← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

المراحل الأولى من حياتهم، وتخصيص الهبات والوصايا لصالحهم، عندما يبلغ أحدهم أشده، وبهذه الطريقة يتم إدماجهم في المجتمع الإسلامي بصورة مشروعة، فيها نفع لهم من جهة وليس فيها ضرر على الأسرة المسلمة ولا اعتداء على حقوقها الشرعية من جهة أخرى، ويجب على من تورط في عملية التبني أن يعرف الولد المتبنى في الوقت المناسب بأنه ليس ولدا له من الصلب، وإنما هو أخ في الدين، له حق العون والإحسان، لا حقوق الأولاد الأصليين، وليكن ذلك على وجه لا يشعره بخزي ولا عار، ولا سيما إذا كان في الأمر ما ينبغي ستره من الأسرار. وكما يحرم على الغير نسبة الابن إلى غير أبيه، فإن انتساب الشخص، من تلقاء نفسه إلى غير أبيه يكون حراما من باب أولى وأحرى، جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (من ادعى إلى غير أبيه) أي: انتسب، (وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام)، ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، أي: غفورا للمتعمد إذا تاب، رحيما بالمخطئ، حيث رفع عنه إثم الخطأ. ثم تصدى كتاب الله لتحديد العلاقة القائمة بين عامة المسلمين ورسوله الصادق الأمين، وبينهم وبين أزواج الرسول من أمهات المؤمنين، والعلاقة القائمة بين الأقارب من أولى الأرحام بعضهم من بعض، فقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، ومعنى كون الرسول ﵇ أولى بالمؤمنين من أنفسهم أنه أرأف بكل واحد منهم، وأشفق عليه من نفسه

стр. 1962

التي بين جنبيه، إذ هو يدعو كل مؤمن إلى النجاة دائما، بينما النفس الأمارة بالسوء تدعوه إلى الهلاك غير ما مرة، ومثل هذا المعنى يؤخذ من قوله تعالى في وصف رسوله الأعظم (١٢٨: ٩): ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وقوله تعالى في وصفه أيضا (١٥٧: ٧): ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾، وقد اتسع نطاق رأفته ﷺ بالمؤمنين ورحمته لهم، حتى أخذ يسدد دين من مات منهم وعليه دين، طبقا لقوله ﷺ ، ونصه كما رواه البخاري في كتاب الفرائض من صحيحه: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلينا قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته). ومعنى قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، أن أزواج النبي ﷺ أنزلن منزلة أمهات المؤمنين في وجوب البرور والتوقير والاحترام، وكذلك في منع الزواج بهن من بعده، مصداقا لقوله تعالى في آية أخرى (٣٥: ٣٣): ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾. أما بنات أزواجه وأخواتهن فالزواج بهن حلال بالإجماع، وإن كان بعض الأئمة يتساهل في التعبير، فيطلق على بنات أزواج النبي (أخوات المؤمنين). ومعنى قوله ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، أن ذوي القرابات من أهل الفرائض أحق من غيرهم بالتوارث فيما بينهم، وبذلك يمنع إشراك الولد المتبنى مع

стр. 1963

ولد الصلب في إرث أبيه أو أمه، لأنه لا رحم بينه وبينهما، وليس من أولادهما الشرعيين الأصليين. وبمقتضى قوله تعالى في هذه الآية: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، وضع كتاب الله حدا للتوارث بمجرد الهجرة والمؤاخاة في الدين التي كانت قد حلت مؤقتا محل القرابة، بين الأنصار والمهاجرين فعاد الأمر إلى نصابه، وعادت المواريث إلى أهلها من ذوي القرابات، الذين لهم حق في الميراث، سواء في ذلك أولو الأرحام من عموم المؤمنين أو خصوص المهاجرين، طبقا لقوله تعالى في نفس السياق: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾، باب واسع فتحه كتاب الله في وجه من يريد الإحسان إلى من له به علاقة خاصة، لكن لاحق له في الإرث، إما لكون درجة قرابته رغم إسلامه لا تعطيه صفة الوارث شرعا، وإما لأنه على غير ملة الهالك، كالزوجة الكتابية التي لم تسلم، ففي هذه الحالة التي لا إرث فيها لا مانع من البر والإحسان، عن طريق الهبة أو (الوصية) التي جاء بها القرآن. وليؤكد كتاب الله من جديد وجوب قصر التوارث على أولي الأرحام بعضهم مع بعض، وإلغاء كل ما خالف ذلك مما سبق في الجاهلية أو وقع في صدر الإسلام، قال تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾، بمعنى أن هذا الحكم هو الحكم الأساسي الذي شرعه الإسلام على وجه الاستمرار الدوام.

стр. 1964

وليثبت الحق فؤاد خاتم أنبيائه ورسله على الحق المبين، حتى يقف في وجه الكافرين والمنافقين، ويتحمل كل عناء في سبيل تربية أصحابه المؤمنين، وتبليغ رسالته إلى العالمين، ذكره كتاب الله بالميثاق الذي أخذه عليه وعلى كافة الأنبياء في هذا الصدد، مؤكدا أن ذلك الميثاق (ميثاق غليظ)، لجسامة أمره، وجلالة شأنه، مخبرا بأن الصادقين من أتباعه وأتباع الأنبياء السابقين، سيسألون يوم القيامة عن مدى تصديقهم لذلك الميثاق، ومدى تنفيذهم له في دنياهم، لينالوا أحسن الجزاء في أخراهم، أما الذين كفروا بميثاق الأنبياء فسينالون ما يناسبهم من العقاب والجزاء، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، وكما يسأل أتباع الرسل عن هذا الميثاق يسأل عنه الرسل أنفسهم، مصداقا لقوله تعالى (١٠٩: ٥): ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾. ويلاحظ في هذه الآية البدء بذكر خاتم الأنبياء قبل نوح: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾، ثم ذكر بقية أولي العزم من مشاهير الرسل -حسب تسلسلهم التاريخي قبل الرسالة المحمدية - لأنه هو وارثهم وممثلهم، وخاتمهم الذي أرسله الله إلى الناس جميعا، بينما ورد ذكره بعد ذكر نوح في قوله تعالى: (١٣: ٤٢): ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ الآية، لأن المراد في هذه

