← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

إشارة إلى أنه ترك مكان قريتهم عبرة للمعتبرين، حتى يرتدع عن ممارسة هذه الفاحشة كل من سمع خبرهم ممن يأتي بعدهم ولو بعد حين، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]. وذكر كتاب الله في هذا السياق بقصة شعيب مع مدين، لكنه أجملها في آيتين اثنتين، فقال تعالى في الآية الأولى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. وقد فصل كتاب الله قصة شعيب مع مدين في سورة الأعراف، ابتداء من الآية الخامسة والثمانين إلى الآية الرابعة والتسعين، كما فصلها في سورة هود ابتداء من الآية الرابعة والثمانين إلى الآية الخامسة والتسعين، وكان على رأس ما يؤاخذهم به ويحضهم على تركه ما ألفوه في تجارتهم، من غشهم للناس في الميزان والمكيال، واستغلالهم للضعفاء أسوأ استغلال، وتصرفهم السيء فيما بين أيديهم من الثروات والأموال. وقال تعالى في الآية الثانية، مشيرا إلى عقاب أهل مدين: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾، على غرار ما سبق في سورة الاعراف. والمراد " بالرجفة " الزلزلة، ووصف كتاب الله في سورة هود أيضا ما لقوه من العذاب المقارن للرجفة، فقال تعالى: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الآية: ٩٤]. و " الصيحة " تصدق بالأصوات الهائلة المزعجة، التي متى بلغت

стр. 1857

الغاية في القوة والإزعاج لم يعد في طوق أي إنسان أن يسمعها، وبمجرد سماعها تضطرب أعصابه، ويرتجف فؤاده، ويقع صريعا من صدمة الفزع والجزع، مصداقا لقوله تعالى في سورة يس: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [الآية: ٢٩] ومتى وقعت الصيحة قارنتها الرجفة في الحين. ومن لطائف أسلوب القرآن انه كلما كان لقوم نبي نسب معلوم اشتهروا به عند الناس ذكر كتاب الله اسمهم، كما ذك قوم شعيب باسمهم هنا فقال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ وكما ذكر في آيات أخرى قوم هود فقال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾، وقوم ثمود فقال: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾، بينما إذا لم يكن لهم اسم خاص ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها أضافهم إلى اسم نبيهم وعرفهم به فقال: "قوم نوح" و " قوم إبراهيم " و " قوم لوط ". وذيل كتاب الله ما أورده في هذه السورة من قصص نوح وإبراهيم وشعيب بالإشارة إلى جملة من الأقوام والأفراد اشتهروا بالجحود والعناد، فقال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ * وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾. ثم أجمل كتاب الله أنواع العذاب الذي نزل بهم جزاء ما ارتكبوه من طغيان وفساد، فقال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ إشارة إلى العذاب الذي حل

стр. 1858

بقوم لوط، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ إشارة إلى العذاب الذي حل بمدين وهم قوم شعيب، وبثمود وهم قوم صالح، كما ورد ذلك في شأنهم في سورة هود أيضا: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الآية: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ إشارة إلى العذاب الذي حل بقارون، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ إشارة إلى العذاب الذي حل بفرعون وجنوده. وعقب كتاب الله على ذلك كله قائلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ إشارة إلى أن الله تعالى إنما يستأصل شأفة الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، رحمة ببقية الجماعات والأفراد، حتى ينعموا من جديد بحياة كريمة سليمة، مطبوعة بطابع الاستقامة والصلاح والرشاد. وضرب كتاب الله المثل بنسج العنكبوت وبيته الرخو المهلهل لمن اتخذ إلهه هواه، واختار أن يعبد غير الله، أو جعل اعتماده المكين في حياته على غير الله، ظنا منه أنه نسج نسجا متينا، وبنى لنفسه وأهله بيتا حصينا، ناسيا ان القوة الحقيقية الوحيدة والدائمة، المتصرفة في الكون تصرف الحكمة والعدل، والتي هي الركن الركين والحصن الحصين، هي قوة الله القاهر فوق عباده، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في إيجاز وإعجاز: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ قال

стр. 1859

القشيري: " العنكبوت يتخذ لنفسه بيتا، ولكن كلما زاد نسجا في بيته ازداد بعدا عن الخروج منه، فهو يبني، ولكن على نفسه يبني ". ثم عقب كتاب الله على هذا المثل فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ أي لأنهم قبل غيرهم هم الذين يدركون حسنها وصحتها وفائدتها وحكمة التمثيل بها ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾، فكل ما عارض الحق، الذي قامت به السماوات والأرض، من تصرفات الخلق، يعد تحديا لحكمته، وتجاهلا لعلمه وقدرته ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. وختم هذا الربع الذي اشتمل على كثير من المثلات والعبر، وتحدث عما حضر وعما غبر، بخطاب إلهي رقيق، موجه إلى الرسول الأعظم بالأصالة، وإلى كل فرد من أفراد أمته بالتبع، فقال تعالى مخاطبا لنبيه في البداية: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وكأنه يقول له: لا تفتر عن تلاوة القرآن، ففيه وصف الداء والدواء، وفيه الشفاء والعزاء، وهو المدد الدائم الممدود حبله إليك من السماء، ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧]، ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠]. ثم قال تعالى مخاطبا لنبيه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ حرصا على دوام الصلة مع الله في السراء الضراء، والشدة والرخاء. وبين

