Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
٢٩ - سورة العنكبوت مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)
стр. 1822
الربع الثاني من الحزب الأربعين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موعدنا في هذه الحصة مع الربع الثاني من الحزب الأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله تعالى في (سورة العنكبوت المكية): ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
ــ
لقد نبهنا عند الشروع في تفسير (سورة القصص المكية) إلى ان أكبر جزء من آياتها تشغله قصة موسى مع فرعون وقومه، ثم قصة قارون مع قوم موسى، فهما القصتان الوحيدتان الواردتان في هذه السورة، أما بقية الآيات التي تتخللهما فهي للتعقيب والتذييل واستخلاص المثلات والعبر، وها هو كتاب الله بعدما عرض من القصة الأولى ما يعزز مركز الرسول ويؤكد صدق رسالته، ويكون عبرة له ولأمته، يشرع في الحديث عن قصة قارون الذي كان من قوم موسى فبغى عليهم.
ومن وصف كتاب الله لقارون يكتشف المومنون نموذجا غريبا من حياة المترفين الأغرار، وما هم عليه من كبر
стр. 1823
وبطر وعتو واستكبار، ويشاهدون الصراع القائم بين " العلم السطحي الأعمى " الذي هو أسير الشهوة والأثرة والأنانية، و " العلم العميق المستنير " الذي هو المعيار الصحيح لتمييز الحق من الباطل، والنعيم الباقي من النعيم الزائل.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ وبذلك يثبت لقارون صفة البغي والظلم، وأنه لم يرقب في قومه إلا ولا ذمة، وهذه الصفة وحدها كافية لأن ينال من اجلها العقاب الإلهي الصارم " فالظلم ظلمات يوم القيامة " " ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب " كما جاء في الحديث الشريف.
ويقول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾، إشارة إلى الثراء الواسع الذي أصبح يتقلب فيه، حتى ان مفاتح خزائنه وحدها أصبحت - من كثرة كنوزه وتنوع مدخراته - تكون حملا ثقيلا يعجز عن ضبط أمره والنهوض به الجمع القوي من الخدم والحشم. وكون قارون ممن يكنز المال ولا ينفقه في سبيل الله، ولا يشرك في النفع به أحدا من عباد الله، كاف ليجعله موضع غضب الله، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤].
ويرى عقلاء القوم المتبصرون، في سلوك قارون المنحرف وعمله الفاسد، ما يثير الاشمئزاز ويستحق الانتقاد، ولا سيما ما هو عليه من المبالغة في الإعجاب بالنفس والاستعلاء على العباد،
стр. 1824
ويحاولون أن يسدوا إليه النصح الخالص والموعظة الحسنة، عسى أن يصلح خطأه ويقوم اعوجاجه، ويندرج في عداد من يصدق عليهم مثل قول الرسول الأعظم: " نعم المال الصالح للرجل الصالح " وذلك ما حكاه كتاب الله عنهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ لكنه لا يلبث أن يرد عليهم رد الجاهلين الذين أمنوا مكر الله، ولا يعترفون بأي فضل لله، وبينما يقول الله تعالى ممتنا على قارون ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾، مثبتا أن العطاء كله إنما هو منه وإليه، ويقول له عقلاء قومه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ﴾ موقنين بأن ما آل إليه من المال إنما استخلفه الله فيه، وجعله وديعة بين يديه، إذا به يرد عليهم في صلف وغرور، منكرا منة الله، ومتجاهلا كل من له حق في المال من ضعفاء عباد الله ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾. أما " نصيب الإنسان من دنياه " الذي تشير إليه الآية ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ فهو أن يعيش ويأكل ويشرب غير مضيق عليه، حسبما فسره الإمام مالك.
وعقب كتاب الله على تصريح قارون المليء بالجهل والكبر، مذكرا بسنة الله التي قد خلت من قبل في هذا النوع من عتاة المترفين، وأنه يمهلهم ولا يمهلهم، بل ينتقم منهم ويهلكهم، ويصبحون أثرا بعد عين، وذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾
стр. 1825
والضمير يعود على قارون وكل من هو على شاكلته، ثم يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾، إشارة إلى حقارة هذا النوع المتكبر المتجبر وهوانه على الله، حتى انه لا يسأل يوم القيامة سؤال استعتاب، لأنه ليس أهلا للعتاب، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤]، وقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤]. وهذا لا ينفي أن أمثال هؤلاء المجرمين سيسألون يوم القيامة سؤال تقريع وتوبيخ يتلاءم مع مقدار جرمهم، وبالغ كبرهم، مصداقا لقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣].
وليوضح كتاب الله ما كان عليه قارون من فخر وتيه واختيال، واعتزاز شديد بالثروة والمال، قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ أي خرج على قومه مختالا فخورا في زينة فاخرة جاوزت الحدود، وتبرج أثيم فاق كل معهود، الأمر الذي فتن به ضعفاء النفوس والعقول من قومه، فأخذوا يتمنون على الله أن يصبحوا مثل قارون ثروة ومالا، جاهلين أن الثروة التي لا يعترف صاحبها بفضل الله، ولا يؤدي عنها حقوق الله، كثروة قارون، إنما تجر على صاحبها عقابا ووبالا، لكن سرعان ما قام عقلاء القوم الذين هم على بينة من حقائق الدين ووقائع التاريخ بنصحهم وتحذيرهم من مثل تلك الأماني الباطلة والشهوات الزائلة، وذكروا أولئك المعجبين المبهورين بثروة قارون وزينه:
стр. 1826
بأن الإيمان بالله والعمل الصالح هما أقرب سبيل إلى نيل رضا الله ورحمته، وضمان رزقه ونعمته، وأن الصبر عن الشهوات والأماني هو الطريق الوحيد إلى الفوز بنعيم الله ودخول جنته.