стр. 1965

الآية وصف دين الإسلام بالأصالة والقدم. قال جار الله الزمخشري: (فكأنه قال: شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، وبعث عليه محمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير). وكمثال بارز لحرص الرسول الأعظم والصادقين من أصحابه على تنفيذ ميثاق الله، الذي أخذ عليه وعلى بقية الأنبياء، مهما كلفهم من تضحيات، قص كتاب الله قصة أحزاب الشرك والكفر التي تألبت عليه وعلى المسلمين، بتحريض من يهود بني النضير، وقررت الزحف على مدينة الرسول بعشرة آلاف مقاتل، علاوة على يهود بني قريظة، للقضاء على الإسلام والمسلمين، فتصدى رسول الله ﷺ ، والمؤمنون الصادقون معه للوقوف في وجه زحف تلك الأحزاب، وأقاموا حول المنطقة المكشوفة من المدينة -بإشارة سلمان الفارسي- خندقا كان الرسول ﵇ على رأس من يقوم بحفره، وتفتيت صخره، ونقل ترابه، والغبار يتراكم على جسمه الشريف، وهو يرتجز برجز ابن رواحة، تشجيعا لأصحابه بالقول والعمل والأسوة الحسنة، واستعد الرسول والمؤمنون معه لمواجهة زحف الشرك والكفر، وإن كان عددهم لا يتجاوز ثلاثة آلاف وعدد الأحزاب أكثر من عشرة آلاف، واستمر الحصار مضروبا على المدينة شهرا كاملا، وباءت محاولات اقتحام الخندق كلها بالفشل، وخذل الله أحزاب الشرك والكفر، وسلط عليهم ريحا قوية قلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الخيام،

стр. 1966

وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجال الخيل بعضها في بعض، وأمر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب بمبارزة عمرو بن عبد ود العامري، من فرسان الجاهلية المشهورين، فلم يلبث أن سقط سريعا بين يدي علي، وكان ذلك علامة النصر للإسلام والمسلمين، وارتحل أعداء الله ورسوله خائبين خاسرين، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾. وكشف كتاب الله الستار عن موقف المنافقين وتربصهم الدوائر بالمسلمين، وانتحالهم الأعذار، واختلاق المبررات للتراجع والفرار، في انتظار النتيجة التي يتوقعون أن تكون على المسلمين لا لهم، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، أي: مكشوفة غير محصنة، ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾، أي: لو دخلت عليهم المدينة من جوانبها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾، أي: الردة عن الإسلام، ومقاتلة المسلمين، ﴿لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾. وفضحهم كتاب الله فضيحة أكبر وأشد، عندما وصمهم

стр. 1967

بوصمة الخيانة العظمى، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾. وتعقيبا على ما وصفهم به كتاب الله من التخاذل والتآمر أمر رسوله الأمين أن يعرفهم بأنهم مهما حاولوا التراجع والفرار، وتولية الأدبار، فإنه لا مفر لهم من قضاء الله ولن يفلتوا من قبضته، فقال تعالى في ختام هذا الربع مخاطبا رسوله الذي وفى بالعهد والميثاق، وتحمل في سبيله التضحيات والمشاق: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا * قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.

стр. 1968

الربع الأخير من الحزب الثاني والأربعين في المصحف الكريم (ق) ــ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)

стр. 1969

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)

стр. 1970

الربع الأخير من الحزب الثاني والأربعين في المصحف الكريم (ت) عباد الله موعدنا في هذه الحصة مع الربع الأخير من الحزب الثاني والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، إلى قوله تعالى في نفس السورة: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. ــ يواصل كتاب الله في هذا الربع كشف الستار عن المنافقين الذين كانوا مندسين بين المسلمين، فبرز نفاقهم بشكل واضح، عندما زحفت أحزاب الشرك والكفر على مدينة الرسول، تريد القضاء عليه وعلى دينه والمؤمنين، فقال تعالى وهو يصف ما قاموا به من تعويق وتثبيط وراء الجبهة، ومن تثاقل عند الاضطرار للالتحاق بها، وتكاسل عن العمل مع الآخرين فيها: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. ثم وصف كتاب الله حال المنافقين الجبناء عندما رأوا قوة

стр. 1971

أحزاب الشرك والكفر، فتملكهم الخوف من كل جانب، وحالهم بعدما ولت تلك الأحزاب الأدبار، لا يهمهم إلا النجاة بأنفسهم إن توقعوا للمسلمين الهزيمة، وإذا غلب المسلمون كانوا أكثر الناس شرها وطمعا في الغنيمة، ولو أن دورهم في كلا الحالين قاصر على مجرد الدس والغيبة والنميمة، وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. ورغما عن أن أحزاب الشرك والكفر التي تجمعت حول المدينة ألقى الله في قلوبها الرعب، واضطرت إلى الرحيل، فإن المنافقين ظلوا في شك من هذا الأمر، معتقدين أنها لا تزال تحاصر المدينة، ففروا إلى بيوتهم، حرصا على السلامة، وذلك قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾. على أن أمنية المنافقين كانت هي أن يقع زحف الأحزاب على المدينة وهم متغيبون عنها في البادية بين الأعراب، حتى لا يتورطوا في نزال ولا قتال، ويكتفوا في هذه الحالة بمجرد السؤال: ما هي أنباء المعركة التي تدور بين المسلمين وأعدائهم؟ وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ وإذا تظاهر أحد منهم بالاستعداد لخوض المعركة، رغبة في التجسس وحب الاستطلاع، لم يبذل إلا أقل التضحيات وأضعف الجهود، كما قال تعالى في نفس