стр. 1860

كتاب الله الأثر العميق الذي تحدثه إقامة الصلاة والمواظبة عليها في سلوك المصلين وحياتهم الخاصة والعامة، متى أقاموها على الوجه الصحيح، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، إذ ما من جزء من اجزاء الصلاة إلا وقد جعل الله فيه ذكرا مقرونا بعمل، حتى يظل المصلي حاضرا مع الله قلبا وقالبا، ولا يتعرض أثناء صلاته للغفلة عن مناجاة الله، أو شرود الذهن عن الوقوف بين يديه، ومن حكمة الله أن جعل أول عمل من أعمالنا كل يوم إذا أصبحنا هو صلاة الصبح، حتى نفتتح النهار بمناجاة الله ومخاطبة الحق، قبل أن نشرع في لقائنا العادي مع أمثالنا من الخلق، وبذلك تكون بركة الصلاة سارية في حياتنا اليومية، وروحها مهيمنة عليها، من بداية اليوم إلى نهايته ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]. ثم قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، فمن ذكر الله في صلاته ذكر حضور وخشوع وإجلال واستحياء، خرج من صلاته متنكرا لكل " منكر " ومتبرئا من كل " فحشاء "، وإنما كان ذكر الله في الصلاة أجل عمل فيها، وكانت الصلاة مؤدية إلى هذه النتيجة، لأن ذكر الله، بيقظة ووعي، يستدعي استذكار صفاته وكمالاته، واستذكار نعهم وإمداداته، واستذكار رسالاته إلى أنبيائه، واستذكار حسابه وجزائه، ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤، ٥]. على أن ذكر الله في كل مقام، يعد من أفضل وأكمل العبادات في الإسلام ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.

стр. 1861

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ التيسير في أحاديث التفسير

стр. 1862

التيسير في أحاديث التفسير من إملاء سماحة الشيخ محمد المكي الناصري الجزء الخامس دار الغرب الإسلامي

стр. 1863

الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م دار الغرب الإسلامي

стр. 1864

الربع الأول من الحزب الواحد والأربعين في المصحف الكريم (ق) ــ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِ آيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِ آيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْ آيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ

стр. 1865

يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥) يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ

стр. 1866

مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣) وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩) ٣٠ - سورة الروم مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)

стр. 1867

وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨)

стр. 1868

الربع الأول من الحزب الواحد والأربعين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول تفسير الربع الأول من الحزب الحادي والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى قوله تعالى في سورة الروم: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾. ــ لقد سبق في علم الله أن دين الحق الذي هو دين الإسلام، رغما عن ظهوره وانتشاره في أطراف الأرض، وإقبال مختلف السلالات على الدخول فيه أفواجا، سوف لا ينفرد وحده بالبقاء في العالم، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، بل إنه ستعايشه باستمرار أديان أخرى، وستحاول أن تنافسه وتتحداه، كلما استطاعت إلى ذلك سبيلا، ولا سيما " الأديان الكتابية " التي ينتمي إليها اليهود والنصارى. ومعايشة الإسلام لغيره من الأديان، تفرض على أهله أن يدافعوا عنه في وجه الهجمات المضادة بالحجة والبرهان، وحتى

стр. 1869

يتم القيام بهذه المهمة على أحسن وجه، وجه كتاب الله في بداية هذا الربع الخطاب لكافة المؤمنين، ولا سيما المسلحين منهم بسلاح العلم والدين، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وبذلك أفهم المسلمين أولا أن الإسلام لا يخشى من مواجهة خصومه، وأنه لا بد للمسلمين من أن يجادلوا عن دينهم، ويبطلوا ما يوجه إليه من الشبه الزائفة والتهم الباطلة، وأفهمهم ثانيا أن مجادلة المسلمين لمخالفيهم في العقيدة والدين لا تكون بأي شكل كان، بل لا بد أن تكون على شكل يؤدي بالخصم إلى الاقتناع والإذعان، وهذا المعنى هو ما عبرت عنه الآية الكريمة إذ قالت: ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. و ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وصف للطريقة التي يجب أن يتبعها المجادل عن دينه في الدفاع عنه، حيث يختار لجداله طريقة مطبوعة بطابع الرفق واللين، لا تشم منها رائحة الغلظة والجفاء، و ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ هي كذلك وصف للحجة التي ينبغي أن يحتج بها المجادل عن دينه للدفاع عنه، بحيث يختار من بين الحجج التي بين يديه أوضحها وأقواها، وأسرعها إيصالا للمقصود والمطلوب، وبذلك ينصر دينه، ويبر يمينه. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي) المعافري: " لكن يكون الجدال بما يحسن من الأدلة ويجمل من الكلام، بأن يكون منك للخصم تمكين، وفي خطابك له لين، وأن تستعمل من الأدلة أظهرها وأنورها، وإذا لم يفهم الخصم أعاد عليه المجادل الحجة وكررها ". وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ معناه أن من

