Полный текст (2 848 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)
стр. 2102
الربع الأخير من الحزب الرابع والأربعين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موعدنا في هذه الحصة مع الربع الأخير من الحزب الرابع والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة فاطر المكية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾، إلى قوله تعالى في سورة يس المكية أيضا: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾
ــ
في بداية هذا الربع خص كتاب الله بالذكر ظاهرة كونية كبرى تحار فيها العقول والأفهام، ألا وهي ظاهرة تماسك الكائنات وتجاذبها بعضها مع بعض في السماء والأرض، دون أن تكون مرتكزة على أي شيء، أو معلقة بأي شيء، وذلك بالنسبة لجميع الكواكب والشموس والأجرام، السابحة في أفلاكها في الفضاء، بنظام وانتظام، على مر الليالي والأيام، والقرون والأعوام، مما لا يحيط به علما وعدا، ولا يقوم به صيانة وحفظا، إلا خالقه بديع السماوات والأرض، وذلك ما ينطق به قوله تعالى في إيجاز وإعجاز: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾، قال الفراء: (أي ولو
стр. 2103
زالتا ما أمسكهما من أحد) فبالقوة الماسكة التي أودعها الله في السماوات والأرض حماهما من التصدع والانهيار، وأنعم على الإنسان بنعمة الطمأنينة والاستقرار، وذلك بالرغم مما يقترفه من الذنوب والأوزار: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.
وسبق في التنبيه إلى هذه الظاهرة الكبرى قوله تعالى في سورة الرعد (٢): ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، وقوله تعالى في سورة لقمان (١٠): ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، قال القشيري: (أمسكهما بقدرته، وأتقنهما بحكمته، ورتبهما بمشيئته، وخلق أهلهما على موجب قضيته، فلا شبيه في إبقائهما وإفنائهما يساهمه، ولا شريك في وجودهما ونظامهما يقاسمه)، وسبق في سورة الحج قوله تعالى (٦٣): ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
وانتقل كتاب الله مرة أخرى إلى الحديث عن أعداء الرسالات ومواقفهم الملتوية، وتقلباتهم المزرية، ومن بينهم أئمة الكفر وقادة الجاهلية، حيث أنهم اعتادوا أن يقسموا الأيمان الغليظة على استعدادهم لقبول الرسالة إذا جاءتهم، ويعلنوا رغبتهم في أن يكونوا أهدى من بقية الأمم التي سبقتهم، حتى إذا جاءهم الرسول المنتظر نفروا، واستكبروا ومكروا، ولم ينفع فيهم أي إنذار، وأصروا على الكفر أيما إصرار، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾، ثم قال تعالى تأكيدا
стр. 2104
لغلبة الحق على الباطل، وتذكيرا بعذاب الله الذي حل بأئمة الكفر الأوائل: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾، أي: سنة الله التي أجراها في الأولين.
وأعاد كتاب الله تقرير حقيقة كونية اجتماعية ثابتة، ألا وهي أن لله في خلقه سننا منتظمة ومحكمة، ترتبط فيها الأسباب والمسببات، والعلل والمعلولات، ارتباطا وثيقا، وذلك قوله تعالى هنا: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾، على غرار قوله تعالى في سورة الأحزاب (٦٢): ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾، وقوله تعالى هنا: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾، على غرار قوله تعالى في سورة الإسراء (٧٧): ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾.
و (التبديل) المرفوض هنا بالنسبة لأئمة الكفر هو تبديل العذاب بغيره، فالعذاب قائم بهم، وثابت لهم، و (التحويل) المرفوض بالنسبة لهم هو تحويل العذاب عنهم إلى غيرهم، فالعذاب واقع على من استحقه، لا يتجاوزه إلى غيره أبدا، ونبه القرطبي إلى أن كلمة (سنة) في هذا السياق تضاف أحيانا إلى الله، وأحيانا إلى غيره، لتعلق الأمر بالجانبين، مثلها في ذلك مثل كلمة (الأجل)، تضاف إلى الله كما في قوله تعالى (٥: ٢٩) ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾، وتضاف إلى غيره كما في قوله تعالى (٣٤: ٧): ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾.
ونبه كتاب الله إلى أن الجاحدين والمعاندين الذين أصروا على عتوهم واستكبارهم وتمردهم على الله لو فتحوا أعينهم،
стр. 2105
والتفتوا إلى ما حولهم، وساروا في الأرض سير الناظر المتفحص، لأخذوا العبرة من مصارع الشعوب والحضارات التي سبقتهم، بالرغم مما كانت عليه من توسع في العمران، وقوة متنوعة الأشكال والألوان، فالبقاء والفناء، والقوة والضعف، سنن لا تتخلف قديما وحديثا، وذلك ما يقرره قوله تعالى هنا في إيجاز وإعجاز، ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾، على غرار قوله تعالى فيما سبق من سورة الروم (٩): ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾، ونفس المعنى سبق في سورة التوبة عند قوله تعالى (٦٩): ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾، كما نص عليه كتاب الله أيضا في سورة غافر مرتين، وذلك قوله تعالى في الآية الواحد والعشرين: ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾، وفي الآية الثانية والثمانين: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾، وذلك حتى لا يغتر الأقوياء بقوتهم، مادامت لا تساندها قوة الله، إذ قوة الله القاهرة، لا يعجزها أي شيء من قوة البشر الظاهرة، كيفما كانت وتنوعت، وطغت وتجبرت.
وللتخفيف من غلواء البشر المتبجحين بقوتهم، ومواجهة تحديهم، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾، ﴿عَلِيمًا﴾، بمبلغ قوتهم المحدودة، ﴿قَدِيرًا﴾، على أخذهم وتأديبهم في
стр. 2106
ثوان معدودة، وصدق الله العظيم إذ قال في كتابه في سورة فصلت (١٥): ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾، وفي سورة البقرة (١٦٥): ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، قال الرازي: (لو أن قائلا قال: هب أن الأولين كانوا أشد قوة وأطول أعمارا، لكنا نستخرج بذكائنا ما يزيد على قواهم، ونستعين بأمور أرضية لها خواص، أو كواكب سماوية لها آثار، لقال تعالى أي جوابا على هذا الإشكال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾.