стр. 1972

السياق: ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾، تأكيدا لقوله تعالى في وصفهم أوائل هذا الربع: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وإذا كان كتاب الله قد سجل على المنافقين خيانتهم لعهد الله، وتحفظهم المريب وتثاقلهم عن أداء الواجب، كلما دعاهم رسول الله، فها هو كتاب الله على العكس من ذلك ينوه بجهود المؤمنين الصادقين، ومسارعتهم إلى بذل الأنفس والأموال، وخوضهم المعارك دون تحفظ ولا تثاقل، كلما اضطروا إلى حمل السلاح والقتال، وفاءً بما عاهدوا الله عليه، ودفاعا عن دين الحق الذي أكرمهم الله بالانتماء إليه، وعلى رأسهم جميعا سيد الخلق (نبي المرحمة، ونبي الملحمة) رسول الله وخاتم النبيين، الذي هو قدوتهم وقدوة كافة المؤمنين، وذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وواضح أن رسول الله كان خير قدوة لأصحابه من الأنصار والمهاجرين، وهو خير قدوة لكافة المؤمنين إلى يوم الدين، وقد ضرب المثل بنفسه للذين آمنوا معه، عندما دعاهم

стр. 1973

إلى مقاومة أحزاب الشرك والكفر، ووافق على إقامة خندق للدفاع عن المدينة، وكان أول من شمر عن ساعده، وتناول آلة الحفر وآلة تفتيت الصخر بيده الكريمة، إلى جانب أصحابه الكرام، وهم يقومون بحفر الخندق، فكان حفره بقيادة رسول الله وبركته من أعظم المفاجآت، التي حالت بين تلك الأحزاب والاستيلاء على عاصمة الإسلام الأولى. ولما كان الائتساء برسول الله والاقتداء به على الوجه الأكمل، مقاما كبيرا في الدين، لأن رسول الله ﷺ يمثل الإنسان الكامل بين العالمين، نبه كتاب الله على أن هذا المقام لا يبلغه إلا الأصفياء الأتقياء من أقوياء الإيمان واليقين، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، بعد قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. وقول المؤمنين عندما رأوا تألب الآلاف المؤلفة من أحزاب الشرك والكفر عليهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، إشارة إلى قوله تعالى فيما سبق من سورة البقرة، وهي أول سورة نزلت بالمدينة، مخاطبا للمؤمنين الأولين (٢١٢): ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾، وقولهم ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ إشارة إلى قوله تعالى في ختام تلك الآية: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾، أي من وفى

стр. 1974

بما عاهد عليه الله، كمن كان عليه دين وقضى دينه، واستعمل (النحب) هنا بمعنى النذر يلتزم به الشخص، أو العهد الذي يأخذه على نفسه، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، أي: من ينتظر الشهادة في سبيل الله وفاءً بالعهد، وانتظاراً للوعد، ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، أي: ما بدلوا نذرهم ولا عهدهم، والله تعالى لا يخلف وعدهم. وقوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، معناه أنهم إذا ماتوا على النفاق عذبوا وكانوا في الدرك الأسفل من النار، وإذا تابوا من نفاقهم وآمنوا حق الإيمان تاب الله عليهم، وألحقوا بالمؤمنين الأبرار، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ثم تولى كتاب الله وصف النهاية الفاشلة التي انتهى إليها حلف أحزاب الشرك والكفر ضد الرسول والمؤمنين، ووصف النهاية الظافرة، التي توجت جهود المقاومة الإسلامية، برحيل تلك الأحزاب، وعودتها من حيث أتت بخفي حنين، وتقليم أظفار يهود بني قريظة، الذين بادروا إلى نقض عهدهم مع المسلمين، والتحالف مع الأحزاب، بمجرد زحفها على المدينة، أملا في القضاء على الإسلام، والتخلص منه في الحين. فقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾، أي: ردهم بأخسر صفقة، خائبين منهزمين، ممتلئين غيظا وحنقا، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، أي: بما آتاهم من عون ظاهر وخفي، فقد وفقهم إلى مفاجأة المغيرين بما لم يكن في

стр. 1975

الحسبان، وذلك بحفر خندق يحمي المدينة أثناء حصارها من كل عدوان، كما سلط الله على أعدائهم ريحا عاتية شتتت شملهم، وقطعت حبلهم، وجعلتهم في حالة رعب وفزع وعويل، لا يهمهم معها إلا الانصراف والرحيل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾، أمد رسوله والمؤمنين بقوته، وأعز دينه الحق بعزته، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، أي: مكن الله للمسلمين من يهود بني قريظة الذين تقع مساكنهم على بعد بضعة أميال من المدينة، فاستغلوا قربهم منها، وقلبوا للمسلمين ظهر المجن، وتضامنوا مع أحزاب الشرك الزاحفة عليهم، ظنا منهم أن فرصة القضاء على الإسلام قد حل أجلها، مع أنهم يعدون من (أهل الكتاب)، كما وصفهم الله في هذه الآية، لا من أهل الوثنية والشرك. والحليف الطبيعي لهم، الذي كان المنطق يقضي بتأييده ومناصرته هو دين الحق، الذي جاء مصدقا لما بين يديه من الكتاب، لا دين الوثنية الباطل، الذي لا يؤمن بأي كتاب، ولذلك ما كاد رسول الله ﷺ يعود من رباطه بالخندق، بعد جلاء الأحزاب عن المدينة، حتى أوحي إليه أن ينهض من فوره إلى حصار بني قريظة في قراهم المحصنة، القريبة من نفس المدينة، عقابا لهم على جريمة الغدر، وتأديبا لهم على خيانة العهد والضرب من الخلف، فحاصرهم رسول الله والمؤمنون خمسا وعشرين ليلة، ولما طال عليهم الحصار، ولم يجدوا وسيلة للفرار، لم يسعهم إلا الخضوع والاستسلام، لجنود الإسلام، فقال لهم رسول الله ﷺ : "تنزلون