стр. 1870

تصدى للمسلمين بالظلم والعدوان لا يجادل بالرفق واللين، وإنما يعامل معاملة الظالمين، فيحد من ظلمه بما يناسبه من الجدال أو الجلاد، إلى أن يرتدع عن ظلمه ويرجع إلى السداد، ومن الظلم الاعتداء على الحرمات والتهجم على المقدسات، وغدر العهود والالتزامات. وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ يتضمن مثالا تطبيقيا لمجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، قال ابن كثير: ﴿فإذا أخبروا بما لا نعلم صدقه ولا كذبه لا نقدم على تكذيبه، لأنه قد يكون حقا، ولا نقدم على تصديقه لأنه قد يكون باطلا، ولكن نؤمن به إيمانا مجملا، شريطة أن يكون أمرا منزلا، لا مبدلا ولا مؤولا، وتفرد البخاري في صحيحه برواية حديث عن أبي هريرة قال: " كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم الآية ". وقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ معناه أن الخلق كلهم عيال الله، وأن رب العالمين الذي خلقهم ورزقهم إله واحد، وإن كانت عقيدة التوحيد في الإسلام بالنسبة لغيرها من العقائد هي العقيدة الوحيدة الصحيحة والسليمة من كل الشوائب، مصداقا لقوله تعالى في آية أخرى (١٠٩/ ٦): ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، ولذلك قال تعالى هنا: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ أي على خلاف ما عليه أهل الكتاب.

стр. 1871

ثم اتجه الخطاب الإلهي إلى الرسول الأعظم، مذكرا إياه بأنه كما منّ على الأنبياء السابقين بإنزال الكتب إليهم، ها هو يكرمه ويمن عليه بالكتاب الذي أنزل إليه، مؤكدا، لمن لا يزال في شك من أمره، أن منصب النبوة والرسالة وتلقي الوحي الذي رشحته له العناية الإلهية، لم يكن يدور من قبل في خلده، ولم يكن له يد في اكتسابه، ولا تشوف إلى تلقي مدده، وإنما هو هبة من الله منحه إياها، ليثبت صدق رسالته إلى الخلق، حتى يقلعوا عن الباطل ويؤمنوا بالحق، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِ آيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ أي الموغلون في الكفر والراسخون فيه، ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: وكان لهم في ارتيابهم متعلق. ثم قال تعالى في وصف كتابه العزيز: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾، أي: آيات الكتاب العزيز بلغت الغاية في قوة الدلالة ووضوح المعنى وبلاغة القول، بحيث يكفي أن يسمعها الإنسان لينشرح صدره، ويطمئن قلبه، ويقتنع بها فكره ولبه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ ومن ثم كان لا يجحدها ولا يتنكر لها إلا الإنسان الذي قضى على نفسه بالظلم والحرمان: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِ آيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾. وقد يسر الله آيات الذكر الحكيم، فجعلها في متناول العقول والأذهان، وحفظها لفظا ومعنى، نصا وروحا، في صدور

стр. 1872

الذين آتاهم علم القرآن، فآمنوا بها وقاموا بحقها، حفظا وتلاوة وتفسيرا وتلقينا إلى آخر الزمان، وذلك معنى قوله تعالى هنا: ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ مصداقا لقوله تعالى في آية أخرى (٣/ ٧): ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وقوله تعالى في آية ثانية (٩: ١٥): ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. وانتقل كتاب الله إلى وصف مزاعم المتعنتين، الجاحدين لآياته، الذين ينتحلون لأنفسهم الأعذار، عسى أن لا يقعوا تحت طائلة الإنذار والإعذار، فقال تعالى حكاية عنهم أولا، ومبطلا لمزاعمهم ثانيا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْ آيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾. والآيات التي يقصدونها ويطالبون النبي بها هي من نوع (المعجزات المادية) التي رافقت رسالة بعض الرسل السابقين، مثل ناقة صالح، وعصا موسى، ومائدة عيسى، مما كان سندا لهم في دعوى الرسالة، وبرهانا على صدقهم لدى من أرسلوا إليه، لكن كتاب الله رد على أولئك الجاحدين بأن إنزال مثل تلك (الآيات المادية والوقتية) مرده إلى الله وبيده وحده، لا دخل فيه لنبي ولا رسول. على أن الله تعالى قد وهب خاتم أنبيائه ورسله كتابا معجزا: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ يعدل بجميع تلك المعجزات، ولا يقتصر أثره على فترة محدودة من

стр. 1873

الأوقات، بل سيظل إعجازه قائما، وأثره ساريا في كل زمان، وسيزداد إعجاب الإنسان بما فيه من علم وحكمة، وما يدعو إليه من إحسان ورحمة، كلما ارتفع مستوى الإنسان، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في إيجاز وإعجاز: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ويشهد لتفسير هذه الآية من الحديث الصحيح قوله ﷺ : (ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة)، ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. ووصف كتاب الله ما عليه أولئك الجاحدون من عناد وغرور وتحد للقدرة الإلهية وللرسالة المحمدية، فقال تعالى في وصفهم: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ * يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، لكن العذاب الذي يستعجلون به، ويتحدون الرسول بطلبه، لا يأذن الله به إلا عند استنفاد جميع الوسائل لهدايتهم، وإصرارهم على ضلالتهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١٠٧: ٢١)، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١٥٦: ٧)، وفي الحديث القدسي: (رحمتي سبقت غضبي).