ثم أبرز كتاب الله مبلغ حلم الحق ورحمته الواسعة بالخلق، حيث يمهل العصاة من عباده، فلا يستعجلهم بالمؤاخذة والعقاب، ويتخولهم من حين لآخر بالموعظة الحسنة واللوم والعتاب، عسى أن يعودوا إلى جادة الصواب، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، فيؤخر كل فرد إلى حلول أجله، وكل أمة إلى حلول ساعتها، والجنس البشري كله إلى حلول الساعة الكبرى، والضمير في: ﴿عَلَى ظَهْرِهَا﴾، يعود على الأرض التي فيها مستقر الناس ومعاشهم، وقد سبق ذكر (الأرض)، عطفا على السماوات قبل هذه الآية، والمراد (بالدابة) هنا كل ما دب فوق الأرض ودرج، بما في ذلك الإنسان والحيوان: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾، بصيرا بأحوالهم، بصيرا بأعمالهم، بصيرا بما يستحقه كل فرد من ثواب
стр. 2107
أو عقاب، قال القشيري في (لطائف الإشارات) تعليقا على هذه الآية الكريمة (لو عجل لهم ما يستوجبونه من الثواب والعقاب لم تف أعمارهم القليلة به، ولم تتسع أيامهم القصيرة له، فأخر ذلك ليوم الحشر، فإنه طويل، والله على كل شيء قدير، وبأمور عباده خبير بصير).
والآن وقد انتهينا بفضل الله وتوفيقه من تفسير سورة فاطر المكية نشرع بحول الله وقوته في تفسير سورة (يس) المكية أيضا، وقد افتتح كتاب الله هذه السورة بحرفين اثنين من حروف الهجاء المقطعة، هما الياء والسين، على غرار ما بدأ به (طه) و (طس) فيما سبق، وعلى غرار (حم) الذي تكون منه مجموعة سور (الحواميم) الآتية.
وقد سبق من هذا النوع المبدوء بحروف الهجاء المقطعة مجموعة أولى مكونة من سورتين متتابعتين لا غير، هما سورة البقرة (ألم)، وسورة آل عمران (ألم) أيضا، ومجموعة ثانية مكونة من ست سور متتالية: أولها سورة يونس (ألر)، وآخرها سورة (الحجر) أيضا (ألر)، ومجموعة ثالثة تشتمل على سورتين متتابعتين لا غير، هما سورة مريم (كهيعص)، سورة (طه): ثم مجموعة رابعة تشتمل على سبع سور يتلو بعضها بعضا، أولها سورة الشعراء (طسم)، وآخرها سورة السجدة (ألم).
ويلاحظ أن سورة (يس) التي نحن بصدد تفسيرها جاءت على انفراد، إذ لم يأت ما يماثلها من هذا النوع، لا قبلها
стр. 2108
ولا بعدها، فقد سبقتها سورة (فاطر)، ولحقتها سورة (الصافات)، وبدايتهما معا بحروف التهجي العادية، ونفس الشيء وقع مثله في سورة الأعراف (ألمص)، التي لم يسبقها ولم يلحقها مباشرة ما يماثلها من نفس النوع، حيث سبقتها سورة (الأنعام)، ولحقتها سورة (الأنفال) وبدايتها معا بالحروف العادية أيضا، ولا بد من التنبيه هنا إلى أنه لا علاقة بين حرف الياء وحرف السين الواردين في فاتحة هذه السورة (يس) وبين قوله تعالى في سورة (الصافات) بعدها في ختام قصة "إلياس ﵇: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾، الذي جاء على غرار قوله تعالى قبل ذلك: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾، وقد رواها بعض القراء، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْيَاسِينَ﴾، بدلا من (آل ياسين)، وإلياسين وإلياس وياسين شيء واحد حسبما نص عليه ابن جنى والنحاس ونقله القرطبي. وإذن ففاتحة هذه السورة يجري عليها ما جرى على فواتح السور الأخرى التي تماثلها في التكوين من حروف الهجاء المقطعة، مما سبق وما سبأتي.
أما قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، فهو قسم من الله تعالى يؤكد به للشاكين والكافرين أن محمدا رسول من عند الله حق، وأن دين الإسلام هو دين الحق. وإبرازا لعظمة القرآن الكريم، وتنبيها إلى أنه هو المعجزة الكبرى الباقية والدائمة، الدالة على صدق الرسول وصدق الرسالة في جميع العصور، اختار الحق أن
стр. 2109
يقسم في هذا المقام بالقرآن نفسه، حتى يقتنع كل من في قلبه شك أو ريب بأن أحكم كتاب عرفته الإنسانية - منذ ميلادها إلى فنائها- هو كتاب الله "أحكم الحاكمين"، وكيف لا يكون القرآن "حكيما" وهو: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١١: ١)، وكيف لا يكون القرآن "حكيما"، وهو ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٤١: ٤٢).
ومن وجوه حكمته أن مبانيه محكمة لا يلحقها عيب ولا خلل، ولا ينشأ من الإقبال عل تلاوتها وتدبرها أدنى سأم أو ملل.
ومن وجوه حكمته أن معانيه محكمة لا يلحقها تناقض ولا بطلان، ولا تفنى عجائها ولا تبلى جدتها بمرور الزمان.