стр. 1976

على حكمي" فأبوا، فقال: (على حكم سعد بن معاذ) فرضوا به، لأن سعد بن معاذ كان هو سيد الأوس، والأوس كانوا في الجاهلية حلفاء لبني قريظة، فاستدعاه رسول الله ﷺ من المدينة، حيث كان نازلا في قبة بالمسجد النبوي، يعالج فيها من سهم أصابه أيام الخندق، فلما حضر ودنا من الخيمة التي فيها رسول الله ﷺ قال رسول الله: (قوموا إلى سيدكم)، فقام إليه المسلمون وأنزلوه من مطيته، إجلالا واحتراما له في محل ولايته، ليكون ذلك أنفذ لحكمه، فلما جلس قال رسول الله ﷺ : إن هؤلاء - وأشار إلى بني قريظة ومعهم سيدهم كعب بن أسد الذي نقض العهد- قد نزلوا على حكمك، فاحكم فيهم بما شئت، فقال سعد: (وحكمي نافذ عليهم؟) فقال رسول الله: (نعم) ثم قال سعد: (وعلى من في هذه الخيمة؟) قال رسول الله: (نعم) ثم قال سعد: (وعلى من هاهنا) - وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله ﷺ وهو معرض بوجهه عن رسول الله إجلالا وإكراما - فقال رسول الله ﷺ : (نعم)، فنطق سعد بن معاذ بحكمه بعد أن ارتضاه الجميع حكما، والتزمت الأطراف المعنية كلها تنفيذ حكمه، وقال: (إني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذريتهم وأموالهم) فقال رسول الله ﷺ : (لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبعة أرقعة)، أي: من فوق سبع سماوات. وكان مقاتلتهم ما بين سبعمائة إلى الثمانمائة، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا في نفس السياق بغاية الإيجاز والإعجاز: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾، لأنها كانت خاصة بهم،

стр. 1977

ومحرما دخولها على غيرهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، يعفو عمن يستحق العفو والإكرام، وينتقم ممن لا ينفع فيه إلا الانتقام. وكما تحدث كتاب الله في الربع الماضي عن حالة (الظهار) وحالة (التبني) وعلاقة أولي الأرحام بعضهم مع بعض، وعلاقة المؤمنين بالرسول الأعظم وبأزواجه أمهات المؤمنين، فبين حكم الله فيما وصفه من تلك الحالات، وحدد نوع العلاقات الشرعية في تلك المجالات، ها هو يعود مرة أخرى إلى الحديث عن بعض الموضوعات التي لها نوع ارتباط واتصال بما سبق، وفي طليعتها وضع الأسرة النبوية، من الناحية المادية والناحية الأدبية. وحيث أن للإنسان حالتين: حالة هو فيها تسمى (الدنيا)، وحالة لا بد أن يصير إليها وهي (الأخرى)، والإنسان فيما بينهما إما أن يحصر مطالبه ويركز اهتمامه على الحالة الأولى، أو يحصر مطالبه ويركز اهتمامه على الحالة الثانية، أو يهتم بالحالتين معا وبما يلزمهما من مطالب مشتركة، فقد أمر الله رسوله أن يجري استفتاء بين أزواجه، ويطلب منهن التعبير بصراحة عن رغبتهن الدفينة هل يردن الحياة الدنيا وزينتها، ولا يجدن الراحة وهدوء البال، في عيشة الإقلال وضيق الحال، التي اختارها رسول الله ﷺ لنفسه وأهله، أم يردن الله ورسوله والدار الآخرة، فيقنعن من متاع الدنيا بالقليل، ويكتفين بالمكانة الدينية والأدبية التي ينفردن بها عن نساء العالم، إذ ليس لها بينهن مثيل، وذلك

стр. 1978

ما يتضمنه قوله تعالى مخاطبا رسوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وهكذا أصبح أزواج رسول الله ﷺ أمام اختيار حاسم، فمن اختارت منهن الحياة الدنيا وزينتها واعتبرت الجانب المادي أهم من الجانب الروحي كان لها الحق في السراح الجميل والمتاع بالمعروف، ونتيجة ذلك مفارقة بيت الرسول والخروج من عصمته، ومن اختارت الله ورسوله، وقدرت حظوة الانتماء إلى بيت الرسول، والاندماج في أهله حق قدرها، دون أن تعير اهتماما كبيرا للجانب المادي العابر، بقيت في بيت الرسول، فحافظت على مالها من مقام كريم، وفازت من الله - جزاء إحسانها - بالأجر العظيم. والمراد (بالسراح الجميل) في هذه الآية مفارقة الزوج لزوجته دون أن يلحق بها أي ضرر، لا من الناحية الأدبية، بالإساءة إلى عرضها أو ذكر عيوبها، ولا من الناحية المادية، بمفارقتها في غير الوقت المشروع للفراق، أو بتضييع حق من حقوقها. ونظير هذا المعنى قوله تعالى في سورة البقرة في آية سابقة (٢٢٩): ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وقوله تعالى في آية لاحقة من هذه السورة (٤٩): ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. ومعنى قوله تعالى هنا: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾، أي: أمنحكن عند

стр. 1979

الفراق عطاء مناسبا، من باب المواساة والتسلية، والعون على اجتياز مرحلة الفراق الصعبة، في انتظار استئناف حياة زوجية جديدة، وسبق في سورة البقرة (٢٣٦) قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، وقوله تعالى في آية أخرى (٢٤١): ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، أما نتيجة استفتاء الرسول لأزواجه حول نمط العيش الذي يرغبن فيه، ويحرصن عليه، فقد كانت هي موافقة الواحدة تلو الأخرى، عن رضى واقتناع، على البقاء في عصمته، والتمسك بعدم مفارقته، والاكتفاء بما قسم الله له في معيشته، تعلقا بمحبته وطاعته. وإشعارا لأزواج الرسول ﵇، بالمكانة الخاصة التي يتمتعن بها، والمسؤولية التي تقع على عاتقهن بسبب وجودهن في بيت الرسول، وكونهن من أهله، وموضع الاقتداء لأمته أخبرهن كتاب الله من باب التنبيه والتحذير: أنه كلما عظمت الحرمات، تضاعفت عند هتكها العقوبات، وكلما ازداد الفعل قبحا ازداد عقابه شدة، وذلك قوله تعالى وهو يخاطبهن في نهاية هذا الربع: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.