стр. 1874

واتجه كتاب الله بالخطاب إلى المؤمنين الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، وملأت عليهم أفئدتهم، وعرفهم أن أرضه الواسعة مفتوحة في وجوههم، ميسرة الأسباب من أجلهم: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢٩: ٢)، كما أن رحمته الواسعة محيطة بهم من كل جانب، فما عليهم إلا أن يعتزوا بإيمانهم ويتمسكوا بدينهم، ولا يضيقوا ذرعا بكيد الكائدين، ومكر الماكرين، وذلك قوله تعالى هنا: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾. وهذه الآية كما فتحت الباب أمام المؤمنين للتفكير في الخلاص من أذى المشركين، والهجرة من مكة إلى المدينة، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (٩٧: ٤) فتحت الباب أيضا في وجه المسلمين أجمعين، للسير في أرض الله، والتعرف على صنع الله، والقيام بالدعوة إلى الله، وذلك هو ما قام به المسلمون الأولون، عندما جابوا أكناف الأرض، طولها والعرض، فانشئوا (دار الإسلام)، وآخوا في دين الله بين مختلف السلالات والأقوام. ونظرا لما تؤدي إليه مسيرة (إيمانية) عالمية كبرى من هذا النوع، وما يمكن أن يتعرض له المؤمنون القائمون بها من متاعب وأخطار، عقب كتاب الله على ذلك بما يطمئن نفوسهم، ويؤكد ثقتهم بالله وبحسن جزائه في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾.

стр. 1875

ثم أشار كتاب الله تعالى إلى أن سر النجاح في هذه المسيرة الإنسانية العظمى يكمن في مواصلة العمل، لا في الجمود والكسل، وفي التزام الصبر، لا في الجزع والملل، وفي التوكل على الله بعد اتخاذ الأسباب، وطرق أبواب رزقه التي ليس عليها أي حجاب، فقال تعالى: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وانتقل كتاب الله إلى وصف طائفة متناقضة مع نفسها كل التناقض، وجدت في القرون الخالية، ويوجد مثلها في العهود الحالية، ألا وهي تلك الطائفة التي تدعي أنها تقر بوجود الله، لكنها لا تؤمن برسله ولا بكتبه ولا باليوم الآخر، ولا تدين لخالقها ورازقها بالعبادة والطاعة لا في قليل ولا كثير، بل تقضي حياتها مستغرقة في المتع والشهوات، ولا تلتفت إلى ما أنزل الله من الآيات البينات، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ أي: الحياة الكاملة والدائمة، ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 1876

وقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، الوارد استطرادا في سياق هذه الآيات، خطاب لرسوله الأعظم، يدعوه إلى حمد الله وشكره، على ما أوضح من الحجج الساطعة، والبراهين القاطعة، وإن عمى عنها الجاحدون، وتنكر لها المعاندون. وأورد كتاب الله في هذا السياق آية تصف جحود رؤساء الشرك - قبل أن يسلم منهم من أسلم - لنعمة الله التي أنعم بها على سكان مكة كافة، إذ جعل بلدهم - بفضله وكرمه - (حرما آمنا) يتمتع بالقداسة والاحترام، ومأمناً لهم وللوافدين عليهم من كل عدوان وانتقام، وكان من حقهم، بل من واجبهم، أن يشكروا نعمة الله، ويدخلوا في دين الله، وذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ (١٤: ٢٨). وحيث إن المعارضين للحق، والمضللين للخلق، لا يخلو الواحد منهم من أحد أمرين: إما أن يكون (كاذبا) يعمل على ترويج الباطل، وإما أن يكون (مكذبا) يعمل على إبطال الحق، وقد يجمع الواحد منهم بين الأمرين فيكون كاذبا ومكذبا، فقد تصدى لهم كتاب الله بما هم أهله، وأشار من طرف خفي إلى أن ما هم عليه من كبر واستعلاء له أثر كبير فيما ينشرونه وينصرونه من الكذب والهراء، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾.

стр. 1877

لكن من آمنوا بالحق وصدقوا بالرسالة، وجاهدوا في نشرها ونصرتها والدفاع عنها، سيسلك بهم ربهم مسالك النجاة والنجاح، وستصحبهم العناية الإلهية في الغدو والرواح، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في ختام سورة العنكبوت: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ومن هنا ننتقل بعون الله وتسديده إلى (سورة الروم) المكية أيضا، وقد جاءت مبدوءة بحروف الهجاء المقطعة، وهي خامس سورة وردت على هذا الشكل على التوالي في نسق واحد، وإنما سميت (سورة الروم) لقوله تعالى في فاتحتها ﴿بسم الله الرحمن الرحيم الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ الآية. وورد في سنن الترمذي ما خلاصته: أن الفرس كانوا يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم، لأنهم وإياهم (أهل الكتاب) وفي ذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ بينما كان مشركو قريش يحبون ظهور فارس، لأنهم وإياهم (ليسوا بأهل الكتاب) ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ وعندما مضت سبع سنين ظهرت الروم على فارس، فأسلم عند ذلك ناس كثير، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وكان ذلك تصديقا لقول الله تعالى: ﴿وعد الله لا يخلف الله وعده﴾ (٣٠: ٦).

