Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا * مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا * مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
والمراد (بالذي أنعم الله عليه وأنعم عليه رسوله) هو زيد بن حارثة، فقد أنعم الله عليه بالسبق إلى الإيمان، وخصه من بين الصحابة بذكر اسمه الصريح في القرآن، وأكرمه بالشهادة في سبيل الله والفوز بنعيم الرضوان، وقد أنعم عليه الرسول ﵊ بالعتق والحرية، والكفالة والتربية، وبتزويجه ببنت عمته القرشية، وتنصيبه أميرا على المجاهدين في جميع السرايا التي بعثه فيها، وآخرها غزوة مؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة.
ثم وجه كتاب الله الخطاب إلى كافة المؤمنين، داعيا إياهم إلى الإكثار من ذكر الله وتسبيحه بقدر المستطاع، باللسان والجنان، وعدم الغفلة عن نعمه المتوالية على بني الإنسان، مبشرا للمؤمنين بصلاة الله عليهم، ودعاء الملائكة لهم بتلقي المزيد من الهداية والرحمة والإحسان، مع وعدهم بالنعيم المقيم، والأجر الكريم، وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
стр. 1997
وخُتم هذا الربع بخطاب إلهي رقيق، موجه إلى الرسول الأعظم، يبرز مبلغ منة الله عليه، ومبلغ المنة العامة التي أسداها بإرساله إلى البشرية جمعاء، ومبلغ المنة الخاصة التي خص بها المؤمنين من أمته، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾، وكما قال تعالى في الآية الأولى من فاتحة هذه السورة مخاطبا لرسوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، ها هو كتاب الله يجدد نفس الخطاب، ويؤكد نفس المعنى في الآية الثامنة والأربعين من نفس السورة، وذلك في ختام هذا الربع إذ يقول: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، ونظرا لما تعرض له الرسول والمؤمنون من أذى الكافرين والمنافقين في مختلف المواقف والمناسبات، مما وصفه لنا كتاب الله تصريحا أو تلويحا، فيما سبق بهذه السورة من الآيات جاء في نفس السياق الأمر بالصبر على أذاهم، حتى يحكم الله بيننا وبينهم، إذ قال تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
стр. 1998
الربع الثاني من الحزب الثالث والأربعين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠) تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ
стр. 1999
وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١) لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤) لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ
стр. 2000
شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥) إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)
стр. 2001
الربع الثاني من الحزب الثالث والأربعين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موعدنا في هذه الحصة مع الربع الثاني من الحزب الثالث، والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
ــ
تحدث كتاب الله في هذه الآية الأولى من هذا الربع عن إحدى الحالات التي تتعرض لها الحياة الزوجية، وهي حالة من أمضى عقد النكاح، لكن قبل الدخول بمن عقد عليها دعاه داع ملح إلى فراقها، ففي هذه الحالة لا تجب عليها عدة، وتستطيع استيناف الزواج بمجرد الفراق، بينما يجب على مطلقها أن يؤدي لها في الحين نصف الصداق المسمى في العقد، وإذا لم يكن الصداق (مسمى) لأن النكاح (نكاح تفويض)، ووقع الطلاق قبل التراضي على الصداق كان لها الحق في (المتعة) وحدها، وهي ما يقدمه الزوج للزوجة عند طلاقها، لمساعدتها ماديا على تخطي
стр. 2002
مرحلة الطلاق، في انتظار المرحلة القادمة من الزواج، وهذه المتعة شبه التعويض بلغة العصر، وليفارقها على وجه جميل، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.
ويلاحظ في هذه الآية وصف الزوجات المعقود عليهن بوصف ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، إرشادا من الله لعباده إلى أن أفضل زواج ينبغي أن يختاره المؤمن لنفسه هو الزواج بمؤمنة مثله تدين بدينه، وتشعر بشعوره، وتكون لها نفس النظرة إلى الحياة التي يحياها، ونفس الاحترام للمقدسات التي يقدسها، والقيم التي يحافظ عليها، فينشأ أولاده في بيئة مؤمنة يسودها الانسجام والوئام، نفسيا وروحيا واجتماعيا، أما الزواج (بالكتابيات) فلم يندب إليه الإسلام أصالة، وإنما أباحه بصفة استثنائية، لتحقيق بعض الأغراض الشرعية، بحيث متى أصبح ذلك الزواج عاجزا عن تحقيقها كان البعد عنه أوجب وأولى، لما له من عواقب سيئة محققة، على الأسرة المسلمة والمجتمع الإسلامي.
كما يلاحظ في هذه الآية إطلاق (النكاح) على العقد وحده، قال ابن كثير (وليس في القرآن آية أصرح في ذلك من هذه الآية).
ويشهد لما ذكرناه من وجوب أداء نصف الصداق (المسمى) إلى الزوجة المطلقة قبل الدخول قوله تعالى فيما سبق من سورة
стр. 2003
البقرة (٢٣٧): ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.
أما (المتعة) بالنسبة لمن كان نكاحها نكاح (تفويض) لأنه لم يسم صداقها قبل الطلاق، فيراعى في قدرها حال الزوج المفارق، مصداقا لقوله تعالى في نفس السورة (٣٦: ٢): ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾.