ومن وجوه حكمته التي أقرتها التجارب المستمرة، الكرة بعد الكرة، أن من اتخذه دليله في حياته من الأفراد والجماعات نال السعادتين، وفاز في الدارين، فهو دليل حي ناطق بالحكمة الإلهية، يهدي من تتبعه وتبعه في كل حين إلى الصراط المستقيم، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (١٦: ٦). وسبق في آيات أخرى وصف القرآن بكونه "حكيما"، مثل قوله تعالى في سورة آل عمران (٥٨): ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾، وقوله تعالى في سورة يونس (١) وسورة لقمان (٢) معا، ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾، إشارة إلى رحمة الله بعباده، وأنهم كلما
стр. 2110
طال عليهم الأمد وقست قلوبهم، ونسوا ما ذكروا به، بعث الله إليهم رسولا من عنده مؤيدا بكتابه، ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويوقظهم من سنة الغفلة ونشوة الغرور، عسى أن ينالوا حظهم من السعادة، وينالوا الحسنى وزيادة، وكما قال تعالى هنا: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾، قال تعالى في سورة السجدة (٣): ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾، وقال تعالى في سورة سبأ (٤٤): ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾.
وكلمة ﴿الْعَزِيزِ﴾ الملاصقة لكلمة ﴿الرَّحِيمِ﴾ في قوله تعالى ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾، ترمز إلى معنى الإنذار، لمن رفضوا الهدى وأصروا على الضلال، حيث يعاملهم الحق بمقتضى وصف "عزته" كما ترمز كلمة ﴿الرَّحِيمِ﴾ إلى معنى البشرى، للذين اهتدوا وآمنوا، حيث يعاملهم الحق بمقتضى وصف "رحمته".
وانتقل كتاب الله إلى وصف حالة المصممين على الكفر، المصرين على الضلال، السابحين في بحار الخيال والوبال، فضرب بحالتهم أشنع وأفجع الأمثال، لأنهم أقاموا بينهم وبين الحق والحقيقة أعظم سور، حتى لا ينفذ إليهم أي شعاع من النور، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، مما يدل على أن قلوبهم مقفلة،
стр. 2111
وعقولهم معطلة، و"المقمح" هو الرافع رأسه الذي لا يستطيع الإطراق، لأنه قيد نفسه بقيود تحول بينه وبين الحركة والانعتاق، ومعنى "أغشيناهم".جعلنا على أبصارهم غشاوة، وأذن فلا سبيل إلى إقناعهم والأخذ بيدهم، ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وبين كتاب الله أن الدعوة إلى الحق إنما تعمل عملها، وتحدث أثرها ومفعولها، فيمن فتح بصره وبصيرته للنظر والاعتبار، وكان عنده استعداد خاص للبحث عن الحق والحقيقة، وتقبل الهداية وتلقي الأنوار، وذلك ما يشير إليه قوله تعالي: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾، أي: راقب الله في سره وإن كان لا يراقبه أحد. ثم قال تعالى مبشرا من وفق في هذه الخطوة، فنال من ربه الرضى والحظوة: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾، و"الأجر الكريم" هنا هو الأجر الكبير الوافر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾، رد على منكري البعث في القديم والحديث، وقد كان البعث ولا يزال موضوع شك وجدل، عند من أصيبت عقولهم بالكلال والخلل، فتصدى كتاب الله لتقريره بشتى الوجوم حتى يستقر في الأذهان، لأنه عقيدة جوهرية في الدين لها أكبر الأثر في سلوى الإنسان.
وقول تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾، تعريف بمضمون العدل الإلهي المطلق نحو كل إنسان كيفما كان، فالله تعالى لا يضيع عمل
стр. 2112
عامل من ذكر أو أنثى ولا ينساه، بل ما من عمل عمله الإنسان - خيرا كان أو شرا - إلا وسجله له أو عليه وأحصاه، لا فرق في ذلك بين عمل الإنسان المباشر وهو على قيد الحياة، وبين الآثار المترتبة على عمله باستمرار بعد الوفاة، سواء كان ذلك الأثر من قبيل الحسنات كعلم نافع علمه، أو رباط للجهاد أسسه، أو كان ذلك الأثر من قبيل السيآت، مثل حان هيأه لتتاول الخمور، أو ناد زخرفه للقمار، أو ماخور أعده للفسق والفجور، فكلما تجددت منفعة الأثر الحسن كتب لصاحبه من الحسنات بقدرها، وكلما تضاعفت مضرة الأثر السيء كتب لصاحبه من السيآت بقدرها، بناء على الأصل الإسلامي الثابت في السنة النبوية الشريفة "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامه". "وقال ﷺ فيما رواه مسلم في صحيحه: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده" والمراد (بالإمام) في قوله تعالى هنا: ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾، الكتاب المقتدى به، الذي هو حجة للإحصاء ويزيد معنى هذه الآية توضيحا قوله تعالى في سورة الكهف (٤٩): ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.
وليثبت الحق فؤاد خاتم رسله حتى يتحمل أذى قومه، ويقابل أعراضهم بالصبر والتجمل، وليتأكد عبد الله
стр. 2113
ورسوله من أن المكذبين من قومه ليسوا بدعا من الأقوام، بل لهم سلف طالح في العناد والتكذيب، وجه إليه كتاب الله الخطاب، داعيا إياه إلى التدبر في قصة "أصحاب القرية" الذين جاءتهم رسل من عند الله فكذبوهم، ورفضوا دعوتهم، وقابلوهم بالسوء من القول، وهددوهم بالرجم والتعذيب، وذلك قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا﴾، أي: قال أصحاب القرية المكذبون، ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا﴾، أي: قال رسل الله ردا على أصحاب القرية: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ * قَالُوا﴾، أي: قال أصحاب القرية المعاندون، ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
ومعنى قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾، أي: شددنا أزرهما، وقوينا رسالتهما برسول ثالث، وهذه هي القصة الوحيدة التي يتحدث فيها كتاب الله عن تكليف ثلاثة من الرسل في آن واحد، ومكان واحد، بتبليغ رسالة واحدة، وذلك بالإضافة إلى ما هو متعارف عند الجميع، من اشتراك موسى وهارون في تبليغ رسالة واحدة، مما تناولته عدة آيات في عدة سور، من بينها قوله تعالى في سورة "المؤمنون" (٤٥): ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾.