стр. 1878

ثم نبه كتاب الله إلى أن أكثر الناس يكتفون بالقشر بدل اللباب، وبالظاهر السطحي دون التعمق فيما وراء الحجاب، بينما الواجب يقتضي بذل الطاقة والجهد في التفكير العميق، والبحث الدقيق، حتى يدرك الإنسان حقائق الأمور، ما ظهر منها وما بطن، ويكشف عن جوهرها المكنون والمستور، فيستوي في نظره السر والعلن، وذلك قوله تعالى في ختام هذا الربع: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾.

стр. 1879

الربع الثاني من الحزب الواحد والأربعين في المصحف الكريم (ق) ــ ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِ آيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِ آيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ

стр. 1880

فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَ آيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَ آيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَ آيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَ آيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ

стр. 1881

وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْ آيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩)

стр. 1882

الربع الثاني من الحزب الواحد والأربعين في المصحف الكريم (ت) عباد الله موعدنا في هذه الحصة مع الربع الثاني من الحزب الواحد والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ــ مما يستلفت النظر ويثير الانتباه ما يدعو إليه كتاب الله ويحض عليه في غير ما آية، من السير في أكناف الأرض طولا وعرضا، وكتاب الله ينوع الأساليب المتبعة في هذه الدعوة الملحة، كما ينوع الأهداف المرجوة منها، فأحيانا يدعو إلى السير في الأرض دعوة عامة، على أن يكون السير فيها بعقل متبصر، وأذن واعية، وعين متفتحة، كقوله تعالى فيما سبق من سورة الحج (٤٦): ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. وأحيانا يدعو إلى النظر فيها للتعرف على ما أودعه في طياتها من أسرار الخلق وبدائع المخلوقات، وخزائن

стр. 1883

الملك والملكوت، كقوله تعالى فيما سبق من سورة الأعراف: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الآية: ١٨٥). وقوله تعالى فيما سبق من سورة العنكبوت: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (الآية: ٢٠)، وأحيانا يدعو إلى التنقل في الأرض والسير فيها للبحث عن وسائل العيش وطلب الرزق، كقوله تعالى فيما يأتي من سورة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، وأحيانا يدعو إلى السير في الأرض والنظر فيما تعاقب عليها من عمارة وخراب، وحضارات عظمى لم يحسن أهلها الخلافة عن الله في الأرض، فكان تدميرهم وتدمير حضارتهم أعدل جزاء وأوفى عقاب، كقوله تعالى فيما سبق من سورة النمل: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الآية: ٦٩)، وقوله تعالى في بداية هذا الربع من سورة الروم: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. ثم يعقد كتاب الله مقارنة بين الحال التي وجد الإسلام عليها الناس عند نزول القرآن، والحالة التي عرفتها البشرية قبل ذلك، في القرون الخالية والأمم البائدة، مشيرا إلى أن الحضارات السابقة كانت أقوى، وأن الأرض كانت أكثر ازدهارا وعمرانا، لكن لما أساء أهلها التصرف فيما آتاهم الله من قوة وثروة وعمران، ولم يهتدوا بالمنهج الإلهي في تدبير شؤونهم، ورموا بكتب الله ورسالاته عرض الحائط، أفلت من يدهم الزمام،

стр. 1884

وحكم عليهم لسان القدرة بالإعدام، وذلك قوله تعالى في نفس السياق: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾، أي حرثوها واستثمروها إلى أقصى حد، ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾، ولما كانت السوأى (وهي تأنيث الأسوأ) هي عاقبة الذين أساؤوا كانت الحسنى (وهي تأنيت الأحسن) هي عاقبة الذين أحسنوا، كما قال تعالى في حقهم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾. وبين كتاب الله السبب فيما نال الذين أساؤوا من عقاب ودمار، فقال: ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِ آيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾. وقد أكد كتاب الله هذه المعاني مجتمعة مرة أخرى عند قوله تعالى فيما يأتي من سورة غافر (٨٢): ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، ومما يدخل تحت هذا المعنى ويتصل به أوثق اتصال قوله تعالى في آية أخرى (١٣٣: ٤): ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾، وقوله تعالى في آية ثانية (٣٣٣: ٦): ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾، وقوله تعالى في آية ثالثة (٣٥: ١٦): ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. وذكر كتاب الله بالحقيقة الكبرى التي أجمعت عليها كافة

стр. 1885

النبوات والرسالات، وإن أنكرها المنكرون وجحدها الجاحدون، ألا وهي (قيام الساعة) وما يرافقها من انقلاب شامل وعام في الكون، وما يواكبها من نشر وحشر، وتصنيف للبشر في صنفين اثنين: صنف المؤمنين الذين عملوا الصالحات، ولهم النعيم المقيم، وصنف الكافرين الذين عملوا السيئات ولهم العذاب الأليم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي تصيبهم الحيرة والذهول، لأنهم لم يكونوا يتوقعون قيام الساعة أبدا، يقال: (أبلس الرجل) إذا سكت وانقطعت حجته ولم يؤمل أن تكون له حجة) ثم قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ من (الحبور) وهو السرور والفرح، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِ آيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي يساقون إليه قهرا وقسرا، وقوله تعالى هنا: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ عقب قوله أيضا: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾، على غرار قوله تعالى في آية أخرى (٣٦: ٥٩): ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. وبعد أن وصف كتاب الله مظاهر قدرته وحكمته، ودلائل وحدانيته وعظمته، البارزة في ملكوت السماوات والأرض، ووصف تصرفه المطلق في الكون، والتجاء الخلق إليه بدءا وإعادة، إذ هو القاهر فوق عباده، بين أن كل إنسان عاقل لمس جلال الله وجماله، وعظمته وكماله، في نفسه التي بين جنبيه، وفي الكون الباهر من حوله المتجلي أمام عينيه، لا يسعه إلا أن