وأما الزوجة التي تم العقد عليها ثم مات عنها زوجها قبل الدخول، فلا بد لها من أن تعتد منه أربعة أشهر وعشرا، وهي في ذلك سواء مع الزوجة التي مات عنها زوجها بعد الدخول، مصداقا لقوله تعالى فيما سبق من سورة البقرة (٢٣٤) ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
والحكمة في ذلك بالنسبة لمن مات عنها زوجها قبل الدخول إشعار الزوجة المتوفي عنها زوجها بأن اختياره لها، وتعلق قلبه بها، وحرصه على تكوين أسرة معها، ومفاجأته بالموت قبل تحقيق أمنيته، كل ذلك يستحق من جانبها تقدير فقده واحترام ذكراه، وعدم التسرع في الزواج بغيره في الحين، فالزواج تحيط به اعتبارات إنسانية وأخلاقية متعددة، وليس عقدا ماديا صرفا.
وخصص كتاب الله الآية الثانية من هذا الربع للحديث عما
стр. 2004
أحل الله لرسوله من الزواج، فقال تعالى مخاطبا نبيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾، وأطلق لفظ (الأجور) هنا على نفس (المهور) تجوزا وتوسعا، وإن كان الصداق والمهر ليس بأجرة، وعقد الزواج ليس عقد إجارة، وإنما قال تعالى: ﴿اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾، إشارة إلى أن سوق المهر إلى الزوجة عند العقد عليها والدخول بها أفضل من تسميته وتأجيله، فاختار الله لرسوله الأفضل والأولى، قال جار الله الزمخشري: (وكان التعجيل- أي: بالمهر- ديدن السلف وسنتهم، وما يعرف بينهم غيره).
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾، أي: مما أحل لك من الغنائم، ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾، أي: اللاتي دخلن في الإسلام وهاجرن معك إلى المدينة، ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾، أي: عرضت نفسها للزواج به دون مهر، ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾، أي إن أراد الزواج بها، وقد كانت إباحة الزواج على هذه الصفة من خصائص الرسول وحده، إذ لا يصح زواج أحد من أمته إلا بمهر، ولبيان الصفة الاستثنائية لهذه الحالة من الزواج قال تعالى هنا في نفس السياق: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، إذ الرسول وأمته سواء في الأحكام، إلا فيما خصه الدليل، لكن الرسول ﵇ بالرغم من إباحة الزواج بالهبة له خاصة لم يتزوج إلا بمهر، لأن اختيار هذا النوع من الزواج علقته الآية الكريمة على رغبته وإرادته: ﴿إِنْ أَرَادَ
стр. 2005
النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾، فلم يكن إذن ملزما بقبول الهبة، وقد روى عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: (لم يكن عند النبي ﷺ امرأة موهوبة).
وبادر كتاب الله إلى التنبيه في هذا السياق على أن تخصيص الرسول ببعض الأحكام يقتضي قصرها عليه، وعدم السماح بتطبيقها على كافة المؤمنين، فلا بد أن يقفوا عندما حد لهم الشارع من شروط وقيود، سبق علم الله بها، وقضاؤه بحكمها، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في جملة اعتراضية: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾، أي: على المؤمنين، ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، وعقب كتاب الله على ما خص به نبيه فقال: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
ثم عاد سياق الآيات إلى موضوع أزواج الرسول، فتحدث كتاب الله إلى نبيه عن طريق معاملته لأزواجه في نطاق الحياة اليومية، والعشرة الزوجية المثالية، وفوض له في ذلك، انطلاقا مما وصفه الله به من (الخلق العظيم) وأنه (بالمؤمنين رؤوف رحيم)، فقال تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾، فلكل واحدة منهن حق معلوم في رعاية الرسول ومودته، وحظ مقسوم في التمتع بحسن عشرته، ولذلك قال تعالى مؤكدا هذا المعنى الإنساني الرفيع، وكاشفا عما فيه من سر بديع: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾، فالله تعالى
стр. 2006
يريد لأمهات المؤمنين أن يكن قريرات الأعين في بيت الرسول، وأن يعشن عيشة راضية في جو عائلي مقبول، وما دام الرسول ﵇ هو خير أسوة لكافة المؤمنين، فمن واجبهم أن يمتعوا أزواجهم بما متع به رسول الله أزواجه أمهات المؤمنين: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾.
ومبالغة في إكرام الله لأزواج رسول الله، إذ اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ولم يرضين بفراق رسوله من أجل متاع الدنيا وزينتها، خاطبه الحق بأنه لا يحل له، من بعد ذلك الاختيار، إلا مقابلته من جانبه باختيار مثله، بحيث لا يزيد عليهن، ولا يبدلهن بغيرهن، ما عدا (ملك اليمين) الذي قد يؤول إليه من غنائم الجهاد، وذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾، وعقب على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾، وشعور أزواج الرسول ﵇ برقابة الله عليه وعليهن ضمانة إضافية لهناء عيشهن، وإحسان بالغ من الله إليهن.
وقوله تعالى في نفس السياق: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، توكيد لوصف (البشرية) الذي لا يعد وصمة، وإنما يعد كمالا، في حق (الإنسان الكامل) الذي هو الرسول الأعظم، فقد اصطفاه الله لرسالته، واختار أن يكون (بشرا رسولا)، وفيه إشارة إلى أن النظر إلى المخطوبة عند خطبتها جائز، وإلى أن حسن المرأة من جملة الدوافع الطبيعية للزواج بها، وإن اعتبار
стр. 2007
هذا العنصر لا حرج فيه في نظر الإسلام، لكن يجب أن يكون مدعما بعنصر (التدين) الذي هو صمام الأمان، من تقلبات القلوب وطوارئ الزمان.