стр. 1980

الربع الأول من الحزب الثالث والأربعين في المصحف الكريم (ق) ــ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤) إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ

стр. 1981

وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)

стр. 1982

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)

стр. 1983

الربع الأول من الحزب الثالث والأربعين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول تفسير الربع الأول من الحزب الثالث والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء عن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾، إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. ــ واصل كتاب الله في الآيات الأولى من هذا الربع خطابه لأزواج الرسول ﵇، مبينا أولا أن صيانة الحرمات توجب مضاعفة الثواب، كما أن هتك الحرمات يوجب مضاعفة العقاب، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى مخاطبا لنساء النبي: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ و (القنوت) الطاعة، و (الرزق الكريم) هو ما أعده الله لهن في دار النعيم، وإنما ضوعف أجرهن لطلبهن رضا الله بالطاعة والعمل الصالح، وطلبهن رضا الرسول بحسن

стр. 1984

الخلق، وطيب المعاشرة، والقناعة بما هن عليه من العيش دون إلحاح ولا إزعاج. ثم قال تعالى وهو يخاطب أزواج النبي: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾، مؤكدا بذلك شرف منزلتهن، وفضل درجتهن، وعظيم مسؤوليتهن، منبها إلى أن (تقوى الله) هو الأساس الذي تبنى عليه كل المزايا والفضائل، وأن من لم يتق الله لا يستحق إلا أسفل الدرجات وأحط المنازل. وإمعانا في تهذيب أزواج الرسول ﵇، وتمكينهن من تسنم أعلى المقامات في التربية والسلوك، حتى يكن خير قدوة للمؤمنين والمؤمنات، لقنهن كتاب الله جملة من الآداب النافعة، والوصايا الجامعة، التي تخلع عليهن مزيدا من الجلال والوقار، وتجعلهن في منأى عن كل الشبهات والأوزار. والخطاب وإن كان موجها إليهن بالأصالة فهو موجه بالتبع إلى جميع نساء المسلمين. الوصية الأولى: أن يكون كلامهن جزلا، وقولهن فصلا، دون ترقيق مصطنع، قد يبعث الغريب على الطمع، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾، أي: في قلبه ريبة، ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾، أي: قولا حسنا، لا لينا ولا خشنا. الوصية الثانية: أن يصرفن عنايتهن الخاصة واهتمامهن الزائد إلى تدبير بيوتهن، إذ لا تتحقق سعادة البيت والأسرة على

стр. 1985

الوجه الأكمل إلا بالاستقرار، والتعاون والوقار، وعدم التعرض لمخالطة الأشرار، وذلك قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾. الوصية الثالثة: أن يترفعن، عند الحاجة للخروج من البيت، عن التلبس بمظاهر الجاهلية الجهلاء، ويبتعدن كل الابتعاد عن (التبرج) الذي هو أخطر وسيلة للإغراء والإغواء، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، أي: لا تحدثن في الإسلام جاهلية أخرى، على غرار الجاهلية الأولى قبل الإسلام، فإنها محرمة من باب أولى وأحرى، وسبق قوله تعالى في سورة النور (٦٠): ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وقالت عائشة ﵂: (يا معشر النساء: قصتكن قصة امرأة واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكن أن يروا منكن محرما). الوصية الرابعة: أن يقمن الصلاة التي هي عماد الدين، والحق الأول من حقوق الله، ويؤتين الزكاة التي هي عماد التكافل بين المؤمنين، والحق الأول من حقوق عباد الله، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾. الوصية الخامسة: أن يُطعن الله ورسوله طاعة عامة مصحوبة بالرضى والتسليم، وطبقا لما في كتاب الله وسنة رسوله الكريم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. وبعدما انتهى كتاب الله من عرض الآداب والوصايا التي وجه الخطاب بها إلى أزواج الرسول وأمهات المؤمنين بين الحكمة

стр. 1986

الإلهية من وراء ذلك، ألا وهي أن المستوى الأخلاقي العالي الذي يريده لأزواج الرسول ﵇، وأهل بيته الكرام، في سلوكهم الخاص والعام، إنما يطالبهم به لتظل منزلتهم الخاصة في القلوب بمنأى عن كل نقد أو تجريح، لا بطريق التصريح ولا بطريق التلويح، فبتساميهم في السلوك والتزامه عادة وديدنا، لا يجد من قلبه مرض مغمزا ولا مطعنا، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، وإنما قال: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ ... وَيُطَهِّرَكُمْ﴾، نظرا لاشتمال بيت النبوة على رسول الله ﷺ وعلى الحسن والحسين، بالإضافة إلى أزواج الرسول وبنته، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر. ونبه جار الله الزمخشري إلى أن كتاب الله استعار كلمة (الرجس) للذنوب، وكلمة (الطهر) للتقوى، لأن عرض المقترف للسيآت والقبائح يتلوث بها ويتدنس، كما يتلوث بدنه بالأرجاس والخبائث، بينما عرض الذي يمارس الحسنات ويتشبث بالمحاسن يظل نقيا مصونا، كنقاء الثوب الطاهر النظيف. وليؤكد كتاب الله نفس التوجيهات السامية، ويعمق معناها ومغزاها في قلوب أمهات المؤمنين وعقولهن، وجه إليهن أمرا جديدا بأن يتذكرن على الدوام ما يتلقاه الرسول ﵇ من الوحي، فيتلوه عليهن غضا طريا، ويستمعن إليه بكرة وعشيا، وبقدر الأسبقية والأولوية في المزية، تتضاعف المسؤولية، وذلك