стр. 1886

يتوجه إلى الله بتنزيهه عن كل نقص، وتمجيده بكل كمال، إقرارا بفضله وكرمه، وشكرا على مدده ونعمه، وذلك ما يقتضيه قوله تعالى تلقينا لعباده: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾. وواضح أن تنزيه العبد لربه يتناول تنزيهه بالقلب، عن طريق الاعتقاد الصحيح الجازم، وتنزيهه باللسان، عن طريق ذكره الحسن بأسمائه الحسنى، وتنزيهه بالجوارح، عن طريق الأعمال الصالحة، وعلى رأسها الصلاة التي هي عماد الدين، لكونها هي الصلة القائمة والدائمة بين العبد وربه، ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ لفظ عام يشمل كافة وجوه التنزيه، ويدخل فيه من باب أولى وأحرى إقامة الصلوات الخمس التي يجدد فيها المؤمن عهده مع الله خمس مرات في اليوم والليلة، قيل لابن عباس ﵁: (هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟) قال نعم، وتلا هذه الآية: ﴿تُمْسُونَ﴾ صلاة المغرب وصلاة العشاء، و ﴿تُصْبِحُونَ﴾ صلاة الفجر، ﴿وَعَشِيًّا﴾ صلاة العصر، و ﴿تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر. ولا شك أن مواقيت الصلاة المتعاقبة ترافقها ظواهر كونية يومية عظمى، تتجلى فيها قدرة الله وعظمته، وعلمه وحكمته، وجلاله وجماله، فتكون أنسب الأوقات لإعلان العبد عن تعلقه بالله، وإيمانه بوحدانيته وربوبيته، وتمسكه بعبادته وطاعته. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بين قوله قبلها: ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ وقوله بعدها:

стр. 1887

﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ تنبيه إلى أن تنزيه العبد لربه لا يكون تنزيها حقيقيا وتاما إلا إذا صاحبه القيام بحمد الله وشكره على الدوام، إذ هو المحمود بكل لسان، بلسان الحال ولسان المقال، من كافة الأنام: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (١٧: ٤٤). وكيف لا ينزه العاقل ربه سبحانه وهو المنفرد بالإيجاد والإمداد، وهو الذي ينفخ الروح في الكائنات فتسري فيها الحياة متى شاء، ويقبض روحها متى شاء، وإذا كان الله سبحانه قادرا على إخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي في النبات والحيوان والإنسان، فكيف لا يكون قادرا على إحياء الميت، قدرته على إماتة الحي، وذلك ما ينطق به قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. وأبرز مثال لما ورد في الكتاب، إخراج نوع الإنسان - وهو سيد الأحياء - من بين الطين والتراب، وذلك ما يشير إليه في نفس السياق قوله تعالى هنا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ وقوله تعالى في آية أخرى (٢٠: ٥٥): ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾. ومضى كتاب الله يصف آياته الباهرة، المبثوثة في الأنفس

стр. 1888

والآفاق، معرفا ببالغ حكمته، وكامل قدرته، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. ويلاحظ أن كتاب الله أتبع خلق الإنسان بخلق الزوجة، لأن بها يتم الأنس وينتظم العيش ويزدهر العمران، فهل أحد غير الله يستطيع أن يجعل من الزوج والزوجة، رغم اختلاف طبيعة تكوينهما العضوي والنفسي والعاطفي، شخصية واحدة متكاملة، في ازدواجها سر وحدتها، وهذا المعنى هو الذي يوحي به قوله تعالى هنا في تأكيد الوحدة والألفة بين الزوج والزوجة: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية (١٨٩: ٧)، ويوحي به قوله تعالى أيضا في التعريف بسر الزوجية الدفين، حيث يصبح الفرد زوجا، والزوج فردا، عندما يقول: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، و (السكينة) طمأنينة القلب، وراحة البال، ومفتاح السعادة، كما يوحي به قوله تعالى هنا في تحديد نوع العلاقة العاطفية بين الزوج والزوجة: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، و (المودة) شعور هادئ نبيل، متسم بالعمق والصدق والدوام، لا شعور سطحي ثائر وعابر، كالهشيم تذروه الرياح، و (الرحمة) هي العروة الوثقى التي تربط بين الزوجين بعضهما مع بعض، وتربط بينهما وبين من له عليهما أولهما عليه حق من الحقوق: حقوق الأبوة وحقوق البنوة، فبالرحمة المتبادلة والتعاطف المزدوج يشتد التلاحم، لمواجهة الشدائد والملمات، ويسهل تخطي العقبات، والتغلب على الأزمات.