ومعنى قول أصحاب القرية في خطابهم للرسل الثلاثة:
стр. 2114
﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾، أي: تشاءمنا منم وبكم، تعبيرا عن كراهيتهم للرسل، ونفورهم من الرسالة، مثلهم في ذلك مثل قوم فرعون، الذين وصفهم كتاب الله بنفس الشيء، حيث قال تعالى في شأنهم: (١٣١: ٧): ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾، ومثل قوم صالح، الذين واجهوا نبيهم وأخاهم صالحا بالسوء، فقالوا: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ (٤٧: ٢٧)، لكن الرسل الكرام الذين أرسلهم الله إلى أصحاب القرية ردوا عليهم ردا مفحما: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾، أي أن الشؤم الذي تحسون به إنما هو نتيجة لفساد عقيدتكم، وأثر من آثار كفركم.
ومعنى قوله تعالى: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾، أي: أمن أجل أننا ذكرناكم بالله، ودعوناكم إلى توحيده وعبادته، تطيرتم بنا، وتشاءمتم برسالتنا، وهددتمونا بالرجم والتعذيب، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ من (الإسراف) بمعنى مجاوزة الحد، أي: أنتم قوم مغرقون في الضلال والعصيان، ممعنون في الغي والعدوان.
ولعل سائلا يدفعه حب الاستطلاع إلى أن يتساءل ما هي القرية التي جرت فيها هذه القصة؟ والجواب أن بعض قدماء المفسرين، قد اهتموا بهذا الأمر الجانبي، وبناء على ما تلقفوه من بعض الأخبار صرحوا بأن هذه القرية هي (إنطاكية)، لكن ابن كثير، المفسر والمحدث والمؤرخ، تصدى في تفسيره لإبطال هذا الرأي من عدة وجوه، مستندا إلى حجج تاريخية وواقعية مقنعة، وبذلك بقي اسم هذه القرية مبهما، على ما هو عليه في كتاب الله دون تعيين.
стр. 2115
وواضح أن هذه القرية ليست هي القرية الأولى والوحيدة التي وقف أصحابها في وجه الرسل ورسالاتهم، فهذا النوع من المواقف تجدد كما تجددت الرسالات عبر العصور والأجيال، والعبرة في القصة بالمواقف التي سجلتها، لا بالمكان الذي وقعت فيه، إذ ليست للمكان في هذا المقام أدنى خصوصية مميزة.
وانتقل كتاب الله إلى حكاية الشق الثاني من قصة أصحاب القرية، وهو ما يتعلق بمواطن آمن بالله وبرسله، فانطلق يدعو قومه إلى إتباع الرسل واعتناق دينهم، ويعلن أمام الملأ سفاهة ما عليه قومه من الشرك والضلال، فلم يلبثوا أن ضاقوا به وبدعوته ذرعا، وقضوا عليه وعليها قضاء مبرما، لكن الحق أكرمه بدخول الجنة جزاء إيمانه وصدعه بالحق، وما كان يحل بدار النعيم حتى أخذ يتمنى على الله أن يعرف قومه المنزلة الرفيعة التي أنزله فيها، عسى أن يؤمنوا بمثل ما آمن به، ويفوزوا بمثل ما فاز به من النعيم المقيم، وذلك حرصا منه على نجاتهم وسعادتهم، وقد حقق الله أمنيته عندما سجل قصته في كتابه العزيز من بدايتها إلى نهايتها، ليعرفها السلف والخلف، ويلاحظ في الشق الثاني من هذه القصة ذكر لفظ (المدينة)، بدلا من لفظ (القرية) الوارد في الشق الأول، وليس في هذا الاستعمال أي إشكال، لأن لفظ (القرية) في لسان العرب يستعمل في غير ما موضع مرادفا للفظ (المدينة)، وإلى قصة هذا المؤمن السعيد يشير قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ
стр. 2116
وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾.
стр. 2117
لربع الأول من الحزب الخامس والأربعين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢) وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ
стр. 2118
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً
стр. 2119
فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)
стр. 2120
الربع الأول من الحزب الخامس والأربعين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأول من الحزب الخامس والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾.
ــ
في بداية هذا الربع أعاد كتاب الله الحديث عن مصرع أصحاب القرية، الذين حكى قصتهم في الربع الماضي؛ ليبين ما تعرضوا له من سوء العاقبة، جزاء شركهم بالله، واعتدائهم على كرامة رسله، وحيث إن الحق يفعل في ملكه ما يشاء ولا يسأل عما يفعل، ولا يظلم أحدا، فانه يختار لكل قوم العقاب اللائق بهم، مصداقا لقوله تعالى في آية أخرى (٢٩: ٣٠): ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾، وقد اختار لعقاب أصحاب القرية الظالم أهلها من أنواع العقاب التي أشارت إليها هذه الآية النوع الثاني منها دون غيره، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ﴾، أي: قوم " مؤمن القرية " الذي انفرد
стр. 2121
عنهم جميعا بإعلان إيمانه، والثبات عليه، والموت في سبيله، ﴿مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾، أي: إن كانت الواقعة أو العقوبة إلا صيحة واحدة، ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾، إشارة إلى سرعة هلاكهم، وخمود حركتهم، كما تخمد النار فتصير رمادا.