стр. 1987

ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾. والأمر بذكر ما يتلى في بيوتهن يصدق بامتنان الله عليهن بهذه النعمة ووجوب شكره عليها، إذ أكرمهن فجعلهن أزواجا لرسول كريم يتلقى الوحي من ربه، ويصدق بوجوب تدبره والتفكر فيه والعمل به، ويصدق بوجوب حفظه وقراءته وتبليغه إلى الناس، كما يصدق بهذه المعاني جميعا، إذ لا تناقض بينها ولا تعارض، بل يكمل بعضها بعضا. وذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد (بآيات الله) هنا آيات القران، و " بالحكمة " سنة الرسول التي هي بيان وتطبيق للقرآن، وذهب جار الله الزمخشري عند تفسير هذه الآية إلى أن ﴿آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ شيء واحد، حيث إن كتاب الله كتاب جامع بين أمرين فهو (آيات بينات) تدل على صدق النبوة، لأنه معجز بنظمه، وهو " حكمة " وعلوم وشرائع، وأحسن القاضي أبو بكر (ابن العربي) وأجاد وأفاد، عندما قال: (آيات الله حكمته، وسنة رسوله حكمته، والحلال والحرام حكمته، والشرع كله حكمة). ويؤخذ من قوله تعالى في نفس السياق: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، أن لطف الله بنساء النبي، وعلمه بما في قلوبهن من خير، هو الذي أهلهن لنيل هذه المنقبة، حتى حزن بين نساء العالمين أعلى مرتبة.

стр. 1988

ومن الحديث عن أزواج الرسول ﵇ وأهل بيته، الذي استغرق سبع آيات: ثلاث آيات في نهاية الربع الماضي وأربع آيات في هذا الربع، ابتداء من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، انتقل كتاب الله إلى الحديث عن أعضاء المجتمع الإسلامي عموما، رجالا ونساء، وحدد الصفات البارزة التي يجب أن يتميز بها أعضاء هذا المجتمع المثالي المهذب، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. وطبقا لهذه الآية الكريمة يكون على كل عضو من أعضاء المجتمع الإسلامي أن يستوفي عشر صفات: الصفة الأولى: صفة الإسلام، وهذه الصفة تقتضي الانقياد التام للتوجيه الإلهي، والعيش في ظله وتحت رعايته، في سلام وانسجام الصفة الثانية: صفة الإيمان، وهذه الصفة تقتضي التصديق بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، بكل ما جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين عن رب العالمين، تصديقا جازما عن علم ويقين. الصفة الثالثة: صفة القنوت، وهذه الصفة تقتضي القيام

стр. 1989

بالطاعة في حالة اطمئنان وسكون، والمداومة عليها إلى جانب غيرها من الشؤون. الصفة الرابعة: صفة الصدق، وهذه الصفة تقتضي التحري في قول الحق، والإخلاص في النية والعمل، والوفاء بالعهود والعقود، وعدم تعدي الحدود. الصفة الخامسة: صفة الصبر، وهي تقتضي الصبر عن المعاصي والخصال الذميمة، وذلك بالابتعاد عنها وعدم تناولها، والصبر على الطاعات والخصال الحميدة، وذلك بالتمسك بها وعدم إهمالها، والصبر عند مفاجآت الأقدار، وذلك بعدم السخط من أجلها، وعدم الاعتراض على الله فيها. الصفة السادسة: صفة الخشوع، وهذه الصفة تقتضي انكسارا في النفس، وسكينة في القلب، وسكونا في الجوارح. الصفة السابعة: صفة التصدق، وهذه الصفة تقتضي الإحسان إلى القادر على الكسب، متى كان في وقت معين لا كسب له، والإحسان إلى العاجز عن الكسب، ما دام لا كاسب له، وتشمل الصدقة بالفرض والنفل، وتتسع أحيانا فتشمل الصدقة بالنفس، علاوة على الصدقة بالمال. الصفة الثامنة: صفة الصيام، وهذه الصفة تتحقق بصيام الفرض كرمضان، وصيام النفل كصيام عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، وتتسع أحيانا فتشمل الإمساك عن كل ما هو مرذول شرعا من الأقوال والأفعال.

стр. 1990

الصفة التاسعة: صفة العفة في العلاقات الجنسية، وهذه الصفة تقتضي التحرز من الوقوع في المآثم والمحارم التي تشوه هذه العلاقات، مما لا يقبله الشرع الحكيم، ولا يرضى عنه العقل السليم، وتستلزم الاقتصار على ما هو موافق للشرع، وملائم للطبع. الصفة العاشرة: صفة الذكر، وهذه الصفة لا تقتصر على ذكر الله باللسان، بل تقتضي ذكره وحضوره في الذهن والقلب والخاطر باستمرار، وبذلك تكون مراقبة العبد لربه في تصرفاته متصلة دون انقطاع، لا في الليل ولا في النهار. ومن ذكر الله قراءة القرآن، والاشتغال بالعلم النافع لبني الإنسان. فمن استوفى مجموع هذه الصفات، التي يعود نفعها على الغير كما يعود نفعها على الذات، كان أهلا لأن ينال مغفرة الله وثوابه، وأمن في الآخرة عذابه، ومن استوفى بعضها دون بعض كان له من الثواب بقدر ما استوفاه، وآخذه الله بما أهمله واتبع فيه هواه. ويلاحظ أن كتاب الله عندما عرض هذه الصفات لم يذكر في الثمانية الأول متعلق أي صفة، بينما ذكر المتعلق في الصفتين الأخيرتين، إذ قال تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾، ففي ذكر متعلق ﴿وَالْحَافِظِينَ﴾، تنبيه إلى أخطار الشهوة الغالبة، ومكانها الذي يجب الحرص على صونه وحفظه من طرف الرجال والنساء، تجنبا للوقوع في الحرام، وبعدا عن العدوان والاعتداء، وفي ذكر متعلق