стр. 1889

ونظرا لما يتوقف عليه استيعاب هذه المعاني الرئيسية التي تنبني عليها الحياة الزوجية، من تأمل وتدبير وتعمق، جاء التعقيب عليها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَ آيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. ثم عرض كتاب الله آية أخرى من آياته الكونية الباهرة، وهذه الآية تبدو لكل ذي عينين في خلق السماوات والأرض، واختلاف ألسنة البشر، واختلاف ألوانهم، فالشخص العادي متى سرح طرفه وأجال فكره في ملكوت السماوات والأرض لا بد أن يؤمن بأن وراء هذا الكون خالقا مبدعا حكيما: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، ومتى نظر إلى تكوين الإنسان عضويا ونفسيا وعقليا وجد أنه في خصائصه العامة واحد لا تعدد فيه ولا اختلاف، ولكنه مع ذلك مختلف اللغات واللهجات، مختلف الألوان والصفات، بل إنه حتى عند استعمال اللغة الواحدة يختلف في أشكال النطق والأصوات، فمن الذي جعل من النوع الإنساني نوعا واحدا، ومن الذي جعل من هذه الوحدة أصنافا لا حد لها ولا حصر، سوى الحق الذي له الخلق والأمر. أما الشخص الذي بلغ من العلم درجة كافية، فإنه يجد المجال أمامه فسيحا لاستكشاف أسرار الكون ونواميس الخليقة، مما يؤهله أكثر فأكثر، لتذوق لطائف الحكمة وعلم الحقيقة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَ آيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾. وحسب قراءة (الْعَالَمِينَ) بفتح اللام كما في قراءة ورش عندنا يكون المعنى أن التعرف على هذه الآيات الكونية والبشرية

стр. 1890

في متناول عموم الخلق، لا يختص به فريق دون فريق، لأنه على مرأى ومسمع منهم جميعا، وتروى فيه قراءة أخرى بكسر اللام، وطبقا لهذه القراءة الثانية يكون المعنى: إن الذين يدركون أسرار هذه الآيات ويستخلصون منها النتائج القريبة والبعيدة، الجامعة بين العلم والإيمان، هم الذين بلغوا درجة كافية من العلم، ويشهد لهذه القراءة قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾. وإذا كان اختلاف الألسنة واختلاف الألوان عند دعاة (العنصرية والشعوبية) مصدرا للتمييز بين السلالات البشرية، ومبررا لتصنيفها طبقات عليا وسفلى، فإن كتاب الله أزال عن هذه الظاهرة كل ما تشم منه رائحة التمييز العنصري بين البشر، واعتبر اختلاف الألسنة والألوان في النوع البشري، مع وحدته الأصلية، آية من آيات الله الكبرى، ودليلا من دلائل قدرته وبالغ حكمته. وانتقل كتاب الله إلى آية أخرى من آيات الله في الأنفس، وهي ظاهرة النوم بعد اليقظة، والسكون بعد الحركة، التي أكرم الله بها الإنسان، ليستطيع مواصلة الكد والسعي بنشاط وفعالية وإتقان، إذ لو لم يمنح الحق سبحانه عباده حق (الراحة اليومية) بعد التعب، لتعطلت طاقات الجسم والعقل عن العمل، ولما استطاع الإنسان القيام بخلافته عن الله في الأرض على أحسن وجه وأنفع أسلوب، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَ آيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي يسمعون القرآن فيصدقونه، والحق فيتبعونه.

стр. 1891

فراحة الاستغراق في النوم خصص لها الحق فترة الليل، المناسبة للهدوء والسكون، والسعي المتواصل للعمل وكسب الرزق خصص له الحق فترة النهار، المناسبة للحركة والنشاط، على أن القليل من الاسترخاء والنوم الخفيف خلال بعض فترات النهار كالقيلولة، مما يساعد على تهدئة الأعصاب، وتجديد النشاط، ومضاعفة الإنتاج، حسبما دلت عليه الأبحاث الحديثة، وبذلك نفهم السر في قوله تعالى: ﴿مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، قال جار الله الزمخشري (ويجوز أن يراد منامكم في الزمانين وابتغاؤكم فيهما)، إذ من الناس من ينام في الليل ومنهم من ينام في النهار، ومن الناس من يسعى لكسب رزقه في النهار: ومنهم من يسعى لكسب رزقه في الليل، حسب ظروف كل واحد ونوع عمله، وهذا هو ما عليه الحال في عصرنا الحاضر، ومقتضى هذه الآية وما شابهها أن الإنسان مطالب من ربه بالكد والعمل على مر الأيام، معترف له في نفس الوقت بحق الراحة والاستجمام. واستعرض كتاب الله آية أخرى من آيات الله في الآفاق، وهي آية الغيث والمطر، الذي ينزله من سمت السماء على الأرض، عذبا زلالا، فيحيي به الإنسان والحيوان والنبات، ويختزنه بقدرته وحكمته في خزائن أرضه لصالح الأحياء كافة، فيجريه عيونا وينابيع وأنهارا تسد حاجاتهم باستمرار ودون انقطاع، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.