ثم وجه كتاب الله الخطاب إلى المؤمنين من ضيوف الرسول، الذين يدعوهم الرسول لتناول الطعام عنده، ولقنهم آداب الضيافة، وفي طليعتها الميل إلى التخفيف في الجلوس والحديث، والانصراف بمجرد انتهاء المأدبة التي حضروها، حتى يتفرغ الرسول ﵇ لرعاية أهله، إذ لأهله عليه حق. ونبه كتاب الله في نفس السياق إلى منع دخول بيوت النبي دون إذن منه، إبطالا للعرف الذي كان سائدا في الجاهلية بدخول البيوت من غير إذن أصحابها، ثم استمر في صدر الإسلام. كما نبه إلى منع (التطفل) دون دعوة سابقة، وإلى هذه المعاني مجتمعة يشير قوله تعالى في إيجاز وإعجاز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾، وهذا النص هو الذي يمنع الدخول إلى البيت دون إذن صريح، إذ لا بد من الدعوة والإذن في فتح الباب والدخول، وقوله: ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، أي: لا تحضروا وتنتظروا وقت نضج الطعام واستوائه دون سابق دعوة، ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾، ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾، أي: اذهبوا لحال سبيلكم، ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾، أي: لا تطيلوا الجلوس والتبسط في الكلام، بعد الانتهاء من تناول الطعام.
وبعد ما ميز كتاب الله ما هو سائغ ومقبول مما هو مرفوض
стр. 2008
ومرذول، قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾، و (الإذاية) كل ما تكرهه النفس، وكما كان ذلك يؤذي النبي ﵇ كان يؤذي أزواجه، لكن لما كان البيت بيت النبي صلى الله عيه وسلم والحق حقه أضيف ذلك إليه: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، وهكذا وجه كتاب الله الخطاب إلى ضيوف الرسول في هذا الشأن، دفعا للأذى والحرج الذي كان يصيبه ويصيب أهله في بعض الأحيان، لكنه لم يكن يفصح عنه، لغلبة الحياء عليه ﷺ .
وبهذه المناسبة لفت كتاب الله أنظار الذين تدعوهم الحاجة لمخاطبة أزواج الرسول، إلى أن الواجب يقضي عليهم بمخاطبتهن من وراء حجاب، لا وجها لوجه، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾، أي حاجة، ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، أما الحكمة في هذا التدبير المحكم فقد بينها كتاب الله إذ قال: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾، فطهارة القلوب من خواطر السوء، بالنسبة للرجال والنساء على السواء، مرهونة بالعفاف وغض البصر.
ولما انتهى كتاب الله من تفصيل القول في الحياة العائلية للرسول وهو على قيد الحياة، أعلن كتاب الله حكمه في مصير أزواج الرسول بعد أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى، فحرم الزواج بهن من بعده على كافة المؤمنين، إذ هن بمنزلة أمهاتهم في الحرمة والحرمة إلى يوم الدين. يضاف إلى ذلك ما في هذا التدبير من توقير للرسول يتناسب مع عظيم منزلته، وسامي مكانته، وذلك قوله
стр. 2009
تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا * إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
ورفعا للحرج في العلاقات العائلية المتشابكة التي لا غنى عنها أسقط كتاب الله الحجاب عن النساء، بالنسبة لعدد من أقارب العائلة الأقربين ومن في حكمهم، فقال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ ولم يذكر العم والخال، لأنهما يجريان مجرى الوالدين ويقومان مقامهما، بدليل نزولهما منزلتهما في حرمة النكاح. وقد جاءت تسمية العم أبا في كتاب الله على لسان أبناء يعقوب وهم يخاطبون أباهم، وذلك في قوله تعالى (١٣٣: ٢): ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾، فأطلقوا لفظ (الأب) على إسماعيل الذي هو عم أبيهم يعقوب، كما نبه على ذلك الزمخشري والقرطبي.
وسبق في (سورة النور) ذكر الأقارب الذين لا حرج في رؤيتهم لزينة النساء، ومن بينهم نفس الأقارب المذكورين ومن في حكمهم، إذ قال تعالى (٣١): ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾.
стр. 2010
وبعد أن أذن كتاب الله للنساء برفع الحجاب عند مقابلة هؤلاء الأقارب ومن في حكمهم ومعاملتهم، أوصاهن الحق بالتزام تقواه ومراقبته في الخلوات والجلوات، حماية لهن من كل زيغ، وصيانة لهن من كل شبهة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾.
وتزكية للرسول من ربه، وتنويها بقدره لدى أمته ولدى الإنسانية جمعاء، وتعريفا بسامي منزلته في الملأ الأعلى عنده، تفضل الحق فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، وصلاة الله على رسوله والصالحين من عباده ترمز إلى ذكره الجميل لهم، وثنائه عليهم، وصلاة الملائكة عليهم دعاؤهم لهم بالرحمة والرضوان، ولرسول الله ﷺ من ذلك النصيب الأوفر، والحظ الأكبر.
ثم لقن كتاب الله كافة المؤمنين والمؤمنات ما يجب عليهم نحو الرسول الكريم، من التعظيم والتكريم، بالصلاة عليه والتسليم، فقال تعالى في نفس السياق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، قال ابن كثير: (أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والسلام عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين، العلوي والسفلي جميعا).