стр. 1991

﴿وَالذَّاكِرِينَ﴾، تنبيه إلى أن الذكر ينبغي أن يكون بالاسم الأعظم وهو " الله " إذ هو الاسم العلم المحتوي على جميع صفات الحق ، فمن ذكره بهذا الاسم كان كمن ذكره بجميع صفات الكمال، واستحضر في ذكره صفات الجلال وصفات الجمال. وقوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾، عاد الضمير فيه على المسلمين والمسلمات، وما عطف عليهما، طبقا للتغليب المتبع في الأسلوب العربي عند اجتماع الذكور والإناث. وعقب كتاب الله على ما شرعه الإسلام في هذه السورة من التشريعات والأحكام، للقضاء على مخلفات الجاهلية، التي كانت بعض رواسبها لا تزال سارية، فقرر قاعدة عامة يجب أن يلتزمها كل مؤمن ومؤمنة، ألا وهي أنه إذا حكم الله ورسوله في شيء من الأشياء، خاص أو عام، بحكم من الأحكام، فلا تسوغ معارضته ولا الوقوف في وجهه بأي حال، وإنما يلزم قبوله وتنفيذه بمنتهى التسليم والامتثال، سواء كان الحكم لصالح المحكوم له، أو كان عليه، وذلك قوله تعالى هنا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، على غرار قوله تعالى في آية أخرى (٦٤: ٤): ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، ثم بين كتاب الله أن من يعترض على حكم الله ورسوله ويتعرض له إنما يسلك مسالك الضلال، فقال تعالى هنا في نفس السياق: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ

стр. 1992

ضَلَالًا مُبِينًا﴾، كما توعد في آية أخرى من يخالف أمر الله ورسوله بالفتنة في الدنيا والعذاب في الآخرة، فقال تعالى (٦٣: ٢٤): ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وبمقتضي ما خولته هذه القاعدة القرآنية لرسول الله ﷺ في مجال التشريع والحكم، ورغبة منه في إهدار الفوارق الاجتماعية في الزواج، التي كانت متعارفة في الجاهلية، أعلن لأمته أن مجرد الاشتراك في العقيدة والدين، شرط كاف في (الكفاءة) بين الزوجين، وأنه من الخير للإسلام والمسلمين أن يفتح باب الزواج والمصاهرة بين من هم متفاوتون اجتماعيا إذا كانوا متساوين دينيا، وبديهي أن قريشا كانت مدعوة في الطليعة لأن تطبق هذا المبدأ الإسلامي، فتفتح باب الزواج بينهما وبين (الموالي) على مصراعيه، ها هو رسول الله ﷺ يتقدم بنفسه ليضرب المثل لغيره، فيرسل إلى زينب بنت جحش، وكانت بنت عمته أممية بنت عبد المطلب، يخطبها لمولاه زيد بن حارثة، الذي عاش في كفالة الرسول وخدمته، منذ وهبته له زوجته خديجة، عند زواجه بها قبل النبوة، فأعتقه وتبناه، وقد كان ابن أخ زوجته خديجة، حكيم ابن حزام بن خويلد هو الذي وهبه لها، حيث آل إليه بالشراء من سبي من الشام سبته خيل من تهامة، وعندما علمت زينب بنت عمة الرسول أنه لم يخطبها لنفسه وإنما خطبها لمولاه زيد بن حارثة استنكفت من زيد وقالت: أنا خير منه حسبا، اعتبارا لنسبها في صميم قريش، الذي يعد عند العرب نسبا رفيعا، بينما

стр. 1993

نسب زيد لا يزال يعد في نظرهم نسبا وضيعا، إذ هذه أول سابقة من نوعها أراد الرسول ﵊ أن يفتح بها الباب، ليزيل ما كان بين العرب ومواليهم من الفوارق والحجاب، لكن بعدما استمعت بنت عمته إلى كتاب الله وهو يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، لم يسعها إلا النزول على أمر الرسول، والرضى بزيد بن حارثة زوجا لها والقبول، فدخل بها ومكثت عنده ما يقرب من سنة أو يزيد قليلا، غير أن العشرة بينهما لم تكن مريحة ولا مطمئنة، فالاعتبارات الاجتماعية التي توارثها العرب لا تزال رواسبها حية في النفوس، ومن الصعب أن تمحي بسرعة وسهولة، ولا سيما في هذه المرحلة الأولى، ولذلك ما لبث زيد بن حارثة أن أخذ يحس بالهوة التي تفرق بينه وبين زوجته زينب، وابتدأ يتردد على رسول الله، شاكيا إليه بنت عمته التي زوجه بها، وكان يشكو منها على الخصوص غلظة قول، وعصيان أمر، وتعظما بالحسب والنسب، ويعرب في كل مناسبة عن نفرته منها، ورغبته في فراقها، فتأكد لدى الرسول ﵇ أن العشرة بينهما لن تأخذ طريقها السوي، وأن زواجهما لا بد آئل إلى الفراق، لكنه بالرغم من ذلك لم يزل يوصي زيدا بإمساكها، حيث أن أبغض الحلال إلى الله الطلاق، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢١٦: ٢)، ولم يغب عن علمه ﷺ ما سوف تتعرض له بنت عمته من الضياع إذا لم يقبل على الزواج بها من يماثلها أو يقاربها حسبا ونسبا بعد فراق زيد لها، ولاسيما والرسول ﵊ هو الذي خطبها وأشرف على زواجه بها، ولولا