وإلى الانفعالات والتعليقات التي أثارها تبجح قارون وخروجه في زينته، بالنسبة لكلا الفريقين يشير قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾.
وبقدر ما كانت " خرجة " قارون في زينته، محفوفا بالحشم والخدم، لافتة للأنظار، مثيرة للأفكار، ها هو الحق يأخذه أخذ عزيز مقتدر بشكل يدهش العقول ويبهر الأبصار، وذلك قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي لا حشم ولا خدم يستطيع أن يرد عنه عقاب الله، ولا مال ولا جاه يشفع له عند الله ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾. قال الإمام القشيري وهو يصف قارون: " حمله حب الدنيا على جمعها، وحمله جمعها على حبها، وحمله حبها على البغي على قومه، وصارت كثرة ماله سبب هلاكه ".
ولا يكاد عقاب الله ينزل بقارون المتبرج المختال، حتى تزول الغشاوة عن أعين الذين كانوا بالأمس القريب يتمنون أن يكونوا مثله، فيعترفون بمنة الله عليهم، إذ لم يعاقبهم على ما تمنوه، ولم يخسف بهم وبديارهم كما فعل بقارون، ويقرون بأن سعة الرزق أو
стр. 1827
ضيقه إنما مردهما إلى حكمة الله وتدبيره، ويدركون مشاهدة وعيانا أن من أمن مكر الله، وكفر بأنعم الله، لا تكون عاقبته إلا خذلانا وخسرانا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.
وكلمة (وَيْ) في قوله تعالى هنا: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾، وقوله: ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾ هي في الأصل كلمة مستقلة ومفصولة عن (كأن) التي جاءت بعدها، وإن كانت في رسم المصحف الكريم متصلة معها اتصال الكلمة الواحدة، وهي كلمة تقال عند التنبيه للخطأ وإظهار التندم، وكتاب الله عندما استعمل كلمة (وَيْ) في هذا المقام أراد أن يبين أن قوم قارون قد تنبهوا إلى خطئهم في تمنيهم، عندما قالوا من قبل: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾، وأنهم تندموا على ما فرط منهم من فلتات اللسان، عندما رأوا رأي العين أن مآل الكافرين بأنعم الله هو الخذلان والخسران، وهذا المعنى هو الذي يعبر عنه قوله تعالى في آية أخرى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
وبعدما سجل كتاب الله نفاذ حكمه القاهر فوق عباده، في فرعون الطاغية المتجبر، الذي علا في الأرض وجعل أهلها شيعا، واستكبر هو وجنوده في الأرض حيث نبذه وجنوده في اليم نبذ
стр. 1828
النواة، كما ورد ذلك في ختام قصة موسى، وبعدما سجل كتاب الله نفاذ حكم الله القاهر فوق عباده في قارون، الذي بغى على قومه، وخرج في زينته متبرجا مختالا، حيث خسف به وبداره الأرض، كما ورد ذلك في نهاية قصة قارون، انتقل كتاب الله إلى تقرير حقيقة عامة تشملهما وتشمل كل من سلك مسلكهما وكان على شاكلتهما من الطغاة المفسدين، وعتاة المترفين، مبينا أن من لم يعمل على إقامة العدل بين الناس، ونشر الصلاح في مجتمعاتهم، لن يكون له أدنى حظ من النعيم المقيم في دار الخلود، لأنه خان أمانة الخلافة عن الله في الأرض، وقابل نعمة الله بالكفران والجحود، وذلك قوله تعالى في إيجاز وإعجاز: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وتقوى الله هي الحاجز الحصين من الوقوع في شرك الفساد، وهي الدواء الناجع لعقدة الاستعلاء والاستبداد.
وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن سلوك الإنسان في حياته اليومية، وما يقضي فيه وقته من حسنات، تنفع الأفراد والجماعات، وما قد يرتكبه من سيئات لا يستريح ضميره إلا إذا كفر عنهما بالحسنات، فبين أن الحق الذي يريد الخير لعباده يجزي على الحسنة بخير منها ويضاعف أجرها، وأنه رفقا بهم ونظرا إلى ضعفهم لا يعاقب على السيئة إلا بقدرها، نظرا لأن المومن الحق يأنف بطبعه من ممارسة السيئات، ولا تصدر منه السيئة إلا على أنها هفوة من الهفوات، وفلتة من الفلتات ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ
стр. 1829
خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
ولما انتهى كتاب الله من عرض قصة موسى مع فرعون وقصة قارون مع قوم موسى، وهما محور الحديث في " سورة القصص " توجه بالخطاب في الآيات الأربع الأخيرة من هذه السورة إلى خاتم الأنبياء والمرسلين، يمن عليه بنعمة الوحي الذي آتاه، ويذكره بتعاليم الحنيفية السمحة التي يهتدي بها في الدعوة إلى الله، ويأمره بالثبات على الحق والصمود في وجه أعداء الله، ويعرفه بأنه مسؤول عن رسالته أمام الله، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي أن الذي فرض عليك تلقي القرآن، وحفظه وتلاوته، وتبليغه للناس، وتبيينه لهم بما أراك الله، والحكم به في شؤونهم الخاصة والعامة، لرادك إليه، وسائلك يوم القيامة عن جهادك في سبيل القرآن، وعن دور رسالة القرآن، وأثرها في حياة أمة القرآن، وإلى هذا المعنى المناسب للسياق، والمتسق معه أحسن اتساق، ينظر قوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] وقوله تعالى في نفس الاتجاه: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩].