ونظرا لما اتصف به الحق من رحمة بعباده، وحرص على هدايتهم والأخذ بيدهم، إنجازا لوعده بتمكينهم من وسائل الهداية حتى لا يبقوا هملا، ولا يتركوا سدى، مصداقا لقوله تعالى في سورة البقرة (٣٨): ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وقوله تعالى في سورة طه (١٢٣): ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾، فان كتاب الله أراد أن يبرز للعالم أجمع مبلغ التعجب والاستغراب والأسى، الذي يوحي به موقف الضالين المعاندين، المعرضين عن هداية الله، والمكذبين برسله ورسالته، رغما عن كونها إنما جاءت لإنقاذهم، وهي منهم " على طرف الثمام "، مبينا لهم أنهم مهما طال عليهم الأمد، فلن يفلتوا من قبضة الله، وأنهم سيساقون جميعا إلى حضرته، ويقفون بين يدي جلاله وعظمته، ويا ويلهم من العقاب والعذاب، عند حلول يوم الحساب، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا بإيجاز وإعجاز: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ * وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾.
стр. 2122
وحيث أن كثيرا من الناس تسيطر عليهم الغفلة والنسيان، وتستغرق شهواتهم وملذاتهم كل أوقاتهم، وإن طال عليهم العمر وامتد بهم الزمان، فلا يلتفتون إلى ما حولهم من آيات الله، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾، (١٢: ١٠٥) ها هو كتاب الله يقرع أسماعهم من جديد، ويثير انتباههم إلى جملة من آياته الكونية الكبرى، عسى أن يستيقظوا من غفلتهم، ويلتفتوا إلى آياته في الآفاق وفي أنفسهم، التفاتة تدبر واعتبار، تنير منهم البصائر والأبصار:
أما الآية الكونية الأولى في هذا السياق فهي: الأرض التي جعلها الله للإنسان موطنا ومرتعا، ومستقرا ومستودعا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾، أي: ليأكلوا مما خلق الله من الثمر، ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾.
ومن غريب أمر الإنسان انه لا يقدر نعمة الله عليه بالأرض والماء، والنبات والغذاء، إلا عندما ينتشر القحط ويعم الجدب، فيصبح شبح الجوع والعطش أمامه ماثلا، ويصبح ميزان عيشه مختلا وشائلا، ويحس بقلق بالغ لا مزيد عليه، ويا ليته يرجع إلى الله ويدرك أنه لا ملجأ منه إلا إليه.
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، يتضمن الإشارة إلى معنيين جليلين: المعنى الأول: ما أبدعته القدرة الإلهية في النبات والإنسان،
стр. 2123
ومثلهما بقية الحيوان، من أجناس وأنواع وألوان، وما هي عليه من أشكال وصور وأحجام، لا سبيل إلى حصرها ووصفها في هذا المقام، والمعنى الثاني: ما قام عليه الكون من الثنائية والازدواج في التكوين من ذكر وأنثى وسالب وموجب، وتعميم ذلك في النبات والحيوان والإنسان، مما يدل على وحدة التكوين ووحدة المكون ، وسيأتي بهذا المعنى العام، الشامل للثنائية والأزواج، قوله تعالى في سورة الذاريات (٤٩): ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
ولاتساع البحث ودقته في هذا المجال، وفتح باب الاكتشاف فيه أمام الأجيال، قال تعالى في نفس الموضوع: ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: مما لا يعلمه المخاطبون عند نزول القرآن، لكن يمكن أن يكتشفه من يأتي من بعدهم، متى رفع عنه الحجاب في مستقبل الزمان، وذلك على غرار قوله تعالى في آية سابقة (١٦: ٨): ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وأما الآية الكونية الثانية في نفس السياق فهي آية السماء، وما سخره الله فيها من شمس وقمر، وليل ونهار، لمصلحة الإنسان ومنفعته، وانتظام عيشه وراحته، وتحقيق أكبر حظ من هنائه وسعادته، وذلك قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾، فبتنظيم الحياة اليومية للإنسان وتقسيمها إلى وقت
стр. 2124
ملائم لليقظة والنشاط والعمل: هو النهار، ووقت ملائم للاستجمام والراحة والنوم هو الليل، وبتعاقب الليل والنهار على الأرض ومن فيها وما فيها، بالحرارة والبرودة الملطفة لها، وبضياء الشمس ونور القمر، استطاع الإنسان أن يتحمل تكاليف العيش فوق سطح الأرض، وأن يكيف حياته فيها التكييف المناسب، وعبر كتاب الله عن إدبار النهار بضيائه، وإقبال الليل بظلامه، ببلاغته المعهودة فقال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾، أي: خارجون من ضياء النهار، وداخلون في ظلام الليل في الحين.
وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، أي: تسير على ترتيب معلوم، ونظام مرسوم، لا تفاوت فيه ولا اختلاف، وهذا النظام يتجلى في دورانها حول نفسها أولا، وفي جريانها حول مدارها ثانيا، وذلك دون توقف وفي اتجاه واحد، في الفضاء الكوني الواسع، وبفعل دوران الأرض حول نفسها من الغرب إلى الشرق تتراءى لنا الشمس أيضا وهي تجري من الشرق إلى الغرب، وهذا المعنى الكوني الرائع يؤكده قوله تعالى في آية أخرى (٣٣: ١٤)، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾، أي لا يفتران ولا يقفان ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾، أما " مستقر "، الشمس الذي نطقت به الآية الكريمة فيصدق بمستقرها في المكان، وهو مدارها الذي لا تتجاوزه في الفضاء، ويصدق بمستقرها في الزمان، وهو ما تتعرض له في الأخير، من انقلاب وتغيير، ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ
стр. 2125
وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (١٤: ٤٨)، طبقا لقوله تعالى (٣١: ٢٩)، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، وقوله تعالى (٨١: ١): ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾، الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾، أي: وآية لهم القمر، معطوف على ما قبله، فيه إشارة إلى أن الله تعالى جعل سير القمر منازل متوالية، بحيث ينزل كل ليلة منها بمنزل، وعدد منازله ثمانية وعشرون منزلا، وسبق في سورة يونس قوله تعالى مبينا حكمته البالغة في ذلك (٥): ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾.
