهم نارا، ولم تذر منهم على الأرض ديارا ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. و (الأيكة) واحدة (الأيك) وهو الشجر الملتف الكثير، ونص ابن كثير على أن أصحاب الأيكة إنما أطلق عليهم هذا اللقب، نسبة إلى شجرة مخصوصة كانوا يعبدونها، وورد لفظ " الأيكة " في هذه السورة وسورة (ص) بصيغة (ليكة) على وزن ليلة، حيث خففت همزة الأيكة وألقيت حركتها على اللام فسقطت الهمزة بالمرة، ولم تبق حاجة إلى ألف الوصل، وكتبت بالحذف تبعا للنطق المخفف بدلا من الأصل، وبذلك جاء قوله تعالى هنا: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ نظير قوله تعالى في سورة (ص): ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو

стр. 1674

الْأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ [الآيتان: ١٢ - ١٣]، بينما كتبت في سورة الحجر [الآية: ٧٨] وسور ق [الآية: ١٤] طبقا لأصلها الأول، وحسب نطقها العادي. ولما أنهى كتاب الله قصص الرسل السابقين مع أقوامهم، وبين أن الرسالات التي جاؤوا بها ودعوهم إليها إنما كان لإنقاذهم وإصلاحهم، كشأن الرسالة المحمدية التي هي خاتمة الرسالات تصدى كتاب الله مرة أخرى للحديث عن الذكر الحكيم، الذي هو عماد هذه الرسالة ودعامتها الأولى، وكما قال تعالى في الآيات الأولى من هذه السورة (سورة الشعراء): ﴿طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ قال: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ قال تعالى في الآيات الأخيرة من هذه السورة عودا على بدء: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾. ومن دقائق التفسير ورقائقه ما علق به جار الله الزمخشري على قوله تعالى هنا ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ﴾ فقال: " إن تنزيله بالعربية التي هي لسانك ولسان قومك تنزيل له على

стр. 1675

قلبك لأنك تفهمه ويفهمه قومك، ولو كان أعجميا لكان نزل على سمعك دون قلبك، لأنك تسمع أجراس حروف لا تفهم معانيها، وقد يكون الرجل عارفا بعدة لغات، فإذا كلم بلغته التي لقنها أولا ونشأ عليها وتطبع بها ذهب قاصدا إلى معاني الكلام، يتلقاها بقلبه، ولا يكاد يفطن للألفاظ كيف جرت، وإن كلم بغير تلك اللغة وإن كان ماهرا بمعرفتها كان نظره أولا في ألفاظها ثم في معانيها، فهذا تقرير أنه (نزل على قلبه)، لنزوله بلسان عربي مبين ". وقوله تعالى هنا: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ يحتمل معنيين كلاهما صحيح: المعنى الأول أن الكتب السماوية السابقة تنبأت بظهور خاتم الأنبياء والمرسلين، ونوهت بنزول الكتاب المبين، والمعنى الثاني أن القرآن الكريم جاء ما فيه مصدقا لما بين يديه، ومهيمنا عليه. ويرتبط بهذين المعنيين أوثق ارتباط قوله تعالى في نفس السياق: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ والمراد " بعلماء بني إسرائيل " المنوه بهم هنا علماؤهم الذين لم يكتموا ما عندهم من العلم، فبادروا إلى الاعتراف بنبوة نبينا ﵇، وآمنوا برسالته وبالكتاب الذي أنزل عليه، وكانوا من السابقين إلى الدخول في دينه، تصديقا لما عرفوه وتناقلوه من وصفه ﵊ ووصف رسالته. وقد كان عيسى ﵇ آخر نبي بشر باسم نبينا وبرسالته فيما حكى عنه كتاب الله ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا

стр. 1676

بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. وهذه الفئة من أهل الكتاب التي آمنت مرتين هي التي وصفها كتاب الله في آية أخرى إذ قال: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣]. وتعبيرا عن تمكن الكفر من قلوب المشركين ومن حذا حذوهم في كل عصر، من أعداء الإسلام وخصوم القرآن، وتفسيرا لإصرار هؤلاء المجرمين على الجحود والعناد، وتضليل العباد، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾، أي يتمنون لو انهم أعطوا مهلة أخرى لإعادة النظر، عسى أن يقتنعوا بصدق الخبر، لكن الله تعالى الذي يعلم سرهم ونجواهم لا يحقق لهم هذه الأمنية، لأنه يعلم انهم غير صادقي النية، وإلى ذلك يشير قوله تعالى هنا: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾. وليؤكد كتاب الله لجميع الفئات والأجيال، انه لا يظلم أحدا من خلقه بأي حال، قال تعالى هنا: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ * ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ على غرار قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [الآية: ٥٩]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا

стр. 1677

يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾، تنزيه لكتاب الله تعالى عن أن تقرب الشياطين ساحته، أو تنهك حرمته وحصانته. وتوكيدا لنفس المعنى، وتعريفا بطبيعة الشياطين وما يوحون به إلى أوليائهم، من الكهنة والمتنبئين، والمشركين والكافرين، خاطب كتاب الله عقلاء البشرالمنصفين، الذين ليسوا كغيرهم من السخفاء المجانين، فقال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾. وكما بين كتاب الله استحالة وجود أي علاقة بينه وبين الكهانة والكهان، بين انه لا نسبة بين شعر الشعراء ووحي القرآن، فكتاب الله يعرض على الناس عقيدة ثابتة لا تتبدل، وشريعة حق خالدة لا تتحول، وهو يعبر عن حقائق كلية إلهية وكونية لا سبيل إلى إبطالها أو نقضها ولا مناص من قبولها وعدم رفضها، أما الشعر فالشأن فيه أن يتقلب بتقلب الظروف والاوقات، وان يخضع قبل كل شيء لتأثير العواطف والانفعالات، وأن يتحول من مدح إلى قدح، ومن قدح إلى مدح حسب الأهواء والشهوات، وكثيرا ما يكون منبثقا من الأساطير والأوهام والخيالات، فلا يلبث أثره ان ينقطع وبناؤه أن ينهار، لأنه قام على شفا جرف هار، وإذن فلا شبه بينه وبين كتاب الله لا شكلا ولا موضوعا، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في إيجاز وإعجاز: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ وإذا كان كتاب الله يبطل كل شبه أو

стр. 1678

مقارنة بينه وبين الشعر لنزوله عن مرتبته، ومغايرة طبيعته لطبيعته، حتى لا يختلطا في الأذهان، عند ضعفاء الإيمان، فإنه مع ذلك لا يحكم على الشعر بالإعدام، بل يضفي عليه حلة من الاحترام، إذا التزم الشاعر بخدمة الإسلام، وبقدر ما يقترب الشعر من مقاصد القرآن ويضع الشاعر نفسه في خدمته، ويمجد المكون وهو يصف جمال كونه وعظيم قدرته، يعيد للشعر كامل كرامته وحركته، ويعد في عداد المؤمنين الصالحين من أمته، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾. وقبل أن يختم كتاب الله هذه السورة (سورة الشعراء) وجه الخطاب إلى الرسول الأمين، يذكره بعشيرته الأقربين ومن اتبعه من المؤمنين، ويدعوه إلى المزيد من التوكل على الله، ويبشره سبحانه بالنصر على الأعداء، بعدما أعلن أنه منهم براء، لأنهم أصروا على الظلم والعصيان، ولم يستجيبوا لله ورسوله فيهتدوا بهدى القرآن، وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.

стр. 1679

الربع الثالث من الحزب الثامن والثلاثين في المصحف الكريم (ق) ــ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ

стр. 1680

الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ

стр. 1681

وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)

стр. 1682

الربع الثالث من الحزب الثامن والثلاثين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثالث من الحزب الثامن والثلاثين في المصحف الكريم، مع خمس آيات سابقة عليه، واقعة في نهاية الربع الماضي اقتضى النظر تأجيلها إلى هذه الحصة، حتى نأتي بتفسيرها في سياق واحد، ابتداء من قوله تعالى في فاتحة سورة النمل المكية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. ــ بعدما انتهينا من تفسير " سورة الشعراء " المكية نشرع اليوم بعون الله وتوفيقه في تفسير " سورة النمل " المكية أيضا، وقد أطلق على هذه السورة " سورة النمل " أخذا من قوله تعالى في الآية الثامنة عشرة منها: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾، والملاحظ أن فاتحة السورة النمل هذه مشابهة كل الشبه لفاتحة سورة الشعراء السابقة، إذ كل من السورتين مفتتح بحروف مقطعة من حروف