وكما قال موسى لفرعون وملائه فيما سبق بإرشاد من ربه: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ ها هو كتاب الله يلقن لنبيه الصادق الأمين نفس الأسلوب الحكيم، ويحضه على أن يتلطف مع من يجادلونه، ويرخي لهم
стр. 1830
العنان، عسى أن يستدرج إلى الحق من يجادل في الحق بغير حجة ولا برهان، وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، على غرار قوله تعال في سورة سبأ: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الآية: ٢٤] ثم خاطب نبيه مذكرا إياه بنعمة الوحي والكتاب المنزل، الذي لم يكن يتوقع نزوله عليه بحال، فقد كانت النبوة قاصرة على أنبياء بني إسرائيل منذ عدة أجبال، لكن الله تفضل فأنزل عليه كتابه المبين، وأرسله رحمة للعالمين ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾.
وتثبيتا للرسول وأمته على الحق، بالرغم من جميع المعوقات والعراقيل، وإغراء بالمضي قدما في الدعوة إلى الله دون ملل ولا كلل، والصمود في وجه أعداء الدعوة بصبر وجلد، كيفما كانوا وكيفما كانت أساليبهم الملتوية، قال تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ * وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. وإذا كان هذا الخطاب موجها في ظاهره إلى الرسول، فإنه موجه في الحقيقة عن طريقه إلى كل فرد من أمة القرآن، في كل جيل وكل زمان.
وعندما أشرفت " سورة القصص " على التمام والكمال، ذكر كتاب الله كافة البشر، وفي طليعتهم كل من طغى وتجبر، بحقيقة أزلية كبرى تتهاوى أمامها جميع الادعاءات الزائفة والتحديات الباطلة، ألا وهي أن الله تعالى هو وحده الحي القيوم، الدائم
стр. 1831
الحياة والبقاء، الذي لا يلحقه موت ولا فناء، المتصرف في ملكه والقاهر فوق عباده من كافة الأحياء دون استثناء، وذلك قوله تعالى في ختام هذه السورة: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ﴾ على غرار قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ أي على الأرض ﴿فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧].
وردا على من يظن أن مسؤولية الإنسان تنتهي بمفارقة الروح للجسد، وأنه لا حشر ولا نشر، ولا ثواب ولا عقاب بعد الموت، أعقب قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ بقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، بمعنى أن كل إنسان هالك عند الموت لا محالة، لكنه رغم موته لا بد أن يبعث ويحشر ويرجع إلى الله لينال جزاءه الأوفى إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
وأما هلاك الكون بالمعنى العام فقد فسره ابن حزم وابن القيم وفخر الدين الرازي بما يحدث في الكون من انقلاب شامل يتجلى في تغيير معالمه وتبديل أحواله، حسبما وصفته وفصلته آيات الذكر الحكيم، وذلك طبقا لمشيئة خالق الكون ومدبر أمره، الذي يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد. وحجتهم في ذلك وجوب الوقوف عند ظاهر قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [الآية: ٤٨].
والآن وقد انتهينا بفضل الله وتوفيقه من تفسير " سورة القصص " المكية نشرع بعون الله ومشيئته في تفسير " سورة العنكبوت " المكية أيضا، وقد جاءت فاتحتها مبدوءة بالحروف
стр. 1832
الهجائية المقطعة على غرار السور الثلاثة السابقة عليها: سورة الشعراء، وسورة النمل، وسورة القصص ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * ألم﴾ وهذه الحروف هنا هي الألف واللام والميم، وإنما سميت " سورة العنكبوت " لقول الله تعالى فيها: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وفي فاتحة هذه السورة تصدى كتاب الله لتعريف المؤمنين الصادقين بأن ما هم عليه من إيمان وصدق لا بد أن يجلب لهم كثيرا من المتاعب، فالمعركة الدائرة بين الخير والشر والحق والباطل لا تفتر أبدا، وما عليهم إلا أن يوطنوا أنفسهم على الصمود في وجه الباطل، وتحمل ما تفاجئهم بع الأيام من الفتن والمحن، فمن لم يثبت ولم يصمد أمام المحنة والفتنة اندرج في عداد الكاذبين، ولم يكن من المؤمنين الصادقين، وذلك قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.
ونبه كتاب الله إلى أن الذين يعملون السيئات، ظنا منهم أن الله لا يراهم ولا يحاسبهم، لن يفلتوا من قبضة الله، وأنه سيؤاخذهم بما كسبوا عاجلا وآجلا، وذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
ثم بشر المؤمنين الصادقين بثمرة جهادهم للنفس، وثمرة جهادهم لأعداء الحق، فقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ
стр. 1833
فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
стр. 1834
الربع الثالث من الحزب الأربعين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)
стр. 1835
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥) وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ
стр. 1836
أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)
стр. 1837
الربع الثالث من الحزب الأربعين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثالث من الحزب الأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ إلى قوله تعالى مخاطبا عبدة الأوثان: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
ــ
بعدما تحدث كتاب الله في الآيات الأولى من سورة العنكبوت عما يتعرض له الإنسان من فتن ومحن، وما يلزمه من الصبر عليها في سبيل الحفاظ على عقيدته المثلى، والتمسك بدين الحق، نبه كتاب الله إلى نوع دقيق من الفتنة قد يتعرض له المومن الصادق من أقرب الأقربين إليه، ألا وهو أن يكون أبوه وأمه على خلاف عقيدته وأن يحاول كل منهما الضغط عليه لمتابعتهما على الباطل، بدلا من بقائه على العقيدة الصحيحة التي اعتنقها عن بينة واقتناع، كما وقع من بعض الوالدين عند بدء ظهور الإسلام، ففي هذه الحالة يوصي كتاب الله بأمرين اثنين:
الأمر الأول له علاقة بالجانب الإنساني ورابطة الأبوة والبنوة،
стр. 1838
وهو يقضي بوجوب معاملة الولد لوالديه معالمة حسنة يتحقق معها معنى البرور بالوالدين.