وحيث أن القمر يشرع نوره في التناقص والتراجع بعد الليلة الرابعة عشرة، ولا يأتي آخر الشهر حتى يكون قد بلغ غاية النقص، فقد شبهه كتاب الله في هذه الحالة بالعنقود اليابس من الرطب إذا تقوس وانحنى وأصبح عتيقا، وذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾، والعرجون من " الانعراج " وهو الانعطاف.
وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن النواميس الثابتة والسنن المنتظمة، التي يسير بمقتضاها كل جزء من أجزاء الكون، دون خلل ولا اضطراب، حتى لا يعترض أحدها طريق الآخر، فقال تعالى ممثلا بالشمس والقمر والليل والنهار: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، وسيأتي في سورة الملك ما يؤكد نفس المعنى ويزيده
стр. 2126
إشراقا وتألقا، لكن من زاوية أخرى، حيث قال تعالى (٤: ٣): ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾، أي: من شقوق وثغرات، ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، ينصب معناه على الآية الكونية الأولى والآية الكونية الثانية، فهو تعقيب على ما سبقه، وتمهيد لما لحقه، إذ المراد به تنبيه كل غافل أو متغافل، وكل جاهل أو متجاهل، إلى أن هذا التنظيم الدقيق للكون، الملائم في كلياته وجزئياته لحياة الإنسان، والمنسجم مع فطرته وطبيعته، والضامن لمنفعته ومصلحته، إنما هو من صنع الله وحسن تدبيره، ولولا فضل الله على الإنسان ورحمته به لما تمكن من الانتفاع به، ولعجز عن تسخيره.
وأما الآية الكونية الثالثة التي وردت في نهاية هذا السياق فهي آية البحر وتسخير مياهه لجري السفن وحمل الإنسان، ونقل البضائع والأمتعة على وجه التبادل والتجارة من مكان إلى مكان، بحيث أصبح البحر هو الطريق الممهد والمطروق بين القارات، والفلك التي تمخر فيه أداة الاتصال المباشر بين مختلف الأجناس والسلالات، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ * وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾، أي: لا مغيث يغيثهم، ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ * إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾، وسبق في سورة النحل قوله تعالى (١٤): ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ
стр. 2127
فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وسيأتي في سورة الجاثية، قوله تعالى (١٢): ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وكلمة " الذرية " هنا تصدق على الأبناء والآباء، لأن من الآباء تذرأ الأبناء، و"الفلك المشحون"، حمله بعض المفسرين على "سفينة نوح" التي كانت أول سفينة من نوعها، وكانت سفينة النجاة لنوح ومن حمل معه من ذرية آدم ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ (١٧: ٣)، وطبقا لهذا التفسير يكون وصف "الفلك" بالمشحون، لأن نوحا "شحن" فيه من كل زوجين اثنين، إبقاء على جملة من الكائنات الحية، حتى لا تتعرض للإبادة والفناء بفعل الطوفان، ولفظ " الفلك"، يستعمل في كتاب الله أحيانا بصفته مفردا كما جاء في هذه الآية، وأحيانا بصفته جمعا كما جاء في قوله تعالى (١٤: ١٦)، ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾، الآية.
والمراد بقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ ما ألهمه الله للبشر من بناء السفن الصغرى والكبرى لركوبهم لجج البحر، انطلاقا من سفينة نوح التي كانت بالنسبة للأوائل سفينة نموذجية، وفي هذه الآية تنبؤ صريح بما سيهتدي إليه الإنسان من بناء البواخر والبوارج التي تمخر البحار، وإيذان من الله بما سيظهر من طائرات الجو وسفن الفضاء، التي يمتطيها الإنسان في الليل والنهار، فهي وما شابهها تندرج كلها تحت قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾، والتعبير فيه بصيغة الماضي: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ﴾، حق وصدق، لأن الله تعالى يعلم ما كان وما سيكون.
стр. 2128
وبعد أن استعرض كتاب الله جملة من آيات الله في الآفاق والأنفس، عسى أن يهتدي بحكمتها الضالون، ويستيقظ بعظمتها الغافلون، عاد كتاب الله إلى وصف حياة هذا النوع من البشر، الذي استولى عليه الشك والخور، والقلق والضجر، فلم يعد يصغي بسمعه إلى أي مقال، وإذا عرض عليه الحق قابله بالإعراض واشتط في الجدال، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، أي: إذا قيل لهم ذلك أعرضوا، ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾، سواء كانت الآية من الآيات المبثوثة في الكون العظيم، أو من الآيات الواردة في الذكر الحكيم، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، أي: على الفقراء والمحتاجين ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ناسين أن المال الذي بأيديهم هو مال الله، وإنما استخلفهم فيه، وفيه حق معلوم، للسائل والمحروم.
ثم بين كتاب الله ما هم عليه من شك في البعث، واستهزاء بالوعد والوعيد، وأكد الحق لمن في قلبه أدنى شك أن كل آت قريب وليس ببعيد، فقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * مَا يَنْظُرُونَ﴾، أي: ما ينتظرون، ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾، أي: يختصمون ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وكشف كتاب الله الستار عن هول المفاجأة التي تبهرهم،
стр. 2129
وتهز كيانهم، فقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾، أي: من القبور، ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾، وردا على سؤالهم يقال لهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾.
وللتذكير بقدرة الله القاهر فوق عباده، قال تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾، كما قال تعالى في أوائل هذا الربع: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾، وللتذكير بعدل الله المطلق بالنسبة للعاصي والمطيع والمؤمن والكافر، قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وخُتم هذا الربع بالحديث عن أصحاب الجنة المكرمين، وما هم عليه وأزواجهم من نعيم مقيم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾، أي: مسرورون مغتبطون بتخطي الأهوال، وتجاوز الأخطار، وجواز الصراط، وضيافة الله لهم في الجنة، ﴿فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾، أي: ما يتمنونه ويطلبونه يأتيهم، ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، أي: يدخل عليهم الملآئكة بالتحية من رب العالمين، بينما المجرمون يذوقون ألوان العذاب الأليم، ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾.