стр. 1683

الهجاء، ففي سورة الشعراء (طسم) وفي سورة النمل (طس) وأول آية في سورة الشعراء: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ وأول آية في سورة النمل: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وكما تصدى كتاب الله في سورة الشعراء لإبطال شبهات أعداء القرآن تصدى هنا لنفس الشيء، زيادة في الإقناع والبيان، وكما تضمنت سورة الشعراء جملة من قصص الأنبياء والمرسلين أوردت سورة النمل حلقات أخرى من بعض تلك القصص، كقصة موسى وقصة صالح وقصة لوط، وأضافت قصصا أخرى فيها عبرة للمعتبرين، وحجة قائمة على الجاحدين والمنكرين، كقصة سليمان التي تخللتها قصة النمل وقصة الهدهد وقصة ملكة سبأ. وبعد التذكير بما في هذه القصص من مواعظ وعبر أخذ كتاب الله يوجه الخطاب تلو الخطاب إلى كافة البشر، من تقدم منهم في عهد الرسالة ومن تأخر، داعيا إياهم إلى التأمل في آيات الله السارية في الكون، بما فيه من أرض وسماء، وبر وبحر، ورياح وأمطار، وجبال وأنهار، وليل ونهار، ومن هذا المنطلق انتقل كتاب الله إلى الحديث عن البعث والحشر وبعض أشراط الساعة، وناقش الشاكين في البعث والمكذبين بالحياة الآخرة مناقشة تبطل شبهاتهم، وتقضي على تحدياتهم، وتخللت ذلك كله آيات بينات، تؤكد لخاتم الأنبياء والرسل رعاية الله له من فوق سبع سماوات، وهو يخوض أقسى معركة خاضها رسول ضد الشبهات والشهوات. فقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ * هُدًى

стр. 1684

وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ينص على أن كتاب الله يتضمن أمرين: - الأمر الأول هداية الخلق، إلى كل ما هو حق، حتى يتفادوا كل ما هو باطل، قولا وفعلا واعتقادا. - الأمر الثاني تعريف المهتدين به، بما يلقونه من البشائر في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فلا يعتري حياتهم خلل ولا اضطراب، ويكونون بمنجاة من أليم العذاب. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ وصف للمومين، بأن لإيمانهم تأثيرا بارزا في سلوكهم، فهم حريصون كل الحرص على إقامة الصلاة، التي هي أول حق من حقوق العباد، وم أخذ على عاتقه القيام بهما كان على قدم الاستعداد للقيام بما دونهما. وقوله تعالى ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ وصف ثان للمؤمنين المهتدين بهدي القرآن، إذ لا يكون مهتديا به، إلا من كان على يقين تام بالنشر والحشر والنشأة الثانية، علاوة على ما يقوم به من حقوق الله وحقوق العباد، أما من كان يقوم بذلك على وجه الاحتياط لا غير، دون جزم بالحياة الآخرة، فلا يعد في الحقيقة مهتديا بهدى القرآن، لأنه لا يزال في شك من أمره غير كامل الإيمان. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ

стр. 1685

أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ يشير إلى حقيقة نفسية واجتماعية دل عليها الاستقراء في القديم والحديث، ألا وهي أن كل شخص ليس عنده إيمان بالآخرة، ويعتقد أن حياته تنتهي عند حلول الموت، تزداد أنانيته حدة، ويزداد شرهه شدة، إذ يخيل إليه أن ذاته هي البداية والنهاية، وأن حياته في الدنيا ليست وسيلة وإنما هي في نفسها غاية، فلا يترفع عن طرق أي باب من الأبواب، ولا يتورع عن اتخاذ أحط الوسائل وأشنع الأسباب، لاختلاس أكبر قدر ممكن من المنافع والشهوات، وانتزاعها إن لم يكن بالحيلة فعن طريق العنف والجرائم والموبقات، لأن المجتمع في تصوره القاتم عبارة عن غابة موحشة وأدغال، وكل شيء في نظره القاصر مباح وحلال، ما دامت نهاية حياته القصيرة حسبما يخيل له خياله المريض هي التفسخ والفناء والانحلال. ووصف كتاب الله عاقبة هذا النوع التائه المنحرف فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾. وليلفت كتاب الله نظر الشاكين والمكذبين إلى ما يتضمنه القرآن من الحق المبين، حتى يكونوا مما فيه على بينة ويقين، قال تعالى مخاطبا رسوله الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ و " الحكيم " لا يوحي إلا بالحكمة، و " العليم " لا ينطق إلا بالعلم، ومن لم ينتفع بما في القرآن من علم وحكمة بقي معدودا في عداد الجهلة والسفهاء، غريقا في أوحال المغالطات والجدل والمراء. وقص كتاب الله على رسوله والمؤمنين حلقات أخرى من
следующие страницы →