стр. 1892

وحيث إن البرق والرعد وتحريك الرياح وتسخير السحاب من الظواهر التي تسبق أو ترافق نزول المطر، طبقا لسنة الله المنظمة للكون، نجد كتاب الله في غير ما آية يلفت إليها الأنظار، لما تحتوي عليه من حكم وأسرار، جديرة بالدرس والتحليل والتأمل والاعتبار. وقوله تعالى هنا: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، إشارة إلى ما يتقلب فيه الإنسان بطبعه من الخوف والرجاء، فالإنسان عندما يشاهد وميض البرق، أو يسمع هدير الرعد، يخشى أن يكون البرق برقا خلبا لا مطر فيه، أو يكون نذيرا بالصواعق المزمجرة، والزلازل المدمرة، أو يكون مصحوبا بأمطار طوفانية تهلك الحرث والنسل، كما أنه يأمل ويرجو أن يكون البرق مصحوبا بالغيث النافع، فيغاث به الإنسان والحيوان، وتحيى به الأرض بعد موتها، فتنبت من كل زوج بهيج، وسبق بهذا المعنى في سورة الرعد قوله تعالى مع مزيد من البيان: (١٢: ١٣): ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. أما محاولة (استمطار) السحاب بطريقة صناعية فهي محاولة قاصرة، إذ لا بد من توافر الرياح الصاعدة التي تلقح السحاب ببخار الماء حتى يجود بالمطر، والله تعالى وحده القادر على أن يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته، لأن إرسال الرياح وتصريفها يحتاج إلى طاقة عظمى وتدبير كبير هما

стр. 1893

فوق طاقة الإنسان وقدرته المحدودة. ثم جاء كتاب الله ب آية أخرى تبهر الأبصار والبصائر، وتثير في الإنسان أعجب الخواطر وأعمق المشاعر، ألا وهي آية قيام الكرة الأرضية في الفضاء، في موقعها المحدد لها بأمر الله، واستمرار أجرام السماء سابحة في الفضاء، في نفس الأماكن والمدارات المقدرة لها من عند الله، دون أن تزيغ عن مسارها، أو يصطدم بعضها ببعض في فضاء الكون الفسيح، دون أن تعتمد على أعمدة أو دعائم، مما اعتاده الإنسان في كل بناء قائم، وذلك ما يفصح عنه كتاب الله هنا في إيجاز وإعجاز، إذ يقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾. . ويزيد هذا المعنى توضيحا وتفصيلا قوله تعالى فيما سبق من سورة الرعد (٢): ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، وقوله تعالى فيما سبق من سورة الحج (٦٥): ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وقوله تعالى فيما سيأتي من سورة فاطر (٤١): ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾. وهذه الظاهرة الكونية هي التي اصطلح العلم الحديث فيما وصل إليه حتى الآن من بحث واستطلاع، على تسميتها "بقوة الجاذبية" وهذه الجاذبية قائمة بين الأرض وما عليها، وبين الأرض وما عداها من الكواكب، وبين كل كوكب وآخر. ومن وصف آيات الله في الأنفس والآفاق اتجه كتاب الله

стр. 1894

إلى تذكير الغافلين والجاحدين بحقيقة البعث التي لا مجال للشك فيها، وحقيقة السطوة الإلهية المبسوطة على خلقه، الأحياء منهم والأموات، ولو كان بعض المتكبرين منهم لها كارهين، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ أي خاضعون لأمره المطاع: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وإنما قال: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ تقريبا للفهم، وجريا على المعتاد بين الناس، من أن إنشاء الشيء لأول مرة يكون أصعب من إعادته، وإعادته تكون أسهل من إنشائه، وإلا فالحق قادر على كل شيء بدءاً وإعادة: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٨٢: ٣٦)، وهذا التنزيه عن التشبيه هو المراد بقوله تعالى في نفس السياق: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، أي هو فوق تصورات الخلق وتخيلاتهم، وله الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله إذ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. ثم تصدى كتاب الله للاعتراض على المشركين البسطاء، الذين يشركون بالله والأوثان والأصنام، إذ يقولون: (لبيك لا شريك لك) إلا شريكا هولك، تملكه وما ملك)، مبينا تناقضهم وتهافتهم في منطقهم الساذج البسيط، عندما لا يقبلون أن يكون مماليكهم شركاء لهم في شيء، نظرا للفرق الشاسع الذي يعتقدونه قائما بين الفئتين، بينما هم يعتبرون أصنامهم مملوكين لله

стр. 1895

وشركاء له في وقت واحد، الأمر الذي لا يرضونه لأنفسهم بالنسبة لمماليكهم، وذلك قوله تعالى خطابا للمشركين ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. وواضح أن كتاب الله يجعل الرزق مشتركا ومشاعا بين جميع الفئات، ولا يرضى بأن تحتكره طبقة من الطبقات، وإلى ذلك يشير قوله تعالى هنا: ﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾. وبعد أن استوفى كتاب الله في هذا الربع وصف عدد من آيات الله في الأنفس والآفاق عقب على ذلك كله قائلا: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فجعل ملكة العقل هي مفتاح الإقناع والاقتناع، متى استعملها الإنسان استعمالا موضوعيا ومنهجيا سليما، وكان باحثا عن الحق الصراح والحقيقة المجردة دون هوى سابق، ولا تعصب لاحق، وتأكيدا لهذا المعنى قال تعالى في ختام هذا الربع: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
следующие страницы →