стр. 2130
الربع الثاني من الحزب الخامس والأربعين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)
стр. 2131
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)
٣٧ - سورة الصافات مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)
стр. 2132
إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)
стр. 2133
الربع الثاني من الحزب الخامس والأربعين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثاني من الحزب الخامس والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة يس المكية: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، إلى قوله تعالى في سورة الصافات المكية أيضا: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
ــ
وجه كتاب الله في بداية هذا الربع خطاب تقريع وتوبيخ إلى الجنس البشري كله، مذكرا بني آدم بقصة إبليس الذي وسوس إلى أبيهم آدم، معلنا ما بينه وبينهم من العداوة الراسخة والصراع الدائم إلى يوم الدين، نظرا لما تحداهم به إبليس اللعين، من إغوائهم أجمعين: إلا عباد الله المخلصين: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ (١٢٣: ٢٠).
وتساءل كتاب الله كيف يقع بنو آدم في فخ الشيطان، رغما عن الوصايا المتتالية التي أوصاهم الله بها في جميع رسالاته وكتبه، للحذر من وساوس الشيطان، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾، أي: لا تطيعوه ولا
стр. 2134
تمتثلوا أمره، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، أي: ثابت العداوة لكم سرا وعلنا ظاهرا وباطنا، ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، فعبادة الله وحده هي الطريق اللاحب، والنهج الصائب، ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾، أي: أن الشيطان قد أغوى وأضل منكم خلقا كثيرا، فكانت عاقبة الضالين منكم هي العذاب الأليم، لانحرافهم عن الصراط المستقيم، ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾.
وها هو كتاب الله يصف سوء عاقبتهم، حتى أن "أيديهم"، التي كانوا يبطشون بها أصبحت هي الشاهدة عليهم بما اجترحوه من الآثام في خطواتهم، بدلا من أفواههم وألسنتهم، التي لم تعد لها أدنى قدرة على الجواب، لأن أصحابها أبلسوا عند الحساب، وذلك قوله تعالى هنا: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، وكإرهاص سابق في الدنيا من هذا القبيل، ما هو معروف الآن من أن بصمات الأصابع وفك الأسنان، تكشف أثناء التحقيق في الجرائم عن شخصية الإنسان. قال القرطبي: (فإن قيل: لم قال الله تعالى: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾، فجعل ما كان من اليد كلاما، وما كان من الرجل شهادة؟ قيل: إن اليد مباشرة لعمله والرجل حاضرة، وقول الحاضر على غيره " شهادة "، وقول الفاعل على نفسه " إقرار " بما قال أو فعل، فلذلك عبر عما صدر من الأيدي بالقول، وعما صدر من الأرجل " بالشهادة ") وهذه لطيفة من لطائف التفسير ونفائسه.
стр. 2135
ومضى كتاب الله ينذر الذين ضلوا سواء السبيل، بالطمس والمسخ في الآخرة، جزاء ما ارتضوه لأنفسهم في الدنيا من انطماس البصائر والأبصار، وتعطيل العقول وفساد الأفكار، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾، ومن كان عديم الإرادة مشلول الحركة كيف يخترق الصفوف وسط الزحام، ولاسيما عندما تلتف الساق بالساق، ومن كان مطموس العين فاقد البصر كيف يجتاز الصراط الذي هو " أرق من الشعرة وأحد من السيف "، بل كيف ينجح مثله في مثل هذا السباق؟ ألم يقل الحق في آية سابقة: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٧٢: ١٧).
ومن الإنذار بالمسخ الذي هو تبديل خلقة الإنسان، وقلبها إلى جماد أو حيوان، مما يعد عقابا إلهيا صارما، انتقل كتاب الله إلى وصف ما يتعرض له المعمرون الذين طال عليهم العمر في أغلب الأحيان، سواء كانوا أبرارا أو فجارا، مؤمنين أو كفارا، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾، أي: رددناه بعد القوة إلى الضعف، وبعد النشاط إلى العجز، وبعد الشباب إلى الهرم، وهذه الحالة يصدق عليها معنى النكس والانتكاس، يقال: نكست الشيء فانتكس إذا قلبته على رأسه، ووصف كتاب الله في سورتين سابقتين هذه الحالة " بأرذل العمر "، لما يعتورها من التراجع والتناقص في القوى والملكات، على العكس من " أفضل
стр. 2136
العمر " الذي تنمو فيه القوى والملكات، وتزداد يوما بعد يوم، فقال تعالى في سورة النحل (٧٠): ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾، وقال تعالى في سورة الحج (٥): ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾.
وتعرض كتاب الله لوصف هذه الحالة نفسها بالتفصيل في سورة الروم السابقة أيضا، فقال تعالى (٥٤): ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾، وفي صحيح البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ ويقول: " أعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر " وقد استجاب الله دعاء رسوله فانتقل إلى الرفيق الأعلى وعمره لا يزيد عن ثلاثة وستين عاما. ثم قال تعالى تعقيبا على ذلك: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، إشارة إلى أن الله الذي خلق الإنسان وقضى بتنكيسه في الخلق، بعد مروره بعدة أطوار، قادر على أن يفعل به ما يشاء من موت وبعث وحشر وحساب، ينتهي بالثواب أو العقاب.
وكأن الحق إنما منح الإنسان في " أفضل العمر " المزيد من القوى والملكات، على العكس من " أرذل العمر "، ليجعله في محك الاختبار، ويبرز كل ما في دخيلة نفسه من الطوايا والأسرار، حتى إذا ما حدد اختياره بمحض إرادته إصلاحا أو إفسادا، وقرر مصيره بنفسه إشقاء أو إسعادا، وأخذت قواه وملكاته في التراجع والنقصان، وأحس بالتخلف عن الحركة،
стр. 2137
والعجز عن مسايرة الركبان، تولى الحق إعداده شيئا فشيئا لاستقبال الدار الآخرة، التي هي وحدها دار الخلود والإقامة، وهنالك ينال الإنسان ما هو أهل له عند ربه من المهانة أو الكرامة، ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (٣٧: ٣٥).