واستنادا إلى هذه الآية الكريمة ذهب جماعة من الصحابة والتابعين وأئمة الشريعة إلى أن الصلاة على رسول الله ﷺ واجبة في الصلوات الخمس، بحيث لا تصح الصلاة بدونها، خصوصا في التشهد الأخير. ومن أشهر القائلين بوجوبها في الصلوات
стр. 2011
الخمس الإمام محمد بن إدريس الشافعي، والفقيه المالكي المشهور محمد بن إبراهيم المعروف بابن المواز، وقال القاضي أبو بكر (ابن العربي) المعافري: (الصلاة على النبي فرض في العمر مرة بلا خلاف، فأما في الصلاة فقال محمد بن المواز والشافعي إنها فرض، فمن تركها بطلت صلاته، وقال سائر العلماء: هي سنة في الصلاة، والصحيح ما قاله محمد بن المواز للحديث الصحيح: (إن الله أمرنا أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك)، فعلم الصلاة ووقتها، فتعينا كيفية ووقتا). وليجمع المصلي بين الصلاة عليه والتسليم، ولا يقتصر على أحدهما دون الآخر، (والصلاة الإبراهيمية) التي علمها رسول الله ﷺ لأصحابه أفضل صيغ الصلاة، والصيغة التي رواها الإمام مالك هي أصح صيغها سندا، أما الصلاة على غير الأنبياء، من عامة المؤمنين، فهي مخالفة لما درج عليه السلف الصالح من تخصيصها بمقام النبوة والرسالة.
ونظرا لخطورة الأذى الذي يوجهه أعداء الرسالات الإلهية إلى أنبياء الله ورسله، إذ يصدون الناس عن رسالته، ويقفون في وجه انتشار تعاليمه والعمل بتوجيهاته، وما يلحقه أذاهم البالغ ومكرهم السيء بعدد كبير من البشر، فيما بطن من حياتهم وما ظهر، أعلن كتاب الله غضبه عليهم، ولعنته لهم، وتوعدهم بالعذاب المهين في يوم الدين، وذلك كاف للتنفير من قربهم، والحض على هجرتهم وعدم الثقة بهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا
стр. 2012
مُهِينًا﴾، وكما استنكر كتاب الله أذى أعداء الرسالات الإلهية لما فيه على الإنسانية كلها من ضرر كبير، استنكر الأذى الموجه إلى أعراض المؤمنين والمؤمنات دون حق، لما فيه من اعتداء وتزوير، والله تعالى لا يرضى لأمة الإسلام فيما بينها إلا التعامل بالصدق، والوقوف عند حدود العدل والحق، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
وبعدما تحدث كتاب الله عن خطورة الأذى العام الذي يمتد إلى كافة البشر، والأذى الخاص الذي ينال من عرض المؤمنين والمؤمنات، نبه في ختام هذا الربع إلى نوع أخص من أنواع الأذى قد تتعرض له الأسرة المسلمة في كل وقت، إذا لم تأخذ في علاقاتها مع الغير عند الحاجة، بالحيطة والحذر، ولم تتحصن من عناصر السوء، بالمزيد من التعفف والتصاون، حتى لا تنزلق نحو حافة الخطر، وذلك قوله تعالى مخاطبا لرسوله وملقنا لأمته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾، والجلباب هو الثوب الذي يستر جميع البدن: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
стр. 2013
الربع الثالث من الحزب الثالث والأربعين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢) يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا
стр. 2014
مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)
٣٤ - سورة سبأ مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ
стр. 2015
مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)
стр. 2016
الربع الثالث من الحزب الثالث والأربعين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في هذه الحصة نتناول تفسير الربع الثالث، من الحزب الثالث والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة الأحزاب المدنية: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾، إلى قوله تعالى في سورة سبأ المكية: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾.
ــ
عند بداية هذا الربع وجه كتاب الله إنذارا صريحا إلى العناصر المندسة بين المؤمنين في مدينة الرسول وعاصمة الإسلام الأولى، محذرا تلك العناصر من عواقب نشاطها الهدام، البارز فيما تقوم به من دس جلي أو خفي، وتمسك بالانحراف الخلقي الذي اعتادته في الجاهلية، وبث للبلبلة في صفوف المجتمع الإسلامي الناشئ، عن طريق ترويج الإشاعات الكاذبة، والدعايات الانهزامية المتكررة، كلما قام الرسول والمؤمنون بالدفاع عن كيان الإسلام، الذي لا يزال مهددا من طرف أحزاب الشرك والكفر في الداخل والخارج، وقد أقسم كتاب الله على
стр. 2017
هذا الإنذار الإلهي الخطير، وهو يخاطب رسوله الأعظم إذ قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ﴾. و (الارجاف) هو إشاعة الكذب والباطل بقصد التماس الفتنة وتهييج الخواطر، وتثبيط الهمم، وشل العزائم، والمراد بقوله تعالى: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾، أي: لنسلطنك عليهم، فتنزل بهم ما هم أهل له من العقاب، و (اللعنة) هي الطرد من رحمة الله، قال جار الله الزمخشري (والمعنى- لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدهم، والفسقة عن فجورهم، والمرجفون عما يلفقون من أخبار السوء- لنأمرنك بأن تفعل بهم الأفاعيل التي تسوءهم، ثم بأن تضطرهم إلى طلب الجلاء عن المدينة، وإلى أن لا يساكنوك فيها) وإنما عطف (بثم) (ثم لا يجاورونك فيها) لأن وقع الجلاء عن الوطن أعظم من جميع ما يصابون به، فتراخت حاله عن حال المعطوف عليه.
ومن تسليط الله لنبيه عليهم وإغرائه له بهم، علاوة على النفي والتشريد، تهديدهم إن لم ينتهوا عن موقفهم المريب، ويكفوا عن نشاطهم الهدام، بوضع اليد عليهم حيثما وجدوا متلبسين بالجريمة، وتعريض أنفسهم للاعتقال والقتل أينما ذهبوا، جزاء تعريضهم (سلامة الدولة الإسلامية) الناشئة للخطر، وذلك قوله تعالى في نفس السياق: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾، ثم قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾، تأكيدا لناموس الحياة الذي عرفته البشرية من
стр. 2018
أقدم العصور، في الدفاع عن سلامتها ضد الأخطار المحدقة بها، وقيامها بعزل العناصر الهدامة، وتقليم أظفارها، كلما أصبح نشاطها يشكل خطرا محققا عليها. قال أبو حيان: (والظاهر أن المنافقين انتهوا عما كانوا يؤذون به الرسول والمؤمنين، وتستر جميعهم وكفوا، خوفا من أن يقع بهم ما وقع القسم عليه، وهو الإغراء والجلاء، والأخذ والقتل).