стр. 1994

تدخله المباشر لما قبلت الزواج بزيد مولاه، وبالرغم من هذه الخواطر التي كانت تشغل بال الرسول ﵊ فيما بينه وبين نفسه، والعواقب التي كان يتوقعها من فراق زيد لبنت عمته ومصيرها بعد فراقه، لم يشأ أن يبت في هذه المشكلة بمجرد الاستنتاج والاجتهاد، وكان عليه أن ينتظر، حتى ينزل في شأنها وحي إلهي صريح، فقد كان يخشى على الناس أن يقعوا في الفتنة من جراء قصة زيد التي لها طابع خاص من جهة، لما احتف بها من الظروف والملابسات، وطابع عام من جهة أخرى، لأنها أول سابقة من نوعها في حياة العرب ينطبق عليها حكم الإسلام الصارم، بعد ما ألفوا (التبني) ورتبوا عليه آثاره الباطلة قرونا طوالا، لا سيما والمرجفون من المنافقين مندسون بين أظهرهم، يتحينون الفرص للدس والإرجاف وبث البلبلة، فجاء كتاب الله بحل هذه المشكلة النفسية والاجتماعية، معلنا بالنسبة لزيد وزينب إذنه لرسول الله الزواج من بنت عمته، بعدما أصر على فراقها زيد مولاه، وفارقها من تلقاء نفسه، وبذلك يتحدد مصير بنت عمته، فلا تبقى أيما دون زوج، ولا تذوق ألم الإهمال والغربة، مع ما يتبعهما من غم وكربة، ويكافئها الله على طاعتها لرسوله بقبول الزواج من مولاه - لفتح الباب في وجه المصاهرة بين العرب والموالي- في البداية، فتصبح من بين أزواجه أمهات المؤمنين في النهاية: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾، ومعلنا في نفس الوقت أن النهاية التي آلت إليها قصة زيد إنما هي نموذج خاص للحكم العام الشامل، الذي تندرج تحته كل مشكلة من هذا النوع، بالنسبة للسلف والخلف: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ

стр. 1995

عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾. وهذا الحل الذي نطق به كتاب الله في الآية السابعة والثلاثين من هذه السورة هو النتيجة المنطقية المستخلصة من قوله تعالى في الآية الرابعة منها: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، إذ بمقتضى هذه الآية أصبح الابن الذي ليس بابن الصلب - وهو الذي وصفه كتاب الله بوصف (الدعي) والجمع (أدعياء) - شخصا أجنبيا عن متبنيه السابق، وأصبح هذا المتبني - الذي كان يدعى (أبا) بالرغم من أنه ليس بأب - مسموحا له بالزواج من امرأة الابن الدعي، متى فارقها وأنهت عدتها، لأنها بالنسبة إليه زوجة أجنبي عنه، وليست زوجة ابنه الحقيقي، والمحرم على الآباء هو الزواج بزوجات أبنائهم الحقيقيين من الصلب، لا زوجات أدعيائهم الذين وقع تبنيهم وليسوا من أبنائهم الأصليين، مصداقا لقوله تعالى فيما سبق من سورة النساء (٢٣): ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ويلحق بهم الأبناء من الرضاع، إذ (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب). وعن هذه النازلة الفريدة المليئة بالعبر تحدث كتاب الله مخاطبا رسوله الصادق الأمين الذي لا يكتم وحي ربه ولا يمين، مبينا ما تضمنته من حكم وأحكام، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى

стр. 1996

الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا * مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا * مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. والمراد (بالذي أنعم الله عليه وأنعم عليه رسوله) هو زيد بن حارثة، فقد أنعم الله عليه بالسبق إلى الإيمان، وخصه من بين الصحابة بذكر اسمه الصريح في القرآن، وأكرمه بالشهادة في سبيل الله والفوز بنعيم الرضوان، وقد أنعم عليه الرسول ﵊ بالعتق والحرية، والكفالة والتربية، وبتزويجه ببنت عمته القرشية، وتنصيبه أميرا على المجاهدين في جميع السرايا التي بعثه فيها، وآخرها غزوة مؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة. ثم وجه كتاب الله الخطاب إلى كافة المؤمنين، داعيا إياهم إلى الإكثار من ذكر الله وتسبيحه بقدر المستطاع، باللسان والجنان، وعدم الغفلة عن نعمه المتوالية على بني الإنسان، مبشرا للمؤمنين بصلاة الله عليهم، ودعاء الملائكة لهم بتلقي المزيد من الهداية والرحمة والإحسان، مع وعدهم بالنعيم المقيم، والأجر الكريم، وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.

стр. 1997

وخُتم هذا الربع بخطاب إلهي رقيق، موجه إلى الرسول الأعظم، يبرز مبلغ منة الله عليه، ومبلغ المنة العامة التي أسداها بإرساله إلى البشرية جمعاء، ومبلغ المنة الخاصة التي خص بها المؤمنين من أمته، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾، وكما قال تعالى في الآية الأولى من فاتحة هذه السورة مخاطبا لرسوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، ها هو كتاب الله يجدد نفس الخطاب، ويؤكد نفس المعنى في الآية الثامنة والأربعين من نفس السورة، وذلك في ختام هذا الربع إذ يقول: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، ونظرا لما تعرض له الرسول والمؤمنون من أذى الكافرين والمنافقين في مختلف المواقف والمناسبات، مما وصفه لنا كتاب الله تصريحا أو تلويحا، فيما سبق بهذه السورة من الآيات جاء في نفس السياق الأمر بالصبر على أذاهم، حتى يحكم الله بيننا وبينهم، إذ قال تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.

стр. 1998

الربع الثاني من الحزب الثالث والأربعين في المصحف الكريم (ق) ــ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠) تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ

стр. 1999

وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١) لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤) لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ

стр. 2000

شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥) إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)
следующие страницы →