والأمر الثاني له علاقة بالجانب الاعتقادي ورابطة الفرد مع خالقه ورازقه الذي يحيي ويميت، وهو يقضي بوجوب التمسك بالحق في وجه الباطل، ولو كان الوالدان هما الداعيان إليه والمحرضان عليه، إذ ان الفرد مسؤول عن عقيدته أمام الله قبل كل شيء، ولا يعد الثبات على الحق في وجه الباطل " عقوقا " للوالدين، بينما متابعتهما على الباطل من أقبح المعاصي في الدين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾. إلا أن الإحسان الذي أمر الله به في حق الوالدين يقتضي أن يكون رفض طاعتهما في الباطل مصحوبا برفق ولين، دون عنف ولا قول مشين، وذلك هو السر في تقديم الوصية بالإحسان إليهما، حتى يكون الإحسان هو الطابع السائد في معاملتهما.
ونظرا لاختلاط معنى البر والعقوق في نظرالوالدين متى كانا على غير حق، عقب كتاب الله بما يفيد ان الفصل في هذا النزاع مرده إلى الله، فهناك يعرف المبطل من المحق، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وحيث أن الثبات على الحق له الاعتبار الأول في مقامات الدين، فقد بشر كتاب الله من تمسك به وثبت عليه، بالدخول في زمرة الصالحين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
стр. 1839
لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾. والدخول في زمرة الصالحين هو متمنى الأنبياء والمرسلين، قال تعالى في التنويه بشأن إبراهيم ﵇: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وقال تعالى على لسان سليمان وهو يدعو ربه: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩].
ووصف كتاب الله حال المذبذبين في العقيدة من ضعفاء النفوس، مبينا أنهم متى تعرضوا لنوع من أنواع الأذى في سبيل الله استعظموا الأمر وتراجعوا إلى الوراء، وتلمسوا رضا الناس عنهم بدلا من رضا الله، وعلى العكس من ذلك متى جاء النصر من عند الله حشروا أنفسهم في عداد المؤمنين، وأكدوا لمن لا يعرفهم انهم كانوا في طليعة المنتصرين، لكن الله تعالى مطلع على سرائرهم، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١]، ثم عقب كتاب الله قائلا: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾.
وانتقل كتاب الله إلى وصف مزاعم أئمة الكفر وزعماء الضلال، ممن يدعون الناس إلى متابعتهم على الباطل، متعهدين لهم، مقابل ذاك بحمل خطاياهم وتحريرهم من كلفة الحساب وتبعة
стр. 1840
العقاب، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ قال جار الله الزمخشري: " ونرى في المتسمين بالإسلام من يستن بأولئك، فيقول لصاحبه إذا أراد ان يشجعه على ارتكاب بعض العظائم، افعل هذا وإثمه في عنقي، وكم من مغرور بمثل هذا الضمان، من ضعفة العامة وجهلتهم ". وأكد كتاب الله ان أولئك الذين تعهدوا بحمل خطايا أتباعهم سيحملون خطايا أنفسهم مع خطايا أولئك الأتباع المضللين، وبذلك يطول حسابهم، ويتضاعف عقابهم، جزاء وفاقا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
وتذكيرا للإنسان، أي إنسان كان، حتى يفر من الشرك ويدخل في حظيرة الإيمان، وتحذيرا للمومن حتى لا ينقلب على عقبيه، ويتورط فيما يجلب له سوء العاقبة وقبح المصير، عرض كتاب الله في هذه السورة جملة من قصص الأنبياء والمرسلين، مذكرا بما كان عليه أقوامهم من وجوه الانحراف في العقيدة والمعاملة والسلوك، ومعرفا ببعض ما دار بينهم وبين أولئك الأقوام من حوار وحجاج، وما أدى إليه إصرار المبطلين على باطلهم من عقاب إلهي صارم، وذلك قوله تعالى في قصة نوح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾، وقوله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا
стр. 1841
تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾. ونظرا إلى أن كتاب الله عندما ذكر الطوفان الذي عاقب به قوم نوح لم يحدد زمن وقوعه ولا مدة استمراره، فلا يسعنا إلا الوقوف عند ما جاء في كتاب الله، ولا يسوغ لنا بعد ذلك التقول على الله.
وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم وهو يدعو قومه: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ يلاحظ فيه الجمع بين طلب الرزق من الله، والقيام بعبادة الله، وإنما كان الأمر الأول سابقا، والأمر الثاني لاحقا، لأن الإنسان لا يمكنه القيام بالعبادة على وجهها الصحيح إلا بعد كفاية ضروريات وحاجياته، قال الإمام القشيري: " فبالقوة يمكنه أداء العبادة، وبالرزق يجد القوة " ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ حيث كفاكم أمر الرزق حتى تمكنتم من عبادته ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وعرض كتاب الله في ثنايا قصة نوح وقصة إبراهيم ما فيه أسوة حسنة، وموعظة وذكرى لرسوله الصادق الأمين، فقوله تعالى هنا في بداية قصة نوح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ تثبيت لفؤاد رسوله على الحق، وضرب للمثل بصبر نوح على متاعب الدعوة إلى الله، والقيام بأعبائها، والصمود في وجه أعدائها جيلا بعد جيل، مدة جاوزت الحد في الطول والامتداد، فما على خاتم الأنبياء والمرسلين إلا أن يصمد ويثابر، ويصبر ويصابر ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وقوله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ يبين إلى أي حد بلغت قسوة قوم إبراهيم
стр. 1842
وعداوتهم للحق، كما بين في نفس الوقت إلى أي حد بلغ ثبات إبراهيم وتضحيته في سبيل الحق، فما على وارث سر إبراهيم ومحيي ملته من بعده، إلا أن يتحمل أذى قومه، ويأخذ رسالته بقوة، إلى أن يدخل الناس في دين الله أفواجا.