غير أنهم لم يمتثلوا للانتهاء امتثالا عاما وشاملا، ولم تزل تبدو منهم نزوات، وتفلت منهم فلتات، فيتعرضون من أجلها لمعاملة استثنائية، دون أن ينفذ عليهم الوعيد الذي هم متوعدون به كاملا، ومن وجوه تلك المعاملة الاستثنائية إخراجهم من المسجد النبوي في بعض الأحيان، وعدم إقامة صلاة الجنازة على موتاهم، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، وما أنزل من الآيات للكشف عن مواقفهم في عدة وقائع ومواقع، ولا سيما ما نزل في حقهم في سورة التوبة.
ويلاحظ أن رسول الله تفادى عقابهم بالقتل، وإن كان هذا العقاب مسموحا به مبدئيا، بمقتضى قوله تعالى هنا: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾، لأنهم كانوا مندسين في غمار أصحابه وعامتهم، ولو حكم بقتل أحدهم لاختلط الأمر فيه على الناس، ولتحدث المرجفون أن محمدا يقتل أصحابه، ورسول الله ﷺ يترفع عن ذلك.
ونظرا لما عليه خصوم الرسالات الإلهية من الكبر والغرور،
стр. 2019
والمماحكة فيما لا يوافق هواهم من الأمور، يلحون في السؤال عن قيام الساعة: إما سؤال استبعاد يتضمن التكذيب والإنكار، وإما سؤال استعجال وتحد يراد منه الامتحان والاختبار، لكن الله تعالى الذي عنده وحده علم الساعة يلقن رسوله الجواب الوحيد عن مثل هذا السؤال، تفاديا من كل مماحكة وجدال، وذلك قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ إذ لم يطلع عليها ملكا ولا نبيا، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾، أي: ما يعلمك، ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾، أي: تأتي في وقت قريب، على غرار قوله تعالى في آية ثانية (١: ٥٤): ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، وقوله تعالى في آية ثالثة (١: ٢١): ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾، وفي إجابة السائلين عن الساعة بقرب موعدها - ولو دون تحديد - نوع من الوعيد والتهديد، وثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين) وأشار إلى السبابة والوسطي من يده الكريمة، تلميحا إلى أن الرسالة التي جاء بها من عند الله لا يفصل بينها وبين قيام الساعة أي حاجز حصين، وأنها مستمرة دون انقطاع إلى يوم الدين.
وبعدما أكد كتاب الله قيام الساعة وقرب موعدها تولى وصف أحوال المكذبين بها عندما يفاجأون بما لم يكونوا ينتظرونه من الحساب والعقاب، فقال تعالى في شأن أئمة الكفر وقادة الضلال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ
стр. 2020
يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾، وقال تعالى في شأن أتباعهم المضللين وأنصارهم المخدوعين: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾، فيتبرأ المرؤوسون من رؤسائهم، والأتباع من سادتهم وكبرائهم، ويصبون عليهم وابل اللعنات، لما أوقعوهم فيه من المتاعب والحسرات، وكما سجل كتاب الله في هذه الآية تبرؤ الأتباع من المتبوعين، سجل كتاب الله في آية أخرى تبرؤ المتبوعين من أتباعهم، فقال تعالى (١٦٦: ٢): ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾.
وتوكيدا للنهي عن الأذى بسائر أشكاله وأصنافه، مما تحدثت عنه عدة آيات سابقة في هذه السورة، جاء كتاب الله في هذا الربع بنهي عام شامل عن جميع أنواع الأذى، ولا سيما أذى الرسول الأعظم، وأذى الرسول يصدق بانتحال كل ما يخالف عقيدته وشريعته، والنطق بما يناسب مقامه وشخصيته، ونبه كتاب الله إلى أن وجود فئة شريرة وسيئة النية تؤذي الأنبياء والرسل ليس أمرا طارئا ولا غريبا، فقد تعرض موسى الكليم ﵇ لأذى بني إسرائيل في عدة مناسبات، كما تعرض الرسول الأعظم أحيانا لأذى قومه وأذى مخالفيه ولم يضره ذلك: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، لكن الأذى الواقع في حقه يجر صاحبه إلى الهلاك، وإلى هذا النهي العام يشير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾، ومن هذا الباب حديث الرجل الذي قال في غيبة
стр. 2021
الرسول ﵊، تعليقا على قسم قسمه: (إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله)، فغضب رسول الله ﷺ عندما بلغه الخبر، فقال: (رحم الله أخي موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) والحديث مروي في صحيح البخاري وصحيح مسلم.