وليبطل كتاب الله إحدى شبه المشركين الزائفة التي كان يروجها أعداء الرسول وخصوم الرسالة في فجر الإسلام، وهي ادعاء كون الرسول شاعرا، وكون الكتاب الذي جاء به من عند الله إنما هو من صنف الشعر المتعارف عند العرب، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾، لأن رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين، التي أرسله الله بها إلى الناس كافة، أجل وأعلى من أن تنزل إلى مستوى الشعر والشعراء أجمعين، فهي مخالفة للشعر شكلا وموضوعا، أصولا وفروعا، ومنذ ذلك العصر تبخرت هذه الشبهة ولم يعد لها أي رواج. ومما نبه إليه القاضي أبو بكر (ابن العربي) في هذا المقام " أن قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾، لا يتضمن عيب الشعر، كما أن قوله تعالى (٤٨: ٢٩): ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾، لا يقتضي عيب الكتابة ".
ثم نطق كتاب الله بالقول الفصل في شأن القرآن وشأن الرسالة، فقال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾، أي: من كان حي القلب حي الضمير، أو كل حي على وجه الأرض، ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، أي: لتقوم
стр. 2138
الحجة عليهم، ومن أنذر فقد أعذر، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١٥: ١٧).
وانتقل كتاب الله إلى التذكير بنعمه على الخلق، خصوصا نعمه الظاهرة التي يتقلب فيها الإنسان كل يوم، ومن بينها (الأنعام) التي سخرها الحق لمصلحة الإنسان، ومنافعها المتعددة الأصناف والألوان، أكلا وشربا ولباسا وتأثيثا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، أي: مما أبدعناه دون شريك ولا معين، ﴿أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾، أي: يتصرفون فيها، دون منازع ولا مانع، ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾، أي: سخرناها لخدمتهم، ووضعناها تحت تصرفهم، قال جار الله الزمخشري، " ولهذا ألزم الله سبحانه الراكب أن يشكر هذه النعمة، ويسبح بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (١٣: ٤٣)، ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾، أي: مركوبهم، كالإبل التي هي سفن الصحراء، ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾، أي: ما يختارون لحمه للتغذية والأكل الشهي، ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾، أي: لهم فيها علاوة على ما سبق منافع أخرى من الأصواف والأوبار والأشعار والجلود والشحوم، و ﴿مَشَارِبُ﴾، إشارة إلى ما يتمتعون به من ألبانها السائغة للشرب، على غرار ما سبق في قوله تعالى في سورة النحل (٦٦): ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾، وقوله تعالى في نفس السورة (٨٠): ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا
стр. 2139
تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾، ثم قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾، أي: أفلا يتذكرون هذه النعم الجليلة التي لا يطيب لهم العيش بدونها، ويشكرون الله عليها، بالعبادة الخالصة، والطاعة الدائمة، والتوحيد الذي لا تخالطه ذرة من الشرك، لا من الشرك الجلي ولا من الشرك الخفي.
ومن مقام التذكير بالنعم الإلهية التي أسبغها الحق على خلقه، عسى أن يعودوا إلى الله ويقدروه حق قدره يعود كتاب الله إلى وصف ما عليه المشركون الضالون، ومن سلك مسلكهم، من الجهل بعظمة الله، والشرك بربوبيته، وعدم الاعتراف بوحدانيته، وعبادة الأصنام والأوثان بدلا من عبادته، والتصدي لمقاومة كل من يطعن في معبوداتهم ويكشف عن حقيقتها، أملا في تلقي نصرها ومعونتها، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى بمنتهى الإيجاز: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾.
وللتخفيف من هموم الرسول ومشاغله، من أجل ما يلقاه ﵊ من أذى المشركين وتعنتهم كل مطلع شمس، خاطبه ربه قائلا: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
وكما ذكر كتاب الله الإنسان بنعمة " الأنعام " التي لا يطيب له العيش بدونها ولا المقام، ها هو كتاب الله يذكر الإنسان
стр. 2140
بنفسه التي بين جنبيه، ويتساءل بمنتهى الاستغراب كيف ينسى الإنسان أن الله هو الذي أوجده من العدم، وأنه خلقه من ماء مهين، ثم صوره في أحسن صورة، وجعله في أحسن تقويم، وزوده بالعقل والنطق واللسان، إلى أن أصبح فصيحا بليغا يحسن الجدل والقول والبيان، وبدلا من أن يعترف بفضل الله عليه، ها هو يجادل في الحق ويكابر، ولا يتورع عن المجاهرة بأسخف سؤال يوجهه المخلوق إلى الخالق، وإلى هذه المعاني يشير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾، أي: يتولى مخاصمة مبدعه وخالقه، ويتشدق بتحدي ممده ورازقه، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾، لكن لم يلبث أن جاءه الجواب المفحم القاطع: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾، قال القشيري: " وما دامت الإعادة في معنى الإبداء، فأي إشكال يبقى في جواز الإعادة في الانتهاء ".
وأضاف كتاب الله إلى هذا الجواب، الذي لا يدخله الشك والارتياب، ظاهرة باهرة أخرى هي ظاهرة انقداح النار من الشجر الأخضر، مع ما بين الماء والنار من تضاد في المخبر والمظهر، وهي ظاهرة معترف بها في القديم والحديث، وذلك قوله تعالى في نفس السياق: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾.
وليقضي كتاب الله على جحود المتنطعين وعنادهم، وعلى شك المتحذلقين واستبعادهم، ألقى عليهم الحق سبحانه وتعالى
следующие страницы →