وكما وصف كتاب الله سوء العاقبة التي تعرض لها أعداء الإيمان، وصف لرسوله في نفس السياق حسن العاقبة التي أكرم الله بها أولي العزم من الرسل، فقال تعالى في شأن نوح: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ على غرار قوله تعال فيما يأتي من سورة الصافات: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [٧٩، ٨٠]، وقال تعالى في شأن إبراهيم: ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وكما أنجى الله نوحا وإبراهيم من سطوة العتاة الأشرار سينجي نبيه كلما حفت به المكاره والأخطار، مصداقا لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣].
ومما يحسن التنبيه إليه أنه إلى جانب ما حكاه كتاب الله عن قصة إبراهيم مع قومه أورد عدة آيات أخرى تخللت نفس القصة، لمجابهة خصوم الرسالات الإلهية حيثما كانوا وأينما وجدوا، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، إشارة إلى أن وجود المكذبين بالحق إلى جانب المصدقين به أمر معروف في كل عصر وكل جيل، ما دام يوجد في العالم قوم لا هم لهم إلا التضليل والتدجيل، لكنهم إذا اعتبروا
стр. 1843
بعاقبة من سبقهم من المكذبين امتنعوا من التكذيب، وارتدعوا خوفا من التعذيب، وصدقوا بما جاء به الرسول من البلاغ والبيان، المؤيد بالحجة والبرهان، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إشارة إلى ما يتجدد ويشاهد كل لحظة من لحظات الزمان، من الخلق الجديد الذي لا ينقطع في عالم النبات والحيوان والإنسان، فضلا عن بقية الأكوان، فالخلق كله يتجدد باستمرار، تحقيقا لمشيئة الله الفاعل المختار، مصداقا لقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦]. ومن تأكد من إعادة الخلق في الدنيا عن طريق المشاهدة والعيان، كيف يسوغ له أن يقابل إعادة الخلق في الآخرة بالجحود والنكران، مع أن إعادة أي شيء كيفما كان، في المنطق المعتاد عند البشر، تعتبر دائما أسهل وأيسر، ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
وإغراء بالمزيد من البحث في خلق الله، للتمكن أكثر فأكثر من معرفة الله، وتقدير قدرته وحكمته حق قدرهما، بعد التعمق في العلم بهما، خاطب الحق أولي الألباب، فقال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ وهذه الآية تصدق بمحاولة البحث عن كيفية بدء الخليقة، وعن نشأة الحياة في الأرض وانتشارها وتطورها، والكشف عن أنواع الأحياء التي تعاقبت على سطحها، والإلمام بمختلف طبقاتها، والتعرف على مدخراتها وثروتها، إلى غير ذلك من الأبحاث والدراسات التي
стр. 1844
تندرج تحت قوله تعالى: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾، ومن فتح عقله وقلبه للتعرف على مثل هذه الحقائق الثابتة لا يسعه إلا أن يتلو بلسانه وقلبه وعقله، عن بينة واقتناع، قول الله تعالى في نفس المقام، دون تردد ولا إحجام: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
ثم عاد كتاب الله، إلى مواجهة الذين يجادلون في الله بغير علم، مبينا لهم ولغيرهم أنهم مهما جادلوا وعاندوا، وعصوا وتمردوا، فلن يفلتوا من قبضة الله، ولن ينفذوا من أقطار السماوات والأرض المحيطة بهم من كل جانب، إذ هم سجناؤها في الحياة وبعد الموت، فيد الله فوق أيديهم، وحكمه نافذ فيهم، أحبوا أم كرهوا، وذلك قوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ * وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقول إبراهيم لقومه فيما حكاه عنه كتاب الله: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يكشف الستار عن حقيقة متعارفة في سلوك الفئات الضالة في كل عصر، ألا وهي التعاون على إطفاء نور الحق، والتواطؤ على نصرة الباطل وتضليل الخلق، أما " المودة " التي يتظاهرون بها حفظا لمصلحتهم، وضمانا لسيطرتهم، فإنما هي ستار براق، وسينكشف يوم القيامة ما كانوا عليه في الباطن من شقاق ونفاق، وذلك قوله تعالى في ختام هذا
стр. 1845
الربع، مخاطبا لهم خطاب تبكيت وتوبيخ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
стр. 1846
الربع الأخير من الحزب الأربعين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو
стр. 1847
أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩)
стр. 1848
فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)
стр. 1849
الربع الأخير من الحزب الأربعين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موضوع حصة هذا اليوم تفسير الربع الأخير من الحزب الأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ إلى قوله تعالى في نهاية الحزب: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.
ــ
يواصل كتاب الله في هذا الربع وصف قصة إبراهيم، ويتبعها بقصة لوط، ثم يستعرض نماذج من الأقوام التي هلكت، لخروجها عن المنهج الإلهي القويم، كقوم لوط وعاد وثمود، ونماذج من الأفراد الذي طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، كقارون وفرعون وهامان.