وإذا كان الله تعالى لا يرضى لعباده المؤمنين أن يتورطوا في أي نوع من أنواع الأذى، فإن أفضل ما يتقربون به إليه هو النطق بالكلام الطيب، والإقبال على العمل الصالح، وذلك ما وصى به كتاب الله عندما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، فقد دعا المؤمنين إلى التمسك بتقوى الله، حذرا من مكايد الشيطان، ودعاهم إلى السداد في القول، بالتزام الحق والصدق وعفة اللسان، ضمانا لحسن المعاملة والبعد عن الشنآن، وتوثيقا لعرى التفاهم بين الإنسان وأخيه الإنسان: (والقول السديد) الوارد في هذه الآية الكريمة مأخوذ من تسديد السهم ليصاب به الغرض، يقال سدد السهم نحو الرمية إذا لم يعدل عن سمتها، وفي ذلك تنبيه إلى أن المؤمن لا ينبغي له أن يتكلم بالعبث، ولا أن يلقي الكلام جزافا دون روية ولا تفكير، بل من واجبه أن يتحرى في القول، وأن لا يقول إلا حقا وصدق، ولم يقتصر كتاب الله على الأمر بالتقوى وسداد القول، بل بين في نفس السياق حكمة هذا الأمر الإلهي الحكيم، وما يؤدي إليه امتثاله في الدنيا والآخرة من الفوز العظيم، فمن نتائجه المباشرة توفيق المؤمن وتوجيهه إلى ممارسة العمل الصالح بصورة مستمرة، بحيث تصبح أعماله كلها موجهة
стр. 2022
نحو الصلاح والإصلاح، لا بالنسبة لنفسه ولا بالنسبة لغيره، ويصبح شعاره الدائم في الحياة هو شعار شعيب ﵇ (٨٨: ١١)، ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، وذلك معنى قوله تعالى هنا: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾، ومن نتائجه المنتظرة إكرام المؤمن بمحو السيئات وغفران الذنوب، والإنعام عليه بعيشة راضية لا يمسه فيها نصب ولا لغوب، وذلك قوله تعالى هنا: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.
ثم عقب كتاب الله على ذلك كله قائلا: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، وإنما كان الفوز العظيم في الدنيا والآخرة مرهونا بطاعة الله ورسوله، والخسران المبين معقودا بناصية العصاة الخوارج عن تلك الطاعة، لأن طاعة الله ورسوله تعني التطبيق الدقيق للنواميس الخلقية التي وضعها الله لضبط سلوك الإنسان، حماية له من المزالق والعثرات، وتحصينا له من عواقب النكسات والأزمات، فيخرج سليما منها، منتصرا عليها، ويعيش في وئام وانسجام مع توجيهات خالقه ورازقه، ومدبر أمره، الذي (طبع الطبيعة) و (شرع الشريعة).
وبعدما أبرز كتاب الله الأثر العميق الذي تحدثه طاعة الله ورسوله في حياة الإنسان المؤمن، وهو الفوز العظيم بسعادة الدنيا والآخرة، انتقل كتاب الله مباشرة إلى الحديث عن (الأمانة العظمى) التي انفرد بحملها الإنسان دون بقية الأكوان، أليس الإنسان هو الذي توجه الله في الملأ الأعلى بتاج الخلافة في الأرض؟ أليس
стр. 2023
الإنسان هو الذي سخر الله له ما في السماوات والأرض وخلق له ما في الأرض جميعا؟ أليس الإنسان هو الذي كرمه الله فخلقه في أحسن تقويم، وحمله في البر والبحر، وفضله على كثير ممن خلقه تفضيلا؟ لذلك كله أصبح الإنسان يشعر من أعماق قلبه بأنه هو المخلوق الوحيد المؤهل لحمل تبعة الأمانة ومسؤولية التكليف، وأدرك تمام الإدراك أنه لا يكون منطقيا مع نفسه إلا إذا تقدم ورشح نفسه أمام ربه لهذه المهمة السامية وهذا العبء الجسيم، إيمانا منه بأن الحقوق والمزايا التي منحه الله إياها - تفضلا منه وكرما- لا يعقل أن يتمتع بها ويمارسها، دون أن يقوم بواجبات تقابلها، ويتحمل تبعات تستتبعها وتنشأ عنها.
وتمثيلا لعظمة قدر (الأمانة) التي رشح الإنسان نفسه لحملها، وتصويرا لخطورة مسؤوليتها وتبعاتها ضرب كتاب الله المثل بالسماوات والأرض، وخص منها الجبال بالذكر، لكونها أوتاد الأرض الصلبة، ورواسيها الثابتة، التي لها علاقة وثيقة باستقرارها وتوازنها، مبينا أن السماوات والأرض التي التزمت منذ نشأتها بطاعة الله طاعة مطلقة، قائمة على مجرد (التسخير)، لا تريد أن تزج بنفسها في أمر التسيير والتدبير، ومن أجل ذلك أشفقت كل الإشفاق من عرض الأمانة عليها، واستعفت من حملها وتحمل مسؤوليتها، بالرغم مما تتوافر عليه من خصائص الطبيعية الكبرى التي لا نسبة بينها وبين خصائص الإنسان، ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ (٥٧: ٤٠)، وإلى ذلك المثل يشير قوله تعالى هنا: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى
стр. 2024
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾.
وكما ضرب كتاب الله المثل في هذا السياق، بما عليه السماوات والأرض والجبال من إباء وإشفاق، سيضرب المثل في (سورة الحشر) بخشوع الجبل وتصدعه، من شدة التأثر بكتاب الله، والخشية من الله، إذ يقول (٢١: ٥٩): ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وتشمل (الأمانة) التي حملها الإنسان كل ما يؤتمن عليه من أمر ونهي، وشأن دين ودنيا، ويدخل في ذلك الحفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والنسل، وبالإجمال تشمل الأمانة قيام الإنسان بالواجبات كلها، أصولها وفروعها، على أن يتقبل العقاب إذا تخلى عنها، وينتظر الثواب إذا وفى بها، وكلما كان الشيء المؤتمن عليه مخفيا لا يطلع عليه إلا الله كان أحق بالحفظ وأولى بالرعاية.
وبعد ما نوه كتاب الله بشجاعة الإنسان وترشيح نفسه لحمل الأمانة، وقبوله لعرضها، والتزامه للقيام بحقها، أشار إلى ما يتعرض حياته من ضعف واختلال، يؤديان به إلى الانحراف والانحلال، ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٢٨: ٤)، فيظلم نفسه ويظلم غيره، ويتصرف في شؤونه تصرف الجاهل الذي لا يميز الضار من النافع، ولا يفرق بين الصالح والطالح، ذلك قوله تعالى تعقيبا على ما سبق: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، أما
стр. 2025
(ظلمه) البالغ لنفسه وغيره، فلأن الأمانة هي صمام الأمان بالنسبة للفرد والجماعة، ومن خان الأمانة أفلت من يده الزمام، ولم يرع أي ذمام، وتعرض لتقلبات الدهر وعوادي الأيام. وأما " جهله " الفاضح، فلأن أبسط شيء من العلم والتجربة يقود الإنسان إلى الاقتناع بأن الأمانة هي محور الثقة التي يمكن أن يتمتع بها، وأساس السمعة الحسنة التي يحرص عليها، ومفتاح السعادة التي يطمح إليها، ومن خان الأمانة عاش في هم ونكد، وظل منبوذا من أهله وقومه طول الأمد، لكن من حسن حظ الإنسانية ما هي عليه من ازدواج وامتزاج، يعدل مزاجها، ويصلح حالها، فالظالم لا بد أن يجد من يحد من ظلمه، وهو أخوه الإنسان، الذي حمل أمانة العدل، والجاهل لا بد أن يجد من يحد من جهله، وهو أخوه الإنسان، الذي حمل أمانة العلم، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (٢٥١: ٢)، وبذلك يضيق الخناق على من خان الأمانة من الجهلة والظالمين، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (٥٨: ٨).
ومن نتائج حمل الأمانة والوفاء بها، أو حملها وخيانتها، انقسم الناس إلى قسمين، فمن ضيعها بالمرة كان أهلا للعقاب والعذاب، ومن وفى بها كليا، التزاما بعهده ووعده، نال أجزل الثواب، ومن وفى بها جزئيا، فخلط عملا صالحا وآخر سيئا، لم يخب رجاؤه في مغفرة الله إذا تاب وأناب، وذلك ما ينطق به كتاب الله إذ يقول في ختام سورة الأحزاب المدنية: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾، والمنافقون هم
стр. 2026
الذين يظهرون الإيمان خوفا من أهله، ويبطنون الكفر متابعة لأهله، والمشركون هم الذين تواطأ باطنهم وظاهرهم على الشرك بالله ومخالفة رسله، ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وبعدما من الله علينا بتفسير سورة الأحزاب المدنية ننتقل إلى سورة سبأ المكية، وإنما سميت (سورة سبأ) لقول الله تعالى فيها: ﴿لقد كان لسبأ في مساكنهم آية﴾، وتتضمن فاتحة هذه السورة حمد الله في الأولى والآخرة، وتمجيد حكمته وقدرته، والتعريف بعلمه الذي أحاط بكل شيء من مخلوقاته، وذلك قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
ثم جدد كتاب الله الحديث عن قيام الساعة وموقف المكذبين بها، عن جهل، أو عناد، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾.
ووصف مآل الذين استجابوا لله ورسوله فقال في حقهم:
стр. 2027
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وبين السر في وقوفهم هذا الموقف، وهو ما هم عليه من علم وإيمان، فقال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، كما وصف مآل المعاندين الذين يتحدون الله ورسوله فقال في حقهم: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾،ثم عقب على ذلك بقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾.
وخُتم هذا الربع بدعوة الجاحدين والمعاندين إلى النظر في خلق السماوات والأرض، والتدبر في آيات الله البارزة فيهما، واستخلاص النتائج الحتمية من التدبر العميق في عظمة خلقهما، مع تهديدهم إن لم يتراجعوا عن جحودهم وعنادهم بعذاب مفاجئ، يسلط عليهم من تحت أرجلهم أو من فوق رؤوسهم، وذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾.
стр. 2028
الربع الأخير من الحزب الثالث والأربعين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣) فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)
стр. 2029
لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَ آيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ
стр. 2030
عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)
стр. 2031
الربع الأخير من الحزب الثالث والأربعين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موعدنا في هذه الحصة مع الربع الأخير من الحزب الثالث والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾، إلى قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
ــ
في بداية هذا الربع بين كتاب الله لمن لا يزالون في شك من أمر النبوة أن الرسول الأعظم ليس بدعا من الرسل، وأن الرسالات الإلهية التي جاءوا بها كما تعنى بالشؤون الروحية للنوع الإنساني تعنى بشؤونه المادية المباشرة، بل تأخذ بيده فتسدد خطواته الأولى في نفس المجال التقني والصناعي، و (الآخرة) التي دعا الرسل والأنبياء إلى الإيمان بها إنما هي المرحلة الأخيرة في مسيرة جهاد الإنسان المتواصل، من أجل صلاح الإنسان، وازدهار العمران، حيث يجني الإنسان ثمرة عمله، ويصل إلى تحقيق رجائه وأمله، إن وفى بما عاهد عليه الله في خلافته، ولم يتنكر لدينه وشريعته، ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. (٧: ١٨).