أما تمام قصة إبراهيم التي مضى جزء منها في الربع الماضي فهي أن إبراهيم ﵇ قد هدى الله على يديه ابن أخيه لوطا، فكان أول من صدقه وآمن به، وأدرك سر الله في تحويل النار عن طبيعتها عندما رماه قومه فيها، وجعلها بردا عليه وسلاما ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾. وعندما أحس إبراهيم بوحي من ربه أن
стр. 1850
قومه لن يتراجعوا عن ضلالهم القديم، ولن يومنوا بدعوته التي جاء بها من عند الله، لم يقف مكتوف اليد، بل قرر هجرهم والبعد عنهم، والانتقال إلى مكان آخر أنسب لدعوته، وإلى قوم آخرين أكثر استعدادا لقبولها ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾، وبذلك سن لذريته من بعده سنة الهجرة، حتى قيل: " لكل نبي هجرة "، فهاجر محيي ملته، ومجدد دعوته، خاتم الأنبياء والمرسلين من مكة إلى المدينة، وإنما قال ﴿إِلَى رَبِّي﴾ لأنه لم يهاجر إلى أي مكان كان بدافع شخصي، بل ولى وجهه بالخصوص نحو المكان الذي أمره الله بالتوجه إليه، ثم ذيل إبراهيم ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ اقتناعا منه بأن الله تعالى لن يكله إلى نفسه متى فارق قومه، بل سيحميه من مكرهم ومكر كل ذي مكر، لأنه سبحانه (عزيز) ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] وإيمانا منه بأن تصرفات الله في خلقه كلها حكمة وسداد، وأن الإذن له بالهجرة بشير سعد وفأل خير، لأنه سبحانه (حكيم) ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وإكراما من الله لإبراهيم الخليل أقر عينه ووهب له من فضله ذرية صالحة كانت على رأس الصالحين من عباده، وذلك قوله تعالى هنا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٩]. أما إسحاق فهو ولد إبراهيم الأكبر، وأما يعقوب
стр. 1851
فهو ولد إسحاق وحفيد إبراهيم الأظهر، مصداقا لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] وعم فضل الله وكرمه إبراهيم وذريته، فاتخذ الله إبراهيم خليلا، وجعله للناس إماما، وجعل في ذريته النبوءة والكتاب، وذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾. والمراد " بالكتاب " هنا جنس الكتاب، فيدخل تحته كل ما نزل على ذرية إبراهيم من الكتب الأربعة، التي هي التوراة والزبور والإنجيل والقرآن، ومن أبرز البارزين في ذريته الطاهرة ابنه إسماعيل الذبيح ﵇، الذي اختار الله لختم نبوته ورسالته، نبيا من أرومته وسلالته، فتحققت على يده دعوة أبيه إبراهيم، ونال من ربه كل ثناء وتكريم.
ثم نوه كتاب الله بالمقام المحمود الذي خص به إبراهيم، فقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ قال عكرمة: معنى ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ إجماع أهل الملل عليه، فالملل كلها تدعيه وتقول هو منا "، وقال فخر الدين الرازي: " قد بدل الله أحوال إبراهيم في الدنيا بأضدادها، فبعدما كان وحيدا فريدا معرضا من قومه لعذاب النار بدل الله وحدته بالكثرة، حتى ملأ الدنيا من ذريته، وبعدما كان أقاربه الأقربون ضالين مضلين ومن جملتهم آزر بدله الله منهم بذريته، فجعل فيهم النبوة والكتاب، وبعد أن كاد يكون شخصا مجهولا حتى قال قائلهم: " سمعنا فتى يذكرهم
стр. 1852
يقال له إبراهيم " أصبح " إمام المرسلين " وصارت الصلاة عليه تقرن بالصلاة على سائر الأنبياء إلى يوم الدين " وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في نفس السياق: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وواضح أن كتاب الله عندما ساق قصة إبراهيم التي تمثل منتهى الصبر والثبات على الدين الحق، ووصف لنبيه بدايتها ونهايتها، إنما أراد ان يقدم له نموذجا مثاليا يستحق أن يكون له خير أسوة وقدوة، في البداية والنهاية، وإذا كان الله سبحانه قد بارك لإبراهيم في هجرته، وبارك له في ذريته، وآتاه أجره في الدنيا وجعله في الآخرة من الصالحين، فإن خاتم الأنبياء والمرسلين الذي أرسله الله بالملة الحنيفية السمحة، سينال من ربه الجزاء الأوفى في دنياه، والمقام المحمود في أخراه، وسيبارك له في هجرته، كما يبارك له في ذريته، وسيرفع ذكره في العالمين، كما جعل لإبراهيم " لسان صدق " في الآخرين.
ومن قصة إبراهيم انتقل كتاب الله إلى قصة لوط، ولا غرابة في ذلك، فبين القصتين ارتباط ناشئ عن القرابة الروحية والعائلية القائمة بين الاثنين، حتى ان إبراهيم لما أخبره الملائكة بأنهم موكلون بإهلاك قوم لوط والقضاء على قريتهم الظالمة انزعج لذلك، خوفا من ان يشمل عقاب الله لهم لوطا نفسه، ولم تنسه البشرى الخاصة به وبأهله، التي حملها إليه الملائكة الكرام، ما يمكن ان يتعرض له لوط وأهله من الخطر، وذلك ما ينطق به كتاب الله تعالى وهو يصفه إذ يقول: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ
стр. 1853
بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ والمراد " بالبشرى " هنا البشرى بولده إسحاق وحفيده يعقوب.