стр. 2032
يقول الله تعالى هنا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾، وهذا الفضل الذي آتاه الله إياه يظهر بشكل بارز في عدة مظاهر روحية ومادية:
المظهر الأول: تسبيح الجبال معه عندما يتلو (الزبور) الذي أنزله الله عليه، وإصغاء الطير أثناء تلاوته إليه، فالجبال تردد صدى صوته القوي العظيم، فيشترك في تمجيد الله في آن واحد الجماد والحيوان والإنسان، وتبرز من خلال تمجيد الله وتوحيده وحدة الأكوان، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (٤٤: ١٧)، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى وهو ينادي الجبال لتسبح الله مع نبيه داوود: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾، وسيأتي في سورة (ص) قوله تعالى في شأن داوود ﵇ (١٨): ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾، وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ سمع صوت أبي موسى الأشعري ﵁ وهو يقرأ في الليل، فوقف فاستمع لقراءته ثم قال: (لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داوود)، فأجابه أبو موسى قائلا: (لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا) والثوب (المحبر) هو المخطط بالألوان، أي: لجعلته لك أنواعا حسانا. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي) تعليقا على نفس الحديث في سياق كلامه على هذه الآية: (فيه دليل على الإعجاب بحسن الصوت، والقلوب تخشع بالصوت الحسن كما تخضع للوجه الحسن، وما تتأثر به القلوب في التقوى أعظم في الأجر، والأصوات الحسنة
стр. 2033
نعمة من الله تعالى، وزيادة في الخلق ومنة، وأحق ما لبس هذه الحلة النفسية والموهبة الكريمة كتاب الله، فنعم الله إذا صرفت في الطاعة قضي بها حق النعمة).
المظهر الثاني: من مظاهر الفضل الذي آتاه الله داوود: تمكينه من استعمال معدن الحديد فيما تتوقف عليه سلامة الدولة، وإطلاعه على سر صناعته، وتطويعه في يده، حتى عاد كالطين المبلول والعجين والشمع. وللحديد أهمية خاصة في حياة الشعوب والدول نبه إليها كتاب الله فيما سيأتي من سورة الحديد، إذ قال تعالى (٢٥): ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾.
المظهر الثالث: من مظاهر فضل الله على داوود: تعريفه بالطريقة التقنية المثلى لصنع الدروع، حتى تحمي المحاربين من سهام الأعداء، متى اضطروا لحمل السلاح، وتنبيهه إلى أن الدرع الذي يحمي لابسه يلزم أن يكون على قدر جسمه وقامته، لكي يستره سترا تاما، وإرشاده إلى أن كل حلقة من حلقات الدرع يلزم تقديرها بقدر الحاجة، بحيث تجمع بين الخفة التي لا تضعف من مناعة الدرع، وبين الحصانة التي لا تثقل الجسم، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في نفس السياق: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾، ويقال لصانع الدروع (سراد وزراد) بإبدال السين زايا، يزيد هذا المعنى توكيدا وإيضاحا قوله تعالى فيما سبق من سورة الأنبياء في شأن داوود ﵇ (٨٠): ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ
стр. 2034
الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾.
وانتقل كتاب الله إلى الحديث عما امتن به على سليمان بن داوود من فضل أشمل وأعظم، هذا الفضل يتجلى في عدة مظاهر:
المظهر الأول: تسخير الريح له في زمان محدود ومكان محدود، وجعلها أداة سريعة في يده ويد أعوانه، للقيام بأسرع ما يمكن من التنقلات والمواصلات، بحيث يكون من المستطاع قطع مسافة شهر في الغدو ومسافة شهر في الرواح، أي قطع مسافة شهرين في يوم واحد، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾، على غرار قوله تعالى فيما سبق في سورة الأنبياء (٨١): ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾، وقوله تعالى فيما سيأتي من سورة (ص: ٣٦): ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾.
والمظهر الثاني: تمكينه من استعمال معدن النحاس، وتعريفه بالطريقة التقنية المثلى لتذويبه وإسالته، وإرشاده إلى استعماله في صنع ما يلزم من آلات وأدوات، للنفع الخاص والنفع العام، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ أي: معدن النحاس، وقوله تعالى في نفس السياق:
стр. 2035
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾، و (المحاريب) جمع (محراب)، وهذا اللفظ يطلق على كل بناء مرتفع ممتنع، وعلى أشرف بيوت الدار، كما يطلق على المكان الذي يصلي فيه الإمام، لأنه يجب أن يرفع ويعظم، وهو أرفع مكان في المسجد، و (التماثيل) جمع (تمثال)، وهو اسم للشيء المصنوع باليد، الممثل بغيره أي المشبه به من إنسان أو حيوان أو غيرهما، (والجفان) جمع (جفنة) وهي القصعة الكبيرة، وشبهت في هذه الآية (بالجوابي) جمع (جابية)، لاتساعها وكبرها، ومعنى (الجابية) الحوض العظيم الذي يجمع فيه الماء، (والقدور الراسيات) هي القدور الثوابت التي لا تحمل ولا تحرك لعظمها، ومنها يغرف الطعام في الجفان. قال ابن العربي: (ورأيت برباط أبي سعيد قدور الصوفية على نحو ذلك، فإنهم يطبخون جميعا، ويأكلون جميعا، من غير استئثار أحد منهم على أحد).
وتعليقا على كلمة (تماثيل) الواردة في هذه الآية وما تفيده من إباحة التصوير على عهد سليمان قال (ابن العربي) ما نصه: (ورد على ألسنة أهل الكتاب أنه كان أمرا مأذونا فيه، والذي أوجب النهي عنه في شرعنا - والله أعلم- ما كانت العرب عليه من عبادة الأوثان والأصنام، فكانوا يصورون ويعبدون، فقطع الله الذريعة وحمى الباب).
ومن لطائف التفسير ما نبه إليه الرازي أثناء تفسيره لهذه الآيات من أن (كتاب الله ذكر ثلاثة أشياء في حق داوود، وثلاثة
следующие страницы →