واقتصر كتاب الله عند وصف الحوار الذي دار بين لوط وقومه في هذه السورة على موضوع الشذوذ والانحراف، الذي بلغوا به حد " الاسراف "، من دون ان يشير إلى ما كان يدعوهم إليه في نفس الوقت من توحيد الله وعبادته، والتمسك بطاعته، مما أثبته على لسانه في سور أخرى، إذ كان يقول لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، فقال تعالى حكاية عن لوط وهو يصف شناعة أحوالهم، وفحش أعمالهم وأقوالهم: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.
وقد وصف كتاب الله على لسان لوط هنا وفي سورتين أخريين الحرب العوان التي أشهرها على الشذوذ الجنسي، فظلت قائمة ضده في كل مكان وكل زمان، وقد أطلق عليه هنا لفظ " الفاحشة " معرفا " بأل " الدالة على ان هذه الشهوة الخسيسة بلغت الغاية في الفحش والقبح، لكونها أمرا يشمئز منه الطبع السوي، وتنفر منه الفطرة السليمة، بينما وصف كتاب الله معصية الزنى بكونها " فاحشة "، وأتى بلفظ الفاحشة منكرا من دون " تعريف بأل "، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾
стр. 1854
[الإسراء: ٣٢]، وواضح ان اشتراك هاتين المعصيتين في اسم الفاحشة يستلزم تماثلهما في نفس العقوبة الشرعية، فما شرع زاجر في إحداهما يشرع زاجرا في الأخرى، على أن الشذوذ الجنسي في نظر الشريعة أحرم وأفحش، فكان بالعقوبة أحرى، كما حققه القاضي أبو بكر (ابن العربي) المعافري.
وقد آخذ لوط قومه في نفس الآية بجملة من المخالفات والمعاصي، منها قطع السبيل على المارة وتهديد الأمن العام، والمجاهرة بالمنكر والتواطؤ عليه من دون حياء ولا احتشام، علاوة على الفاحشة الكبرى التي ابتدعوها وأسرفوا بها وفيها، حتى لم يعودوا يعرفون ويذكرون إلا بها.
لكن بدلا من ان يستجيب له قومه ويرجعوا إلى جادة الصواب والميل الطبيعي للفطرة، أصروا على ما هم فيه، وأخذوا يتحدونه أن يأتيهم بعذاب الله، استهزاء وسخرية ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
ولما اقتنع لوط ﵇ بإصرار قومه على ما هم فيه، وباستشراء الفساد فيهم إلى حد أنه لم يعد يرجى منهم ولا من عقبهم خير ولا صلاح، استنصر عليهم بالله عسى أن يحل بهم عقاب الله ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ كما قال نوح من قبله بعدما يئس من قومه: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦، ٢٧].
стр. 1855
واستجاب الله دعاء لوط على قومه، فأرسل ملائكته تنفيذا لوعيده فيهم، ورغما عن مقام النبوة الذي خص الله به لوطا، فقد خشي لوط على نفسه من أن يعمه عقاب الله مع قومه الظالمين المفسدين، لكن الملائكة هدأوا روعه كما هدأوا روع قريبه إبراهيم من قبل، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾، ثم أخبروا لوطا بما سينزل بقومه من العقاب جزاء تحديهم له، واستهزائهم بعذاب الله، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي عذابا صدر القضاء به من السماء ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. وقد وضحت الآيات الكريمة الواردة في سورة هود وسورة الحجر نوع العذاب الذي تعرض له قوم لوط، وهو ان الله تعالى دمر عليهم قريتهم فجعل عاليها سافلها، ورجمهم فأمطر عليهم حجارة من سجيل.
واستنادا إلى ما عاقب الله به قوم لوط حيث أمطر عليهم حجارة، ذهب الإمام مالك وغيره إلى أن من سلك مسلكهم وفعل فعلهم يجب أن تطبق عليه بالخصوص عقوبة الرجم، إذ ما جرى على المثل يجري على المماثل، وقد طبق عبد الله بن الزبير هذه العقوبة، على أربعة من الأزواج المحصنين ارتكبوا نفس الجريمة، واكتفى في ثلاثة ارتكبوها ولم يكونوا محصنين بعقوبة الجلد، وذلك بمحضر عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾،
стр. 1856
إشارة إلى أنه ترك مكان قريتهم عبرة للمعتبرين، حتى يرتدع عن ممارسة هذه الفاحشة كل من سمع خبرهم ممن يأتي بعدهم ولو بعد حين، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨].
وذكر كتاب الله في هذا السياق بقصة شعيب مع مدين، لكنه أجملها في آيتين اثنتين، فقال تعالى في الآية الأولى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. وقد فصل كتاب الله قصة شعيب مع مدين في سورة الأعراف، ابتداء من الآية الخامسة والثمانين إلى الآية الرابعة والتسعين، كما فصلها في سورة هود ابتداء من الآية الرابعة والثمانين إلى الآية الخامسة والتسعين، وكان على رأس ما يؤاخذهم به ويحضهم على تركه ما ألفوه في تجارتهم، من غشهم للناس في الميزان والمكيال، واستغلالهم للضعفاء أسوأ استغلال، وتصرفهم السيء فيما بين أيديهم من الثروات والأموال. وقال تعالى في الآية الثانية، مشيرا إلى عقاب أهل مدين: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾، على غرار ما سبق في سورة الاعراف. والمراد " بالرجفة " الزلزلة، ووصف كتاب الله في سورة هود أيضا ما لقوه من العذاب المقارن للرجفة، فقال تعالى: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الآية: ٩٤]. و " الصيحة " تصدق بالأصوات الهائلة المزعجة، التي متى بلغت
стр. 1857
الغاية في القوة والإزعاج لم يعد في طوق أي إنسان أن يسمعها، وبمجرد سماعها تضطرب أعصابه، ويرتجف فؤاده، ويقع صريعا من صدمة الفزع والجزع، مصداقا لقوله تعالى في سورة يس: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [الآية: ٢٩] ومتى وقعت الصيحة قارنتها الرجفة في الحين.
ومن لطائف أسلوب القرآن انه كلما كان لقوم نبي نسب معلوم اشتهروا به عند الناس ذكر كتاب الله اسمهم، كما ذك قوم شعيب باسمهم هنا فقال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ وكما ذكر في آيات أخرى قوم هود فقال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾، وقوم ثمود فقال: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾، بينما إذا لم يكن لهم اسم خاص ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها أضافهم إلى اسم نبيهم وعرفهم به فقال: "قوم نوح" و " قوم إبراهيم " و " قوم لوط ".
وذيل كتاب الله ما أورده في هذه السورة من قصص نوح وإبراهيم وشعيب بالإشارة إلى جملة من الأقوام والأفراد اشتهروا بالجحود والعناد، فقال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ * وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾.
ثم أجمل كتاب الله أنواع العذاب الذي نزل بهم جزاء ما ارتكبوه من طغيان وفساد، فقال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ إشارة إلى العذاب الذي حل
стр. 1858
بقوم لوط، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ إشارة إلى العذاب الذي حل بمدين وهم قوم شعيب، وبثمود وهم قوم صالح، كما ورد ذلك في شأنهم في سورة هود أيضا: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الآية: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ إشارة إلى العذاب الذي حل بقارون، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ إشارة إلى العذاب الذي حل بفرعون وجنوده.
وعقب كتاب الله على ذلك كله قائلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ إشارة إلى أن الله تعالى إنما يستأصل شأفة الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، رحمة ببقية الجماعات والأفراد، حتى ينعموا من جديد بحياة كريمة سليمة، مطبوعة بطابع الاستقامة والصلاح والرشاد.
وضرب كتاب الله المثل بنسج العنكبوت وبيته الرخو المهلهل لمن اتخذ إلهه هواه، واختار أن يعبد غير الله، أو جعل اعتماده المكين في حياته على غير الله، ظنا منه أنه نسج نسجا متينا، وبنى لنفسه وأهله بيتا حصينا، ناسيا ان القوة الحقيقية الوحيدة والدائمة، المتصرفة في الكون تصرف الحكمة والعدل، والتي هي الركن الركين والحصن الحصين، هي قوة الله القاهر فوق عباده، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في إيجاز وإعجاز: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ قال
стр. 1859
القشيري: " العنكبوت يتخذ لنفسه بيتا، ولكن كلما زاد نسجا في بيته ازداد بعدا عن الخروج منه، فهو يبني، ولكن على نفسه يبني ".
ثم عقب كتاب الله على هذا المثل فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ أي لأنهم قبل غيرهم هم الذين يدركون حسنها وصحتها وفائدتها وحكمة التمثيل بها ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾، فكل ما عارض الحق، الذي قامت به السماوات والأرض، من تصرفات الخلق، يعد تحديا لحكمته، وتجاهلا لعلمه وقدرته ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وختم هذا الربع الذي اشتمل على كثير من المثلات والعبر، وتحدث عما حضر وعما غبر، بخطاب إلهي رقيق، موجه إلى الرسول الأعظم بالأصالة، وإلى كل فرد من أفراد أمته بالتبع، فقال تعالى مخاطبا لنبيه في البداية: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وكأنه يقول له: لا تفتر عن تلاوة القرآن، ففيه وصف الداء والدواء، وفيه الشفاء والعزاء، وهو المدد الدائم الممدود حبله إليك من السماء، ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧]، ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠].
ثم قال تعالى مخاطبا لنبيه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ حرصا على دوام الصلة مع الله في السراء الضراء، والشدة والرخاء. وبين
стр. 1860
كتاب الله الأثر العميق الذي تحدثه إقامة الصلاة والمواظبة عليها في سلوك المصلين وحياتهم الخاصة والعامة، متى أقاموها على الوجه الصحيح، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، إذ ما من جزء من اجزاء الصلاة إلا وقد جعل الله فيه ذكرا مقرونا بعمل، حتى يظل المصلي حاضرا مع الله قلبا وقالبا، ولا يتعرض أثناء صلاته للغفلة عن مناجاة الله، أو شرود الذهن عن الوقوف بين يديه، ومن حكمة الله أن جعل أول عمل من أعمالنا كل يوم إذا أصبحنا هو صلاة الصبح، حتى نفتتح النهار بمناجاة الله ومخاطبة الحق، قبل أن نشرع في لقائنا العادي مع أمثالنا من الخلق، وبذلك تكون بركة الصلاة سارية في حياتنا اليومية، وروحها مهيمنة عليها، من بداية اليوم إلى نهايته ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤].
ثم قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، فمن ذكر الله في صلاته ذكر حضور وخشوع وإجلال واستحياء، خرج من صلاته متنكرا لكل " منكر " ومتبرئا من كل " فحشاء "، وإنما كان ذكر الله في الصلاة أجل عمل فيها، وكانت الصلاة مؤدية إلى هذه النتيجة، لأن ذكر الله، بيقظة ووعي، يستدعي استذكار صفاته وكمالاته، واستذكار نعهم وإمداداته، واستذكار رسالاته إلى أنبيائه، واستذكار حسابه وجزائه، ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤، ٥]. على أن ذكر الله في كل مقام، يعد من أفضل وأكمل العبادات في الإسلام ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.
следующие страницы →